تحميل رواية مجهول الهوية بقلم اسماعيل موسي pdf
بقلم اسماعيل موسي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت والدتي لا تحمل مثل بقية النساء، حتى بعد مضي عشرة أعوام لم تنتفخ بطنها ولم تتأخر دورتها الشهرية كما كانت تأمل حتى ولو مرة واحدة. نساء أعمامي كل واحدة لديها بدل الطفل ثلاثة، تسمعهم والدتي يصرخون بتذمر لاعنين الأطفال وشقاوتهم، بينما تحلم أن تربت على بطنها المنتفخة. لم تيأس والدتي، أكلت لحم ورن النيل رغم شكله المقزز الذي يشبه سحلية الصحراء، نامت تحت عجلات قطار مسرع، زارت المقابر ليلًا وهي ترتعش رعبًا من صرخات الريح. دخلت بيوت مسكونة بالأشباح ونامت داخلها حتى أشرقت الشمس من عين تاكو، لكن والدتي...
رواية مجهول الهوية الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسي
كانت والدتي لا تحمل مثل بقية النساء، حتى بعد مضي عشرة أعوام لم تنتفخ بطنها ولم تتأخر دورتها الشهرية كما كانت تأمل حتى ولو مرة واحدة. نساء أعمامي كل واحدة لديها بدل الطفل ثلاثة، تسمعهم والدتي يصرخون بتذمر لاعنين الأطفال وشقاوتهم، بينما تحلم أن تربت على بطنها المنتفخة.
لم تيأس والدتي، أكلت لحم ورن النيل رغم شكله المقزز الذي يشبه سحلية الصحراء، نامت تحت عجلات قطار مسرع، زارت المقابر ليلًا وهي ترتعش رعبًا من صرخات الريح. دخلت بيوت مسكونة بالأشباح ونامت داخلها حتى أشرقت الشمس من عين تاكو، لكن والدتي لم تحمل ولم يتمكن أي طبيب من اكتشاف العلة ويركلها طفلها المنتظر في معدتها.
رضيت والدتي بنصيبها، هذا ما اعتقده من حولها. كانت لا تخرج من المنزل، تجلس بغرفتها وحيدة بلا تذمر. ثم بعد مرور سبعة شهور بالتمام والكمال حملت والدتي بي.
كانت حامل في شهرين عندما زارت الطبيب، وطوال سبعة أشهر لم تتوقف عن دهان بطنها بنوع معين كان في مرطمان زجاجي لا يفارقها، حتى خرجت أنا للحياة.
والدتي لم تحكِ لي تلك القصة لأنها توفيت بعد ولادتي بسبعة أشهر. لم تسنح لها الفرصة لسماع صوت ابنها الذي تمنته طوال عمرها.
وقد كنت طفلًا نجيبًا، شاطرًا، أسجل درجات مرتفعة في المدرسة، حسن السلوك، وكعادة كل طفل وحيد كنت خجولًا، منزويًا، حتى وصلت عمر السابعة عشر. حينها ولأول مرة سمعت صوتًا يدوي في المنزل وينادي باسمي.
شخص ينادي على طفل ضائع هكذا شعرت، مثل كل شيء غريب تصورت أنه هذيان عقلي، لكن الصوت تكرر، في الصحو، في الأحلام:
"ناصر"
"ناصر"
"ناصر"
والدي لم يصدقني خاصة أنني لم أشتكِ من أي شيء قبلها.
مضت الأيام والسنين حتى تخرجت من كلية الطب وجاء اليوم الذي كنت جالسًا فيه وحيدًا في المنزل، وسمعت طرقات على الباب. عندما فتحت الباب كان هناك رجل أربعيني غريب المظهر جالس فوق دراجة زهرية. لديه شارب ظريف، شعره مسرح على جانب ومدهون بزيت قرنفل.
قال وهو يمد ظرف:
"أنت دكتور ناصر؟"
قلت:
"أجل"
قال:
"كبرت يا دكتور"
لم أفهم سؤاله لذلك لم أرد. كانت عيناه زرقاوين، لم أرَ مخلوقًا في بلدتي عيونه زرقاء، رغم ذلك فرحت.
قال الرجل:
"حان الوقت لتسديد الدين"
قلت:
"عن أي دين تتحدث؟"
رواية مجهول الهوية الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسي
_ عن أي دين تتحدث؟ سألت ساعي البريد غريب المظهر، أنا لا أتذكر أنني تقدمت بطلب لنيل وظيفة، هذا المظروف لا يخصني!
قال الرجل وهو يفرك ذقنه:
أحدهم تقدم للوظيفة نيابة عنك، المهم أن طلبك قُبل، عليك أن تعد نفسك منذ الآن، ستجد العنوان وكل التفاصيل داخل المظروف.
حتى تلك اللحظة لم أكن لاحظت شكل المظروف الغريب، كان قديمًا جدًا لكنه فاخر الصنع، عليه ختم لم أره قبل ذلك.
وزنه أثقل من العادي وداخله عملة معدنية، أو شيء يتحرك راح يهتز كلما حركت المظروف.
حان وقت رحيلي، قال الرجل وهو يعتلي كرسي الدراجة الأنيقة:
لدي العديد من الرسائل عليّ توصيلها.
تذكرت أنني كنت فظًا معه، ولم أدعه لدخول المنزل، قلت:
تفضل، سأصنع شيئًا من أجلك!
قال الرجل:
شكرًا، احرص ألا تتأخر.
حرك بدال الدراجة وانطلق بها، على بعد خطوات التفت رمقني بنظرة حزينة واختفى.
دلفت للمنزل، عندما التفت الرجل تجاهي كانت عيونه خضراء، لم أتوقف عند النظرة الحزينة لكن عقلي كان يحاول إيجاد مبرر لتحول لون عينيه بتلك الطريقة.
ألقيت المظروف على الأريكة وأرحت جسدي، وضعت يدي تحت رأسي وحدقت بسقف الغرفة بشرود لمدة تقترب من خمس دقائق.
انتبهت على صوت حركة.
انهضت جسدي، مسحت الغرفة حتى وقعت عيني على اللوحة الجدارية، والدتي بكامل بهائها تقف أمام شجرة مبتسمة.
لكن لحظة!
ما أتذكره أن والدتي لم تكن منحنية للأمام، كان ظهرها مستقيمًا.
لكن الآن جسدها منحني تجاهي كأنه تلقى إليّ قُبلة أو تحاول قول شيء.
نظرت للصورة مرة أخرى وكادت عيني تدمع، لم أرَ والدتي، لم أتحدث إليها، كنت أتمنى أن تراني طبيبًا متخرجًا وألقي بنفسي في حضنها.
أخذت حمامًا طويلًا كأنني أغسل همومي وأوجاعي، كان باب المنزل قد انفتح واعتقدت أن والدي حضر من الخارج.
لذلك لم أشغل بالي.
عندما خرجت، لم أجد والدي، كان باب المنزل مغلقًا ولا أثر له، ناديت باسمه من باب التأكد.
لما لم أتلقَ ردًا، قصدت غرفتي ثم توقفت بصدمة في منتصف الصالة.
صورة والدتي، وجهها ممتقع، حزين.
لا غير ممكن، قلت وأنا أفرك عيني، اقتربت من الصورة، عندما لمستها ارتعش جسدي كأن تيارًا كهربائيًا بقوة ٢٢٠ فولت لسعني.
صرخت من الصدمة، في زخم المفاجأة هيئ لي أن صورة والدتي تحركت داخل الصورة.
قلت:
نعم أنا أفتقد والدتي، لكن ليس للحد الذي يدفعني لتخيل تهيؤات.
في غرفتي بدلت ملابسي ورقدت على السرير، كنت نسيت المظروف بالصالة لذلك نهضت أحضرته وعدت مرة أخرى.
فتحت المظروف، ورقة قديمة، لا تشبه أي ورقة أعرفها، تكاد تكون مخطوطة، أو وثيقة عهد، في أعلاها اسمي بالكامل.
ناصر أحمد محمد إسماعيل.
عمري.
عنواني.
وظيفتي.
عنوان غريب لم أسمعه من قبل، نهاية الورقة ختم بالدم وعشرة توقيعات سريالية.
أفرغت محتويات المظروف على السرير، سقطت أربعة عملات ذهبية نقشت عليها صورة فتاة على رأسها تاج تجلس على مقعد ملكي.
ثم تميمة غريبة مستطيلة لونها أزرق في منتصفها وردة حمراء بسحاب تعلق في الرقبة.
نحّيت كل ذلك جانبًا، أخرجت هاتفي وبحثت عن العنوان المسجل بالورقة، لم تظهر لي أي نتيجة كما توقعت.
لعنت نفسي وغبائي، كان واضحًا جدًا أنها مزحة.
مقلب من شخص مجنون.
