واصل ناصر ركضه تجاه الشمال، في ما اعتقد أنه الحل الأمثل للوصول بسرعة. كان يتذكر التفاصيل: وادٍ عميق يحيط به جبلان، ولا يعنيه ما يحدث حوله. تابعته الشيطانة مدة طويلة قبل أن تتشكل على هيئة عصفورة، ثم سبقته مائة متر وراحت تشقشق بصوت عذب وجميل. سمع ناصر صوت العصفورة وكان متأكدًا أنه سمعه من قبل. لكن البلاد بعيدة. الشيطانة العصفورة تخلت عنه وليس من المتوقع ظهورها مرة أخرى.
كادت الشمس أن تختفي خلف الهضاب، ولون الشفق أرجواني، خيط رفيع امتد إلى ما لا نهاية. عليه أن يتوقف الآن. السير خلال الليل خطر. فكرت الشيطانة أن أسهل حل هو أن تظهر له وتطلب منه الانتظار حتى الصباح. لكن في تلك اللحظة لمحت الشيطانة ماذك. كان يتابع ناصر هو الآخر. لم يكن متأكدًا أنه نفس الإنسي الذي هرب من ماتشيا. لكن رؤية بشري في حد ذاتها أثارت فضوله. كعادة الشياطين، رغب في اللعب مع ناصر ومحاولة إرعابه.
اختفت الشيطانة العصفورة، فهي تعرف أن ماذك خادم ماتشيا وأن رؤيته لها ليست في صالحها وربما تؤدي لقتلها، فماذك شيطان قوي. لذلك اكتفت بالمراقبة. ماذك: حان الوقت للعب. كان غشاء من الليل قد حل وأصبحت الرؤية صعبة رغم مواصلة ناصر ركضه. سمع ناصر صوت زمجرة دابة ضخمة. ارتعب جسده. يعلم أن البرية مليئة بالحيوانات المفترسة. بحث بنظره عن ملجأ ولم يجد إلا حفرة صغيرة تحت صخرة أخفى جسده فيها. ماذك وهو يضحك: بشري غبي.
الشيطانة العصفورة من بعيد: ليس أغبى منك. ماذك: من أنت؟ أظهر نفسك. الشيطانة العصفورة من بعيد: ستقتل البشري من أجل لعبة؟ طوال عمرك وأنت شيطان أحمق. ماذك وهو يتشكل بصورة شيطان ضخم: أظهر نفسك يا شيطان. أعدك ألا أقتلك. الشيطانة العصفورة: من يرتضي خدمة ماتشيا لا عهد له. ماذك: قلت أظهر نفسك. سانوس: ليس قبل أن تمنحني الأمان. ماذك: أظهر ولك الأمان. سانوس وهي تظهر نفسها على شكل شيطانة في قمة الجمال: أنا هنا. ماذك: أنت؟
أنا أعرفك. ألستِ الشيطانة التي كانت تخدم ماتشيا قبل أن تهربي؟ سانوس: أجل. ماذك: وُضِعت على رأسك جائزة قيمة. سانوس: ليس بعيدًا عنك الخيانة فأنت شيطان وضيع. ماذك: الزمي حدودك يا شيطانة. سانوس: قول الحقيقة يزعج البعض أكثر من الكذب عليهم. ماذك: ماذا تفعلين هنا؟ سانوس: أراقب البشري. ماذك: وأنا أيضًا. ينتابني فضول لمعرفة وجهته. سانوس: اسمح لي أن أقوم بهذه المهمة لكن لا تؤذِ البشري. ماذك: يعجبك؟ سانوس: يعجبني جدًا.
ماذك: أنتم نساء الشيطان لا تكتفون من شهوة الجسد. سانوس: وأنتم تعشقون الدم. ماذك: كفاكِ كلامًا، انطلقي. سارت سانوس حتى وصلت الحفرة التي يختبئ فيها ناصر وطلبت منه الخروج. ناصر: هناك وحش بالخارج! سانوس: اخرج وسأريك ذلك الوحش. خرج ناصر من الحفرة ليرى شيطانًا ضخمًا بشع الوجه يحملق به. ناصر برعب: من هذا؟ سانوس: خادم ماتشيا. ماذك بغضب: لست خادمًا لأحد. سانوس: قررت أن تصبح حرًا أخيرًا. ماذك: لا، قررت أن أنال حريتي.
سانوس: كيف؟ ماذك: بقتلك يا شيطانة وأخذ البشري لماتشيا. سانوس: كنت أعرف ذلك. لا عهود للرجال في كل زمان. ماذك وهو يبتسم: اصمتي واستعدي للقتل. سانوس: قد تظن أنني أنثى ضعيفة لكنك لن تقتلني بسهولة أعدك. ماذك وهو ينطلق نحوها: احمي نفسك إذًا. اندفع ماذك، قبض على سانوس وظل يركض بها حتى صدمها بصخرة ضخمة. انهارت سانوس على الأرض بتعب. ماذك: انهضي، لن أجد متعة في قتلك بسرعة. سانوس: أنت قصير النظر.
