كانت والدتي لا تحمل مثل بقية النساء، حتى بعد مضي عشرة أعوام لم تنتفخ بطنها ولم تتأخر دورتها الشهرية كما كانت تأمل حتى ولو مرة واحدة. نساء أعمامي كل واحدة لديها بدل الطفل ثلاثة، تسمعهم والدتي يصرخون بتذمر لاعنين الأطفال وشقاوتهم، بينما تحلم أن تربت على بطنها المنتفخة.
لم تيأس والدتي، أكلت لحم ورن النيل رغم شكله المقزز الذي يشبه سحلية الصحراء، نامت تحت عجلات قطار مسرع، زارت المقابر ليلًا وهي ترتعش رعبًا من صرخات الريح. دخلت بيوت مسكونة بالأشباح ونامت داخلها حتى أشرقت الشمس من عين تاكو، لكن والدتي لم تحمل ولم يتمكن أي طبيب من اكتشاف العلة ويركلها طفلها المنتظر في معدتها.
رضيت والدتي بنصيبها، هذا ما اعتقده من حولها. كانت لا تخرج من المنزل، تجلس بغرفتها وحيدة بلا تذمر. ثم بعد مرور سبعة شهور بالتمام والكمال حملت والدتي بي. كانت حامل في شهرين عندما زارت الطبيب، وطوال سبعة أشهر لم تتوقف عن دهان بطنها بنوع معين كان في مرطمان زجاجي لا يفارقها، حتى خرجت أنا للحياة. والدتي لم تحكِ لي تلك القصة لأنها توفيت بعد ولادتي بسبعة أشهر. لم تسنح لها الفرصة لسماع صوت ابنها الذي تمنته طوال عمرها.
وقد كنت طفلًا نجيبًا، شاطرًا، أسجل درجات مرتفعة في المدرسة، حسن السلوك، وكعادة كل طفل وحيد كنت خجولًا، منزويًا، حتى وصلت عمر السابعة عشر. حينها ولأول مرة سمعت صوتًا يدوي في المنزل وينادي باسمي. شخص ينادي على طفل ضائع هكذا شعرت، مثل كل شيء غريب تصورت أنه هذيان عقلي، لكن الصوت تكرر، في الصحو، في الأحلام: "ناصر" "ناصر" "ناصر" والدي لم يصدقني خاصة أنني لم أشتكِ من أي شيء قبلها.
مضت الأيام والسنين حتى تخرجت من كلية الطب وجاء اليوم الذي كنت جالسًا فيه وحيدًا في المنزل، وسمعت طرقات على الباب. عندما فتحت الباب كان هناك رجل أربعيني غريب المظهر جالس فوق دراجة زهرية. لديه شارب ظريف، شعره مسرح على جانب ومدهون بزيت قرنفل. قال وهو يمد ظرف: "أنت دكتور ناصر؟ قلت: "أجل" قال: "كبرت يا دكتور" لم أفهم سؤاله لذلك لم أرد. كانت عيناه زرقاوين، لم أرَ مخلوقًا في بلدتي عيونه زرقاء، رغم ذلك فرحت. قال الرجل:
"حان الوقت لتسديد الدين" قلت: "عن أي دين تتحدث؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!