الورقة، التميمة، العملات المذهبة!
رغم ذلك بحثت عن كل العملات الغريبة التي ظهرت لي أفتش عن وجه تلك الفتاة وفي أي بلد تسكن!
لا شيء، بدا أنني أبحث عن شيء مجهول.
ابتسمت:
يمكنني بيع العملات الذهبية على الأقل.
تركت كل شيء على الطاولة إلى جواري وأغمضت عيني بحثًا عن النوم، لم ألبث وقتًا طويلًا ورحت في نعاس ثقيل.
أشعر أنني نائم لكني أسمع صوت خطوات في الصالة خارج غرفتي.
خطوات متزنة، هادئة، يبدو أنها أنثوية، كان ظل ذلك الشخص ينعكس تحت باب غرفتي، ثم سمعت طرقات على باب الغرفة متبوعة بنداء:
ناصر؟
ناصر؟
كنت أكافح للنهوض من مكاني بلا فائدة لكني أسمع الصوت مرة أخرى:
لا تتأخر عن موعدك يا ناصر!
من أنت؟ أصرخ على ذلك الشخص.
ظل ذلك الشخص واقفًا خلف باب غرفتي، حينها فتحت عيني، كنت متعرقًا كأنني خرجت من عراك للتو، وأنا أمسح العرق عن وجهي رأيت ظلًا يبتعد عن باب غرفتي وسمعت خطواته.
بسرعة ركضت نحو الباب وفتحته، كانت الصالة مظلمة، فتحت النور بترقب لم أجد أثر لأي مخلوق.
إذا استمريت على ذلك الوضع سأجن، قلت في نفسي وأنا عائد تجاه غرفتي، أغمرني باللون عندما وصلت لباب الغرفة تيبست في مكاني وشهقت بعلو صوتي، على سريري رأيت امرأة أربعينية تجلس منحنية على الوثيقة.
رواية مجهول الهوية الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسي
كانت هناك امرأة أربعينية جالسة على سريري، منحنية تجاه الوثيقة. عندما خطوت تجاهها، اختفت.
لم أقوَ على تحمل كل ذلك. عندما عاد والدي، حكيت له ما حدث معي عن الصوت والمرأة التي رأيتها.
طلب مني والدي أن أصف له تلك المرأة. جعلت أتذكر أوصافها بكل تركيز. عندما انتهيت، رأيت الدموع تنزل من عيني والدي. قال:
"إذا كان ما تقوله حقيقي، فإنها والدتك حضرت لزيارتك."
لم أستطع أن أفهم:
"إذا كانت والدتي، لماذا رحلت قبل أن أتمكن من رؤيتها؟"
"يا ولدي، هكذا الأرواح تحضر لتوصيل رسالة ثم ترحل."
كنت تعمدت ألا أذكر له قصة المظروف وما بداخله. بعد أن رحل والدي وكان محطمًا، عاينت الوثيقة مرة أخرى. كان هناك توقيع زيادة باسم والدتك:
"عليك أن تذهب يا ناصر، فعلت ما بوسعي لأنجبك، حاولت أن أحميك، لكن الآن عليك أن تعتمد على نفسك وتنقذ والدك."
"أنقذ والدي؟"
جذبت خصلات شعري حتى كدت أقتلعها.
"والدي هنا، كيف أنقذه؟"
تمددت على السرير بقرف.
منتصف الليل، بعد أن جفاني النوم، لاحظت أن التميمة تبرق. كانت الزهرة داخلها مشعة، بما يشبه البوصلة كانت تشير لمكان معين.
العنوان نفسه الذي كُتب على الورقة كان لامعًا بشكل لافت:
"لا تتأخر عن موعدك."
عندما أشرقت الشمس، كنت قد اتخذت قراري. إن كانت مسرحية، أو مقلب أو حقيقة، عليّ أن أتأكد من ذلك.
العنوان الذي ذُكر يشير لمنطقة بالصحراء الغربية قرب الوادي الجديد.
استأجرت سيارة ربع نقل بعد أن ابتعت كل ما أحتاجه، وانطلقنا تجاه العنوان.
توغل بي السائق داخل الصحراء الجرداء. كنت أتبع بوصلة التميمة. عندما وصلنا نقطة منعزلة، توقفت التميمة عن الاشتعال بعد أن أشارت لنقطة في منتصف الجبل.
"هنا!" قلت للسائق: "توقف هنا."
منحته أجرته. عاينت المكان دقائق قبل أن أحمل حقيبتي وأصعد درب الجبل نحو تلك النقطة.
في منتصف الجبل تمامًا، كانت هناك مغارة ضخمة. وصلتها بطلوع الروح. أنزلت حقيبتي على باب المغارة وأنا ألهث من التعب.
كدت أن أتمدد على الأرض وأنعم ببعض الراحة لكني سمعت أنفاسًا قريبة.
نظرت برعب خلفي، وجدت فتاة راقدة على الأرض واضعة حقيبتها تحت رأسها.
رواية مجهول الهوية الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسي
أن تجد فتاة بمفردها في مكان منعزل يقع وسط الصحراء، مضطجعة على الأرض أمر عجائبي لا يحدث إلا نادرًا.
لكن ما حدث لي الأيام الماضية جعلني لا أصدق أي شيء بسهولة، أنا غير متأكد إن كانت هذه فتاة حقيقية أم وهم أو شيطان.
سرت خطوات مقتربًا منها وأنا أتأملها بطرف عيني، ترتدي بنطالًا رياضيًا أسود اللون ضيقًا، تيشيرت أصفر، شعرها أشعث بدائرة ضيقة.
"أنتِ؟"
قلت وأنا ألكزها بقدمي في جانب معدتها.
هبت مذعورة تتقافز مثل قنفذ، بيدها سكين في لمح البصر وضعتها على رقبتي.
"من أنت؟"
"كيف حضرت هنا؟"
"منذ متى وأنت تتبعني؟"
"ماذا تريد مني؟"
كانت تتحدث بسرعة وحاجب عينها الأيمن مرفوع على طريقة المليجي.
"ابتعدي عني!"
دفعتها برفق!
"قلت من أنتِ؟ لن أكرر سؤالي، عندما أفتح فمي مرة أخرى سيكون عنقك مجزوزًا كهرة."
تلك المرة دفعتها بقسوة، قلت بنبرة محذرة:
"توقفي حيث أنتِ."
عاين كل منا الآخر لمدة تزيد عن دقيقة، ابتلعت أنفاسها، فكرت أنني لو كنت أنتوي شرًا لكانت طريقتي مختلفة.
بعض الهدوء مر.
"كيف حضرتِ لهنا وحدك؟"
قالت بثقة:
"أنا لا أعرفك ولست مضطرة للرد على أسئلتك."
جلست على الأرض واتكأت بظهري على الصخر، بعد تفكير قلت:
"وصلك مظروف!؟"
تنهدت الفتاة، وضعت السكين في جيب بنطالها، قالت وهي تسير نحو حقيبتها:
"أجل."
قلت:
"وأنا أيضًا وصلني مظروف، لازلت أعتقد أنها مزحة، أنا حتى لا أعرف لماذا حضرت هنا؟"
قالت:
"من أجل الدين."
قلت:
"تتحدثين مثله، أي دين تقصدين؟"
قالت:
"دين والدتك."
فتحت فمي بدهشة:
"والدتي توفيت منذ أكثر من عشرين عامًا بعد أن أنجبتني."
قالت وهي تجلس على الأرض لكن بعيدًا عني:
"دينه هو."
"دين من!؟ من فضلك تحدثي بوضوح."
"أنت لا تعرف كيف أنجبتك والدتك؟"
قلت بقلة لياقة:
"مثل كل النساء، أين الغرابة في ذلك؟"
"أنت لست ابن أبيك، حتى الأعمى يمكنه أن يلاحظ الهالة التي تحيط."
"أنتِ مجنونة!"
صرخت:
"كيف تقولين ذلك؟"
صمتت الفتاة دقيقة، سألتني:
"أنت لا تعرف الحقيقة فعلًا؟"
"أي حقيقة؟"
سألتها بفروغ صبر.
"والدتك أقامت علاقة مع أحد أفراد الجان."
"من أنت حتى تتهمين والدتي في شرفها؟"
قلت ذلك بنبرة عصبية وأنا أحكم قبضة يدي على عنقها.
قالت بصعوبة وهي تتنفس بالكاد:
"اهدأ، كان صعبًا عليّ أيضًا أن أصدق ذلك."
كنت في حالة من الصدمة والشرود أكاد لا أسمعها ولا أفهمها.
"أبعد يدك عني ستخنقني!"
حركت يدي المتجمدة برفق بعيدًا عنها، تركتني حتى أهدأ.
