جلست في الشرفة أتابع محسن وزوجته الجنية حتى اختفيا عن نظري. بعدها تمددت على السرير لبعض الوقت، كنت مستغرقًا بالتفكير حتى حطت عصفورة جميلة على شراعة شرفتي وراحت تشقشق بصوت جميل. ظللت أستمع لها بصمت مدة ليست قليلة، ثم نهضت من مكاني بهدوء وأنا متيقن من رحيلها، لكن العصفورة ظلت ساكنة في مكانها وسمحت لي بتمرير أصابعي على جناحها. كانت أجمل عصفورة رأيتها يومًا، تحمل ألوانًا مزركشة بغاية الروعة والجمال.
حملتها بين يدي ورقدت على السرير أملس على رأسها. رمقتني العصفورة برهبة في البداية لكنها سرعان ما سكنت. "غني يا عصفورة، واصلي زقزقتك! راحت العصفورة تزقزق بصوت ولا أجمل، لكنه حزين جدًا. ظلت في حضني أكثر من ساعة قبل غروب الشمس. حلقت نحو الشرفة، وقفت دقيقة تنظر إلي ثم طارت مبتعدة. كل شيء هنا مختلف، حتى العصافير التي تخاف في بلدتنا من البشر وتحلق مبتعدة فور رؤيتهم، أليفة هنا وتسمح لنا بلمسها.
سرعان ما حل الليل، تناولت طعامي ولم أشعر برغبة في النوم. لكن تلك الفتاة حذرتني من مغادرة المنزل ليلاً، قالت: "التحرك في الليل ليس آمن، أنت لا تعرف ما ينتظرك بالخارج." رحت أتقلب على سريري حتى الفجر، حينها وقبل أن تغمض عيني سمعت صوتًا تحت شرفتي في الشارع. سحبت جسدي ونظرت من الشرفة، في منتصف الشارع رأيت تلك الجنية، زوجة محسن تحدق بالشرفة بإمعان. شعرت بالقلق، غطيت جسدي العاري وعدت مرة أخرى للشرفة.
وجدتها تبتسم لي، لوحت لها بيدي، لوحت لي ثم اختفت. شعور بعدم الراحة رافقني حتى الصباح، بعدها نمت ولم أفتح عيني إلا حدود العصر على شقشقة العصفورة وصوتها الحزين. رفعت ظهري بكسل، وجدتها على الشرفة تشدو وهي تنقر الخشب. لوحت لها قلت: "تعالي." حلقت العصفورة وحطت على طرف السرير. "ما رأيك أن أتناول طعامي؟ واصلت العصفورة شقشقتها وهي تتابعني. التهمت طعامي.
جلست على مقعد مخلع، أخرجت لفافة تبغ أشعلتها وأنا أتأمل العصفورة، مظهرها غريب. لا وجود لعصفورة يمكنها أن تشدو بهذا الجمال وتلك الطمأنينة. قبل المغرب، حلقت العصفورة ناحية الشرفة، نقرت الخشب ثلاثة مرات ثم طارت مبتعدة. بدأت أتعود على روتينها اليومي، هذه العصفورة تحضر بعد العصر، ترحل قبل غروب الشمس، كأنها تعرف موعدها بالضبط. حاولت أن أفكر في تصور لحل لغز حضورها لكني فشلت.
مضى الربع الأول من الليل، سكون وصمت، في هذه القرية لا وجود لأي نفس أخرى. كل ما علي فعله أن أجلس في الشرفة وأراقب الخلاء والظلمة. عندما انتصف الليل لاحظت أنني أسمع صوت عواء ذئب. تكرر ذلك مرتين، وإن كنت لست متأكدًا الليلة الأولى، لكني الآن واثق مما يحدث. شعرت بضيق من جلستي الطويلة في الشرفة، كنت أرغب بأي مخلوق أتحدث إليه حتى لو كان عفريتًا أو جنيًا. "ألا يوجد أي أحد يسكن هنا جواري؟
تلك الفتاة التي نزلت في محطتي أعتقد أنها لم تبتعد عني، في الصباح سأبحث عنها." سمعت صوت حركة في الشارع، مثل المرة السابقة، اعتقدت أنه كلب أو قط. عندما نظرت من الشرفة وجدتها، الجنية التي حضرت بالأمس. كان نفس شكلها ومظهرها تقريبًا، افترضت أنها من الجان الذين يستطيعون التشكل. كانت واقفة تنظر تجاهي بصمت. "أي شخص يملك عقل يمكنه بسهولة أن يفهم أن ما يحدث ليس طبيعيًا وأن وراء تلك الجنية قصة." لوحت لها. لوحت لي. "اقتربي."
مشت حتى وصلت تحت الشرفة. "لماذا تحضرين هنا كل مساء؟ أين زوجك محسن؟ استدارت نحو الصحراء، مسحت المكان بعينيها قبل أن تنظر إلي مرة أخرى. "من أنت؟ ابتسمت الجنية ببلاهة، كانت أكثر جمالاً من أول مرة رأيتها. "ما اسمك؟ قالت وهي تحلق في الهواء بسعادة: "سيبا." "ماذا تفعلين هنا؟ ما الغاية من حضورك كل ليلة؟ قالت وهي تلف حول نفسها كأنها ترقص: "مضى ثلاثة أيام يا ناصر." ثم اختفت.
لم يريحني كلامها، ذكرني فورًا بالدية وأنه من الممكن في أي لحظة أن تحضر جنية تطالب بالزواج مني. شعرت بانزعاج وخوف، رحت أدعو أن تمضي أيامي بسلام حتى أعود لبيتي مرة أخرى. قضيت ليلة تعيسة ولم أغمض عيني إلا صباحًا. عندما استيقظت وجدت العصفورة في حضني، كانت تداعب خدي بريشها وتنقر جلدي بلطفها. "كيف حالك؟ " قلت وأنا أربت على رأسها. "سأنتظرك الليلة في كهف الأموات، لا تتأخر." خرج صوت العصفورة وهي تحلق ناحية الشرفة.
احتجت دقيقة لأقنع نفسي أن العصفورة تحدثت ونطقت بكلام. قلت: "أنت عصفورة، طيف تحدثت؟ قالت: "أنت شيطانة يزحف." "قبل أن ينتصف الليل سأنتظرك في كهف الأموات." قالت وهي تحلق مبتعدة. "كيف أعرف كهف الأموات؟ قالت: "في جبل الضياع." وطارت مبتعدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!