لن تستطيع هزيمتي في الركض أبداً يا بريقع. أنا أمتلك ساقين قويتين. عليك أن تخجل من نفسك. بريقع، وهو يمسح العرق المتصبب من جبهته: تفوزين كل مرة لأني اسمح لك بذلك. هانسا: أنت مراوغ وكاذب. الحق بي إن كنت تستطيع. ركضت هانسا فوق مرج العشب الأخضر الممتد بلا نهاية وبريقع يلحق بها وهو يصرخ: توقفي يا مجنونة، والدتك حذرتك من الابتعاد عن المنزل. هانسا وهي تواصل الركض: خائف أنت؟ بريقع وهو يمسك بطرف
قميصها ويسقطها على الأرض: لو واصلت الركض هكذا في المنزل بعد زواجنا، فإننا نحتاج لقصر وليس منزل بسيط. قالت هانسا وهي تتمرغ على العشب: ما الذي جعلك تعتقد أنني سأتزوج بك؟ بريقع وهو يضع يديه تحت رأسه وينظر تجاه الشمس بكسل: ربما تفكرين في رجل نبيل أو أمير. وهي تمسد شعرها الطويل قالت هانسا: ما لا، أنا أكثر جمالاً من أميرة. بريقع: أنتِ أجمل من الشمس والقمر والنجوم لأنك حبيبتي. هانسا بخجل: وأنا أحبك أيضاً يا معتوه.
من بعيد، لاحت مجموعة من الفرسان الملكيين يركضون فوق أحصنة ضخمة خلف أمير صغير يقترب منهم. بريقع وهو يجذب هانسا ليختفي خلف جذع شجرة: اصمتي هانسا حتى يمروا بسلام. كان الأمير قد لمحهم لذلك اقترب من جذع الشجرة وأمرهم بالمثول أمامه. خرج بريقع من خلف جذع الشجرة وطلب من هانسا أن تظل مكانها. انحنى أمام الأمير وقدم فروض الطاعة. الأمير: أنت فلاح أم راعي؟ بريقع: أنا مجرد فلاح فقير يا مولاي. الأمير
وهو يهم بالرحيل وهو يضحك: أنت مجرد حثالة إذاً؟ هانسا وهي تخرج من خلف جذع الشجرة: كونك أمير لا يحق لك السخرية من الناس. رمق الأمير الفتاة بعيون مندهشة فقد كانت جميلة جداً. اقترب منها أحد الحراس ليضربها، لكن الأمير منعه. لوح للحراس بالانصراف، ثم بعد أن ابتعد طلب من أحد جنوده مراقبة الفتاة ومعرفة مكان سكنها ووضع علامة عليه. عاد بريقع وهانسا لمنزلهما.
في خلال الليل، حضرت مجموعة من الجنود، قتلوا عائلة هانسا واقتادوها لأحد قصور الأمير الشاب. هناك حيث اعتدى عليها الأمير، مرة، مرتين، ومرات. استيقظ بريقع على صراخ الجيران وفزعهم. منزل أسرة هانسا محترق، جثثهم متفحمة. شعر بريقع كأن حياته، عالمه، أحلامه انتهت. لكنه لم يجد جثة هانسا فعاد إليه بعض الأمل.
ترك منزله وبحث عن هانسا في كل مكان. طاف بلاد وصحاري ووديان ولم يعثر عليها. سنين مرت وبريقع يبحث عن هانسا بلا فائدة حتى التهمه اليأس. أكل الحزن شبابه وتحول لطيف إنسان كل همه الترحال وعدم البقاء في مكان واحد والسؤال عن اسم بعينه: هانسا. انتهى به المطاف في وسط الصحراء حيث نصب خيمته وأصبح يأكل من حيوانات البرية التي يصطادها بنفسه ويشرب من بئر بعيد كان يأخذ الساعات للوصول إليها.
ثم يضجع على الرمال وينظر للقمر ويبكي حتى تجف دموعه. مرت شهور أخرى وهو على هذا الحال حتى رأفت بحاله جنية ظهرت لها في ليلة مظلمة على شكل إنسانة. فقد أحبته لكثرة حزنه وحاولت أن تخفف عليه. لكن بريقع لم يرغب في وجودها وطردها أكثر من مرة وهو لا يعرف أنها جنية. لكنها كانت تواصل الحضور كل ليلة وتجلس على مقربة من الخيمة تسمع بكاء بريقع. استغربت الجنية أن بريقع لم يسألها ولا مرة أين تسكن؟
ولا كيف تحضر هنا وسط الصحراء كل ليلة، وخشيت أن يكون قد أصاب الجنون عقله. ذات ليلة هاجم الفراق بريقع وأخذ يصرخ باسم حبيبته ويتوجع لفراقها حتى شعرت الجنية بالأسى والشفقة عليها. اقتربت منه وهي يبكي وقالت: ما رأيك في من يدلك على مكان وجود حبيبتك هانسا؟ بريقع والدموع تغرق عينيه: سأظل لها عبداً مدى الحياة. الجنية وهي تختفي: أنا سأدلك على مكان حبيبتك. غابت الجنية فترة قليلة ثم عادت مرة أخرى وظهرت أمامه. بريقع: عرفتي مكانها؟
الجنية: نعم علمت مكانها، لكن ذهابك إلى هناك يعني موتك. بريقع وهو يقبض على عنق الجنية بيأس: أخبريني عن مكانها وإلا قتلتك. أزار وهي تدفع بريقع بعيداً عنها بسهولة ليتدحرج على الأرض: لا تجبرني على إيذائك. بريقع بضعف وهو يعاود البكاء: أرجوكي أخبريني عن مكانها؟ أزار: إذا أخبرتك عن مكانها، ستظل عبدي وتكون ملكي مدى الحياة. بريقع: موافق، لكن امنحني الفرصة للانتقام لها ثم بعد ذلك أكون ملكك.