"لم يكن سهلًا عليّ أن أصدق أنني ابنة جني، أن والدتي أقامت علاقة في مقبرة مع أحد أفراد الجان من أجل إنجابي."
"عرفت ذلك مؤخرًا قبل شهور، عندما حضرت إليّ روح والدتي وطالبتني بالبحث عن أبي الحقيقي."
سألتها:
"والدتك متوفية؟"
ابتسمت الفتاة، قالت:
"مثل والدتك، بعد ولادتي بأشهر توفيت، كل امرأة تنجب من جني تموت بعد أن تضع طفلها، هذا أحد بنود العقد الذي يتم بينهم."
"لماذا حضرنا هنا؟"
قلت وأنا أكاد أبكي.
"قلت لك من أجل سداد الدين."
"طيب كيف سيحدث ذلك؟ أنا لا أفهم أي شيء."
قالت الفتاة:
"ولا أنا أيضًا، علينا أن ننتظر هنا، هذا ما قالته الوثيقة."
اعتقدت في لحظة، في أي وقت ستصلنا إشارة.
لاذ كل منا بالصمت، كنت غير قادر على الاستيعاب ولا الفهم، لساني ملتصق بقاع بلعومي بالخيبة، أدور عيني في المكان بحثًا عن ملجأ.
أتحاشى النظر إلى تلك الفتاة، أرغب بالهرب لكن قدماي لا تطاوعني.
أحدهم اكتشف أكثر أسرارك قذارة وأنت مجبر على النظر في وجهه والابتسام.
"هون عليك."
قالت الفتاة بنبرة رقيقة:
"ما وظيفتك على أي حال؟"
قلت بصعوبة:
"أنا طبيب."
قالت:
"جيد، على الأقل إذا ساءت الظروف يمكنك أن تنقذني."
حملقت بوجهها، كان في عينيها غابة وشجرتي بندق، وخديها حبتي كرز، أتمنى أن تسير الأمور بصورة جيدة، فكرت هذه الفتاة تصلح حبيبة.
نزل الليل من السماء هابطًا على درجات النهار وارتفع قمر بدر.
"تأكل؟"
سألتني وهي تقذف تجاهي بسكوتة دون أن تنتظر ردي.
تمددت على الأرض أحدق في سقف المغارة، تاركًا لعقلي الحرية في اختيار أكثر السيناريوهات مأساوية التي يمكن أن تنتهي بها قصتي.
منتصف الليل أضاءت تميمتي مرة أخرى وأشارت البوصلة لأسفل الجبل.
لاحظت أن في عنق الفتاة تميمة مثل تميمتي وأنها مشعة هي الأخرى.
قالت:
"ماذا يعني ذلك؟"
قلت:
"على ما أعتقد لابد أن نتحرك."
نظرت من فوهة المغارة، تحت الجبل تمامًا كان هناك قطار قديم.
بهذه الغرابة، منتصف الصحراء ظهر القطار.
ظللت محدقًا بالأضواء المشعة حتى قالت الفتاة:
"سننتظر كثيرًا."
"اتبعني."
رواية مجهول الهوية الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسي
العالم شاسع جدًا، إذا كنت لا تستطيع أن تفهم نفسك، فكيف باعتقادك تستطيع أن تفهم ما يحدث حولك.
نزلنا الدرب الجبلي، كنت أشعر بقشعريرة وأن الأمور لن تمضي بطريقة جيدة، لطالما اعتقدت ذلك قبل كل خطوة أتخذها بحياتي.
في الأيام الأخيرة، منذ أن سمعت صوتًا ينادي باسمي: "ناصر، ناصر"، ولم أرَ شيئًا، تعوّدت أن أتقبل كل الأشياء بغرابتها دون فهم.
لذلك كان عليّ أن أتقبل فكرة ظهور قطار من العدم يسير على قضبان حديدية وسط الصحراء، كانت عربات القطار ملونة، كل عربة تحمل لونًا مختلفًا عن الأخرى.
كانت العربة الأولى حمراء اللون، والتي تليها زرقاء، ثم خضراء، صفراء، بني، أبيض، أسود.
استقبلنا رجل نحيل، أسنانه بارزة، له هيئة عجيبة كأن الزمن نسيه، يبتسم بطريقة مخزية، رأسه صلعاء لم يتبقَ عليها سوى أحد عشر شعرة سُرّحت على جانب.
قال: "تذاكر؟"
حدّقت في الفتاة بغرابة، نحن لا نحمل تذاكر. أخرجت الفتاة عملة مذهبة وضعتها في كف يده، بعد أن عاينها منحها تذكرة زرقاء وأشار للعربة.
أخرجت أنا الآخر عملة مذهبة، وضعها في جيب بنطاله ومنحني تذكرة سوداء.
افترقنا، بدا هذا واضحًا جدًا، أنا والفتاة لن نجلس في عربة واحدة.
تساءلت: "لماذا اجتمعنا إذا كنا سنفترق بتلك الطريقة؟"
لوّحت لي الفتاة بيدها قبل أن تختفي داخل عربتها، بدت مستسلمة بطريقة مخيفة، بينما كان الشك يلتهمُني.
صعدت العربة سوداء اللون، بالداخل القطار شاسع، في كل ناحية مقعد واحد فوقه حامل حقائب، الرقم سبعة كان مقعدي.
وضعت حقيبتي على الحامل وجلست ألملم سترتي الصوفية على جسدي حيث شعرت بالبرودة.
بالجهة المقابلة كانت تجلس فتاة ذات ملامح شريرة، مستغرقة بالنظر أمامها بلا اهتمام.
قلت: "مرحبًا!"
كنت أرغب بخلق حديث مع أي شخص ربما يرحل ذعري. التفتت الفتاة ناحيتي فرأيت النهر والخضرة داخل عينيها، كانت بشرية لكن قسماتها وحركاتها مرعبة، لم تكن مثلنا أبدًا.
قالت: "مرحبًا."
قلت بتلعثم: "أنتِ أيضًا حضرتِ لتسديد الدين؟"
نظرت الفتاة للعربة الخالية ولاحظت لأول مرة أننا وحدنا داخل العربة ولا يوجد غيرنا.
صوّبت نظرها نحوي وشعرت أن عينيها تخترقني. قالت: "لا تتحدث عن الدين هنا، لن تعجبهم تلك الكلمة."
قالت بفخر: "إنها الرحلة الأخيرة لي، بعدها أصبح حرة."
قلت: "ماذا تعني بأنها رحلتك الأخيرة؟ حضرتِ هنا من قبل؟"
أطلقت ابتسامة مقيتة كأنها تنوي أكلي: "أنت مستجد؟"
لم أرد، كنت أفكر بشيء آخر، تيشا الفتاة التي كانت جالسة معي، ربما الأصح أن أبحث عنها بأنها مثلي.
قالت الفتاة: "جرب أن تذهب، لن تفلح بالوصول إليها، مصيرك محدد."
"لن تغادر تلك العربة إلا لوجهتك المحددة."
قلت: "أنتِ تقرأين أفكاري؟"
قالت: "اكتسبت تلك المهارة لأن والدي من الجان قارئي الأفكار، سريعي البديهة."
قلت بتلعثم: "التقيتِ والدك؟"
تجهم وجهها، قالت بنبرة ساحقة: "لا أحد يقابل والده أبدًا."
قلت: "ماذا يعني ذلك؟" وأشرت لها بيدي بلا فهم.
قالت الفتاة: "هناك محكمة تقام لكل جان تزوج بشرية، أحكام القضاة فيها قاسية جدًا."
"الحرق، النفي، السجن، في الغالب لا يرى الجان الذي تزوج ببشرية أبناءه."
"لا تحزن، قبل أن يتخذوا تلك الخطوة يعرفون ما ينتظرهم، الزواج الطبيعي يتطلب إذن مسبق من ملك القبيلة."
أطلق القطار صافرته وتوقف للحظة، نظرت من النافذة، من العربة الحمراء نزل شخصان، تركهم القطار وانطلق.
انتظرت محطتي بفارغ الصبر أتخيل الوحوش التي ستقابلني، الأشباح والجان بأشكالهم المرعبة، نزلت تيشا قبلي بمحطة.
لوّحت لي وهي تبتسم وتمنت لي رحلة سعيدة.
لاحظت الفتاة اهتمامي بتيشا وقلقي عليها، قالت بغل: "معظم الفتيات والشبان الذين يحضرون هنا لا يعودون مرة أخرى."
قلت: "سيموتون؟"
قالت: "لا، الفتيات يتخذهم بعض الجان زوجات لهم، والشبان أيضًا."
"لأن الجان ليسوا مثلنا لا يقبلون الدية."
كشرت فمي، لم أفهم ولا شيئًا.
قالت الفتاة باستمتاع: "أحيانًا تتخذ الجنيات الذين تعرضوا للخيانة من أزواجهم أبناء زوجاتهم أزواجًا لهم إن كانوا ذكورًا."
