تحميل رواية «مهمة زواج» PDF
بقلم دعاء فؤاد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في مساء إحدى ليالي أغسطس الدافئة، يقف بحلته السوداء الأنيقة التي جعلته أميراً من أمراء حكايا ألف ليلة وليلة. يقف بساحة الانتظار بمطار القاهرة الدولي، ينظر إلى ساعته النفيسة بتأفف كل حين وآخر في انتظار وصول الطائرة القادمة من نيويورك. وهناك خارج المطار تنتظر أسرته في سيارة أخرى، وهم والدته وشقيقته وزوجها ليستقبلوا العروس. بعد عدة دقائق أعلن المذيع الداخلي عن هبوط الطائرة القادمة من نيويورك، وحينها انتابته حالة من التوتر. لا يدري كيف سيكون شعوره حين يقابلها، بالأحرى كيف سيعرفها وهو لم يلتقِ بها سو...
رواية مهمة زواج الفصل الأول 1 - بقلم دعاء فؤاد
في مساء إحدى ليالي أغسطس الدافئة، يقف بحلته السوداء الأنيقة التي جعلته أميراً من أمراء حكايا ألف ليلة وليلة.
يقف بساحة الانتظار بمطار القاهرة الدولي، ينظر إلى ساعته النفيسة بتأفف كل حين وآخر في انتظار وصول الطائرة القادمة من نيويورك.
وهناك خارج المطار تنتظر أسرته في سيارة أخرى، وهم والدته وشقيقته وزوجها ليستقبلوا العروس.
بعد عدة دقائق أعلن المذيع الداخلي عن هبوط الطائرة القادمة من نيويورك، وحينها انتابته حالة من التوتر.
لا يدري كيف سيكون شعوره حين يقابلها، بالأحرى كيف سيعرفها وهو لم يلتقِ بها سوى مرة واحدة منذ عشر سنوات حين كانت في الرابعة عشرة من عمرها.
ولكن لحظة… لقد أخبره والدها بأنه سوف يرسلها إليه بفستان الزفاف الأبيض.
حتماً سيتعرف عليها من خلال هذا الفستان.
اطمئن قليلاً حين تذكر ذلك الأمر، فعلى الأقل سيتخطى إحدى المواقف المحرجة التي يتوقع حدوثها لاحقاً.
وما هي إلا لحظات حتى أقبلت عليه وهي ترتدي فستان زفاف بسيط، ذو أكمام واسعة يتناسب مع ذلك الحجاب الرقيق الذي ترتديه وتعلوه طرحة الزفاف المزرقشة من أسفل ذلك التاج الصغير الذي بالكاد يظهر على رأسها.
وخلفها أحد عمال المطار يجر حقائبها الكبيرة.
انتابته الدهشة حين رآها مقبلة عليه مباشرة دون أن تبذل أدنى مجهود في البحث عن هويته، وكأنها تعرفه جيداً.
ولكنه نحى ذلك الشعور جانباً ورسم ابتسامة يجاملها بها حتى لا يشعرها بأنها عبء عليه.
ولكن لحظة… لمَ تتلثم بهذه الكمامة السوداء؟
فرغم أنها أعطتها مظهراً أنيقاً مع تلك الهالة البيضاء التي تحيطها، إلا أنه لم يجد تفسيراً لارتدائها.
أما من ناحيتها، انحبست أنفاسها حين رأته واقفاً هناك في انتظارها.
حمدت الله في نفسها أنها ارتدت تلك الكمامة والتي استعملتها خصيصاً لتواري بها خجلها وسعادتها بلقائه في آن واحد.
فلا ينبغي له أن يعرف أنها تحبه منذ أمد بعيد حفاظاً على كرامتها.
لابد له أن يعترف هو أولاً بحبه لها ولو بعد حين.
حين وقفت أمامه، التقت عيناها البنيتان بلون القهوة بعينيه البنيتين المائلتين للسواد.
في لحظات كانت قد طبعت ملامحه الرجولية الحادة برأسها.
ثم أخفضت عينيها للأسفل سريعاً ودقات قلبها تعلو وتتسارع.
يا إلهي… لقد أصبح أكثر جاذبية ووسامة منذ آخر مرة رأته فيها قبل أن تغادر البلاد مع أبيها إلى الولايات المتحدة.
"حمد الله على سلامتك يا دكتورة ندى."
قالها بابتسامته الساحرة، ولكن رغم ذلك امتعضت ملامحها حين نعته بالدكتورة.
إنها زوجته الآن، لمَ يستخدم الألقاب إذن؟
أجابته بنبرتها الرقيقة التي تتناسب مع جسدها الضئيل وقالت:
"الله يسلمك يا أدهم بيه."
"اتفضلي من هنا، ماما في انتظارك برا في العربية."
أومأت بتجهم وسارت خلفه بشيء من الضيق.
فلم يكن في حسبانها أبداً أن اللقاء سيكون بهذه الطريقة الرسمية للغاية.
لم يبارك زواجهما، لم يسألها عن أحوالها، لم يسألها كيف كانت رحلتها.
ترى هل هذه طباعه؟
أم أنه…
نفضت تلك الفكرة عن رأسها سريعاً.
فهي غير مستعدة لفكرة أن زواجه بها مجرد مهمة من مهماته أو حتى خدمة لوالدها.
بمجرد أن رأتها تلك السيدة الوقور تطل عليهم بالفستان الملائكي، حتى ترجلت من السيارة على الفور وابتسامتها الفرحة تشق وجهها الجميل.
وحين اقتربت العروس، فتحت تيسير ذراعيها على آخرهما وكأنها تدعوها لتلقي بنفسها بينهما.
وبالفعل لم تكذب ندى خبراً وارتمت بتأثر بين ذراعي تلك السيدة الحنونة التي تذكرها بأمها الحبيبة.
"حبيبتي يا ندى… وحشتيني وحشتيني وحشتيني أوي يا حبيبة قلبي… عشر سنين متنزليش مرة تطلي عليا وتخليني أشوفك وأطمن عليكي!"
ابتعدت ندى عن حضنها بشق الأنفس ثم قالت بتأثر شديد:
"وانتي كمان وحشتيني أوي يا طنط تيسير… حضرتك عارفة الظروف… يا ريت كان ينفع أنزل وأشوفك… مكنتش هتأخر أبداً."
ظلت تيسير تربت على كتفها بحنو وتناظرها بنظرات مشتاقة، إلى أن انتبهت إلى تلك الكمامة السوداء.
فلم يكن يظهر من وجهها سوى عينيها وجبهتها.
"لابسة كمامة ليه يا حبيبتي؟؟… انتي تعبانة ولا إيه؟"
قامت ندى بنزعها على الفور ثم قالت بابتسامة واسعة:
"لا أبداً… كنت لابساها تحسباً عشان تغيير الجو."
التمعت عينا تيسير ومن خلفها أدهم بإعجاب واضح بملامحها المريحة المتناسقة.
فرغم أنها خمرية البشرة، إلا أن ملامحها ملفتة وتقاسيم وجهها متسقة ووجهها مستدير وصغير.
فهي تشبه كثيراً الممثلة المعتزلة حنان ترك وهي محجبة في شكلها وطولها وقوام جسدها.
"بسم الله ما شاء الله….كنتي جميلة وبقيتي أجمل لما كبرتي يا ندى…كأن سمية الله يرحمها هي اللي واقفة قدامي دلوقتي."
أخفضت رأسها بحزن وهي تترحم على أمها المتوفاة، والتي ترى حنانها المفقود في تلك السيدة الماثلة أمامها الآن والتي كانت صديقة أمها المقربة.
رفعت رأسها حين أتاها صوت روان شقيقة أدهم وهي تقول لها بود:
"حمد الله على سلامتك يا ندى… نورتي مصر يا حبيبتي."
قامت ندى باحتضانها بحب بالغ وهي تقول:
"الله يسلمك يا حبيبتي… انتي أكيد ريم.. صح؟!"
ابتعدت عنها قليلاً وهي تقول ببسمة صافية:
"لا يا حبيبتي.. أنا روان… ريم في شغلها في الصعيد… كانت نفسها تكون في استقبالك بس للأسف لسة مستلمة شغلها امبارح ومكانش ينفع تاخد إجازة بالسرعة دي… بس هي بعتالك معايا السلام وفي أقرب وقت هتيجي عشان تشوفك وتسلم عليكي."
"الله يسلمك ويسلمها يا حبيبتي.. ربنا يوفقها."
اتسعت ابتسامة روان أكثر وهي تعاينها بإعجاب واضح وتقول:
"بس انتي صغنونة أوي يا ندا…عارفة انتي شبه مين؟!"
"مين؟!"
"شبه حنان ترك الممثلة… سبحان الله نسخة منها… بس انتي شكلك أصغر وأحلى كمان."
ضحكت ندى، كما ضحك أدهم أيضاً وقال:
"فعلاً يا روان أنتي لماحة أوي… من ساعة ما شالت الكمامة وأنا عمال أقول حاسس إني شوفتها قبل كدا."
ثم أطلق ضحكة بسيطة.
ولكنها نظرت له بألم، فقد أوجعتها تلك الكلمات وذكرتها بالحقيقة المرة التي لطالما تحاول تجاهلها.
ياللعجب هي زوجته وفي نفس الوقت يراها للمرة الأولى.
تدخل محمود زوج روان سريعاً ليغير مجرى حديث صديقه القفل كما ينعته دائماً ليقول بود:
"حمد الله على سلامتك يا دكتورة ندى..نورتي مصر…أنا محمود زوج روان وأنا والقفل…احم.. أقصد أدهم أصدقاء وزمايل في الشغل."
استنبطت أنه ضابط طالما أنه زميل أدهم، فحَيّته بأدب جم قائلة:
"الله يسلمك يا محمود بيه…مصر منورة بأهلها."
حمحم أدهم ليقول بجدية:
"أنا بقول كفاية سلامات بقى ويلا نروح على البيت عشان ندى أكيد تعبانة من السفر."
نظرت له أمه بحدة وهي تقول باستنكار:
"بيت؟!.. لأ طبعاً.. الليلة ليلة فرحكم وطالما الظروف مسمحتش إننا نعمل فرح، على الأقل نحتفل مع بعض في مكان راقي يليق بعروستنا الحلوة."
قالت كلمتها الأخيرة وهي تنظر لندى ببسمة محبة.
بينما في تلك الأثناء قام محمود بوكز أدهم في كتفه وهو يقول بصوت مكتوم:
"انت غبي يابني…احنا مش متفقين إننا هنعملها حفلة صغيرة بدل الفرح."
رد عليه بهمس:
"نسيت يا بني آدم..إيه مبتحصلش."
نظر له شرذاً وهو يردد:
"صحيح قفل."
نظر أدهم لندى بابتسامة مقتضبة وهو يقول بحرج:
"احنا أصلاً حاجزين مركب شيك جداً في النيل.. بس حسيت إنك تعبانة من السفر فقولت نأجلها."
ردت روان بدلاً عنها:
"لأ مفيش تأجيل.. يلا يلا يا أدهم خود عروستك على عربيتك واحنا هنحصلك على هناك."
قالتها وهي تدفعه نحوها، فقام أدهم بدوره بمسك يدها المتدلية بجانبها برقة متناهية وكأنها يخشى أن تنكسر بين يديه.
ولكن الحق أنه لا يريد لمسها، فهو مازال لا يتخيلها زوجته وعليه لمسها.
بينما ندى أصابها الدوار وشعرت بأن الهواء يقل من رئتيها.
فمنذ أن ولدتها أمها لم يلمس يدها من جنس الرجال سوى أبيها.
ولكن من الذي يلمسها الآن؟
إنه ليس أي رجل، إنه معشوق روحها.
سارت بجانبه باستسلام تام وقلبها يرفرف بين أضلعه من فرط سعادتها.
أخيراً من انتظرت اقتران روحها بروحه منذ سنوات طويلة يسير بجانبها وهي زوجته وحلاله.
ولكن ترى ستستمر فرحتها طويلاً؟
أم لأدهم رأي آخر؟
تماماً في تلك الأثناء…
في منزل واسع أشبه بالفيلات، تقبع دارين بغرفتها وهي تعتلي كرسيها الهزاز وتتحرك به بشدة فيهتز بها بقوة لعلها تفرغ بتلك الحركات شحنة غضبها.
فكيف ومن يُدعى خطيبها قد استغنى عنها وتزوج بغيرها وفي غضون ستة أيام فقط وبطريقة مفاجئة وبدون سابق إنذار.
يالها من زيجة سريعة حقاً.
لقد حفت ورائه عدة أشهر لعله يراها ويشعر بها حتى كادت أن تيأس.
وحين حدث ما تمنت وخطبها يتخلى عنها بهذه السهولة وبعد شهر واحد من الخطبة!
يالحظك العاثر دارين… لم تكد تهنأ بفوزها به حتى أتت أخرى واختطفته من طريقها وبمنتهى السهولة.
راحت تكفكف عبراتها وهي تفكر كيف لها أن تستعيده بطريقة تحفظ كرامتها ولا تجعله يشعر أنها تريده لها وتحترق شوقاً إليه.
كان يقود السيارة وهي قابعة في المقعد الأمامي بجواره، يسود بينهما الصمت المطبق.
فلا هي لديها الجرأة على فتح مواضيع معه، ولا هو يمتلك شغف الحديث معها.
فجل تفكيره منصب في هذه اللحظات على من خذلها وترك قلبه معها وأجبر على الذهاب لغيرها بدون قلب.
وعلى ذكرها أتته رسالة على هاتفه الجوال.
، فقام بتقليل سرعته لكي يتمكن من قراءة الرسالة.
ربما تكون من حبيبة القلب دارين، فهو مشفق عليها وعلى قلبه المكلوم إلى أقصى حد.
لم يكذب حدسه حيث كانت تلك الرسالة منها حيث كتبت:
"مبروك يا عريس… مبروك عليك عروستك الحلوة."
أغلق الهاتف وهو يتنفس بعنف.
، فالتفتت له تناظره بدهشة من تبدل حاله رغم صمته، ولكنها أيضاً لم يكن لديها الجرأة لتسأله.
فقط لمست منه الجفاء وحسب.
الأمر الذي جعل مخاوفها تتفاقم.
بينما كانت لتلك الرسالة تأثيراً قوياً عليه، جعلته يضرب بنصائح أمه وتنبيهاتها عرض الحائط.
يشعر بسخط من تلك المخلوقة الجالسة بجواره أن كانت سبباً في التفريق بينه وبين حبيبته وحتى وإن كانت لا تدري أن له حبيبة وخطيبة من الأصل.
لقد ذكرته بمعاناته وتخبطه خلال الستة أيام الماضية، كانت أسوأ ستة أيام مرت عليه منذ حادث اغتيال والده.
حاول قدر الإمكان أن يتحلى بالثبات، ففي كل الأحوال هي ليس لها ذنب فيما حدث ويحدث الآن.
