سار بريقع غربًا نحو كهف الغيلان تحت أشعة الشمس المحرقة. وقبل أن يصل إلى هناك، وجد واديًا ضيقًا، كل الأشجار التي نبتت فيه مكسورة ومطروحة أرضًا. كان هناك دمار هائل يدل على عنف الذين يقطنون هذا المكان. واصل بريقع سيره نحو فوهة الكهف الضخمة ودلف بداخله. رغم أن الشمس في كبد السماء، إلا أنه سمع صوت شخير مجموعة من الغيلان النائمة، كانت أحجامها ضخمة ومتعددة الألوان.
لم يكن يعلم ما عليه فعله، لذلك واصل سيره حتى تعرض لدَفعة قوية من أحد الغيلان أسقطته أرضًا. نهض بريقع بسرعة واشتبك مع ذلك الغول الشاب، وسرعان ما دارت بينهما معركة أيقظت كل غيلان الكهف. تلقى بريقع العديد من الضربات القوية، لكن جسده الصلب ساعده على الصمود. كما أنه كلما تعرض جسده لجرح أو طعنة، التئم من تلقاء نفسه.
لم يفلح أحد الطرفين في التغلب على الآخر، وكان هذا أمرًا غريبًا بالنسبة للغيلان، فهم أقوى الكائنات في بلاد الجان. جلس الغول الذي كان يصارع بريقع على الأرض منهكًا، بينما استطاع بريقع بسرعة أن يستعيد أنفاسه، فقد كانت الأعشاب التي أطعمتها له المرأة العجوز ذات مفعول قوي وسحري. حتى أنه عندما سار داخل الكهف، أفسحت له الغيلان الطريق، فهو ند لهم.
سار بريقع داخل الكهف الشاسع حتى قادته قدماه لأعمق بقعة فيه، وهناك وجد مجموعة من الغيلان الأضخم جسدًا وقوة. صرخ فيه أحدهم: "توقف مكانك يا إنسي يا حقير! لكن بريقع واصل سيره بلا مبالاة وثقة. حينها اندفع نحوه أحد الغيلان، لكنه توقف في مكانه عندما أشار له كبيرهم بالتوقف. "لماذا حضرت هنا يا إنسي؟ "من حقي أن أذهب لأي مكان، ومن لديه اعتراض عليه مقاتلتي." "وهل تظن نفسك ند لنا؟ "قاتلني وستعلم إذا كنت ند لك أم لا."
شخرت الغيلان الحمر من أنوفها مستنكرة جرأة بريقع وتعديه على كبيرهم. قال كبيرهم: "سأتنازل لك عن أضعف غول فينا، وإذا استطعت هزيمته سأعتبرك واحدًا منا." "أنا أرغب بمنازلتك أنت وليس غولًا ضعيفًا، فقد انتصرت على أحدهم من قبل." بِغضب، قال الغول الكبير: "أنت لم تقاتل غولًا أحمر بعد، فلا تكن واثقًا." وهو يمزق ملابسه، قال بريقع: "صارعني إذًا؟ أشار الغول الكبير لأحد الغيلان الحمر الشابة وطلب منه منازلة بريقع.
تقدم الغول الأحمر تجاه بريقع الذي كان مستعدًا للعراك بعد أن باعد بين قدميه. اندفع الغول الأحمر تجاه بريقع بقوة، اصطدم به وأخذه في طريقه بسهولة حتى لصقه بالصخر وخنق عنقه. بريقع، المصدوم من قوة الغول الأحمر، كافح ليتخلص من قبضته حتى نجح أخيرًا بزحزحته عن مكانه ودفعه لمنتصف منطقة القتال. أحنى الغول الكبير رأسه بعلامة رضا، اتكأ للخلف ورفع يده بإشارة للغول الشاب وهو يقول: "الآن عرفت قدره."
لاحق بريقع الغول الأحمر، والذي بحركة بسيطة رفعه في الهواء وأسقطه أرضًا بكل قوة على الأرض الصلبة حتى تكسرت عظامه. صرخ بريقع من الألم وهو يتلوى على الأرض، التف الغول الأحمر نحو قائده وسط تصفيق زملائه المحتفلين بالنصر. بعد دقيقة، التئمت عظام بريقع مرة أخرى واستطاع النهوض وسط اندهاش الغيلان الحمر. قال الغول الكبير: "أجهز عليه يا سكت."
اندفع الغول الأحمر مرة أخرى نحو بريقع، لكنه هذه المرة استطاع تجنبه بقفزة كبيرة مكنته من العبور من فوقه. أصبح بريقع خلف الغول الأحمر الشاب، حمل صخرة قوية وضرب بها رأسه حتى تكسرت الصخرة لمجموعة صغيرة من الأحجار. صرخ الغول الأحمر من قوة الضربة وترنح حتى كاد أن يسقط، لكنه تمالك نفسه أخيرًا وتلاشى السقوط.