"أو لبناتهم."
"بينما الفتيات بالغالب يتزوجهن آباء الخائنين أو ملوك الجان."
قلت لها: "هذا ليس حقيقة، أنتِ مختلة."
ابتسمت الفتاة بحقد، قالت: "أعتقد في حالتك ستتزوجك الجنية التي خانها زوجها مع والدتك، أو تزوجك لابنتها حينها لن تعود مرة أخرى."
حاولت أن لا أصدقها بينما قلبي يتلوى من الوجع على تيشا، أطلق القطار صافرته بلا رحمة ولا شفقة بألمي.
كنت قد وصلت محطتي.
رواية مجهول الهوية الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسي
المحطة الخالية كانت محاطة بالأشجار. الفتاة التي نزلت معي كانت تعرف طريقها، انطلقت بسرعة الريح غير مبالية بي ولا بضياعي.
إن أشد حماقات النساء هي اختيار مصلحتهن الخاصة وسرعة الهرب.
وقفت دقائق أتلفت حولي، في أي لحظة أتوقع ظهور جان ضخم يقبض عليّ ويطير بي في الهواء، لكن ولا شخص ظهر، لا استقبال، لا حفلة شاي، لا دليل يقودني في هذه البلاد الغريبة.
كان عليّ أن أسير وهذا ما فعلته، بالخارج امتدت أمامي صحراء يقطعها طريق ممهد، بقعة قاحلة لا حياة بها.
تبعت التميمة التي كانت تشير بوصلتها للأمام، الشمس تسلخ عنقي ووجهي، حقيبتي الباكية فوق ظهري، لا أنكر أنني فكرت في العودة مرة أخرى، لكن المحطة اختفت فور أن خرجت منها.
واصلت سيري مرغمًا، كان العطش قد بلغ مني مبلغه، الضيق والرعب.
بعد ساعة من السير لاحت منازل كثيرة، منتظمة في صف كلها من طابق واحد، أسرعت خطوتي حتى بلغت تلك القرية الصغيرة.
رغم حاجتي للراحة إلا أن التميمة كانت تشير للأمام، في منتصف منازل القرية أشارت التميمة لبناية قديمة من طابقين ثم توقفت عن الاشتعال.
دلفت خلال الباب المفتوح كان هناك ما يشبه رواق خالي، لا مقعد، لا أريكة، لا سرير، مجرد أرض صلبة.
ناديت بنبرة متزنة:
"هل من أحد هنا؟"
حتى هذه اللحظة ومنذ خروجي من القطار لم أرَ سوى تلك الفتاة البشعة التي تخلت عني. ارتقيت سلالم مكسرة وأنا على وشك إخراج سيجارة لأدخنها، بالطابق العلوي كان هناك باب مفتوح لغرفة وحيدة، عندما لمحت سرير بشري ارتاح قلبي.
كل ما أرغب به الآن النوم ولا شيء غيره، خطوتين وكنت داخل الغرفة.
أدخن لفافة تبغ وأنظر لفتاة شابة متعربة راقدة على السرير بوضعية طائر البطريق.
أو ليتها ظهرت لي بسرعة، سحبت من لفافة التبغ حتى تعبأت خياشيمي.
قلت:
"أنتِ؟"
"إذا كنتِ بشرية على ما أعتقد استيقظي من فضلك."
لا حياة لمن تنادي.
استدرت مرة أخرى نحوها وسمحت للشيطان داخلي أن يتملى قسمات جسمها، بحذر اقتربت، ولكزتها في كتفها العاري.
فتحت عينيها بكسل، قالت وهي ترفع البطانية:
"أخيرًا وصلت؟"
"انتظر خارج الغرفة حتى أرتدي ملابسي!"
أطعتها ووقفت على باب الغرفة أنهي سيجارتي.
"ادخل!"
دخلت، جلست على طرف السرير، قلت بشك:
"أنتِ بشرية؟"
قالت:
"أنت غبي؟"
"لو كنت جنية كنت شعرت بك قبل أن تعاين جسدي العاري."
"المهم، من أنت؟"
قلت:
"فهد."
قالت:
"أول مرة؟"
قلت:
"أول مرة؟"
قالت:
"إليك التعليمات، ستظل هنا بهذه القرية، تعالج المرضى الذين يأتون إليك حتى يحضر شخص آخر لاستبدالك، هذا في الظروف العادية."
"في الحالة الأخرى، سيحضر هنا ولا أتمنى ذلك، جنية عجوز أو شابة تأخذك لمملكتها لتسديد دينك."
قلت:
"أولًا من سأعالج؟"
قالت:
"مرضى، بشريين في العادة من الذين حضروا معك وفي حالات نادرة جان."
قلت:
"الجان يمرضون؟"
قالت:
"أحيانًا."
"الطعام سيصلك كل يوم، طبعًا دون أن تشعر، إذا كنت محظوظًا لن يزعجك أحد، ستمر أيامك هادئة حتى موعد عودتك."
"منذ متى وأنتِ هنا؟"
قالت:
"ربما شهر."
قلت:
"وأنا؟"
قالت:
"الرحلة الأولى شهرين، بعدها أنت وحسن سلوكك وكفاءتك."
"سأرحل الآن، أخيرًا سددت ديني، أنا حرة."
"أنتِ أيضًا ابنة جان؟"
قالت:
"نعم، لكن لا أحد يعرف ذلك، الجان يطمسون الحقائق خلفنا."
"عند عودتك ستفاجأ أن لا أحد شعر بغيابك."
"لا تحاول الخروج من القرية، لا تتذاكى، أدِ عملك بضمير، اقضِ وقتك وارحل."
"إذا مرت عليك خمسة أيام، بحلول منتصف اليوم السادس ستنتهي فرصة المطالبة بجسدك."
"يعني أن صاحبة الدين في حالتك تنازلت عن حقها فيك."
"القطار ينتظرني، مع السلامة."
"مع السلامة."
ألقيت بجسدي على السرير، أليس هذا حلم مقيت؟ أفتح عيني بعده في منزل أبي؟
كنت متعبًا جدًا ونمت، ربما مرت ليلة كاملة إذا كانت حساباتي صحيحة لأن الشمس أشرقت مرة أخرى.
وجدت طعامًا على باب الغرفة تناولته بصمت وجلست بالشرفة أراقب القرية المهجورة.
مضى يوم آخر قبل أن يظهر لي شاب من العدم، كان يعاني من توعك في معدته، كان أول مريض يحضر إليّ وبدا سعيدًا في حياته.
عندما سألته:
"كيف تمضي حياتك؟"
وكنت أتوقع حجم البؤس الذي يعيشه إنسان بعيد عن عالمه.
قال:
"أنا بأحسن حال، بعد أن رفضتني الفتاة التي كنت أحبها تم طلبي لسداد ديني، تزوجت جنية شابة عشت معها أجمل أيام حياتي."
"الجنيات لا تكبر هل تعلم ما يعني ذلك؟"
قلت:
"لا."
"يعني أنها متجددة، إنها نفس المرأة لكن كل ليلة تشعر أنها أول مرة."
"لقد تضخمت ثروتي بعد أن عدت لعالم البشر مع زوجتي."
"الآن أنا هنا في زيارة، ديني انتهى منذ مدة طويلة."
سمعت صوتًا رقيقًا جدًا ينادي من بعيد:
"محسن!"
حينها ابتسم الشاب، قال:
"يجب أن أرحل، زوجتي تناديني."
انطلق تجاه الطريق، من الشرفة قبل أن يصل لمحت فتاة خرافية الجمال تنظر تجاهي.
"لماذا تشكلتِ؟" سألها محسن قبل أن يصل إليها.
بعد أن رمقتني بتركيز قالت لمحسن:
"هيا بنا."
رواية مجهول الهوية الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسي
جلست في الشرفة أتابع محسن وزوجته الجنية حتى اختفيا عن نظري، بعدها تمددت على السرير لبعض الوقت. كنت مستغرقًا بالتفكير حتى حطت عصفورة جميلة على شرفة شرفتي وراحت تشقشق بصوت جميل. ظللت أستمع لها بصمت مدة ليست قليلة، ثم نهضت من مكاني بهدوء وأنا متيقن من رحيلها، لكن العصفورة ظلت ساكنة في مكانها، وسمحت لي بتمرير أصابعي على جناحها.
كانت أجمل عصفورة رأيتها يومًا، تحمل ألوانًا مزركشة بغاية الروعة والجمال. حملتها بين يدي ورقدت على السرير أملس على رأسها.
رمقتني العصفورة برهبة في البداية، لكنها سرعان ما سكنت.
قلت: غني يا عصفورة، واصلي زقزقتك!
راحت العصفورة تزقزق بصوت ولا أجمل، لكنه حزين جدًا.