فهي مثله تماماً مجبرة على ذلك… أو هكذا يظن ذلك.
بعد حوالي نصف ساعة من القيادة الصامتة تماماً وصل إلى الباخرة النيلية التي كانت مجهزة خصيصاً لهما.
ترجل من السيارة ودار حولها ليفتح لها الباب وهو يقول بابتسامة مصطنعة:
"اتفضلي."
حاولت أن تترجل من السيارة دون أن تتعثر بفستانها، ولكن الأمر كان صعباً للغاية.
انتظرت أن يمد يده لها لكي يسندها حتى تستطيع الترجل، ولكن لم يفعل.
لقد كانت في أقصى درجات الغضب ولكنها كتمت ذلك بنفسها.
وكرد فعل طبيعي قامت بالصياح به بحدة دون أن تشعر:
"انت مش شايفني مش عارفه أنزل؟!.. هتفضل واقف تتفرج عليا كدا كتير!!"
وصل صوتها لمحمود الذي ترجل من سيارته لتوه، فأسرع إليهما، فقد توقع أن صديقه القفل قد فعل خطباً ما بها.
"انتي بتعلي صوتك عليا كدا ليه؟!.. أنا مسمحلكيش على فكرة."
رد عليها بنبرة تخطت نبرتها بكثير.
كادت أن ترد عليه إلا أن صوت محمود سبقها حين قال:
"في إيه بس استهدوا بالله."
راحت تردد بصوت منخفض: لا إله إلا الله.
ثم قالت بنبرة عادية:
"مفيش حاجة حصلت يا محمود بيه… أنا بس كنت بحاول أنزل من العربية ومش عارفة أنزل لوحدي بسبب الفستان وأدهم بيه واقف ساند ايده ع الباب وواقف بيتفرج عليا."
لمس في حديثها السخرية، ولكن سيطر على غضبه.
بينما محمود رمقه بغيظ شديد وهو يقول بنبرة عادية حتى لا يزيد الأمور تعقيداً:
"لأ ملكش حق يا أدهم… اعذريه يا دكتورة ندى.. أصله متعاملش مع أميرات قبل كدا… كل تعاملاته مع المجرمين وقتالين القتلة."
اتسعت عينا أدهم بغيظ وهو يناظره بغضب، الأمر الذي أثار ضحكها ولكنها كتمتها سريعاً حتى لا ينظر لها نفس النظرة.
تحامل أدهم على نفسه وتنحنح بأسف قائلاً:
"أنا آسف يا ندى مقصدش اللي حصل طبعاً.. بس أنا فعلاً أول مرة أتحط في الموقف دا ومأخدتش بالي إني لازم أساعدك."
هزت رأسها بإبتسامة بسيطة وهي ما زالت جالسة بالسيارة.
، فقام أدهم بدوره بمد يده لها وهو يبتسم ابتسامة ساحرة ويكأنما يصالحها بتلك الابتسامة التي كادت تفتك بها فتكاً.
فقامت بدورها بوضع كفها الصغير البارد بكفه.
ليته لم يفعل، لقد ازدادت لديها الأمور تعقيداً.
فلم تستطع أن تلملم فستانها من فرط الخجل والتوتر أثر لمسته المهلكة.
فانحنى عليها حتى أصبحت أنفاسه قريبة للغاية من وجنتها المشتعلة بحمرة مخلوطة بلونها الخمري.
علت دقات قلبها حتى أنه قد سمعها وهو يحاول لملمة فستانها لكي تستطيع النهوض.
ولكنه لم يبالي كثيراً لهذا الأمر، فقد كان يبادلها مشاعر باردة حد الجليد.
وأخيراً خرجت من السيارة وهي لا تستطيع أن ترفع عينيها بعينيه من فرط الخجل.
فتأبط ذراعها بعدما أخبره محمود بأن يذهب هو بعروسه إلى الباخرة وسوف يتولى هو أمر السيارة.
كانت الباخرة فاخرة للغاية، مزينة بعناية.
زينتها تليق بضابط كفؤ في العمليات الخاصة مثل أدهم.
كان في انتظارهما بعض الأصدقاء المقربين من العائلة وبعض من زملاء أدهم وزوجاتهم، وصديقات روان أيضاً.
كان أدهم قد أقنع الجميع آنفاً بأنه لم يوفق في خطبته بدارين.
وحين علم أن ابنة صديق والده المقرب على وشك العودة لمصر لتستقر بها، أصر على الزواج بها، متحججاً أنه كان يحبها وينتظرها منذ كانت في الرابعة عشرة من عمرها وقبل أن تغادر البلاد مع أبيها.
قامت السيدة تيسير بلكز ابنتها لكي تفعل أمراً ما.
فأسرعت إلى أدهم حين كانت ندى تقوم بتلقي التهاني.
واستغلت روان ذلك وتحدثت إليه في أذنه بهمس قائلة:
"أدهم ماما بتقولك يا ريت تفرد وشك دا شوية… المفروض الناس عارفة إنك بتحبها من زمان وكنت مستنيها ترجع… بزمتك دا منظر عريس ليلة فرحه؟!"
تنهد أدهم بنفاذ صبر ثم قال بابتسامة مصطنعة:
"حاضر يا روان… حلو كدا."
قالها وهو يرسم تلك البسمة الصفراء على شفتيه.
فلوت شفتيها متحدثة بحنق:
"لأ طبعاً مش حلو… و الله أنا مستغرباك يا أدهم… بقى البسكوتاية دي متتحبش؟!.. طاب و الله أحلى من دارين ميت مرة… و روحها و دمها و كلها على بعضها كدا تعدي دارين بمراحل."
رمقها بنظرة تحذيرية مزمجراً بخفوت:
"روااان.. الزمي حدودك ومتجبيش سيرة دارين على لسانك."
هزت رأسها بيأس وهي تقول بهمس:
"ربنا يهديك يا أدهم.."
ثم تركته بنيران الغضب والسخط تشتعل بسريرته وعادت إلى حيث تجلس والدتها بملامح متجهمة.
"وشك ميبشرش بالخير."
قالتها السيدة تيسير بقلق.
لترد روان بضيق:
"ماما من فضلك أنا مش هتكلم مع أدهم في الموضوع دا تاني… هو مش صغير واللي عايز يعمله يعمله."
"إيه اللي حصل بس قوليلي."
"مش وقته يا ماما… الناس بتبص علينا."
كانت العروس خجلى والعريس ساكن قلما يتحرك ويتحدث مع عروسه، الأمر الذي أصاب أسرته بالغضب البالغ، ولكنه لم يبالي لهم.
فيكفيه تظاهراً بالراحة والسعادة إلى هذا الحد.
كان آسر صديقه يرمقه بغيظ ويتوعد له.
فقد أشفق كثيراً على عروسه المسكينة والتي لم تلقى منه سوى التجاهل حتى الآن.
"العروسة أمورة أوي ما شاء الله.."
كانت تلك كلمات خطيبة آسر والتي كانت تقف بجواره وبينه وبين شقيقتها “مودة”.
رمقها ببسمة هائمة مردداً:
"عقبالنا يا قلبي."
ابتسمت له بخجل ثم أدارت نظرها لشقيقتها ترمقها بإشفاق بالغ ثم قالت لها بحذر:
"عقبالك يا مودة."
لوت شفتيها لجانب فمها بتهكم مرير ثم قالت بأسى:
"اللي زيي ميتقلهاش الكلمة دي يا ميري…انتي كدا بتحكمي عليا بالموت المؤكد."
ربتت على كتفيها بحنو وهي تردد بلهفة:
"بعد الشر عليكي يا حبيبتي متقوليش كدا…"
ربتت على كفها المستقر على كتفها وهي تقول بنبرة راضية:
"متقلقيش يا حبيبتي أنا مش زعلانة…أنا راضية بنصيبي من الدنيا الحمد لله."
اغرورقت عينا ميري بالدموع حزناً على شقيقتها الكبرى والتي تعاني من مرض مزمن في القلب يمنعها من ممارسة حياتها بشكل طبيعي ويجعلها صريعة بالمستشفى كل حين وآخر.
قام محمود بالتحدث إلى رجل الدي چي لكي ينهي ذلك الحفل السخيف كما يرى بسبب صديقه القفل، فقام بدوره بتشغيل أغنية هادئة لإليسا.
عادة يتم تشغيلها في حفلات الزفاف وهي أغنية (ع بالي حبيبي).
تقدم محمود بابتسامة ماكرة إلى حيث يجلس العروسين وقام بجذب أدهم من مقعده إلى منتصف الباخرة وأشار لندى لتأتي إليه وقد فعلت.
وقال لأدهم بمكر:
"يلا يا عريس… ارقص مع عروستك رقصة سلو عشان تختم حفلتك."
اصتك فكيه بغضب وهو يرمقه بغيظ، ولكن سيطر على انفعالاته سريعاً واستدار لندى التي كانت في قمة توترها.
فهي أصبحت تخشى لمساته كثيراً.
والتي تفضحها وتفضح خجلها وعشقها له.
قام أدهم بلف ذراعيه حول خصرها ولكن بتحفظ، محافظاً على مسافة كافية بينهما وكأنه يخشى الاقتراب منها.
بينما هي حمدت الله أنه لم يقترب أكثر من ذلك، وإلا حتماً كان سيسمع دقات قلبها للمرة الثانية.
اغتاظت السيدة تيسير منه حين بدأ يتمايل معها على أنغام الأغنية المؤثرة وهو مازال بعيداً عنها على هذه الشاكلة حتى أنها همهمت بضيق:
"دول مش منظر عرسان أبداً… الله يسامحك يا أدهم… بقى هو دا اللي فضلت أدرسهولك من امبارح لحد النهاردة!!"
وما هي لحظات حتى أشارت لندى لكي تقترب هي منه أكثر.
وقد فهمتها وبالفعل اقتربت منه خطوة وقربت كفيها من رقبته حتى كادت أن تلفهما حوله.
تفاجئ أدهم من تلك الحركة، فقام بدوره بإحاطة خصرها بذراعيه أكثر من ذي قبل، حتى اختلطت أنفاسهما.
لم تستطع منع نفسها من النظر إليه وهو قريب منها لهذه الدرجة.
وتجرأت ودارت بعينيها في ملامحه الوسيمة.
وهو أيضاً شعر بمحاصرته لها بعينيه فبادلها النظرات.
عينيها جذبته إليها، رغم أنها تبدو عادية اللون ولكنها عن قرب تبدو ساحرة بلون القهوة محاطة بدائرة ذهبية اللون وتلك النقطة الصغيرة التي تتوسط العدسة والتي يطلق عليها إنسان العين أيضاً ذهبية اللون.
لقد جذبت انتباهه تلك اللوحة الفنية حتى أنسته سخطه الذي كان يغمره منذ قليل.
"ندى…. أنا آسف إني كنت فظ شوية معاكي.. بس للأسف دي طبيعتي.. مبعرفش أذوق الكلام."
قالها بصوت هامس رقيق جعلها تتأمله بوله أكثر.
حتى أنها لم تفهم ما قال.
يكفيها فقط طريقة نطقه لاسمها.
لم ترد عليه، فهي لم تفهم ما قال من الأساس.
فاعتقد أنها ما زالت غاضبة منه.
"يبقى انتي أكيد لسة زعلانة مني."
أخيراً فهمت قصده فأسرعت لتقول:
"لأ لأ لأ طبعاً مش زعلانة ولا حاجة… عادي احنا لسة بنستكشف بعض ومسيرنا هنفهم بعض كويس."
أومأ ببسمة صافية جعلته أكثر وسامة.
الأمر الذي جعلها تتنهد بسعادة بالغة وكأنها تحلق فوق السحاب.
شردت ندى في كلمات الأغنية التي تصدح في الأجواء، فقد لمست قلبها كثيراً وتتمنى لو كان يبادلها نفس المشاعر.
تستمع إليها وهي تنظر إليه بعشق بالغ وكأنها تغنيها له.
بينما هو أحب نظراتها له، أحب الرقص معها واستمتع به رغم استيائه في بادئ الأمر حين فاجئه محمود بها.
انتهت الأغنية وصفق الجميع بحرارة.
فابتعدت عنه بشق الأنفس، ثم شكر الجميع وقبض على كفها بتملك وسارا سوياً إلى حيث سيارته.
تلك المرة تعلم الدرس وقام بمساعدتها حتى استكانت بالمقعد.
ثم استلقى بمقعد السائق وأدار السيارة إلى حيث بيته الراقي الكائن بأرقى مناطق التجمع الخامس.
رواية مهمة زواج الفصل الثاني 2 - بقلم دعاء فؤاد
في تلك الأثناء تماما، تحديدا في الولايات المتحدة بمدينة نيويورك.
يجلس رجل خمسيني في شرفة شقته ينظر إلى السماء والعبرات تتساقط من عينيه، وهو يحدث نفسه بحزن بالغ وكأنه ينعي فقيد:
"كان نفسي أسلمك بإيدي لعريسك يا ندى… كان نفسي أشوف فرحتك بفستانك وأنتي جنبه… كان نفسي أشوف لمعة عينيكي اللي بشوفها لما كنت بجيب سيرته أو أكلمك عنه… سامحيني يا بنتي إني كنت السبب في إن ليلة فرحك تكون بالشكل ده وبالطريقة دي وأنا مش معاكي… بس عزائي الوحيد إن سيبتك بين إيدين راجل هيعرف يحافظ عليكي ويحميكي من أعدائه وأعدائي… الراجل اللي أنتِ طول عمرك كنتي بتحبيه وبتتمنيه."
أخذ يكفكف عبراته الساخنة بيديه، ثم أراح ظهره للخلف يتذكر ما حدث منذ ستة أيام تقريباً….
فلاش باك…..
"ألو… سامي.. الحقني يا سامي أنا في مصيبة."
تحدث بهلع مع صديقه وزميله في العمل عبر الهاتف، فأتاه رد الآخر من بلده الحبيبة مصر:
"في إيه يا أنور قلقتني."
"المافيا رجعوا ينخوروا ورايا تاني وشاكين إني ورا الصفقة الأخيرة بتاعتهم اللي باظت بس مش متأكدين… وبيبعتولي رسايل تهديد بالاغتيال يا سامي… أنت متخيل؟!.. هعيش أنا وبنتي نفس المأساة تاني… مش كفاية سمية راحت مني… هستنى كمان لما ندى تروح ولا لما يقتلوني أنا وأسيبها هي تواجه العصابة دي لوحدها؟!"
هوى قلب اللواء سامي في قدميه، ثم قال بقلق:
"اهدى.. اهدى يا أنور… مفيش قدامنا غير إنك تجيب ندى وترجع على مصر.. إحنا هنقدر نحميك."
"يبقى أنت كده بتحكم علينا بالموت… أنت عارف كويس أوي إنهم مراقبيني وعايزيني أفضل تحت عنيهم عشان يضمنوا إني مش هأذيهم بالمعلومات اللي عندي… واللحظة اللي هيعرفوا فيها إني هرجع هيكونو موتوني قبلها."
