بعدما تركته ريم وركضت للخارج، رأته إحدى الممرضات. لفت انتباهها مظهره الأنيق رغم حالته الرثة ورأسه المطأطأة، فتقدمت منه تسأله بحذر: "حضرتك محتاج حاجة؟ رفع رأسه لينظر لها بتيه، وكأنه قد نسي يده المجروحة، ليستدرك حاله سريعا ثم سألها باحترام: "ممكن بس تغطي الجرح دا بشاش؟ تفحصت الجرح لتقول: "دا محتاج أقل حاجة ٣ غرز.. لحظة هقول لدكتور خالد ييجي يخيطهولك." أسرع يستوقفها هاتفا برفض قاطع:
"لا لا لا.. أنا مش هخيطه.. لفيه بس بشاش عشان مستعجل." "بس كدا هياخد وقت طويل لحد ما يلتئم وممكن يلتهب." رد بنفاذ صبر: "تمام مش مشكلة، أنا هتصرف… بس بسرعة بس عشان ورايا شغل." أومأت الممرضة بقلة حيلة، ثم بدأت تلف الشاش المعقم حول يده المجروحة. وما إن انتهت حتى شكرها معتصم، والتقط سترته وغادر المشفى بخطى سريعة حتى استقل سيارته وعاد إلى شركته يستكمل أعماله رغم شرود روحه وانشطار قلبه.
دلف مكتبه بارهاق ظاهر على ملامحه، ثم جلس بكرسيه يستطلع حاسوبه مستأنفا آخر ملف كان بحوزته بالأمس. تسلل صوت رنين الهاتف ليقطع السكون المحيط. أخرج هاتفه من جيبه بتثاقل، ليرى الرقم الذي كان مألوفا للغاية، رقم خفير البلدة. أجاب بصوت خافت: "إيوة يا سمعان… مالك؟ جاء صوت الخفير حزينًا، متوترًا كأنه يحاول اختيار الكلمات بعناية: "يا كبير… لازم تاچي البلد النهارده… الحچة عيانة جوي."
شعر معتصم بتوقف أنفاسه للحظة، وكأن كل المشاعر التي حاول دفنها عادت دفعة واحدة، فتمتم بصوت متحشرج: "عيانة كيف يا سمعان؟! عنديها ايه؟ أكمل الخفير بحزن: "الدكاترة بيجولوا چاتلها چلطة ع المخ." توسعت عيناه بصدمة وخوف في آن واحد، ثم أغلق معتصم المكالمة بسرعة، وأسند رأسه إلى الحائط. داخل قلبه، كانت المعركة دائرة: هل هو بالفعل قادر على ترك كل شيء والعودة إلى بلدته؟ وهل سيمنحه هذا العزاء الذي يبحث عنه؟
بعد دقائق من الصمت، اتخذ قراره… عليه أن يكون بجوار والدته مهما كانت الظروف. في مكتبه الواسع، جلس هشام، زوج عائشة، يراجع الأوراق والملفات. اقتحم معتصم المكان بخطوات واسعة وحازمة، لكن تعابيره حملت مزيجًا من الإرهاق والعزيمة. "هشام، لازم أسافر للبلد النهارده… أمي تعبانة جدا، وأنا مش عارف هرجع امتى." نظر إليه هشام بدهشة: "سلامتها يا كبير… بس متتأخرش.. الشركة هنا محتاجة وجودك…. وإحنا في نص موسم الشغل."
رد معتصم بنبرة قاطعة: "عارف، بس مضطر… الشغل كله هسيبه في إيدك. عايزك تتابع كل حاجة وتبعتلي تقارير أسبوعية." أومأ بتأكيد: "حاضر يا معتصم متقلقش… متشيلش هم حاجة.. وأنا من ناحيتي هخلي عيشة تسافرلك بكرة تخلي بالها منها." رفع يده بإشارة رفض: "لأ… خلي عيشة دلوقتي تهتم بنفسها وبالجنين… إحنا ما صدقنا ربنا كرمكوا بعد السنين دي كلها… أنا هتكفل بأمي لو هقعد تحت رجليها العمر كله." حانت من هشام بسمة إعجاب ليقول بصدق:
"ربنا يجعله في ميزان حسناتك يا كبير." ربت على كتفه وهو يقول بجدية تامة: "هشام أنا هعتمد على الله ثم عليك في إدارة أملاكنا اللي هنا… لو في أي مشكلة تبلغني بيها فورا ونحاول نحلها سوا." "تمام يا معتصم… مش عايزك تقلق." نظر له بابتسامة محبة: "أنا مش قلقان طول ما انت معانا… انت أخويا التاني يا اتش."