ظلت بحضني أكثر من ساعة قبل غروب الشمس، حلقت نحو الشرفة، وقفت دقيقة تنظر إلي ثم طارت مبتعدة.
كل شيء هنا مختلف حتى العصافير التي تخاف في بلدتنا من البشر وتحلق مبتعدة فور رؤيتهم، أليفة هنا وتسمح لنا بلمسها.
سرعان ما حل الليل، تناولت طعامي ولم أشعر برغبة في النوم. لكن تلك الفتاة حذرتني من مغادرة المنزل ليلًا وقالت: التحرك في الليل ليس آمنًا، أنت لا تعرف ما ينتظرك بالخارج.
رحت أتقلب على سريري حتى الفجر، حينها وقبل أن تغمض عيني سمعت صوتًا تحت شرفتي في الشارع. سحبت جسدي ونظرت من الشرفة، في منتصف الشارع رأيت تلك الجنية، زوجة محسن تحدق بالشرفة بإمعان.
شعرت بالقلق، غطيت جسدي العاري وعدت مرة أخرى للشرفة. وجدتها تبتسم لي، لوحت لها بيدي، لوحت لي ثم اختفت.
شعور بعدم الراحة رافقني حتى الصبح، بعدها نمت ولم أفتح عيني إلا حدود العصر على شقشقة العصفورة وصوتها الحزين.
رفعت ظهري بكسل، وجدتها على الشرفة تشدو وهي تنقر الخشب.
لوحت لها وقلت: تعالي!
حلقت العصفورة وحطت على طرف السرير.
قلت: ما رأيك أن أتناول طعامي؟
واصلت العصفورة شقشقتها وهي تتابعني ألتهم طعامي.
جلست على مقعد مخلع، أخرجت لفافة تبغ أشعلتها وأنا أتأمل العصفورة، مظهرها غريب. لا وجود لعصفورة يمكنها أن تشدو بهذا الجمال وتلك الطمأنينة.
قبل المغرب حلقت العصفورة ناحية الشرفة، نقرت الخشب ثلاث مرات ثم طارت مبتعدة.
بدأت أعتاد على روتينها اليومي، هذه العصفورة تحضر بعد العصر، ترحل قبل غروب الشمس كأنها تعرف موعدها بالضبط. حاولت أن أفكر في تصور لحل لغز حضورها لكني فشلت.
مضى الربع الأول من الليل، سكون وصمت، في هذه القرية لا وجود لأي نفس غيري. كل ما علي فعله أن أجلس في الشرفة وأراقب الخلاء والظلمة.
عندما ينتصف الليل لاحظت أنني أسمع صوت عواء ذئب. تكرر ذلك مرتين وإن كنت لست متأكدًا أول ليلة لكني الآن واثق مما يحدث.
شعرت بضيق من جلستي الطويلة في الشرفة، كنت أرغب بأي مخلوق أتحدث إليه حتى لو كان عفريت أو جني. ألا يوجد أي أحد يسكن هنا جواري؟ تلك الفتاة التي نزلت في محطتي أعتقد أنها لم تبتعد عني، في الصبح سأبحث عنها.
سمعت صوت حركة في الشارع، مثل المرة السابقة اعتقدت أنه كلب أو قط. عندما نظرت من الشرفة وجدتها، الجنية التي حضرت بالأمس. كان نفس شكلها ومظهرها تقريبًا، افترضت أنها من الجان الذين يستطيعون التشكل. كانت واقفة تنظر تجاهي بصمت.
أي شخص يملك عقل يمكنه بسهولة أن يفهم أن ما يحدث ليس طبيعيًا وأن وراء تلك الجنية قصة.
لوحت لها.
لوحت لي.
قلت: اقتربي.
مشت حتى وصلت تحت الشرفة.
قلت: لماذا تحضرين هنا كل مساء؟ أين زوجك محسن؟
استدارت نحو الصحراء، مسحت المكان بعينها قبل أن تنظر إلي مرة أخرى.
قلت: من أنت؟
ابتسمت الجنية ببلاهة، كانت أكثر جمالًا من أول مرة رأيتها.
قلت: ما اسمك؟
قالت وهي تحلق في الهواء بسعادة: سيبا.
قلت: ماذا تفعلين هنا؟ ما الغاية من حضورك كل ليلة؟
قالت وهي تلف حول نفسها كأنها ترقص: مضى ثلاثة أيام يا ناصر.
ثم اختفت.
لم يريحني كلامها، ذكرني فورًا بالديه وأنه من الممكن في أي لحظة أن تحضر جنية تطالب بالزواج مني. شعرت بانزعاج وخوف، رحت أدعو أن تمضي أيامي بسلام حتى أعود لبيتي مرة أخرى.
قضيت ليلة تعيسة ولم أغمض عيني إلا الصبح.
عندما استيقظت وجدت العصفورة في حضني، كانت تداعب خدي بريشها وتنقر جلدي بلطف.
قلت وأنا أربت على رأسها: ها كيف حالك؟
خرج صوت العصفورة وهي تحلق ناحية الشرفة: سأنتظرك الليلة في كهف الأموات، لا تتأخر.
احتجت دقيقة لأقنع نفسي أن العصفورة تحدثت ونطقت بكلام.
قلت: أنت عصفورة! كيف تحدثتِ؟
قالت: أنت شيطانه يزح.
قبل أن ينتصف الليل سأنتظرك في كهف الأموات، قالت وهي تحلق مبتعدة.
قلت: كيف أعرف كهف الأموات؟
قالت: في جبل الضياع.
وطارت مبتعدة.
رواية مجهول الهوية الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسي
شيطانه؟ جبل الضياع؟ كهف الأموات؟
لعنت حظي الذي أحضرني لتلك البلاد البعيدة، كل تلك الأحداث التي لا يصدقها عقل. عصفورة تتحدث بلساني، جنية تقف تحت شرفتي كل ليلة، ودين لعين علي سداده لا ذنب لي فيه.!!
شعرت بضيق، أشعلت لفافة تبغ منتوياً عدم مغادرة غرفتي، أن تمر فترة خدمتي هنا بلا مشاكل، أن لا أقحم نفسي في المشاكل.
كاد رأسي ينفجر من التفكير، سمعت صوت ينادي من تحت الشرفة.
لعنت في سري كل الأشياء المَقيتة. هذا آخر ما ينقصني، سحبت جسدي ناحية الشرفة، وجدتها هي نفسها زوجة محسن.
كانت أكثر جمالاً وبهاءً، لكني كنت في حالة لا تسمح لي بقبول أي شيء.
قلت: ستقف دقيقتين وترحل.
كنت على وشك العودة لسريري عندها سمعت اسمي، ناصر، كان نبرة موسيقية تسحر الألباب استأثرت على كل جزء من جسدي.
مسحوراً برقة صوتها، انتصبت في الشرفة غير قادر على الحركة.
- انزل بسرعة.
نغمات ناي مسحور تجرني ناحيتها، نزلت درجات السلم مخدرًا، لم يكن صوت عادي هذا الذي أسمعه بل كان برائحة آخر قطرات المطر على عشب أخضر.
- ماذا تريدي؟
- ستحضر معي لبلادي.
قلت بتلعثم: لكنك متزوجة من محسن؟
قالت: اسمه ليس محسن، ليس زوجي. قالت: هذا شيطان متشكل أرسلته ماتشيا لمعاينتك.
سألتها: ماتشيا من؟
- صاحبة دينك، إنها تنتوي الزواج منك مقابل خيانة زوجها.
- لماذا تحاولي مساعدتي؟
- ماتشيا جنية عجوز لعينة وشريرة، لن تكتفي بالزواج بك، ستستحوذ عليك وتسخرك لخدمتها طوال عمرك.
صمت، لم أقوَ على الرد.
- اسمع ناصر، لا وقت للتفكير، أنا أراهن بحياتي من أجلك، علينا أن نهرب فوراً.
أنا بتلعثم: لماذا تساعديني؟ لن أترك مكاني حتى تخبريني بالحقيقة؟
- ماتشيا، قالت الجنية بحزن، قتلت زوجي، وأجبرتني على خدمتها. تعذبني كل يوم، تضربني بسوط من نار.
- إذا كانت شريرة كما تقولين ستعثر علينا.
قالت الجنية: سنهرب لمكان بعيد، سنبحث عن ساحر أو ساحرة يمنحنا طلسم يحجبنا عنها.
نظرت للسماء الغائمة، جو كئيب يبعث على الرثاء، قلت: سأذهب معك...
لم أتم جملتي، اختفت الجنية فجأة ووجدت أبشع وجه يمكنك رؤيته. جنية قصيرة وبدينة، بشعة المظهر، أنيابها الحيوانية تبرز من فمها. خلفها شيطان أصلع نحيل أسود.