أخذ سامي يتنفس بعنف، فهو يشعر الآن بالعجز التام، وأخذ يردد بهلع:
"أنت عندك حل تاني يا أنور؟!"
سكت أنور يزدرد لعابه بصعوبة، إلى أن قال:
"أنا مش خايف على نفسي.. أنا كل خوفي على ندى.. ندى مش قد العصابة دي… لو موتوني مش مهم.. إنما ندى… لأ.. ندى لازم أحميها منهم لو على حساب نفسي."
رد سامي بقلة حيلة:
"ابعتلنا ندى يا أنور… إحنا هنعرف نحميها كويس."
"أبعتهالك بصفتك إيه يا سامي؟!.. وهتعيش معاك إزاي وأنت أصلا كل ولادك متجوزين وعايش لوحدك في البيت."
"عيب عليك يا أنور… ندى دي بنتي."
"لأ بنتي مش هتقبل بالوضع ده أنا متأكد… أمها الله يرحمها مربياها على مبادئ وأخلاق الدين ومحفظاها كتاب الله قبل ما تستشهد."
"طيب قولي أنت نعمل إيه… اللي تقول عليه هعمله يا أنور… ده أقل حاجة نقدر نقدمهالك بعد كل اللي ضحيت بيه في سبيل البلد."
"اسمعني كويس… من آخر رسالة وصلتني منهم وأنا مبطلتش تفكير في مصير ندى… وملاقيتش غير حل واحد هو اللي هينقذ بنتي من بين إيديهم."
"أنا معاك وهنفذ اللي تقول عليه بدون نقاش."
"مفيش قدامي غير إني أجوزها لأدهم برهام."
"أدهم؟!… اشمعنى أدهم؟!"
"لأن أدهم له تار بايت معاهم.. ما أنت عارف إنهم هما اللي اغتالوا العميد برهام بيه الكيلاني الله يرحمه.. وأدهم مش سايبهم وبينخور وراهم… وهما مرعوبين منه وبيحاولوا يبعدوا صفقاتهم عن مصر بأي طريقة عشان ميقعوش تحت رحمته… وندى لو اتكتبت على اسمه استحالة يفكروا يأذوها… لأن لو ده حصل… التار هيكون تارين وأدهم مش هيعديهالهم وهما عارفين كده…. أدهم الراجل الوحيد اللي هأتمنه على ندى."
اقتنع اللواء سامي بحديث زميله وصديقه أنور، وأجابه بلا تردد:
"علم وينفذ يا سيادة اللوا."
ابتسم أنور بارتياح، ثم قال بجدية:
"أنا هسيبلك أنت المهمة دي يا سيادة اللوا.. بس يا ريت في أسرع وقت… مفيش قدامي وقت كتير… إحنا في خطر لا تتخيله."
"متقلقش يا أنور… خلال أقل من أسبوع إن شاء الله ندى هتكون موجودة في مصر وهي حرم الرائد أدهم برهام الكيلاني."
مازلنا في أحداث ما قبل ستة أيام من الوقت الحالي….
أغلق اللواء سامي الهاتف مع صديقه، ثم جلس ملياً يفكر كيف سيفاتح أدهم في ذلك الأمر، خاصة وأنه لم يكد يمر شهراً واحداً على خطبته من أخرى.
ولكن ليس أمامه سوى أن يوافق أدهم على الزواج بندى ولو اضطر إلى إجباره على هذه الزيجة.
رفع سماعة هاتف مكتبه متحدثاً بلهجة رسمية:
"ابعتلي أدهم بيه يا ابني."
وما هي إلا دقائق حتى كان أدهم جالساً قبالته ببدلته البيضاء الرسمية بعدما قام بأداء التحية العسكرية.
بدا التوتر على ملامح اللواء سامي، وراح يبحث عن الكلمات المناسبة ليبدأ بها حديثه، فاستشف أدهم بفطنته أن الخطب جلل، فتنحنح قائلاً بترقب:
"مهمة جديدة دي ولا إيه يا سامي باشا؟!"
نظر له بتمعن، ثم قال بجدية:
"اعتبرها مهمة جديدة."
ضيق عينيه بعدم فهم متسائلاً:
"قصد حضرتك إيه يافندم؟!"
أخذ نفساً عميقاً، ثم قال بنبرة حادة وكأن الحديث غير قابل للنقاش:
"سيادة اللوا أنور باشا عبد الحميد حياته هو وبنته في خطر في أمريكا… والمافيا بتبعتله تهديدات بالاغتيال."
غامت عيني أدهم بغضب جامح، فقد ذكره ذلك الأمر بحادث اغتيال والده على يد تلك العصابة الغاشمة، وبدأت عروق رقبته في البروز من فرط الغضب، وهذا ما أراده تماماً اللواء سامي.
استرسل اللواء حديثه بمزيد من الضغط العصبي:
"الراجل اتصل بيا وبيستنجد بينا عشان ننقذ بنته بأقصى سرعة."
رد أدهم باقتضاب:
"والمطلوب؟!"
نظر له اللواء نظرة مطولة، ثم قال:
"أنت عارف إن دي نفس العصابة اللي اغتالت والدك برهام باشا الله يرحمه؟!"
رد وهو يتنفس بسرعة قائلاً باقتضاب:
"عارف يافندم… وإن شاء الله آخرتهم هتكون على إيدي وحق أبويا هيرجع لو فيها موتي."
"وإحنا معاك وفي ضهرك طبعاً يا أدهم… والدك الله يرحمه كان قيمة كبيرة جداً في العمليات الخاصة… وإحنا خسرنا كتير جداً بعد وفاته."
قاطعه أدهم مصححاً:
"استشهاده يافندم."
أومأ سامي وهو يقول بتأثر:
"نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله…. نرجع لموضوعنا.. أنور باشا كان صديق والدك الأنتيم وأنت عارف كده وأفضاله على العمليات متقلش أبداً عن أفضال والدك رحمة الله عليه… عشان كده واجب علينا نردله شوية من جمايله علينا وأقل حاجة إننا نحمي بنته من شر المافيا دي."
رد أدهم بجدية:
"وأنا تحت أمرك يافندم وتقدر حضرتك تعتمد عليا… بس فهمني إيه المطلوب مني بالظبط."
ازدرد سامي لعابه بتوتر، ثم ألقى بقذيفته:
"مفيش قدامنا حل غير إنك تتجوزها."
انفرج ثغر أدهم ليعترض، إلا أنه استوقفه بإشارة من يديه أن انتظر، واسترسل قائلاً:
"عارف إن المهمة صعبة وتكاد تكون مستحيلة لأنك خاطب وبتحب خطيبتك.. بس صدقني كل الطرق مقفولة وده الطريق الوحيد اللي فيه المخرج.. أنور مينفعش يرجع ببنته لأنهم هيقتلوه قبل ما يوصل المطار… ونفس الوقت البنت لو رجعت لوحدها لازم تعيش تحت حماية حد يقدر يحميها بجد منهم."
هب أدهم من مقعده بانفعال صائحاً:
"وهي الداخلية كلها بجلالة قدرها مفيش فيها ظابط يقدر يحميها غيري."
هب سامي بانفعال أشد مزمجراً به:
"متنساش نفسك يا حضرة الظابط والزم حدودك وأنت بتتكلم مع رئيسك."
أطرق أدهم رأسه بخجل قائلاً:
"آسف يافندم مقصدتش طبعاً."
رمقه شرزا، ثم أمره بحدة:
"اتفضل اقعد يا بيه."
انصاع لأمره، ثم جلس على مضض، فحاول اللواء أن يعيد ضبط انفعالاته مرة أخرى بعدما عاد لوضع الجلوس، ثم قال بنبرة أقل حدة:
"أدهم العصابة عاملالك ألف حساب عشان التار اللي بينك وبينهم.. وأنت الوحيد اللي هيتجنبوك حتى لو كانت ورقة ندى بنت أنور باشا معاك أنت.. ساعتها هيكون ورقة محروقة بالنسبة لهم."
رد أدهم بملامح متجهمة:
"أنا عندي استعداد أستقبلها في بيتي وتعيش مع أمي وأختي الصغيرة ومحدش هيقدر يدوسلها على طرف… بس من غير جواز."
رد عليه اللواء بعقلانية:
"إن كنت أنت هتقبل بالوضع ده فهي لأ… البنت متدينة وعارفة إنها مينفعش تعيش مع ناس مفيش بينها وبينهم علاقة شرعية… ده غير إن ده برضه مش أمان بالنسبة لها… إحنا عايزين ندى تكون حرم الرائد أدهم برهام عشان محدش يفكر يهوب ناحيتها."
"يافندم…"
قاطعه سامي بحزم:
"خلاص يا أدهم وقتك خلص… وتقدر تروح البيت من دلوقتي لو حابب عشان تهيئ نفسك للمهمة دي… ندى أنور عبد الحميد هدف من ضمن الأهداف اللي بنكلفك بحمايتها والموضوع منتهي وغير قابل للنقاش لو حابب تحافظ على مكانتك في العمليات الخاصة."
نهض أدهم وشرارات الغضب والسخط تنشب بمقلتيه، ثم قال:
"حضرتك بتحطني في خانة اليك؟!….تمام يا سيادة اللوا."
ثم انصرف مغادراً بعصبية مفرطة وهو يشعر أن أيامه القادمة ستكون ملطخة بالسواد، فإن وافق على ما يريده رئيسه فسيفقد حبيبته التي رسم مستقبله معها ولا يدري بعد كيف ستكون حياته مع تلك الدخيلة، وإن رفض فحتماً لن يمررها له اللواء سامي وسيفي بوعيده ويقوم بنقله لمكان نائي بعيداً عن شغفه الأساسي وثأره المرتقب في العمليات الخاصة.
بمجرد أن غادر أدهم، التقط اللواء سامي هاتفه من درج مكتبه ليطرق على الحديد وهو ساخن، ويقوم بالاتصال بالسيدة تيسير والدة أدهم..
"ألو.. تيسير هانم إزي حضرتك يافندم."
أخذ يقص عليها كل ما حدث بداية من اتصال اللواء أنور به إلى جلسته المنتهية منذ لحظات مع أدهم، وبعدما انتهى قال بكياسة:
"حضرتك عارفة ندى كويس ويعتبر أنتِ اللي مربياها مع سمية هانم الله يرحمها، وطبعاً مش هيخفى عليا موضوع عدم ارتياحك لخطيبة أدهم ورفضك ليها… فأنا شايف إن ندى أكتر حد مناسب جداً ليه.. وفي نفس الوقت رد الجميل لأنور باشا وسمية هانم الله يرحمها."
اللمعت عيني تيسير بالدموع وهي تتخيل حال تلك المسكينة التي فقدت أمها منذ نعومة أظافرها، وها هي الآن عرضة لفقدان أبيها أيضاً، وقالت بنبرة متألمة:
"كلامك كله مظبوط يا سامي بيه… ندى دي بنتي الثالثة ومبتروحش من بالي أبداً.. ومتربية أحسن تربية وشتان بينها وبين اللي اسمها دارين دي.. أنا أصلاً مش عارفة أدهم وقع فيها إزاي دي.. رغم إنها من نفس مستوانا الاجتماعي بس تربيتها وأخلاقها غيرنا خالص."
ابتسم سامي بارتياح متسائلاً:
"يعني أعتمد عليكي يا هانم في إقناع أدهم؟!"
اتسعت ابتسامتها مرددة:
"إن شاء الله يا باشا.. دي كانت أمنيتي إنهم يكونوا لبعض من قبل وفاة سمية الله يرحمها والحمد لله إن ربنا قدر وسهل الأمور."
"تمام… أنا أصلاً هددته إنه لو معملش المطلوب منه ينسى منصبه في العمليات الخاصة."
ضحكت السيدة تيسير بشدة، ثم قالت:
"والله كأننا بنسايس طفل صغير يا سامي بيه.. ربنا يهديه ويقدرني على المهمة الصعبة دي."
"إن شاء الله يا هانم… أنا كنت متأكد إنك هترحبى بجوازه من ندى عشان كده كلمت حضرتك."
"ربنا يقدم اللي فيه الخير سامي باشا."
"ونعم بالله يا هانم… في رعاية الله."
أغلقت السيدة تيسير الهاتف وهي تتنهد بقلق، لقد اشتاقت لتلك الصغيرة التي كانت تعشقها وتأثرت كثيراً لرحيلها، فرغم أن أدهم لم يلتفت إليها يوماً ولا حتى يتذكر ملامحها، إلا أنها تمنتها له كثيراً في دعائها وصلواتها وها قد حان لدعائها أن يُستجاب.
أما على الجهة الأخرى… كان أنور متوتراً للغاية لا يدري من أين يبدأ الحديث مع ابنته، يعلم جيداً أنها سوف تفرح بخبر زواجها من أدهم ولكن ليس بهذه الطريقة الغريبة.
طرق باب غرفتها فأذنت له بالدخول، ومن ثم فتح الباب فوجدها تغلق مصحفها بعدما أتمت حفظ الآيات التي كانت ترتلها اليوم، فابتسم بفخر على هدية زوجته له، فلولاها ما كانت ندى على تلك الشاكلة، فهذا كله حصاد ما زرعته أمها فيها.
جلس بجوارها بالفراش، ثم قبل رأسها قائلاً:
"ربنا يباركلي فيكي يا حبيبتي ويثبتك."
ردت له البسمة متمتمة:
"ويباركلي فيك يا حبيبي ويخليك ليا."
أخذ يمسد على رأسها قليلاً، ثم بدأ حديثه بجدية:
"ندى أنتِ طبعاً عارفة إن شغلي وعصابة المافيا اللي كنت مكلف بمراقبتها هما السبب في موت والدتك الله يرحمها وإني أنا وأنتي ربنا نجانا من الحادثة المدبرة بأعجوبة… والحقيقة إن…. إن نفس الكرة بتتعد تاني اليومين دول وبتجيلي تهديدات من نفس العصابة.. وأنا معنديش استعداد أخسرك أنتِ كمان يا قلبي.. أنتِ مالكيش ذنب في كل ده و…"
أخذت دموعها في الهطول بغزارة وهي تسمع مأساة جديدة لم يكد يستفيق من مثلها، وقاطعته قائلة بهلع:
"يعني إيه يا بابا.. أنت كمان هتسيبني؟!.. مش كفاية ماما… أنت كمان.. أنت كمان.."
أخذت تردد تلك الكلمات بطريقة هستيرية، بينما أبوها قام باحتضانها بشدة يحتوي نوبة بكائها الحاد وهو يربت على ظهرها ويقول:
"لأ يا ندى مش هسيبك يا حبيبتي… أنا بس خايف عليكي أنتِ اللي تتأذي وتسيبيني.. عشان كده اتكلمت مع القيادة في مصر وهما اتصرفوا ولاقولنا حل للأزمة دي."