احتضنه بحب وافر، ثم ودعه معتصم وخرج من الشركة ليستقل سيارته متجها إلى شقته ليأخذ بعض الأشياء المهمة، ثم استقل سيارته مرة أخرى مودعا القاهرة، تاركا قلبه فيها مع حبيب قد فقد أمله في رجوعه.
في الطريق إلى بلدته، حاول معتصم الهروب من أفكاره المتشابكة. كان الطريق طويلا، مليئًا بالذكريات المتناثرة، حيث بدا كل شيء يذكره بريم، تلك المرأة التي تخللت حياته وصارت جزءا من روحه. حاول إقناع نفسه بأنها أصبحت من الماضي، لكنها كانت حاضرة في كل نفس يتنفسه.
عندما وصل، وجد البلدة في حالة من السكون المريب، وكأن الأرض نفسها تتنفس بصعوبة. دخل الدوار حيث استقبلته والدته المسجاة بفراش المرض بابتسامة باهتة تخفي خلفها أوجاعا لا تعد. جلس بجانبها، أمسك يدها وكأنها حبل النجاة الوحيد الذي يبقيه ثابتا. قال بهدوء: "أني هانا عشانك يا أمايا… مش هسيبك مهما حاصل." نزلت دمعة على وجنتها الباهتة من أثر المرض، ثم تحدثت بصعوبة: "ربنا… يخليك.. ليا.. يا ولدي… اتو.. حشتك.. جوي."
احتضنها باشتياق بالغ مع حزن ملأ قلبه على ما وصلت إليه حالتها الصحية، ثم التزم الفراش بجانبها ليرعاها ويمرضها ويؤازرها في مرضها. تدريجيًا، انغمس معتصم في حياة البلدة. كان يحرص على رعاية أمه بنفسه مع متابعة المزرعة وحل مشاكل الفلاحين بجدية، لكن شيئا بداخله كان لا يزال معلقا بين الرحيل والبقاء. حاول ألا يفكر في ريم، في الجنين، في كل شيء تركه خلفه، لكنه كان يعلم أن النسيان ليس سوى وهم يطاردنا بلا هوادة.
في مكتب مظلم داخل منزله القديم في البلدة، كان معتصم جالسًا، يراقب الورق الذي أمامه دون تركيز. هاتفه بجواره يهتز بخفة، ليظهر اسم حمد على الشاشة. اعتدل في جلسته والتقط الهاتف بصوت خافت يحمل مزيجا من الدفء والتعب. "أيوة يا حمد… وحشتني ياخويا." جاء صوت حمد من الطرف الآخر واثقًا، لكنه يحمل مسحة من البُعد: "وأنت كمان يا كبير… أخبارك إيه؟ كله تمام؟
"الحمد لله، أنا في البلد اليومين دول وبراعي المزرعة واهي ماشية زي ما هي… أنت كيفك؟ الدراسة في لندن شكلها واكلة وقتك كله؟ "آه، مش بطال… أهو بنحاول نوصل للي عايزينه." ابتسم معتصم بخفة، لكنه عاد إلى نبرة الجدية سريعا: "حمد، كنت عايز أتكلم معاك في موضوع." تغيرت نبرة حمد إلى التحفظ: "عن صافية؟ أومأ معتصم وكأنه أمامه، رغم أن المكالمة لا تحمل رؤى، وقال: "أيوة عنها." سكت للحظات وكأنه يفكر في طريقة مناسبة لفتح الموضوع،
ثم قال: "يا حمد البنت صغيرة… اللي حصل منها كان غلطة… لكن والله العظيم اتغيرت." قاطعه حمد بصوت حازم: "معتصم لو سمحت… أنا مش عايز أتكلم عن الموضوع ده… لما بفتكر بتعصب وأنا عايز أفضل هادي عشان أركز في دراستي." "يا حمد استنى… لو تسمعني بس هتعرف." "مفيش حاجة أسمعها… معتصم القرار أنا أخدته من زمان ومش هرجع فيه." كان صوته قاطعا، لكن معتصم لم يستسلم. استند إلى الطاولة وقال بنبرة أكثر هدوءا:
"طيب، مش عشانها… عشان أمك… أمي عايزة تشوفكم مع بعض." هنا، ارتفعت نبرة حمد، لكنها لم تفقد السيطرة: "أمي هتفهمني زي ما فهمتني قبل كده… أنا مش طفل يا معتصم… الموضوع ده منتهي بالنسبالي." يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!