قالت: قيده.
بسرعة البرق قيدني الشيطان بلا قيود جعلت أتملص بغير قدرة كان جسدي مشلولاً تماماً.
رمقتني الجنية بعينين من نار، قالت: اصمت، أنت ملكي، خادمي. إذا فتحت فمك سألهب ظهرك بالحديد والنار.
فحيح، صوت غائر وعميق، صوت موت مرعب لأبعد حد، "أحضره خلفي سأسبقك".
اختفت الجنية كما ظهرت.
ابتسم لي الشيطان بأسنانه اللعينة، وضع أظافره فوق خدي شعرت بنار تلسعني، صرخت من الألم.
- اصرخ يا إنسي يا لعين، اصرخ، لن يفيدك البكاء ولا الصراخ، أنت مجرد عبد حقير.
جرني خلفه بقيود لا أراها كنت أركض بكل قوتي وهو يجذبني خلفه مثل بهيمة.
- لا فائدة، قال الشيطان بعد مدة من الركض، بهذه الطريقة سنصل ديار نتح بعد أسبوع.
توقف أمامي تمتم بطلسم بعدها وجدت نفسي أطير في الهواء، أغلقت عيني كأنني أسافر بين عوالم مختلفة، فجأة توقفت الحركة.
وجدت نفسي داخل كهف في جبل والشيطان أمامي.
قال: سنستريح هنا لبعض الوقت، علي أن أتزود ببعض الطعام فأنا لست معتاداً على الانتقال وأنا أحمل شخصاً آخر.
ربطني داخل الكهف، كنت في حالة صدمة نفسية، اقتعدت الأرض باستسلام، اتكأت على صخور الكهف أحاول أن أبكي. لكني لم أجد دموعاً في عيني.
شعرت بالضياع ورغبت أن تنتهي حياتي، مجرد ربع ساعة وسمعت حركة على فوهة الكهف، انهضت جسدي وأنا مغمض العينين لم أكن مستعداً لتلقي لسعة نار من ظفر الشيطان مرة أخرى.
اقترب صوت الخطوات نحوي، فجأة سقطت القيود عن يدي وسمعت كلمة "أنت حر".
فتحت عيني لأجد فتاة في منتهى الجمال تقف أمامي بشعرها الأصفر الطويل ولباسها الفيكتوري.
- من أنت؟
ابتسمت الفتاة، قالت: أنا العصفورة.
- الشيطانة؟ قلت بلا تفكير!
قالت: أجل، علينا أن نهرب قبل أن يحضر شيطان ماتشيا.
معها لم أكن لأمانع لو ذهبت للجحيم، قلت: لننطلق. وانتظرت أن تحملني أو تقوم بأي حركة شيطانية.
قالت: سنهبط الجبل من الجهة الأخرى.
قلت: أنت شيطانة يمكنك الطيران، الانتقال، الاختفاء؟
قالت: إذا قمت بأي حركة سحرية سيشعر بنا شيطان ماتشيا.
- ومن قال إنني لم أشعر بقدومك يا سابينا؟
كان شيطان ماتشيا يقف بحجمه الطبيعي الآن، ضخم مثل ثور وله قرنين تشعان نار خلف سابينا.
- لن ترحلي من هنا سابينا، هذه نهايتك وهذا الكهف سيكون قبرك، ستتعلمين كيف تتجرأين على رهينة شيطان سفلي.
شعرت أن سابينا توترت، قبل أن تتحرك من مكانها لطمها شيطان ماتشيا لطمة قذفتها داخل عمق الكهف.
تنحيت جانباً عندما انقض عليها شيطان ماتشيا مرة أخرى، قبض عليها وطار بها لخارج الكهف وأسقطها على الأرض.
قلت في نفسي: عظمها تكسر.
لكن سابينا ظهرت مرة أخرى محلقة في الفراغ، كان لها جناحان ترفرف بهما.
- أظهري على حقيقتي سابينا، صرخ شيطان ماتشيا.
أغمضت سابينا عينيها، ضمت كفيها على شكل قبضة وهي محلقة في الهواء ثم ضغطت عليها.
وضع شيطان ماتشيا يديه فوق رأسه وشعرت أن عظامه تتكسر.
- غير معقول، تمتم الشيطان، هذه ليست قوتك أنت شيطانة ضعيفة.
قالت سابينا: يكون الشخص ضعيفاً عندما لا يثور لنفسه.
- سحر أسود، صرخ شيطان ماتشيا وهو يرفع رأسه وكان يلهث ولسانه يتدلى من فمه.
اندفع بكل قوته تجاه سابينا، عصرها من وسطها، رأيت سابينا تهوي عليه بكوع يدها بضربات تهز جبل.
ظلت تضربه وتضربه حتى فتت عظم ظهره، سقط شيطان ماتشيا على الأرض وسقطت سابينا معه.
انتظرت لحظات أسمع حركة لن يظهر أي شيء، هبطت من على الجبل بصعوبة ووصلت بعد أكثر من ساعة.
كان شيطان ماتشيا ميتاً، جسده فوق سابينا على الأرض.
تحسست الشيطانة، كنت أعتقد أنها ميتة، لكنها فتحت عينيها أخيراً بصعوبة.
قالت: أنا غير قادرة على الحركة.
قلت: سأساعدك.
قالت: لن تستطيع. ماتشيا ستحضر في أي لحظة.
حملت جسد سابينا فوق ظهري وسرت بها بضع خطوات، قالت سابينا: لا فائدة أنزلني على الأرض.
وضعتها على الأرض، طلبت مني أن أمسك يدها فعلت ما طلبته مني.
بآخر ما تملك من قوة تمتمت بطلسم غامض، بعدها انتقلنا لمكان بعيد وهي فاقدة للوعي.
رواية مجهول الهوية الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسي
ماتشيا، وهي تجلس على مقعد من عظام البشر بظهرها المنحني: لماذا تأخر هذا الشيطان اللعين؟
ثم ضربت المقعد بيدها وهي تصرخ: باذك!
ظهر شيطان شاب نحيل، اقترب منها وهو محني الرأس، قال وهو يقبل يدها: أمرك.
ماتشيا: اذهب بسرعة، اعرف لي سبب تأخر ذلك اللعين.
باذك: أمرك.
اختفى باذك في لمح البصر محلقًا للبحث عن شيطان ماتشيا. كان من الشياطين الدونية. عندما قتلت ماتشيا والدته كان طفلًا رضيعًا، ومنذ وقتها وهو مسخر لخدمتها بعد أن قيدته بطلسم الخضوع. لا يكره أحد أكثر من ماتشيا، لكنه مضطر لتنفيذ أوامرها. يعلم أن ماتشيا لا ترحم، وأنه إذا عاد بلا خبر، ستعذبه بسلاسل من نار تقيده بها.
بعد تحليق طويل، وجد باذك جسد شيطان ماتشيا مرميًا على الأرض وعظام ظهره مهشمة. لم يجد معه الإنسي الذي حدثته عنه ماتشيا. قطع رقبته وعاد بها لماتشيا.
قبل أن يدخل عليها طلب الأمان فهو لا يأمن غضبة ماتشيا. بعد أن سمحت له بالدخول ألقى أمامها رأس الشيطان الذي وجده مقتولًا.
ماتشيا بصوت أحدث عاصفة: من الذي تجرأ لقتل خادمي؟
باذك في سره وهو يرى عروق ماتشيا ووجهها القبيح: زوجك كان عنده حق عندما هرب منك.
ماتشيا بغضب: ماذا تقول يا لعين؟
باذك: لا شيء مولاتي، أنتظر أوامرك.
ماتشيا: ارحل من وجهي قبل أن أحرقك.
باذك وهو يختفي بعيدًا عنها: رؤية وجهك كل يوم أشد من الحرق نفسه.
جلس باذك خارج كهف ماتشيا يفكر: لو أعرف الجان الذي قام بقتل شيطان ماتشيا لطلبت منه مساعدتي. أعجبته الفكرة وقرر البحث عنه.
ماتشيا تقدمت بطلب لأعضاء محكمة المرتدين التسعة تطلب فيه إهدار دم قاتل شيطانها والحكم على البشري الذي خان العهد وهرب من دينه بالموت.
وجد ناصر نفسه على سفح جبل غطاه الثلج. سرعان ما شعر بالبرد ينخر عظامه. فكر إذا لم يجد مكانًا يحتمي به من البرد سيتجمد مكانه.
مسح المكان بعينه، وجد كهفًا في أعلى الجبل. حمل سابينا فوق كتفه وصعد بها ناحية الكهف.
بعد مجهود جبار وصل الكهف الذي كانت فوهته مغطاة بالثلج واضطر لحفر الثلج بعصا خشبية حتى أحدث فجوة خلاله. تسحب داخل الكهف وجذب جسد سابينا خلفه.