رفعت رأسها لتناظره بأمل قائلة:
"حل إيه يا بابا طمني."
"أنتِ فاكرة طبعاً أدهم برهام ابن أونكل برهام وطنط تيسير… ما أنا دايماً بحكيلك عنه وعن شطارته وإنه دايماً بيفكرني بنفسي أيام ما كنت في سنه.."
هزت رأسها بالإيجاب بعدما استطاع أن يسرق انتباهها بسيرته، فاسترسل قائلاً بكذب:
"هو كلم اللوا سامي صديقي وطلبك للجواز عشان يقدر يحميكي وتعيشي معاهم في البيت بصفتك زوجته وبكده هتبعدي عن مصدر الخطر اللي بيهددنا هنا في نيويورك وفي نفس الوقت هتعيشي في مصر وسط ناس بتحبك.. هتعيشي معززة مكرمة ومرفوعة الراس."
رفعت رأسها تناظره بعيون ملتمعة ببريق الأمل وهي تقول:
"هو في كده يا بابا؟!.. هيتجوزني عشان عايز يحميني بس؟!"
حمحم وهو يزدرد لعابه بصعوبة، ثم استرسل بكذب:
"لأ طبعاً يا حبيبتي… أدهم معجب بيكي من زمان ولما عرف إنك لازم ترجعي مصر طلبك للجواز فورا… هو كان مستني الفرصة دي من زمان.. ومنها تكوني في حمايته."
ظهر شبح ابتسامة خجلى على ثغرها، سرعان ما أخفتها وهي تقول:
"حضرتك متأكد يا بابا؟!… أنا مستحيل أفرض نفسي على حد."
أسرع قائلاً:
"لأ يا حبيبتي لا سمح الله… ده أنتِ تاج على راسي واستحالة أحطك في الموقف ده."
بعد الكثير من الحديث والتعهد بالعودة إليها في مصر حين تستقر الأمور، وافقت ندى على مضض، فشطر قلبها سعيد بزواجها ممن عشقته، والشطر الثاني يخشى فراق أبيها وعدم رؤيته مرة أخرى.
بينما أنور انفطر قلبه عليها وتمزقت نياطه لكذبه وخداعه الغاشم لها، ولكن انكسار خاطرها فيما بعد أهون عليه من فقدانها للأبد، فلا بد وأن أدهم سيجبر ما سينكسر وسيُحميها بكل ما أوتي من قوة طالما أنها أصبحت تحمل اسمه.
عاد أدهم لمكتبه وأذنيه تطلقان نيران من الغضب، وارتمى على أقرب كرسي بإهمال وعشرات الأفكار تكاد تعصف برأسه.
بعد قليل انفتح الباب دون استئذان ليدخل إليه صديقه المقرب وزميله "آسر سعيد" ليرمقه باستنكار هاتفا به:
"مش تخبط يا حيوان قبل ما تدخل… إيه داخل زريبة."
جلس آسر قبالته ببرود متجاهلاً توبيخه، فيبدو أنه معتاد على ذلك، ثم قال ببرود:
"مالك يا باشا؟!.. شكل أمك غلط ليه؟!"
"ملكش دعوة بأمي يلا و خليك في حالك."
تجاهل توبيخه للمرة الثانية، ثم قال ساخراً:
"إيه يا روميو؟!.. العروسة مزعلاك ولا إيه؟!"
لوى شفتيه لجانب فمه بتهكم مرير، ثم قال بنبرة مهمومة:
"عروسة؟!… العروسة خلاص بح."
اتسعت عيني آسر بصدمة مصطنعة وهو يقول:
"العروسة بح؟!… أنت بتهزر."
رمقه أدهم بنظرة حارقة هاتفا به بحدة:
"أنت هتستعبط يلا!.. فاكرني مش فاهم إن سامي بيه اللي بعتك ليا عشان تقنعني؟!"
رمقه ببسمة واثقة وهو يقول:
"حلو… قصرت عليا الطريق يا برهام يا صغير."
نظر أدهم له من جانب عينه، ثم عاد لينظر أمامه مسترسلاً بضيق:
"نقطني بسكاتك يا آسر مش عايز أسمع أي حاجة."
ضحك آسر وهو يقول:
"أخيراً احترمتني وناديتني باسمي.. ماليه وهو يقول بغيظ:
"تصدق يلا أنت اللي زيك ما يليقش عليه الاحترام."
أخذ آسر يهز رأسه بالنفي وهو يقول باشمئزاز:
"أنا مش عارف إيه اللي مصبرني على تقل دمك يا أخي."
وضع هاتفه على مكتب صديقه، ثم نهض من كرسيه متجهاً إلى ذلك الركن الصغير الذي يحوي مستلزمات صنع الشاي والقهوة، ثم شرع في إعداد كوبين من الشاي وهو يقول بمرح:
"بزمتك يا دومي هتلاقي صاحب جدع يدلعك ويعملك شاي زيي فين."
التوى فمه بسخرية مجيباً:
"مستغنيين عن خدماتك يا خويا."
لم يكد يرد آسر حتى صدح رنين هاتفه، فسأله آسر:
"مين اللي بيتصل؟!"
نظر أدهم في شاشة الهاتف ليقول بتهكم:
"قلبك."
أخذ آسر لحظات حتى استوعب هوية المتصل، ثم قال بضيق:
"أبو تقل دمك يلا… هات."
ناولاه أدهم الهاتف وهو يضحك، فقال آسر وهو يصب الشاي بالكوب:
"خود يا خويا اطفح بالسم الهاري… وهسيبك بقى مع أفكارك السودة وأروح أكلم قلبي."
أخذ منه كوب الشاي بحذر، ثم اتجه آسر مغادراً، فقذفه أدهم بأحد أقلامه مردداً بغيظ:
"غور ياض مشوفش وشك هنا تاني."
ضحك آسر وهو يغلق الباب، فأدهم هو الشخص الوحيد الذي يتقبل منه أي كلام ومزاح، فهو بالنسبة له أخوه الذي لم تنجبه أمه ويحبه ويخاف عليه وكأنه قطعة منه.
حين عاد إلى مكتبه، أعاد آسر الاتصال بحبيبته وخطيبته والمسجلة على هاتفه باسم "قلبي"…
"صباح الورد يا قلبي… مال صوتك حاجة حصلت ولا إيه؟!"
"مودة تعبت امبارح بالليل وأنا بايتة معاها في المستشفى… قولت أعرفك عشان متزعلش."
"تعبت تاني؟!"
ردت بمرارة:
"قول عاشر يا آسر."
زم شفتيه بأسف بالغ وهو يقول:
"معلش يا حبيبتي ربنا يشفيها يا رب."
تنهدت بحرقة وهي تقول:
"يا رب يا آسر."
"خلاص هعدي عليكوا بعد الشغل أطمن عليها…"
"لأ يا حبيبي متتعبش نفسك."
"تعبك راحة يا قلبي… أومال عمو محمد فين؟!"
"بابا لسه ماشي من شوية راح على الشركة يشوف أشغاله وهيرجعنا بعد ما يخلص."
"تمام يا حبيبتي سلميلي على مودة لحد ما أجيلكم… سلام."
أغلق الهاتف وهو يتنهد بحزن على حال تلك الفتاة ذات القلب الأطيب على الإطلاق والأضعف على أن يبقيها على قيد الحياة… إنها مودة الشقيقة الكبرى لخطيبته "ميريهان".
يتبع…
رواية مهمة زواج الفصل الثالث 3 - بقلم دعاء فؤاد
عاد من عمله في ساعة متأخرة من الليل، فقد كان مشتتا طيلة اليوم، متعصبا لأقصى درجة، نادم كل من اقترب منه أو حاول التحدث معه في ذلك اليوم، فقد كان ينفعل ويصرخ لأتفه الأسباب.
استقبلته أمه بلين وهي تحاول امتصاص غضبه، فأيقنت أن حالته الرثة هذه بسبب مهمة اللواء سامي صبيحة اليوم.
أخذ حماما باردا وبدل ملابسه الرسمية بأخرى منزلية، وبعدما استرخى قليلا بفراشه وهو يفكر، سمع طرقات والدته فأذن لها بالدخول بعدما اعتدل احتراما لها.
أقبلت والدته ببسمتها المريحة وهي تحمل بيديها صينية صغيرة عليها وجبة عشاء خفيفة وكوب من اللبن الساخن.
"لا لا يا أمي مش هقدر أكل أي حاجة… أنا مرهق وعايز أنام."
تقدمت حتى وضعت أمامه الصينية وهي تقول بحنو:
"عشان خاطري يا حبيبي انت لازم تاكل كويس طالما مرهق وتعبان… مش معقول اهمالك في صحتك دا يا أدهم."
"بصي أنا مش هشرب غير اللبن عشان خاطرك بس."
"كدا برضو يا أدهم؟!"
"أنا آسف يا أمي مش هقدر صدقيني."
ربتت على كتفه بحنو وهي تقول:
"مالك يا حبيبي فيك إيه احكيلي."
تنهد تنهيدة عميقة تحمل أثقالا، تنهيدة أخبرتها عن مدى ضيقه وتحمله مالا يطيق، فأشفقت عليه ثم قبضت على يده القريبة منها بلين قائلة:
"يااا يا أدهم… قد كدا يا حبيبي تعبان؟!… احكيلي يا ابن قلبي يمكن ترتاح شوية."
أراح رأسه للخلف وهو يتأمل السقف قائلا بشجن:
"أنا واقع في مشكلة ومش عارف أتصرف فيها إزاي ولا عارف آخد قرار."
تصنعت جهلها بالأمر هاتفة بقلق مصطنع:
"مشكلة إيه يا حبيبي كفانا الله الشر."
بدأ يقص عليها أدهم الأمر برمته إلى أن انتهى بتهديد اللواء له وخشيته من تنفيذه.
بدى الثبات والهدوء على وجه أمه الأمر الذي أثار حنقه ودهشته في آن واحد، ولكنها تنفست بعمق ثم قالت:
"انت عايز رأيي يا أدهم؟!"
"طبعاً يا ماما."
"توافق على المهمة دي."
قطب جبينه باستنكار شديد هاتفا:
"بالسهولة دي بتقوليلي وافق!!"
استرسلت بمنتهى الهدوء والثبات:
"حبيبي أولاً شغلك ومنصبك حساس جدا وطبيعي إنك هتقدم تنازلات وتضحيات في سبيل إنك تعلى وترتقي في منصبك ودا اللي والدك الله يرحمه كان بيعمله ودايما كان بيدرسهولك.. ثانياً البنت لو وحشة أنا كنت رفضت بغض النظر عن أي حاجة.. بس ندى دي انت مش واعي عليها لأنك كنت وقتها في الكلية ومش بنشوفك غير كل فين وفين… بس فعلاً يا حبيبي بنت ولا كل البنات.. تربية إيدي وأضمنهالك بعمري كله.. هي دي فعلاً البنت اللي أدهم يستاهلها."
"ماما حضرتك بتتكلمي وكأني مش مرتبط ببنت تانية بحبها وبتحبني."
ردت بعقلانية:
"أكيد مش ناسيه…بس دارين حساها نزوة سريعة كدا جات بسرعة وهتروح زي ما جات… أنا أكتر واحدة فاهماك وعارفة إن علاقتك بدارين مش علاقة حب أبداً… هي مجرد إعجاب حصل بعده وعد بالجواز وانت مش عايز تخلف بوعدك لأن دا مش من طبعك ولا من أخلاق رجولتك… أنا متأكدة إن قلبك لسه مدقش لبنت ولا الحب عرف طريق لقلبك يا أدهم… مش انت اللي واحدة تخطف قلبك بالسهولة دي."
بدأ يبلع ريقه بتفكير وعيناه مسلطتان على نقطة ما في الفراغ وكأن أمه قرأت ما يحدث بقلبه تماماً.
ولكنه أصر على الإنكار متمتما:
"لا يا أمي الكلام دا مش صح… أنا بحب دارين ومتعلق بيها ومش متخيل موقفها لو دا حصل."
ربتت على كتفه وهي تقول بابتسامة متفهمة لما يدور بخلده:
"حبيبي اللي انت بتمر بيه دا مجرد إحساس بالذنب ناحيتها مش أكتر… يعني لو مكنتش خاطب دارين كانت الأمور هتكون أسهل كتير بالنسبة لك."
"تمام يا أمي…حطي نفسك مكاني، يرضيكي أكسر بخاطر إنسانة ملهاش ذنب في أي حاجة عشان خاطر واحدة تانية؟!"
"يا أدهم يعني نسيب البنت تموت؟! مش كفاية الصدمة اللي حصلتلها وهي شايفة أمها بتتقتل قدام عينيها!!… إزاي يابني يكون في إيدك تنقذ حياة إنسان وتسيبه.. وبعدين دي مش أي حد.. ندى دي بنتي اللي مخلفاتهاش… وبعدين على الأقل دارين عندها أب وأم وعيلة هتهون عليها… إنما دي يتيمة ملهاش حد وأبوها يا عالم هتشوفه تاني ولا هيسيبها في الدنيا لوحدها."
"يا أمي…"
"أومال فين كلامك عن التضحية والآية اللي دايما بترددها (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا).. ولا هي شعارات في الفاضي."
قالت عبارتها الأخيرة بحدة نوعا ما حين لمست صلابة رأيه، فنظر لها بلوم وهو يقول:
"أنا برضو بتاع شعارات يا أمي؟!"
اقتربت منه أكثر وأخذت تمسد على شعره وهي تقول بليونة:
"يا حبيب قلبي انت أشجع وأرجل ظابط شفته… وأنا اللي بطلب منك يا أدهم إنك توافق على جوازك من ندى وتتعهد لوالدها بحمايتها… مش عشان هي مهمة انت مكلف بيها…لا.. عشاني أنا وعشان أبوك الله يرحمه… ياما اتمنينا أنا وهو إنكم تكونوا لبعض لولا إن الظروف فرقتنا كلنا… اللي مات مات واللي هاجر هاجر والأخبار انقطعت بس مكانتها في القلب متغيرةتش أبداً."
أخذ يخلل أصابعه بخصلات شعره الطويل في حركة ملازمة له حين يشعر بالحيرة والتوتر ثم تنهد قائلا بقلة حيلة:
"من فضلك يا أمي سيبيني بس دلوقتي أفكر وأهيأ نفسي للحكاية دي… لأني بجد حاسس إني متلخبط ومش قادر آخد قرار صح."
ربتت على ظهره بحنو وهي تقول:
"قوم يا حبيبي اتوضى وصلي صلاة استخارة وهي هتتحل بإذن الله بس انت استعين بالذي لا يغفل ولا ينام… وتبات نار تصبح رماد."
انحنى ليقبل يدها ثم قال ببسمة بسيطة:
"حاضر يا أمي بس انتي ادعيلي."