أزار: حبيبتك محبوسة في أحد قصور الملك شنخار محروسة بالأنس والجان. صرخ بريقع: اللعين، كيف لم أفكر في ذلك؟ أزار وهي ترحل: أنصحك بعدم الذهاب إلى هناك قبل أن تكتسب قوة. بريقع: كيف أكتسب قوتي؟ أزار من بعيد: عليك أن تصبح غولاً. بريقع: كيف أفعل ذلك؟ أزار: اتجه غرباً حتى تدخل حدود كهف الغيلان. عليك أن تتصارع معهم حتى تصبح واحداً منهم وتمتلك قوتهم.
كان بريقع يعلم أن للغيلان قوة جبارة وأن ذهابه لهناك يعني موته. لذلك سار في الصحراء وهو موقن أنه ميت، لكن كان هناك أمل يرواده أن الجنية لو كانت تعلم أن ذهابه يعني موته ما كانت طلبت منه أن يقصد كهف الغيلان. سار ليلاً ونهاراً دون توقف حتى سقط من التعب على الأرض. عندما فتح عينيه وجد نفسه في خيمة ضيق وهناك نار مشتعلة بالخارج. خرج بريقع من الخيمة وجد امرأة عجوز تشوي طعاماً على النار لكن ملامحها مرعبة. بريقع: من أنتِ؟
كيف فعلتي بي ذلك؟ وهم بضربها لكن حركته شلت وثبت في مكانه دون قدرة على الحركة أو الكلام. ظل هكذا مدة طويلة، التهمت المرأة طعامها ثم نامت وتركته على ذلك الحال حتى أشرقت الشمس. عندما فتحت المرأة عينيها، قالت: ترغب بالتعلم؟ وسمحت لبريقع بإشارة من يدها أن يتحدث. قال: أرغب بالانتقام. المرأة: قبل أن تنتقم، عليك أن تكتسب القوة التي تمكنك من الانتقام. بريقع بخضوع: علميني؟
المرأة: كي أعلمك، عليك أن تكون مطيعاً وصبوراً ولا تسأل عن أي شيء حتى أتحدث لك عنه. بريقع: حاضر. ظل بريقع شهوراً يطيع أوامر تلك المرأة دون نقاش. يصطاد الأرانب البرية، يجمع الحطب، يشعل النار، يحضر الماء ويطبخ لها. ولم يتعلم أي شيء. لكن رغبته في الانتقام دفعته للصبر حتى يتعلم. بعد عام كامل بدأت تلك المرأة تحضر طعاماً غريباً وتطلب من بريقع التهامه كل ليلة.
حشرات، ثعابين، حيوانات برية غريبة، أعشاب. كل ذلك وبريقع لا يعارضها، لكنه بدأ يلاحظ تغيراً في شكل جسده وعضلاته. ثم بدأت تعلمه بعض طرق السحر البسيطة وبعض فنون القتال بالسيف والنبال والحرية. رفع الصخور والوقوف بها فترات طويلة. الصبر على الجوع والعطش، البقاء بلا نوم لأيام حتى بدأ جسده يتشكل لما يشبه الصخرة في صلابتها. ثم أخبرته أنه بعد شهر سيكون هناك تدريب له وعليه أن يعد نفسه لنزال حتى الموت.
استمر بريقع في التدريب حتى جاءت تلك الليلة المظلمة التي طلبت فيها تلك المرأة من بريقع أن ينزع ملابسه ويستعد للقتال. ثم رسمت دائرة وحضرت بالسحر مارداً ضخماً من الشياطين أمرته بقتاله. ظل بريقع يقاتل المارد الشيطاني حتى شروق الشمس قبل أن يتمكن من التغلب عليه وقتله، لكنه أصيب بجراح كثيرة. اختفت تلك المرأة طول النهار وبريقع ملقى على الأرض يتوجع من جراحه. ثم ظهرت أخيراً تحمل عشبة ودهاناً وترياقاً.
التهم بريقع العشبة وشرب الترياق ودهن جسده كله فلاحظ جراحه تلتئم من نفسها. حينها قالت المرأة لبريقع: أنت مستعد الآن، لكن ينقصك شيء واحد. بريقع: أنا مستعد لأي شيء. المرأة وهي تضجع على الأرض: عليك أن تضاجعني وتقوم بخنقي وأنت تفعله. بريقع بلا تردد ارتقى المرأة، ضاجعها وقام بخنقها حتى مات.
شعر بريقع بعدها أنه امتلك قوة رهيبة لا حد لها. طعن نفسه بخنجر ليتأكد من كلام المرأة ولاحظ التئام جرحه في لحظة. لذلك سار تجاه الغرب نحو كهف الغيلان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!