كان الكهف في الداخل دافئًا بعض الشيء، لكن ليس بالقدر الكافي وأيقن أن عليه إشعال نار حتى لا يتجمد من البرد.
ترك سابينا داخل الكهف وخرج للبحث عن الحطب. بآخر ما يمتلكه من قوة جمع بعض الحطب. عندما دلف داخل الكوخ أخيرًا صادفته المشكلة الأكبر: كيف سيشعل النار؟
أحضر حجرين وراح يضربهم ببعض لإحداث شرر لكن الأحجار لم تطاوعه.
ناصر يجلس بقلة حيلة متكئًا على صخر الكهف وهو يشعر بالبؤس.
الأحجار السحرية:
قالت حجرة: أنا أشفق على ذلك البشري سيموت من البرد.
حجر بصوت أجش: ليس من شأننا إن كان لا يعرف الطريقة التي تمكنه من إشعال النار.
قالت الحجرة: ربما علينا أن نساعده؟
الحجر: توقفي ناهيا عن حديثك، نحن لا نتدخل في صراعات البقاء. قوانيننا تمنعنا من ذلك.
حجرة بقلة حيلة: حاضر.
وجد النعاس طريقه لعيني ناصر بعد مدة، وسرعان ما رقد على الأرض خائر القوى إلى جوار جسد سابينا الممدد بلا حراك.
تسحبت الحجرة السحرية ناحية معدة ناصر وعندما اضطجع على جنبه شعر بألم مبرح. فتح عينيه وكان جسده متجمدًا من البرد فوجد حجرًا مستقرًا تحت جسده.
حرك الحجر بضعف بعيدًا عنه قبل أن يفكر مرة أخرى بإشعال النار. تناول ذلك الحجر وضربه بصخر الكهف فأحدث شرر.
ابتهج ناصر وقرب الحطب منه ثم ضرب الحجر مرة أخرى في الصخر، سرعان ما اشتعلت النار في الحطب.
شعر ناصر بالدفء وقرب جسد سابينا من النار وحرص ألا يتوقف عن وضع الحطب على النار حتى لا تنطفئ.
بدأت سابينا تتملل لكن لم تفتح عينيها وكانت تتأوه من الوجع. شيطان ماتشيا كان أحدث إصابات بالغة في جسد سابينا.
لكن ناصر لم يتوصل عقله للتفكير أن الشياطين من الممكن أن تموت من جراح المعركة، لذلك كان مطمئنًا أن سابينا ستفتح عينيها في أي لحظة.
الحجرة السحرية: هذا الإنسي غبي، يجلس بلا حراك بينما تلك الفتاة على وشك الموت.
صوت حجر: ناهيا؟ ألم تكتفي من مساعدة البشري؟ أشعلتِ له النار والآن ترغبين بمساعدة عشيقته الشيطانية؟ ألا تعلمين ما يفعله الشياطين بنا؟
ناهيا: أعلم يا حبيبي، لكنها ستموت.
صوت الحجر: لا شأن لنا ناهيا.
ناهيا: مساعدة بسيطة وأعدك أن أتوقف بعدها تمامًا.
صوت الحجر السحري بغضب: أنتِ مجنونة تمامًا، سأخبر والدك بكل شيء.
سعل ناصر مما دفع الحجرين للتوقف عن الحديث.
باذك وهو يحلق على ارتفاع منخفض: مهما كانت نوعية الكيان الذي قتل شيطان ماتشيا فإنه لم يبتعد لمسافة كبيرة.
مسح المكان كله ولم يجد أي أثر لأحد. كان قد وصل جبل الجليد، وعلى وشك تمشيطه لكنه تذكر ماتشيا وخاف أن تشعر بغيابه. فكر راجعًا بسرعة لكهفها.
بعد أن أشرقت الشمس تخلى ناصر عن حذره. كانت معدته تؤلمه بقوة من الجوع وخرج للبحث عن طعام.
لم يجد ولا شجرة مثمرة على أرض الجبل، لكنه لمح أرنبًا بريًا يرعى في عشب بني. فكر أن لو كان بإمكانه اصطياد ذلك الأرنب سيكون وجبة شهية.
تسحب نحو الأرنب وحمل في يده حجرًا، لكن الأرنب سرعان ما شعر به وقبل أن يضربه بالحجر ركض هاربًا بعيدًا عنه.
لكن ناصر سمع صوت ارتطام حجر خلف صخرة، عندما وصل هناك وجد الأرنب جريحًا ملقى على الأرض.
حمل ناصر الأرنب وعاد للكهف. هناك قام بسلخه وإخراج أحشائه قبل أن يشعل نارًا ويضعه عليها.
أخيرًا فتحت سابينا عينيها لتجد ناصر مشغولًا بشواء الأرنب ورائحة ذكية وصلت أنفها.
سابينا: أنت بارع في إعداد الطعام.
ناصر بمزاح: فكرت أنكِ عندما تستيقظين من النوم ستشعرين بالجوع؟
سابينا: لم أكن نائمة كنت مريضة.
ناصر بقلق: الشياطين تمرض؟
سابينا: نعم، مخالب شيطان ماتشيا سامة من الممكن أن تقتلني.
ناصر: ما العمل؟ كيف نعالجك؟
سابينا: لن يستطيع أحد مداواتي سوى أختي هارفا.
ناصر: أين هي؟ سوف أحضرها من أجلك؟
سابينا: حتى لو عثرت عليها لن ترغب بمساعدتي؟
ناصر: كيف ترفض معالجة أختها؟
سابينا: الأمور بيننا ليست على ما يرام، إنها لا تطيق سماع اسمي.
ناصر: دليني على مكانها سأحضرها من أجلك.
سابينا: هارفا ستقتلك فور رؤيتك.
ناصر: سأجرب حظي إذًا طالما ليس هناك حل آخر.
سابينا: ستسير مدة أسبوع بسرعة فراشة حتى تصل لوادٍ مقفر يحاصره جبلان شديدا الارتفاع، ابحث عن صخرة زرقاء، خلفها تجد وكر هارفا.
ناصر: لن أخذلك سابينا، أعدك، أنتِ أنقذتِ حياتي، إنه دوري لأسدد ديني.
بعد أن تناول ناصر طعامه نزل الجبل للبحث عن وكر هارفا. سرعة فراشة؟ فكر ناصر أن الركض في الحالات التي لا نفهمها هو الطريقة الأمثل.
عندما وصل سفح الجبل ركض ناحية الشمال كما طلبت منه سابينا.
الشيطانة العصفورة وهي تحلق فوق السهول: منذ يومين أبحث عنه، منذ علمت من قصاصي السمع بمقتل شيطان ماتشيا وهي تبحث عن الإنسي الذي كان معها، لكنه لم يظهر في أي مكان.
كاد اليأس أن يتملكها. في طريق عودتها لمحت ناصر يركض. هبطت بتحليقها لارتفاع يسمح لها بمراقبته.
كانت على وشك أن تهبط أمامه وتسأله عن وجهته، بعد ذلك ابتسمت: لنرى إلى أين تذهب يا فاتني ومالك قلبي.
رواية مجهول الهوية الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسي
واصل ناصر ركضه تجاه الشمال، في ما اعتقد أنه الحل الأمثل للوصول بسرعة. كان يتذكر التفاصيل: وادٍ عميق يحيط به جبلان، ولا يعنيه ما يحدث حوله.
تابعته الشيطانة مدة طويلة قبل أن تتشكل على هيئة عصفورة، ثم سبقته مائة متر وراحت تشقشق بصوت عذب وجميل.
سمع ناصر صوت العصفورة وكان متأكدًا أنه سمعه من قبل. لكن البلاد بعيدة. الشيطانة العصفورة تخلت عنه وليس من المتوقع ظهورها مرة أخرى.
كادت الشمس أن تختفي خلف الهضاب، ولون الشفق أرجواني، خيط رفيع امتد إلى ما لا نهاية.
عليه أن يتوقف الآن. السير خلال الليل خطر. فكرت الشيطانة أن أسهل حل هو أن تظهر له وتطلب منه الانتظار حتى الصباح.
لكن في تلك اللحظة لمحت الشيطانة ماذك.
كان يتابع ناصر هو الآخر. لم يكن متأكدًا أنه نفس الإنسي الذي هرب من ماتشيا.
لكن رؤية بشري في حد ذاتها أثارت فضوله. كعادة الشياطين، رغب في اللعب مع ناصر ومحاولة إرعابه.
اختفت الشيطانة العصفورة، فهي تعرف أن ماذك خادم ماتشيا وأن رؤيته لها ليست في صالحها وربما تؤدي لقتلها، فماذك شيطان قوي.
لذلك اكتفت بالمراقبة.
ماذك: حان الوقت للعب.