"داعيلك يا حبيبي… ربنا يريح قلبك ويجعلها من نصيبك يا ابن قلبي."
تركته أمه يحترق بنيران حيرته وشتاته وغادرت الغرفة، بينما هو جلس يقلب الأمور في رأسه، لا يصدق أن أدهم برهام ضابط العمليات المخضرم، الذي لا تستعصيه مهمة، ولا يصعب عليه هدف، يقع في ذلك الفخ العويص ولا يستطع الخلاص منه.
في الأخير أخذ بنصيحة أمه وتوضأ وصلى صلاة الاستخارة بقلب خاشع، قلب يريد الوصول لما فيه الخير له.
وبعدما انتهى نفض دماغه من أي أفكار إيحابية كانت أو سلبية، ثم غط في سبات عميق.
مرت الليلة ثقيلة على كل من أدهم وندى، فكل منهما هائم في شتاته، غارق في بحر أحزانه، يخشيا ما ينتظرهما في الأيام القليلة القادمة.
في الصباح الباكر..
استيقظ أدهم وهو يشعر بقليل من الارتياح، فقد أقر في قرارة نفسه أن يستسلم للأمر الواقع وليضع نصب عينيه (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)، فقد اقتنع بحديث والدته له وتأثر به.
قام بمهاتفة اللواء سامي قبيل موعد حضوره إلى العمل..
"ألو… صباح الخير يا سيادة اللوا…"
"بستأذن حضرتك عايز النهاردة طارئة."
"خير يا أدهم انت تعبان ولا إيه؟!"
لوى شفتيه بابتسامة متهكمة ثم قال بنبرة ساخرة رافعا إحدى حاجبيه:
"المفروض إني داخل على مهمة جواز وعايز أظبط أموري وأستعد كويس للمهمة دي."
اتسعت ابتسامة سامي بسعادة بالغة ثم قال:
"عفارم عليك يا سيادة الرائد… كنت عارف إن ابن برهام باشا الكيلاني لا يمكن يخذلني أبداً… تمام زي أبوك الله يرحمه."
حانت منه نصف ابتسامة قائلا بثقة:
"هذا الشبل من ذاك الأسد يا باشا."
"ربنا يحميك يا أدهم… المهم حيث كدا بقى خود النهاردة إجازة واعمل حسابك بكرة نروح نكتب الكتاب عند محامي بالتوكيل اللي أمور عاملهولي… وأنا هكلمه النهاردة أبشره وبالمرة يبعتلي الأوراق المطلوبة لكتب الكتاب."
"أوامر سيادتك يافندم."
"تمام يا سيادة الرائد… مع السلامه."
أغلق سامي الهاتف ثم قام باستدعاء آسر ليأتي إليه بعد دقائق مؤديا التحية الشرطية ثم جلس قبالته ليهتف اللواء سامي بسعادة بالغة:
"أحب أبشرك يا سيادة الرائد إن أدهم برهام وافق على المهمة."
اتسعت بسمة آسر مرددا:
"على بركة الله يا سيادة اللوا… الحمد لله إنه اقتنع لوحده… حضرتك متعرفش طلع ميتيني إزاي امبارح ومكنتش لسه قولتله ولا كلمة."
قهقه سامي ثم سرعان ما عادت ملامحه للجدية وهو يقول:
"المهم خليك حافظ دورك كويس… مش عايزك تسيب أدهم لحظة ومن غير ما يحس بيك…. حماية أدهم مهمتك يا بطل."
أجابه بحماسة بالغة:
"أوامر سيادتك يافندم… أنا حافظ ومذاكر كويس أوي… وإن شاء الله أكون عند حسن ظنك سيادتك."
أومأ سامي متمتما:
"إن شاء الله يا آسر… أنا واثق في اختياري ليك."
رد آسر بشيء من التردد:
"طب حيث كدا يا باشا أنا طمعان في كرم سيادتك… عايز أروح بدري ساعتين."
قطب سامي جبينه باستنكار متمتما بضيق مصطنع:
"انت بتستغل الموقف بقى ولا إيه؟!"
"لا لا أبداً يافندم مش قصدي ط….."
قاطعه سامي بضحكة بسيطة:
"خلاص يابني موافق متتخضش كدا."
تنفس بارتياح متمتما بامتنان:
"متشكر جدا يافندم… أي أوامر تانية؟!"
"لا اتفضل على مكتبك."
استأذن منه بالانصراف وبمجرد أن دلف غرفة مكتبه قام بالاتصال بخطيبته..
"ألو.. ميري حبيبتي عاملة إيه"
"الحمدلله يا آسر"
"بقولك أنا عازمك النهاردة ع الغدا وهكلم عمو محمد أستأذنه"
"طب وشغلك؟!"
"أنا أصلا واخد إذن ساعتين بدري…"
"لو بابا وافق فأنا موافقة بس انت طبعاً عارف إنه مش هيرضى يخلينا نخرج لوحدنا."
أجابها بانزعاج تلك المرة:
"يعني مودة هتيجي برضو؟!"
"معلش يا حبيبي أنا مقدرش أخالف أوامر بابا… وبعدين انت عارف مودة بتسيبنا براحتنا وبتقعد بعيد ولا كأنها معانا أصلا."
"تمام يا ميري مفيش مشكلة.. إجهزي بدري عشان منتأخرش.."
"حاضر يا أسور."
"سلام يا قلبي."
أغلق الهاتف والبسمة الهائمة مرتسمة على شفتيه بتلقائية حالما يسمع صوتها فقط.
أما عند أدهم
أنهى المكالمة مع اللواء سامي وهو يتنهد بثقل، هو متعجب من نفسه أنه لم يطلب التحدث إليها أو أن يرى صورة لها، مقنعا نفسه بفقدان شغفه في ذلك الأمر لأنها لا تمثل له أي شيء ولا تعنيه بشيء… فقط مجرد مهمة ومصيرها للانتهاء.
خرج من غرفته ليبشر أمه بقراره ويفكر كيف سينهي خطبته من دارين.
بالطبع تهللت أسارير السيدة تيسير بهذه البشرى وأسرعت بالاتصال إلى ابنتها روان لتقص عليها القصة كاملة لتشاركها الفرحة والتي بدورها قصتها على محمود زوجها، فهو ضابط أيضا برتبة رائد ولكن يعمل في شرطة المرور.
علمت ريم الشقيقة الصغرى لأدهم بذلك الأمر ورحبت به أيضا، فهي لم تحب يوما خطيبته دارين وكانت ترى دائما أن أدهم يستحق من هي أفضل منها، ولكنها كانت منشغلة في إنهاء أوراق استلام عملها كطبيبة في إحدى الوحدات الصحية بقرية نائية بمحافظة سوهاج بصعيد مصر.
وجاءت اللحظة الحاسمة ألا وهي لحظة إنهاء خطبته بدارين…
اتصل بها ليأخذ معها ميعاد ليتقابلا بإحدى الكافيهات، فلم تصدق نفسها، فإنها المرة الأولى التي يطلب فيها الخروج معها منذ خطبها إن لم تطلب هي منه ذلك.
وبالفعل قرب المغيب كانا جالسين بمقهى راق وكان في قمة توتره رغم الثبات الظاهر عليه، طلب لهما مشروبا باردا ثم حمحم قائلا بملامح جامدة:
"دارين أنا مش عارف أبدأ الموضوع منين… بس الحقيقة حصلت شوية ظروف كدا خارجة عن إرادتي، وبقى من الصعب إننا نستمر في خطوبتنا… أنا بجد آسف إني بقول كدا وطبعاً كان نفسي أكمل معاكي للآخر بس…."
قاطعته وهي تتنفس بانفعال قائلة بحدة:
"بس إيه يا حضرت الظابط؟! مفيش داعي تقعد تخترع في أسباب مش موجودة… من الأول وأنا حاسة إنك مبتحبنيش… بدليل إنك مقولتيش ولا مرة كلمة بحبك… ولا مرة قولتلي وحشتيني… ولا مرة طلبت مني نخرج سوا… كنت بحاول أقنع نفسي إن طبيعة شغلك مؤثرة على شخصيتك ومش عارف تبقى رومانسي.. واديت لنفسي أمل إننا لما نتجوز ونشوف حبي ليك هتتغير بس واضح إني كنت بحلم.."
مد يده ليمسك يدها التي تلوح بها لعلها تهدأ قليلا هاتفا بها بهدوء:
"دارين اهدي… انتي فاهمة غلط."
نفضت يده عن يدها وهي تصيح بانفعال أشد:
"أوعى إيدك دي… انت حتى مفكرتش تمسك إيدي قبل كدا… ويوم ما تلمسها تقولي صعب نستمر في خطوبتنا؟!"
غامت عيناه بغضب جامح من فرط انفعالها عليه وزمجر بها بحدة:
"دارين متنسيش نفسك وصوتك دا مايعلاش عليا… مش معنى إني سايبك تتكلمي براحتك إنك تتمادي وتكلميني بالطريقة دي."
أخذت تنظر له بمقت شديد، فكل معاني الخذلان قد تجسدت فيه الآن واحتلت الصدمة ملامحها بجدارة الأمر الذي ضايقه للغاية وجعل شعوره بالذنب يكاد يقتله.
فأشاح بناظريه عنها وهو يقول بنبرة متحشرجة من فرط الأسى:
"الشبكة خليها معاكي اعتبريها هدية مني… ويا ريت توصلي اعتذاري لوالدك ووالدتك… أشوف وشك بخير."
ثم هب من كرسيه مغادرا مخلفا ورائه قلبا ساخطا أقسم على الانتقام.
رواية مهمة زواج الفصل الرابع 4 - بقلم دعاء فؤاد
عودة إلى الوقت الحالي…
حفل الزفاف البسيط المقام على متن باخرة نيلية، انتهى الحفل على خير رغم غضب أسرته من جفائه الظاهر واللامبالاة التي تحلى بها.
استقل أدهم سيارته بعروسه إلى منزله الكبير المكون من طابقين وأمامه حديقة صغيرة وجراج للسيارات.
كان من ضمن شروط موافقته على الزواج بندى هو إقامته بشقة والدته التي يقيم بها حاليًا، ناوياً في قرارة نفسه أن شقته والذي كان يقوم بتجهيزها لن تدخلها عروس أخرى سوى “دارين” ولو بعد حين.
وقد وافقت السيدة تيسير بل واستحسنت ذلك الأمر حتى تقوم بتوجيهه في تعامله مع ندى دائمًا، فهي تعلم أنه طالما تزوجها رغماً عنه فسوف يكون فظًا معها حتى وإن لم يقصد ذلك.
ولكنها قررت أن تتركهما لثلاثة أيام وتقيم عند روان ابنتها حتى يخلو لهما الجو في تلك الأيام القلائل.
بعد عدة دقائق كانت ندى تخطو بقدميها إلى داخل الشقة الواسعة بقلب وجل وأطراف مرتعشة، تتمنى أن تمر الليلة على خير ما يرام.
أغلق أدهم باب الشقة في حين تقف ندى أمامه مولية ظهرها ناحيته، فأخذ نفساً عميقاً، وحاول رسم ابتسامة صافية على شفتيه، فكسر الخواطر ليس من شيمه.
ثم تقدم حتى أصبح خلفها تماماً تستطيع سماع أنفاسه الهادئة، فتجرأ وقام بإحاطة خصرها بيديه الأمر الذي أصابها بالقشعريرة.
وقام بإدارة جسدها نحوه لتصبح بمواجهته، لتقابل هي تلك الابتسامة الساحرة التي أذابتها، بينما اتسعت ابتسامته حين رأى خجلها ظاهراً في اشتعال وجنتيها بحمرة جميلة زادت ملامحها الطفولية براءة وجاذبية.
"مبروك يا ندى."
ابتسمت بخجل وهي مطرقة الرأس قائلة:
"الله يبارك فيك يا أدهم."
ترك خصرها ثم أمسك يدها وسار بها باتجاه إحدى الغرف وقام بفتحها ودلفا إليها سوياً، ثم قال لها بنبرة جادة:
"دي أوضتنا يا رب تعجبك… روان هي اللي اختارت كل حاجة فيها على ذوقها."
أخذت تدور بعينيها في أنحاء الغرفة بإعجاب واضح، فقد كانت رقيقة للغاية، مطلية باللون الوردي الزاهي وأثاثها من اللون الأبيض وستائر من الشيفون في منتهى الرقة.
"ذوقها جميل قوي.. تسلم إيديها."
أومأ برأسه موافقاً ثم قال:
"أنا هسيبك تغيري براحتك وهروح أغير هدومي في أوضتي."
ردت باستنكار:
"أوضتك؟!"
ازدرد لعابه بتوتر قائلاً بمراوغة:
"آه ماهي دي أوضة روان قبل ما تتجوز أصلاً وهي جهزتها لينا إحنا الاتنين… إنما أنا ليا أوضة هناك في الناحية التانية من الشقة وفيها هدوم ليا وكل متعلقاتي الشخصية."
تجهم وجهها بضيق بالغ، فمرة أخرى يجعلها تخشى من فكرة لطالما أنكرها قلبها بشدة وتهرب منها.
هزت رأسها دون أن تنطق، فالصدمة جعلتها غير قادرة على الرد.
"في هنا حمام صغير عشان تكوني براحتك… عن إذنك."
بمجرد أن خرج وأغلق الباب، هوت بجسدها على حافة الفراش والصدمة قد احتلت جسدها بالكامل.
ثم ما لبثت أن انخرطت في بكاء مرير حاولت كتمانه حتى لا يسمعها، فيبدو أن أباها قد خدعها، فمن الواضح أن أدهم مجبور على تلك الزيجة، وأنها غير مرحب بها في حياته، فليس هذا بسلوك عريس انتظر عروسه وتلهف للقائها.
بعد فترة من البكاء والرثاء لقلبها الملتاع، قررت أن تتعامل معه على أساس أنها أيضاً مجبرة على الزواج منه مثله تماماً، فيكفيها صدمات وبعثرة لكرامتها إلى هذا الحد.
خلعت فستانها وألقت به بعنف على أرضية الغرفة، والتقطت ملابسها ودخلت المرحاض المرفق بالغرفة وقامت بالاغتسال وتوضأت وارتدت بيجامة صيفية ثم ارتدت فوقها إسبال الصلاة، وقامت بتشغيل بوصلة هاتفها للتعرف على اتجاه القبلة ثم شرعت في الصلاة تتصبر بها على ما أصابها من خذلان وهوان.
أما أدهم قام بالاغتسال وتبديل ملابسه لتي شيرت وبنطال منزلي وصلى ما فاته من فروض، ثم وقف بشرفة غرفته يتنفس هواءً عليلاً لعله يلملم شتات نفسه.