ماذك: اصمتي يا سافلة سأقتلك الآن. وضعت سانوس يدها أمام وجهها وتمتمت بكلمات جعلت ماذك يصرخ من الألم، لكنه سرعان ما استطاع أن يتخلص من سحرها ويندفع تجاهها مرة أخرى. سانوس وهي تحلق في الهواء: الحق بي إذًا. حلق ماذك خلف سانوس، هنا وجد ناصر فرصة سانحة للهرب. ركض بأقصى سرعة. الليل بطوله لم يتوقف ولا لحظة حتى وصل مشارف الوادي. قبل أن يدلف داخله نادت عليه سانوس. كانت متعبة جدًا، مثقلة بالجروح، ينز من فمها الدم. سانوس: انتظر!
صرخت سانوس. ساعدها ناصر على الجلوس وجلس إلى جوارها. قالت سانوس: هارفا حتى لو كانت أخت سابينا لكنها لن تنفذ طلبك بلا مقابل. ناصر: ما الذي أملكه لأقدمه لها؟ سانوس: هارفا شيطانة وساحرة لا أحد يمكنه توقع ما تريده. ناصر: لكن سابينا ستموت. يجب أن أنقذها. سانوس: اذهب إذًا. سأراقبك من بعيد لكن إياك أن تذكر اسمي. ناصر وهو يواصل الركض: حاضر. دخل ناصر وادي العليق وركض فوق العشب الذي يصرخ من الألم.
كانت همسات: اللعنة على البشر في كل مكان يظنون أنهم يعيشون بمفردهم. لم تصل تلك الهمسات لأذن ناصر الذي كان منطلقًا بأقصى سرعة تجاه الصخرة التي لاحت من بعيد. وصل هناك متقطع الأنفاس. كان الليل قد انتصف والقمر في كبد السماء. أوقفه صوت أنثوي أجش: قف مكانك يا إنسي وقل حاجتك. ناصر بتلعثم: أرغب بمقابلة هارفا. الصوت باستغراب: كبيرتنا؟ ماذا تريد من سيدتنا؟ ناصر: أريد مقابلتها لأمر خاص.
ضحك الصوت الأنثوي. حلق طيف بأجنحة يحمل حربة من قمة الصخرة تجاه ناصر. كانت فتاة يستر جسدها قطعة خيش صغيرة وقفت أمام ناصر. ما الذي يجعلك تعتقد أن السيدة هارفا ستسمح لك برؤيتها؟ ناصر: لأن أختها سابينا تنازع الموت وإذا لم تعالجها ستموت. الشيطانة الحارسة: انتظر هنا حتى أعرض الأمر على مولاتي. اختفت الشيطانة. ظل ناصر واقفًا في مكانه ينتظرها. سانوس من خلف شجرة: أنا لا أثق بتلك الحارسة اللعينة.
ناصر وهو يتلفت حوله: ماذا تقصدين؟ سانوس: رغبتها كلها شهوة. ستكذب عليك لأخذك لنفسها. ناصر: ليس بيدي إلا أن أنتظر. سانوس وهي تختفي: لا تقلق أنا إلى جوارك. ظهرت الشيطانة الحارسة مرة أخرى، قالت: سيدتي تطلب منك الانتظار حتى الصباح. ناصر: لكن أنا في عجالة من أمري. الشيطانة الحارسة: من أنت لتعصي أمر مولاتي؟ ناصر بخنوع: سأنتظر.
رقد ناصر على الأرض والشيطانة الحارسة تراقبه من فوق الصخرة. لم يمضِ سوى نصف ساعة قضاها ناصر شاردًا في ما يحدث له، حتى وجد الشيطانة الحارسة فوقه تعتليه. ناصر وهو يصرخ: ماذا تفعلين؟ الشيطانة الحارسة: آخذ ما يحق لي. أنت ملكي الليلة. ناصر وهو يصرخ: ابتعدي عني! قيدت الشيطانة الحارسة ناصر بتعويذة شلت حركته قبل أن تنزع ملابسه. الشيطانة الحارسة: قلت أنت ملكي يا بشري. سانوس وهي تقفز تجاه الشيطانة الحارسة: ليس وأنا حية!
الشيطانة الحارسة وهي تضرب سانوس بحربتها بقوة: قذفتها عدة أمتار، هل ظننت أنني لم أشعر بك يا شيطانة؟ سانوس وهي تحاول النهوض: تشعرين بالفخر لأنك شيطانة علوية! الشيطانة الحارسة وهي تقيد سانوس بسهولة بتعويذة قوية: اصمتي يا نغلة وشاهدي ما سأفعله بحبيبك. حاولت سانوس أن تتخلص من قيودها لكنها لم تفلح. نهشت الشيطانة الحارسة صدر ناصر بأظافرها مما دفعه للصراخ. فالشياطين تستمتع بتعذيب ضحاياها قبل أن تجهز عليها.
تعددت الكدمات في جسد ناصر وهو يصرخ والشيطانة الحارسة تضحك بسعادة. سانوس همست في سرها: ستقتله هذه الشيطانة شريرة ولا يهمها ما يحدث طالما تمكنت منها شهوتها. أغمضت عينيها ورددت: مايقت، مايقت. شعرت بصوت ريح عاصفة جوار أذنها قبل أن تسمع: لكِ واحدة فقط سانوس.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!