وقف أمام بريقع بغضب ثم اندفع نحوه بسرعة أقل. قبل أن يقفز بريقع، أمسكه الغول الأحمر وتلاحم معه وعصر عظامه حتى سمع صوت تكسرها. مرة أخرى، سقط بريقع منهارًا من الألم وكل عظام جسده تؤلمه. لم يمهله الغول الأحمر هذه المرة، وضع قدمه فوق رأسه وانتظر أمر كبيرهم لدهس جمجمته، والذي رفع يده بإشارة الرفض. ظل الغول الكبير يحدق ببريقع، والذي كان يصرخ من الوجع كلما بدأت عظامه تلتئم مرة أخرى. "سحر؟
" قال أحد الغيلان وهو ينظر تجاه بريقع الذي بدأ النهوض مرة أخرى. قال كبيرهم وهو يسير تجاه بريقع: "ليس سحر، إنها أعشاب كادينا الساحرة الملعونة." اقترب من بريقع وصوب له لكمة مهولة سمع صداها داخل الكهف جعلته يطير في الهواء ويرتطم بالصخور قبل أن يسقط على الأرض وهو فاقد الوعي. عندما فتح بريقع عينيه، كان مكبلًا بالسلاسل ومربوطًا بصخرة ضخمة ولا وجود للغيلان الحمراء. حاول أن يتخلص من قيوده لكنه فشل.
قبل غروب الشمس، حضرت الغيلان الحمراء تحمل فوق أكتافها مجموعة من الحيوانات المذبوحة: غزالة، ناقة، سبع، ذئب. ثم جلسوا على الأرض يلتهمون الطعام النيء بشراهة وبريقع ينظر نحوهم بحقد وغيظ. وهو ينظر تجاه بريقع، قال الغول الكبير: "امنحني سببًا واحدًا كي لا آمر بقطع رقبتك الآن؟ قال بريقع بتأثر: "أنا أسعى نحو انتقامي، وقالت لي أزارا: لن تنال انتقامك حتى تنال قوة غول أحمر." "أزارا؟ جنية البيداء الشاردة؟
أكره الجن، لكن لماذا تبحث عن انتقامك؟ حكى بريقع للغول الكبير ما حدث معه حتى لحظة وصوله للكهف. قال الغول الكبير: "اندفاعك نحو انتقامك بلا تفكير هو السبب الذي أبقى على حياتك حتى الآن! "لقد دفعني الفضول لمعرفة مدى قوتك يا بشري، ولا أنكر أنني معجب بصلابتك وقدرة جسدك على الشفاء من تلقاء نفسه." "لكن كما تعلم، لا توجد خدمات بلا مقابل." قال بريقع: "من أجل انتقامي، أنا مستعد لفعل أي شيء."
قال الغول الكبير: "سنعلمك طرقنا القتالية حتى تصبح واحدًا منا وتستطيع التغلب على أي كائن على وجه الأرض." "بالمقابل، ستمنحنا الطريقة التي تجعل جراحك تلتئم من تلقاء نفسها."
ظل بريقع في كهف الغيلان شهورًا أخرى يعمل على خدمة الغول الكبير ويتعلم طريقة القتال الخاصة بهم وكيفية معيشتهم. وكان يعمل في حمل الصخور الضخمة لمسافات بعيدة ويتدرب على القتال بسيف عملاق كان يستطيع رفعه بالكاد في البداية، لكن بمرور الوقت تمكن من حمل ذلك السيف الضخم والمبارزة به. ظل بريقع يتعلم ويتدرب ويكتم قوته التي بدأت تتراكم، حتى أصبح لديه من الخبرة والقوة والجلد ما يمكنه من هزيمة غول أحمر.
لكن حلم بريقع كان أكبر من ذلك، أن يستطيع هزيمة الغول الكبير نفسه، فالأشخاص العظماء هم الذين يمتلكون أحلامًا أكبر من غيرهم.
لذلك، ظل يأكل من طعام الغيلان الحمراء ويقوم بخدمتهم حتى يتم تعميده في اليوم الكبير، والذي يحدث مرة واحدة كل عام. وكان هذا الموعد نفسه الذي أخبر فيه بريقع الغول الكبير وبقية فرقته أن آثار الأعشاب التي تجعل الجروح تلتئم ستظهر في ذلك اليوم تحديدًا، حتى يضمن أن يبقوا على حياته، فالغيلان ليس له وعد أو عهد، وإن علموا أنه خدعهم سيقومون بقتله على الفور.
حان موعد النزال الكبير، والذي يتم فيه تعميد الغيلان الصغيرة ويوضع عليها وشم النضوج وأنها باتت غيلان مسؤولة من ضمن القطيع. تجمعت الغيلان كلها في الوادي وأشعلت نارًا كبيرة وانتشرت جثث الحيوانات في كل مكان وسط رقص وغناء الغيلان والغولات. صُنعت منصة كبيرة جلس عليها كبير كل فرقة ملونة من فرق الغيلان، وكان يتوسطهم الغول الكبير الأحمر لأنه أكثرهم قوة.
سرعان ما بدأت نزلات التعميد بين أفراد كل فرقة وسط تصفيق وتحفيز المشجعين، فقد كانت نزلات حتى الموت، ولا يعلن انتصار طرف إلا بموت الطرف الآخر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!