أخذ يدور بالغرفة ذهاباً وإياباً، غير قادر على أخذ الخطوة التالية مع من هي من المفترض أن تكون زوجته، حتى أعياه التفكير، فاضطر لأن يحادث آسر عبر الهاتف لعله يساعده أو يحصل منه على نصيحة…
"ألو.. آسر……اسمعني يا زفت للآخر……مش قادر آخد الخطوة…..حاسس إنها غريبة عني……إزاي عايزني أقرب من بنت لا كنت شفتها ولا أعرفها ومطلوب مني أحبها بين يوم وليلة……أنا مش ساحر يا آسر…….مش قادر……مش قادر………مش عايز أكسر بخاطرها وفي نفس الوقت حاسس إني هكسرها أكتر لو قربت منها غصب عني لأنها أكيد هتحس وهتفهم…….خلاص اقفل مش عايز منك مساعدة"
لم ينتظر رده وأغلق الهاتف سريعاً، فقد كان كل كلام آسر اتهامات وهجوم على أدهم.
بعد وقت ليس بالطويل قرر الذهاب إليها وليترك الأمور تسير كما هو مقدر لها أن تسير.
قام بطرق باب غرفتها ففتحت له لتطل عليه بإسبال الصلاة، فتنحنح قائلاً بتوتر:
"يلا عشان نتعشا؟!"
أومأت له بإيجاب، فاسترسل قائلاً:
"الشغالة جهزت الأكل على السفرة ومشيت.. تعالي ناكل قبل ما الأكل يبرد."
"ماشي يلا."
ناظرها بدهشة قائلاً:
"هتاكلي بإسبال الصلاة؟!"
ردت بابتسامة صفراء لم تتخط شفتيها:
"عندك مشكلة؟!"
"لا أبداً براحتك."
سبقها إلى طاولة الطعام وسارت خلفه، فأجلسها إلى الطاولة وجلس قبالتها وشرعا في تناول الطعام في صمت تام، صمت بليغ جعلها تتأكد من أنه بالفعل لا يحبها ولا تتوق ولو للحظة للقائها كما زعم أبوها.
أنهت طعامها سريعاً، فقام بدوره بإنهاء طعامه، ثم نهضت لتلملم الأطباق وتذهب بها إلى المطبخ حيث أشار لها.
عادت من المطبخ وتوجهت مباشرة إلى غرفتها، فتفاجئت به يجلس على حافة الفراش ينتظرها وتبدو على ملامحه علامات التوتر، فقد كان شعره الطويل أشعث من كثرة تخليل أصابعه بخصلاته كناية عن توتره، وعيناه تدوران في أنحاء الغرفة سواها، كما أنه كان جالساً وظهره مائلاً للأمام مستنداً بذراعيه إلى ركبتيه وهو يتنفس بوتيرة سريعة.
حين دخلت بقي على وضعه فقط رفع عينيه لينظر إليها نظرة خاوية من أي مشاعر، نظرة فهمتها جيداً، ثم حاد بناظريه بعيداً عنها.
"أدهم…إنت مكبر الحكاية كدا ليه… خلاص مهمتك خلصت وتقدر دلوقتي تروح تنام في أوضتك."
عقد ما بين حاجبيه باستغراب، ثم نهض ليقف أمامها بقامته الطويلة بالنسبة لقامتها القصيرة متسائلاً بدهشة:
"قصدك إيه بالظبط."
ردت بنبرة موجعة حاولت جعلها عادية:
"أقصد إن خلاص التمثيلية خلصت… واضح إنك وافقت على الجوازة دي وانت مضطر… زيي بالظبط.."
راح ينظر إليها بعدم تصديق، لقد أتى الفرج من حيث لا يتوقع، لا تدري أنها بكلماتها تلك أزاحت عن كاهله حملاً ثقيلاً، وجعلت مهمته معها أكثر سهولة.
"ندى إنتي بنوتة جميلة وأي شاب يتمناك.. كل الحكاية إن مكانش في وقت نتعرف على بعض ونقرب لبعض عشان الجوازة دي تتم زي أي جوازة."
"مفيش داعي تقول أي مبررات يا أدهم… أنا فاهمة كل حاجة كويس أوي… وأنا مش زعلانة منك.. بالعكس أنا ممتنة ليك إنك نفذت رغبة بابا واتعهدت بحمايتي وخليته مطمن عليا…. هنضطر نستحمل بعض فترة كدا لحد ما الأمور تهدى وبابا يطمن عليا وبعد كدا كل واحد يشوف طريقه."
أغمض عينيه بارتياح كبير، الأمر الذي جعلها تحدث نفسها قائلة: "يا يا أدهم.. للدرجادي أنا كنت هم تقيل على قلبك."
اغرورقت عيناها بالعبرات ولكنها أخفضتهما سريعاً للأسفل وهي تقول:
"ممكن تخرج عشان تعبانة وعايزة أنام."
أومأ بإيجاب ثم مر من جانبها وهو يقول:
"أوضتي قصاد أوضتك في الجهة التانية لو احتاجتي حاجة تعاليلي في أي وقت… يا ريت متتكسفيش مني… تصبحي على خير."
أومأت برأسها دون أن تنطق أو حتى ترفع عينيها إليه، فقد اختنق صوتها بالبكاء، وفي الأخير أطلقت لدموعها العنان حين سمعت صوت الباب ينغلق.
بينما أدهم تمدد بفراشه بأريحية بعدما أحس بأنه أصبح حراً وكأنها كانت تقيده من رقبته، وأخذ يفكر بدارين وكيف هي الآن وكيف ستكون خطته التالية تجاهها…
فكر أيضاً في موقف والدته إن علمت بما حدث الليلة بعد عودتها من منزل روان شقيقته، حتماً لن تمررها له مرور الكرام، ربما تتأزم حالتها الصحية أيضاً، فهو يعلم جيداً مكانة ندى لديها وأنها لن تقبل بتاتاً البتة بذلك الوضع… لذلك أقر أن يتفق مع ندى على إخفاء ذلك الأمر عن أمه لحين إشعار آخر.
نام كل منهما في غرفته، وحين أذن الفجر، نهضت ندى لتؤدي صلاتها، وبعدما انتهت أحست أن حلقها قد جف، فخرجت من غرفتها وهي مرتدية إسبال الصلاة ولكن شعرها مكشوف وطرحتها متدلية على كتفيها.
سارت باتجاه المطبخ ثم دخلته وقامت بملء كوب ماء من المبرد وشربته وحين همت بإعادته لمكانه تفاجئت بأدهم يدخل من باب المطبخ بملامح ناعسة وشعر أشعث ووجهه محمر من أثر النوم، فوضعت الكوب سريعاً على المنضدة ثم قامت بلف طرحتها لتغطي شعرها بالكامل باضطراب، الأمر الذي أثار دهشة أدهم للغاية، وراح يحدثها بنبرة متحشرجة وهو مقطوب الجبين:
"إنتي بتغطي شعرك مني ليه؟!.. دا أنا جوزك برضو."
ابتسمت بسخرية ثم ربعت يديها أمام صدرها وهي تقول:
"بعد الكلام اللي قولناه امبارح مبقتش جوزي ولا أنا مراتك."
رفع حاجبيه متسائلاً:
"بمعنى؟!"
تنهدت بألم حاولت إخفائه ثم قالت بجدية:
"عقد الجواز كان هيكون صحيح لو مفيش فيه الشرط اللي اتفقنا عليه امبارح."
"شرط إيه مش فاهم."
"إحنا اتفقنا إننا هنستحمل بعض فترة معينة وبعدين ننفصل ودا معناه إن العقد مؤقت والشرط دا أبطل عقد الزواج… وأنا دلوقتي مش مراتك وميحقش ليك أي حقوق من حقوق الزوجة على زوجها."
أخذ يحاول استيعاب ما تقوله بتتمعن ثم ما لبث أن سألها بتعجب:
"إنتي متأكدة من الكلام دا؟!.. إنتي أصلاً جايبة المعلومات دي منين؟!"
أجابته بثقة:
"أنا عندي مكتبة معظمها من كتب الشريعة والفقه ودايماً بقرا فيها وعندي حصيلة معلومات كبيرة وأي حاجة بتقف قصادي برجع للكتب دي."
ناظرها بإعجاب واضح جعله يشعر كم هي رائعة بالنسبة لمثيلاتها من الفتيات، ثم تنحنح متسائلاً بترقب:
"ماشي بس العقد اتكتب بموافقتك وبعلمك… أنا متجوزتكيش من وراكي..و في شهود وإشهار وكل الشروط مظبوطة."
"أدهم افهم… أنا قولت العقد صحيح لو مكنش وقفناه على شرط.."
أومأ متفهماً، ثم ربع يديه أمام صدره وهو يقول متنهداً بعمق:
"لحد امتى يا ندى؟!.. واضح إن الوضع دا هيستمر كتير ومش هنقدر نخبي على الناس اللي حوالينا فترة طويلة…مش عارف أصلاً ماما هتتقبل الوضع دا إزاي؟!"
تشققت ملامحها بقهر هاتفة به بحدة:
"والله بقى دي مشكلتك انت… وانت المسؤول تحلها.. أنا بالنسبالي اضطريت أقبل بالأمر الواقع وكنت هكمل في الجواز منك عادي على أساس إنك متجوزني بإرادتك…بس كويس إن الحال من بعضه."
رد عليها بحدة:
"إنتي تقصدي إيه بالظبط؟!… إنتي تطولي أصلاً تتجوزي واحد زيي؟!"
"الحمد لله مبطولش…"
قالت كلمتها بسخرية ثم مرت من جانبه لتتركه منصدماً من ردها وهي تتمتم بغضب (واحد مغرور)… ثم ما لبث أن ضحك رغماً عنه حين فهم كلمتها ومقصدها من فارق الطول بينهما، فتوقفت عند باب المطبخ وعادت تنظر إليه وهو موليها ظهره وكأنها تذكرت شيئاً لتوها لتقول:
"وآه على فكرة….لو كنت أعرف إن دي نيتك في الجواز مني مكنتش سمحتلك تلمسني ولا تمسك إيدي ولا ترقص معايا.. ربنا يسامحنا ويغفرلنا بقى."
أنهت كلماتها ثم تقدمت من الباب لتغادر، ولكنها عادت مرة ثالثة لتقول بنبرة جامدة:
"متنساش تصلي الفجر… كلها دقايق ووقت الشروق هيدخل وهيفوتك الفجر."
التفت إليها لينظر لها بحدة قائلاً:
"والله مش محتاجك تفكريني… إنتي فاكرة محدش بيصلي الفجر حاضر غيرك ولا إيه؟"
ابتسمت بانتصار أن استطاعت استفزازه لعلها تثأر ولو قليلاً لكرامتها، ثم تركته يهمهم بضيق واتجهت لغرفتها وأغلقتها عليها جيداً وقررت أن تنعم بنوم هانئ وتنسى ما لاقت من أحداث مؤسفة تلك الليلة.
في صباح يوم جديد في إحدى قرى محافظة سوهاج….
ترجل من سيارته حديثة الطراز بطوله الفاره وجسده الرياضي عريض المنكبين ولون بشرته البرونزية من أثر حرارة الشمس الحارقة ولحيته المهذبة النامية، وعينيه العسليتين الثاقبتين مرتدياً بنطال جينز أسود وقميص سماوي كاجوال يعلوه بليزر كاجوال أسود من الشمواه ونظارة شمس قيمة.
ثم ترك السيارة للخفير النحيل ليقوم بتنظيفها، واتجه إلى مضيفة المنزل حيث تجلس أمه، تلك السيدة المسنة التي تتشح بالسواد منذ وفاة زوجها ذات ملامح مصرية أصيلة يشبهها ولدها البكري معتصم كثيراً، لذلك هو حسن الخلقة جميل الملامح مثلها تماماً.
انحنى معتصم ليلثم يدها باحترام، فقامت بدورها بمقابلته ببسمة واسعة وهي تقول:
"حمد الله على سلامتك يا ولدي."
"الله يسلمك يا حاجة… كيفك وكيف صحتك أكده."
"بخير طول مانت بخير يا وليدي….عملت إيه مع الناس اللي كنت رايح لهم في مصر."
جلس بجوارها ثم قال بجدية:
"كل خير يا أمايا… الحمد لله مضينا عقد الشراكة والمصنع بقى مصنعين وعينت هشام جوز أختي رئيس مجلس الإدارة وحمد أخوي امعاه طبعاً، أهو يتعلم منه الشغل… إنتي خابراه هشام واعر أف شغل الإداريات وقُمان مش هلاقي حد أحسن منه يدير الشركة وأني أهنه في البلد."
مسدت على كتفه بحنو وهي تقول بنبرة عاتبة:
"جولتلك يا ولدي خليك أهناك ف مصر حدا شركاتك ومصانعك واحمل هم مالك وأني أهنه مرتاحة وعايشة في خير أبوك الله يرحمه… مش طالبة حاجة من الدنيا واصل غير إني أسمع عنك انت وخواتك خير.. بدل البهدلة كل شوية بين أهنه وأهناك.. المسافة طويلة وأني بجلج عليك طول ما إنت سايج ومسافر."
انحنى ليقبل رأسها ثم قال بنبرة حانية:
"مقدرش أسيبك يا أماي…ميعديش يومي من غير ماأصبح بالجمر اللي جاعد جدامي ده… إلا بجى لو ناوية تيجي تعيشي معايا أهناك."
ردت بسرعة وبنفي قاطع:
"لاه… البلد والدار دياتي روحي فيهم… مش راح أفارقهم واصل لحد ما أندفن في تربتي."
قبض على كفيها وهو يقول:
"بعد الشر عنيكي يا جمري…دا إنتي نوارة البلد كلها..غير مجرى الحديث وهي تقول بضيق نوعاً ما:
"روح… روح غير خلجاتك على ما البت نعمة تجهزلك الفطور… إني هستناك نفطروا سوا."
"حاضر يا أمايا… ربع ساعة بالكثير وأدلي أفطر امعاكي."
غادر معتصم مجلس والدته متجهاً إلى غرفته وهو نادماً على ما تفوه به من حديث تكرهه والدته دائماً وأبداً، ليأخذ حماماً بارداً ثم يبدل ملابسه إلى الجلباب الصعيدي المعروف، ثم يعود لأمه مرة أخرى بهيئته الصعيدية التي دائماً تفضلها وتحب أن تراه بها.
ما كاد معتصم يدس قطعة الفطير المشلتت في طبق العسل حتى أتاه صوت أحدهم يكتسح المضيفة ومن خلفه خفيره النحيل سمعان يصيح به ويحذره من الدخول بدون استئذان، بينما الآخر لم يبالي له، فقد كان في أقصى درجات غضبه، وحين أصبح ماثلاً أمام كبير البلدة “معتصم البدري” أخذ يلوح بيده بانفعال بالغ:
"بجى أكده يا كبيرنا… حتت بت مصراوية متسواشي في سوق الحريم بصلة تجولي إني يا جاهل يا متخلف؟!…والله يا كبير لولا إنها حرمة لكنت جلتها ورميتها لكلاب السكك ينهشوا بلحمها."