كان غشاء من الليل قد حل وأصبحت الرؤية صعبة رغم مواصلة ناصر ركضه.
سمع ناصر صوت زمجرة دابة ضخمة.
ارتعب جسده. يعلم أن البرية مليئة بالحيوانات المفترسة. بحث بنظره عن ملجأ ولم يجد إلا حفرة صغيرة تحت صخرة أخفى جسده فيها.
ماذك وهو يضحك: بشري غبي.
الشيطانة العصفورة من بعيد: ليس أغبى منك.
ماذك: من أنت؟ أظهر نفسك.
الشيطانة العصفورة من بعيد: ستقتل البشري من أجل لعبة؟
طوال عمرك وأنت شيطان أحمق.
ماذك وهو يتشكل بصورة شيطان ضخم: أظهر نفسك يا شيطان.
أعدك ألا أقتلك.
الشيطانة العصفورة: من يرتضي خدمة ماتشيا لا عهد له.
ماذك: قلت أظهر نفسك.
سانوس: ليس قبل أن تمنحني الأمان.
ماذك: أظهر ولك الأمان.
سانوس وهي تظهر نفسها على شكل شيطانة في قمة الجمال: أنا هنا.
ماذك: أنت؟ أنا أعرفك. ألستِ الشيطانة التي كانت تخدم ماتشيا قبل أن تهربي؟
سانوس: أجل.
ماذك: وُضِعت على رأسك جائزة قيمة.
سانوس: ليس بعيدًا عنك الخيانة فأنت شيطان وضيع.
ماذك: الزمي حدودك يا شيطانة.
سانوس: قول الحقيقة يزعج البعض أكثر من الكذب عليهم.
ماذك: ماذا تفعلين هنا؟
سانوس: أراقب البشري.
ماذك: وأنا أيضًا. ينتابني فضول لمعرفة وجهته.
سانوس: اسمح لي أن أقوم بهذه المهمة لكن لا تؤذِ البشري.
ماذك: يعجبك؟
سانوس: يعجبني جدًا.
ماذك: أنتم نساء الشيطان لا تكتفون من شهوة الجسد.
سانوس: وأنتم تعشقون الدم.
ماذك: كفاكِ كلامًا، انطلقي.
سارت سانوس حتى وصلت الحفرة التي يختبئ فيها ناصر وطلبت منه الخروج.
ناصر: هناك وحش بالخارج!
سانوس: اخرج وسأريك ذلك الوحش.
خرج ناصر من الحفرة ليرى شيطانًا ضخمًا بشع الوجه يحملق به.
ناصر برعب: من هذا؟
سانوس: خادم ماتشيا.
ماذك بغضب: لست خادمًا لأحد.
سانوس: قررت أن تصبح حرًا أخيرًا.
ماذك: لا، قررت أن أنال حريتي.
سانوس: كيف؟
ماذك: بقتلك يا شيطانة وأخذ البشري لماتشيا.
سانوس: كنت أعرف ذلك. لا عهود للرجال في كل زمان.
ماذك وهو يبتسم: اصمتي واستعدي للقتل.
سانوس: قد تظن أنني أنثى ضعيفة لكنك لن تقتلني بسهولة أعدك.
ماذك وهو ينطلق نحوها: احمي نفسك إذًا.
اندفع ماذك، قبض على سانوس وظل يركض بها حتى صدمها بصخرة ضخمة.
انهارت سانوس على الأرض بتعب.
ماذك: انهضي، لن أجد متعة في قتلك بسرعة.
سانوس: أنت قصير النظر.
ماذك: اصمتي يا سافلة سأقتلك الآن.
وضعت سانوس يدها أمام وجهها وتمتمت بكلمات جعلت ماذك يصرخ من الألم، لكنه سرعان ما استطاع أن يتخلص من سحرها ويندفع تجاهها مرة أخرى.
سانوس وهي تحلق في الهواء: الحق بي إذًا.
حلق ماذك خلف سانوس، هنا وجد ناصر فرصة سانحة للهرب.
ركض بأقصى سرعة. الليل بطوله لم يتوقف ولا لحظة حتى وصل مشارف الوادي.
قبل أن يدلف داخله نادت عليه سانوس. كانت متعبة جدًا، مثقلة بالجروح، ينز من فمها الدم.
سانوس: انتظر!
صرخت سانوس.
ساعدها ناصر على الجلوس وجلس إلى جوارها. قالت سانوس:
هارفا حتى لو كانت أخت سابينا لكنها لن تنفذ طلبك بلا مقابل.
ناصر: ما الذي أملكه لأقدمه لها؟
سانوس: هارفا شيطانة وساحرة لا أحد يمكنه توقع ما تريده.
ناصر: لكن سابينا ستموت. يجب أن أنقذها.
سانوس: اذهب إذًا. سأراقبك من بعيد لكن إياك أن تذكر اسمي.
ناصر وهو يواصل الركض: حاضر.
دخل ناصر وادي العليق وركض فوق العشب الذي يصرخ من الألم.
كانت همسات: اللعنة على البشر في كل مكان يظنون أنهم يعيشون بمفردهم.
لم تصل تلك الهمسات لأذن ناصر الذي كان منطلقًا بأقصى سرعة تجاه الصخرة التي لاحت من بعيد.
وصل هناك متقطع الأنفاس. كان الليل قد انتصف والقمر في كبد السماء. أوقفه صوت أنثوي أجش: قف مكانك يا إنسي وقل حاجتك.
ناصر بتلعثم: أرغب بمقابلة هارفا.
الصوت باستغراب: كبيرتنا؟
ماذا تريد من سيدتنا؟
ناصر: أريد مقابلتها لأمر خاص.
ضحك الصوت الأنثوي. حلق طيف بأجنحة يحمل حربة من قمة الصخرة تجاه ناصر.
كانت فتاة يستر جسدها قطعة خيش صغيرة وقفت أمام ناصر.
ما الذي يجعلك تعتقد أن السيدة هارفا ستسمح لك برؤيتها؟
ناصر: لأن أختها سابينا تنازع الموت وإذا لم تعالجها ستموت.
الشيطانة الحارسة: انتظر هنا حتى أعرض الأمر على مولاتي.
اختفت الشيطانة. ظل ناصر واقفًا في مكانه ينتظرها.
سانوس من خلف شجرة: أنا لا أثق بتلك الحارسة اللعينة.
ناصر وهو يتلفت حوله: ماذا تقصدين؟
سانوس: رغبتها كلها شهوة. ستكذب عليك لأخذك لنفسها.
ناصر: ليس بيدي إلا أن أنتظر.
سانوس وهي تختفي: لا تقلق أنا إلى جوارك.
ظهرت الشيطانة الحارسة مرة أخرى، قالت: سيدتي تطلب منك الانتظار حتى الصباح.
ناصر: لكن أنا في عجالة من أمري.
الشيطانة الحارسة: من أنت لتعصي أمر مولاتي؟
ناصر بخنوع: سأنتظر.
رقد ناصر على الأرض والشيطانة الحارسة تراقبه من فوق الصخرة. لم يمضِ سوى نصف ساعة قضاها ناصر شاردًا في ما يحدث له، حتى وجد الشيطانة الحارسة فوقه تعتليه.
ناصر وهو يصرخ: ماذا تفعلين؟
الشيطانة الحارسة: آخذ ما يحق لي. أنت ملكي الليلة.
ناصر وهو يصرخ: ابتعدي عني!
قيدت الشيطانة الحارسة ناصر بتعويذة شلت حركته قبل أن تنزع ملابسه.
الشيطانة الحارسة: قلت أنت ملكي يا بشري.
سانوس وهي تقفز تجاه الشيطانة الحارسة: ليس وأنا حية!
الشيطانة الحارسة وهي تضرب سانوس بحربتها بقوة: قذفتها عدة أمتار، هل ظننت أنني لم أشعر بك يا شيطانة؟
سانوس وهي تحاول النهوض: تشعرين بالفخر لأنك شيطانة علوية!
الشيطانة الحارسة وهي تقيد سانوس بسهولة بتعويذة قوية: اصمتي يا نغلة وشاهدي ما سأفعله بحبيبك.
حاولت سانوس أن تتخلص من قيودها لكنها لم تفلح.
نهشت الشيطانة الحارسة صدر ناصر بأظافرها مما دفعه للصراخ.
فالشياطين تستمتع بتعذيب ضحاياها قبل أن تجهز عليها.
تعددت الكدمات في جسد ناصر وهو يصرخ والشيطانة الحارسة تضحك بسعادة.
سانوس همست في سرها: ستقتله هذه الشيطانة شريرة ولا يهمها ما يحدث طالما تمكنت منها شهوتها.
أغمضت عينيها ورددت: مايقت، مايقت. شعرت بصوت ريح عاصفة جوار أذنها قبل أن تسمع: لكِ واحدة فقط سانوس.