وقف معتصم أمامه والغضب قد تجلى بملامحه الحادة وهتف بالماثل أمامه بترقب:
"إوعاك تكون بتتحدث عن ضاكتورة الوحدة اللي لسة جاية من مصر مبجلهاش يامين؟!"
"هي بعينها يا مِعتِصم بيه."
أخذ يصتك فكيه من الغيظ وهو يتمتم بغضب جامح:
"واه يا بت الفرطوس… بجى حتت مفعوصة زيكى تخلي كل يوم رجالة بشنبات يجروا يشتكوا منكِ!!… أومال لو جعدتي شهر قُمان عاد هتعملي فينا إيه أكتر من أكده؟!"
هتف بصوت رج أنحاء المنزل…
"سمعاااان… تروح للبت دي الوحدة وتجيبها لي دلوق… مفهوم."
أخذ يرتجف وهو يقول باهتزاز:
"ما… مفهوم يا كبير."
كانت الحاجة أم معتصم تتابع ما يحدث باستنكار شديد، وطلبت من ولدها أن يقوم بردع تلك الفتاة الطائشة والتي تخطت حدودها مع رجال القرية، فعاد لمجلسه مرة أخرى وهو يتوعد لها.
يتبع…
رواية مهمة زواج الفصل الخامس 5 - بقلم دعاء فؤاد
كانت تفحص طفلة صغيرة مسجية أمامها على فراش الكشف حين انفتح الباب فجأة مصدراً صريراً مزعجاً ليدخل رجل نحيل بعمامة وعلى كتفه بندقية تبدو أطول منه، ألا وهو "سمعان"، الذي قام بركل الباب بقدمه ظناً منه أنه بذلك سيُرعبها وتأتي معه كالكتكوت المبتل، ولكن على من!
إنها "ريم برهام الكيلاني"... تلك الطبيبة العنيدة قوية الشخصية، ذات الرأس الحديدية، والصوت العالي، فالكل يخشاها وهي لا تخشى أحداً سوى الله.
التفتت له وهي تناظره بعينين جاحظتين من خلف نظارتها الطبية من فرط الانزعاج، ثم نزعت سماعتها الطبية من أذنيها وهتفت به بصوت جهوري:
ــ أنت يا بني آدم أنت إزاي تدخل كده زي الطور بدون استئذان... افرض بكشف على واحدة ست يا متخلف.
لقد اتسعت عيناه بدهشة من تلك الفتاة الجريئة سليطة اللسان والتي استطاعت أن تُخرسه، ولكنه ابتلع إهانتها بشق الأنفس ثم هتف بها بغلظة:
ــ اتحشمي يا مرة... معتصم بيه امشيني ليكي... تعالي جدامي على المضيفة يلا.
اصطكت فكاها بغيظ وهي تقول:
ــ إيه قلة الذوق دي! أنت فاكرني شغالة عندك!! وقول للبيه بتاعك اللي عايزني يجيلي... أنا مبروحش لحد.
ــ واه واه واه... لهو أنت عايزني أقول للكبير الحديث الواعر ده!! فزي جدامي يا بت الناس أنتِ مش جد الكبير... اتجي شره أحسن لك.
ــ لا... أنا قده وقد عشرة زيه... ووريني عرض كتافك... عايزة أشوف شغلي.
كانت جالسة بالصيدلية تعد بعض أصناف الدواء حين أتاها صوت صديقتها المنفعل كعادتها. خرجت من الصيدلية سريعاً لترى مع من تتشاجر هذه المرة، وحين وجدت سمعان يقف قبالتها بدأ القلق يتسلل إليها واندفعت تجاهها بعدما سمعت الحديث الدائر بينهما لتقول مارتينا الطبيبة الصيدلانية:
ــ ريم... روحي يا ريم معاه شوفي معتصم بيه عايزك ليه... بلاش تزعليه.
قطبت ما بين حاجبيها باستغراب لتقول:
ــ فيه إيه يا مارتينا؟ ومين معتصم دا أساساً... ومهما يكن هو مين ماليش دخل بيه.
اقتربت منها أكثر لتهمس لها:
ــ يا بنتي دا كبير البلد وهو الآمر الناهي فيها... وكل حاجة بتمشي بكلمة منه.
أشاحت بوجهها للجهة الأخرى وهي تربع يديها أمام صدرها وتقول بعناد:
ــ كبير على نفسه مش عليا... امشي يافندي من هنا عايزة أكشف على البنت التعبانة دي.
نظر لها سمعان بغل وهو يقول بوعيد:
ــ بجى أكده؟! طاب استلجي وعدك بجى يا ست الضاكتورة.
واستدار مغادراً بعدما يأس من تليين رأسها اليابس بأسلوب الترهيب خاصته.
بينما هي ناظرته باستهزاء وعادت لتكمل ما كانت تفعله، بينما مارتينا واقفة بمكانها تدعو الله أن يمرر معتصم بيه هذا الأمر بسلام على صديقتها.
عاد سمعان الخفير إلى الكبير رقبته متدلية إلى صدره وهو يتمتم بكلمات ساخطة ويسب تلك الفتاة التي لا يهمها أحد ولا يقدر عليها رجل.
حين رآه معتصم يدلف إليه بدونها انتفخت أوداجه من الغضب وانتفض من مجلسه منفعلاً إلى أن وصله الخفير مهرولاً وهو ينظر إلى الأرض غير قادر على رفع عينيه في عيني كبيره، فهتف به بصوت جهوري:
ــ هي فين يا عادم ناسك؟!
ارتجف جسده بخوف وهو يقول بنبرة مهتزة:
ــ ممم... مرضيش تاچي معايا يا كبير... لسانها كيف المبرد عايز جطعه.
ــ واه... كانك مجادرشي (مش قادر) عليها إياك... عيب على شنبك يا شيخ الغفرة... غوور من جدامي لاجتلك.
هرول سمعان من أمامه وهو يتعثر بجلبابه من فرط الرهبة، بينما معتصم زادت وتيرة تنفسه للغاية، فكيف لثمة فتاة أن تعصي أمر الكبير، وكيف واتتها الجرأة لتفعل ذلك... فأعتى الرجال بأعلى المناصب لم يستطيعوا أن يفعلوها يوماً.
هم ليتجه نحو باب المضيفة ليخرج منها حين هتفت أمه بقلق:
ــ رايح فين يا ولدي؟!
توقف عن السير ليقول:
ــ رايح أعمل اللي أهلها معرفوشي يعملوه.
ــ هملها لحالها يا ولدي... متجلش جيمتك مع بت جليلة الرباية زييها... بنت بحري واعرين ومعيكبروشي لحد واصل.
ــ لازمن تعرف مجامها ياما... وياني يا هي في البلد دي.
ثم انصرف مغادراً وهي تقول:
ــ چيب العواجب سليمة يا رب.
خرج من المنزل بأكمله وسار ناحية الوحدة سيراً على الأقدام يدب الأرض بقدميه بغضب جامح، حيث كانت الوحدة قريبة من منزله.
حين اقترب من المبنى أتاه اتصال هاتفي، فتوقف ليرد على الهاتف بعدما قام بضبط انفعالاته، فقد كانت مكالمة هامة للغاية:
ــ ألو.. معالي الباشا ازيك يافندم.
…….
ــ طبعاً يا باشا هحضر الاجتماع…. دا اجتماع مهم جدا لا يمكن يفوتني….
…….
ــ حاضر يا معالي الباشا أوامر سيادتك يافندم.……
ــ بس حضرتك لازم تحضر معانا العشا… وجودك هيشرفني يا معالي الباشا….
…….
ــ تمام يافندم في رعاية الله مع السلامة.
أغلق الهاتف ثم خلع عنه معطف رجل الأعمال المتحضر وعاد لجلبابه وأصله الصعيدي مرة أخرى متذكراً تلك الدخيلة التي ينوي تكسير رأسها الصلد.
حين رآه الناس ومنهم مارتينا وقفوا احتراماً له ثم ذهب إلى غرفة الكشف حيث تقبع ريم.
أراد أن يركل الباب بقدمه ويقتحم عليها الغرفة ولكن تراجع في اللحظة الأخيرة وقام بطرق الباب بقوة من فرط انفعاله.
فقامت بدورها لترى من هذا الأهوج الذي يطرق الباب بهذه الطريقة، ففتحت الباب بسرعة وهبت بالماثل أمامها يصد عنها الهواء بانفعال بالغ وبصوتها الجهوري المعتاد:
ــ فيه إيه يا بني آدم أنت!! إيه قلة الذوق دي… بسمع على فكرة والله.. حد قالك إني واقعة على وداني!!
أخذ يناظرها بعينين تشتعلان شرراً يعاينها من رأسها حتى أخمص قدميها، كانت ترتدي بنطال جينز ضيق وكوتشي أبيض رياضي، كنزة بيضاء طويلة نوعاً ما تصل لمنتصف فخذيها وحجاب أسود صغير بالكاد يغطي رقبتها، ترتدي نظارة طبية رقيقة جعلتها أكثر جمالاً، تخفي بها عينيها العسليتين المحددة بالكحل الأسود، وتحدد شفتيها بطلاء الشفاه الوردي، وحمرة بسيطة في وجنتيها ذات البشرة البيضاء، فرغم صوتها العالي إلا أنها تبدو من الخارج رقيقة وجذابة تدعوك للتأمل بملامحها الجميلة طويلاً.
بينما هي ازدردت لعابها بتوتر نوعاً ما وخالجها شعور بالرهبة حين تبين لها أناقة ملبسه عن بقية أهل القرية، فقد داعبت أنفها رائحة عطره الذكية ذات الماركة العالمية والتي تعرفها جيداً ولفت نظرها تسريحة شعره العصرية، هو كله عبارة عن كتلة جاذبية مختلفة تماماً عمن رأتهم حين وطأت قدماها أرض تلك البلدة.
ــ أنتي بجى الضاكتورة اللي اتچرأت وعصت أمري!!
في الحال علمت أنه المدعو معتصم بيه، فحاولت أن تتحلى بالشجاعة وردت بنبرة أقل حدة:
ــ وأنت بقى سي معتصم بيه!!
صاح بها بغلظة وثبات:
ــ انچري ادخلي چوا عشان فيه حساب بيناتنا هنصفيه… جولت ادخلي.
انتفض جسدها بخوف ثم سرعان ما استعادت شجاعتها لتقول:
ــ أنا مسمحلكش… أنا مش الخدامة بتاعت سيادتك.
أدرك جيدا أنها من ذوات الرأس الحديدية، وأن أسلوب الترهيب لن يفيد، فقام بدوره بالتقدم منها كثيراً حتى كاد أن يلتصق بها وهو يناظرها بتحدي، فبدون وعي منها عادت للخلف عدة خطوات باضطراب، فابتسم بانتصار ثم دخل الغرفة وقام بمواربة الباب.
ــ اجعد.
قالها بأمر فانصاعت لأمره هذه المرة حتى تنهي هذه المقابلة السخيفة من وجهة نظرها.
جلس قبالتها بالمقعد الخاص بالمرضى ثم قال بنبرة عادية نوعاً ما:
ــ اسمعي يا بت الناس… أنتي أهنه مش في بحري… أنتي أهنه في الصعيد… والصعيدي دمه حامي ميجبلش الإهانة واصل بالذات لما تكون من حُرمة…
أني كنت چاي وناويلك على نية سودة… بس المرادي خليها أكده تحذير.. إنما المرة الجاية معجولش راح أعمل إيه فيكي.. عتشوفي بعنيكي الحلوين دول.
توترت أوداجها وبدأ الخوف يتسلل إلى جوارحها، فقد لمست في حديثه الجدية، فقالت بنبرة ضعيفة حتى لا تثير غضبه:
ــ أنت بتهددني!! هو دا كرم الضيافة بتاعكم؟!
ــ ده مش تهديد… جولتلك ده تحذير.. وإن كان على كرم الضيافة عايزك تسألي زميلتك الضاكتورة مارتينا إحنا وچبنا معاها كيف ومع الضاكتور حسين اللي كان ماسك مكانك جبل ما تشرفي… بس الصراحة ناس تستاهل الكرم… مش زي ناس طالجة لسانتها على رجالة البلد.
قال عبارته بنبرة ذات مغزى، وبالطبع فهمت مغزاه، فأخذت تتحدث معه بهدوء واحترام:
ــ حضرتك قبل ما تحكم عليا يا ريت تسمع من طرفين مش من طرف واحد.
ــ جولي اللي عنديكي يا ضاكتورة.
ــ أولاً أنا أكتر حاجة بكرهها وبتعصبني جدا هي الإهمال وقلة الذوق.. والأخ الأولاني جايبلي ابنه متبهدل من التسلخات وبيقولي بقاله أكتر من أسبوع بالمنظر دا ولسة فاكر ييجي يكشف عليه النهارده، فبسأله بقوله طب كنت بتستخدم إيه عشان تعالج بيها التسلخات قالي زيت الطبيخ... اديني عقلك أنت.. غصب عني انفعلت ومحستش بنفسي غير وأنا بقوله يا جاهل يا متخلف.
ابتسم معتصم حين رأى منها الجانب الهادئ وأدرك حينها أن رجال البلدة هم من يجعلونها تخرج أسوأ ما فيها، ولكنه أخفى بسمته سريعاً قبل أن تراه وحافظ على جديته وثباته وهتف بها بغلظة:
ــ مهما إن كان غلطان ميصحش واصل إنك تصرخي فيه أكديه وتوبخيه كيف الـ لـ صـ غـ ا ر.
عدلت من وضعية نظارتها الطبية ثم قالت بندم:
ــ قولت لحضرتك أنا بتعصب بسرعة غصب عني.. واللي بشوفه بصراحة من ساعة ما جيت خلاني أتعصب كتير... وبعدين برضه الغفير بتاعك جاي يقتحم عليا الأوضة وأنا بكشف على بنوتة صغيرة بدون ما يستأذن… هل دا يصح يافندم؟!
كور قبضة يده بغضب من فعلة خفيره الغبي وتوعد له ولكن رسم الثبات على وجهه قائلاً:
ــ لاه ميصحش يا ضاكتورة… في دي عندك حج.. بس برضو أحب أفكرك يا ريت مسمعش عنيكي شكوى تاني من رِدالة البلد… أنتي مهما كان حرمة.. وميصحش الحرمة تعلي صوتها على الرِدالة.
ابتلعت غيظها من تصريحه ثم قالت باقتضاب:
ــ ربنا يسهل… أي أوامر تانية؟!
نهض من مقعده وهو يقول بثقة:
ــ لحد دلوق لاه… بس اعملي حسابك لو أنا خطيت الوحدة دي تاني يبقى معيحصولش خير واصل واتجي شره أحسن لك… عشان أنتي مش جد شر الكبير وأتمنى إنك ما تدوجيش منه… سلام يا ست الضاكتورة.
لم ينتظر ليسمع ردها وإنما استدار مغادراً بعدما استطاع إثارة حنقها البالغ وبقيت هي لتتوعد له مثلما توعد لها تماماً.
عند باب الوحدة لحقت به مارتينا وهي تقول:
ــ معتصم بيه لحظة.
وقف لينظر لها باستفهام، فأردفت بتوتر:
ــ متزعلش من ريم.. دي والله طيبة جداً وخدومة وجدعة… هي بس اللي بيعصبها إهمال الأهالي مع أطفالهم.. بس عايزة أقولك إنها أشطر دكتور دخل الوحدة دي.
أومأ متفهماً ثم قال:
ــ فهميها يا دكتورة مارتينا إن الناس هنا طباعهم مختلفة عن القاهرة ولازم تتعايشي مع الوضع دا يا إما تريحينا وتريحي نفسك وتمشي من هنا خالص.
ابتسمت بإعجاب حين تحدث معها بلهجته القاهرية، فقد كانت نبرته رقيقة للغاية ولكنها تجاوزت ذلك مردفة:
ــ خسارة يا معتصم بيه…. قولت لحضرتك ريم شاطرة جداً وهتنفع الناس هنا ومع الوقت هما اللي مش هيستغنوا عنها.
تنهد بعمق ثم قال:
ــ وهتفيد بإيه شطارتها مع لسانها الطويل دا… على العموم لو لقيت منها حسن النية هشيلها من الأرض شيل… إنما لو اتمادت في قلة أدبها دي.. يبقى تستاهل اللي هعمله فيها.
أسرعت لتقول بتأكيد:
ــ لا لا يا معتصم بيه… إن شاء الله مش هتشوف منها غير كل خير.
أومأ بإيجاب ثم استأذن بالمغادرة، بينما مارتينا عادت لصديقتها وهي هائمة برقته ووسامته حين رأت منه الجانب المتحضر لأول مرة، أخذت تحدث نفسها قائلة:
ــ يابن الإيه… لو مكنتش مسيحية كنت حبيتك..
ثم أخذت تضحك على نفسها إلى أن وصلت إلى مكتب صديقتها والتي كانت تجلس بمقعدها تستشيط غضباً ووجهها محمر من فرط الانزعاج والعصبية.
ــ يا لهوي يا ريم… چنتل مان مووووت.
قالتها وهي تبتسم بهيام مترقبة ردة فعل صديقتها التي استقبلت عبارتها باستنكار تام متمتمة:
ــ نعم!! دا چنتل مان؟!
ــ طبعاً يابنتي.. أصلك مسمعتهوش وهو بيتكلم معايا قبل ما يمشي.
تأففت بملل وهي تقول:
ــ والنبي قفلي ع السيرة دي بقى…. أنا يظهر كدا مستنياني أيام فل في البلد دي.
ضحكت مارتينا بصخب، فناظرتها ريم بغيظ وهي تقول:
ــ اضحكي ياختي اضحكي… مانتي متعودة على كدا..
ــ أومال يابنتي… ما أنا صعيدية برضو بس من مدينة سوهاج نفسها… بس يعني مش حاسة بالغربة زيك ولا شايفة إن الناس غريبة زي مانتي شيفاهم.
تنهدت بقلق وهي تقول:
ــ ربنا يعدي الأيام اللي جاية على خير.
حين عاد إلى أمه راحت تسأله بقلق مردفة:
ــ خير يا ولدي؟! عملت معاها إيه؟
جلس بجوارها متنهداً بعمق ثم قال بهدوء:
ــ كل خير يا أمايا… البنتة لاجيتها كيوتة كدا..
قاطعته بقولها مستنكرة:
ــ باه… كيوتة كيف يا ولدي؟!
حمحم بحرج مستعيداً غلظته مرة أخرى ليقول:
ــ قصدي بت نايتي أكده… ما بتحملشي اللي كنت ناويلها عليه… بس عطيتها جرصة ودن أكده لعند مانشوفو آخرتها إيه معاها..
أومأت برأسها وهي تقول:
ــ أني خابراهم زين بنت بحري.. بيتلونو كيف الحرباية.
ــ بزيادة يامايا حد يت في الموضوع ده.. معايزش أعطيها جيمة أكبر من حجمها.
ربتت على كتفه بحنو وهي تقول:
ــ طاب كمل فطورك يا ولدي.. ملحجتش تكمل واكلك.
نهض من كرسيه متمتماً بضيق:
ــ مالياش نفس.
ثم غادر عائداً إلى غرفته تحت نظرات أمه المتعجبة.
بمجرد أن دخل غرفته خلع عنه جلبابه ثم ألقاه بعنف وكأنه يفرغ به غضبه من ذاته.
فمنذ أن التقى بها وصورتها لم تفارق عينيه، كانت جذابة حقاً… جذابة لدرجة أنه تنازل عن غضبه ونيته السيئة في عقابها بمجرد أن تأملها وسمع صوتها…
جذبته لدرجة أن ملامحها طُبعت بذاكرته، صوتها مازال يتردد بأذنيه، لما احتلت قدراً كبيراً من تفكيره في غضون دقائق قليلة؟!… إنها ليست المرة الأولى التي يلتقي بها بفتاة قاهرية جميلة… إنه ليس ذلك الرجل الذي ينجذب بسهولة لأي امرأة مهما كانت تمتلك قدراً كبيراً من الجمال.
أخذ يجذب خصلات شعره وهو يجز على أسنانه ويقول:
ــ اطلعي من دماغي بقى… كنتي مسخبيالي فين يا بت الناس.
رواية مهمة زواج الفصل السادس 6 - بقلم دعاء فؤاد
في شقة أدهم….
تململت بفراشها حين تسلل إلى أذنيها صوت أذان الظهر، ففتحت عينيها ببطء وهي تحاول تذكر أين ومتى هي الآن، فقد انتابتها حالة من فقدان الذاكرة استمرت معها لثوانٍ معدودة إلى أن تذكرت أخيرًا آخر ما حدث بينها وبين أدهم.
نهضت لتجلس بالفراش وهي تردد أذكار الاستيقاظ، ثم ما لبثت أن تنهدت بحيرة، فلا تدري بما عليها أن تشعر الآن! أتشعر بالسعادة أن أصبح مالك قلبها أمامها وبين يديها؟ ولما لا، وهي التي لطالما حلمت فقط بالجلوس معه ولو لدقائق. أم تشعر بخيبة الأمل والخذلان؟ فحبيبها لا يهتم لشأنها ولا يشعر بها من الأساس.. تزوجها فقط كتأدية واجب لا أكثر.
استعاذت بالله من الشيطان الرجيم، ثم تركت الفراش واتجهت للمرحاض لتتوضأ لصلاة الظهر.
انتهت من الصلاة، ثم شرعت في ترتيب الغرفة وقامت بوضع ملابسها في الخزانة. وحين فتحت إحدى درفها تفاجأت بملابس له بداخلها، فابتسمت بتهكم مرير، ثم تركت درفته الخاصة بملابسه كما هي واستكملت ترتيب ملابسها، وقد خصصت رفًا لتحتفظ به بكتبها الخاصة بالفقه والشريعة وبعض الكتب الأخرى.
أخيرًا انتهت، ثم ألقت نظرة رضا إلى الغرفة، ثم قررت الخروج إلى المطبخ لتعد الإفطار.
ارتدت أسدالها وتوجهت للمطبخ، فوجدت وفاء الخادمة تعد الطعام، فتنحنحت حتى انتبهت لها، لتقول وفاء:
صباحية مباركة يا ندى هانم… الست تيسير هانم بعتتني عشان أحضرلكو الفطار.. ثواني هرصه ع السفرة و أمشي علطول.
أومأت برأسها وهي تبادلها بسمة باهتة، ثم استدارت لتخرج إلا أنها اصطدمت بصدر أدهم، فقامت رغماً عنها بالاستناد على صدره بكفيها، فقام هو بإحاطة خصرها بيديه لكي لا تسقط، فتوترت ندى للغاية وحاولت أن تبتعد عنه إلا أن يدي أدهم طوقتها بقوة منعتها من الحركة، فنظرت له بغضب، ولكن أشار بحاجبيه إلى الخادمة، ولكنها أصرت على الابتعاد عنه، فلمساته تجعلها تشعر وكأنها ترتكب إثمًا.
قامت بفك يديه المتشبثة بها، ثم قالت بنبرة تحذيرية:
أنا هستناك على السفرة.
أمسك كفها عنوة وهو يقول ويدفعها أمامه بلطف:
تعالي بس عايزك.
صدرت ضحكة مكتومة من الخادمة، فقد فهمت شيئًا ما جعل وجنتي ندى تتوردان خجلًا، فرمقته ندى بنظرة تحذيرية، فضحك وقال لها بهمس وهو يخرج بها من المطبخ:
أنا غرضي شريف على فكرة… هي اللي دماغها شمال.
بمجرد أن ابتعدت عن ناظري الخادمة، نفضت يدها من يده وتركته وذهبت لغرفتها بخطوات غاضبة أشبه بالركض، بينما أدهم لحق بها ودخل خلفها ثم أغلق عليهما الباب.
هبت به بانفعال:
انت كمان بتقفل علينا الباب؟!
صاح بها بعصبية:
اهدي شوية بقى… كلها خمس دقايق و تمشي.
أخذ صدرها يعلو ويهبط بانفعال بالغ، فاسترسل بنفس نبرته المتعصبة:
و بعدين انتي هتفضلي لابسة الاسدال دا كدا علطول؟!… لو حد لاحظ على فكرة هنبقى مكشوفين اوي.
ردت بانزعاج:
أنا مش هقعد معاك في بيت واحد بلبس مكشوف و لا هقعد من غير طرحة… مكشوفين بقى مش مكشوفين دي مشكلتك انت مش مشكلتي.
سار نحوها حتى أصبح بمواجهتها وهتف بحدة:
انتي بتعانديني يعني ولا انتي ايه بالظبط.
مش بعاندك…. أنا بعمل اللي يبرأني قدام ربنا.. كون انك مش حاسس إن دا غلط فانت حر… انما أنا لأ يا أدهم بيه.
انتي كدا هتتعبيني معاكي..
أشاحت بيدها بدون اهتمام وهي تقول:
اتفضل بقى اخرج من هنا… كفاية كدا.
نظر لها بغيظ، ثم تركها وخرج من الغرفة صافعًا الباب خلفه، وكل ما يشغله أنه كيف سيستمر معها على هذه الشاكلة أمام أمه وبقية أفراد أسرته… لابد وأن يجد لها حلاً قبل قدوم والدته.
بينما ندى نزعت غطاء رأسها بعصبية وهي تبكي بحسرة على حالها، تحبه وتتمنى قربه، تود لو ترمي نفسها بين أحضانه ولكنها لا تستطيع أن تستمتع بقربه طالما أنه ليس حلالاً.
ماذا تفعل وكيف تتصرف! كيف ستستمر معه هكذا وإلى متى؟ حتى وإن أنهى زواجه بها كيف ستواجه صدمتها! ليتها لم تطع أباها.. ولكنها وافقت على أساس أنه طلبها للزواج بكامل إرادته وليس تحت ضغط، حتمًا لو تعلم بنيته ما وافقت من الأساس مهما كانت قدر عشقها له.
انتهيا من الإفطار كعادتهما في صمت مطبق، ثم قامت بإعادة الأطباق إلى المطبخ وقامت بتنظيفها، وما كادت تسير إلى غرفتها حتى استوقفها أدهم هاتفا بها:
استني يا ندى… احنا لازم نتكلم و نحط حد للموضوع دا.
سارت نحوه بقلب مضطرب، فأكثر ما تخشاه أن ينهي زواجهما الذي لم يبدأ بعد.
جلسا في إحدى أركان الصالة الواسعة حيث يوجد الصالون كأرض محايدة، ثم استطرد حديثه قائلًا:
اللي انتي عايزاه هعملهولك… عايزة جوازنا يبقى رسمي أنا موافق… عايزاه مؤقت برضو أنا موافق.
صدمتها كلماته، فقد وضعها في موقف لا تحسد عليه، لم تتوقع أن يبدأ حديثه بهذه الطريقة من فرض الخيارات وكأنها في امتحان، بما يتعين عليها أن تجيبه الآن، فإن اختارت أولهما…
عند هذا الحد، ثارت خلاياها العصبية بطريقة مفرطة، جعلتها تتحدث بغضب مكتوم:
بالله عليك دا سؤال تسأله ليا… يعني أنا مش عارفه انت بتفكر ازاي.. انت بتتكلم كأنك بتقولي اختاري إن جوازنا يبقى مؤقت… ماهو مستحيل هقولك و النبي عشان خاطري خليه رسمي.
كور قبضتيه بعصبية، ثم قال وهو يكظم غيظه:
لا بقى انتي اللي صعبة في التعامل… أنا مبقتش عارف أتعامل معاكي ازاي.
ولا عمرك هتعرف.. اللي انت شايفه صح اعمله..
تنهد بحيرة، فحقا هو غير قادر على حسم ذلك الأمر، ينتظر منها هي الحل الأمثل ولكنها أيضًا تراوغه.
سكتت مليًا، ثم قالت بأسى بنبرة طفولية بحتة:
أنا بتمنى لو أرجع لبابا تاني.. حاسة بغربة فظيعة من غيره.. لو قدرت ترجعني يبقى انت عملت معايا معروف مش هنساهولك أبداً.
نظر لها بإشفاق، ثم قال بهدوء:
صدقيني يا ندى لو ينفع مش هتأخر أبداً… بس حياتك في خطر و انتي أمانة عندي مينفعش أفرط فيها.
اغرورقت عيناها بالعبرات، ثم أخفضت رأسها وهي تقول بصوت مختنق بالبكاء:
أمانة أه فعلاً..
ازداد إشفاقه عليها رغم جموده الظاهر ناحيتها، واقترب منها في المقعد حتى أصبح لا تفصلهما سوى عدة سنتيمترات، ثم التقط منديلًا من علبة المناديل وقام بتمريره على عينيها وهو يقول بحزن:
أنا مقدر اللي انتي فيه، عشان كدا عايز أعملك اللي انتي عايزاه واللي تحبيه.. مش عايز أفرض عليكي وضع انتي مش حباه.
أنزل يده عن عينيها، بينما هي كانت ساكنة تمامًا مستسلمة على عكس عادتها معه، الشيء الذي أثار دهشته ولكن لم يُعقب حتى لا يثير حنقها مرة أخرى، كانت تشعر أنها ضعيفة.. ضعيفة لأقصى درجة.. تود لو كان بإمكانه أن يحتويها بين ذراعيه لعلها تطمئن قليلًا.. ربما يهدأ قلبها مليًا… لعلها تستعيد شتات نفسها.
بدون وعي منها، وكأنها كانت مغيبة، قالت بصوت مبحوح:
ممكن تاخدني في حضنك؟!
أصابه صدمة كبيرة لثوانٍ وكأن التي أمامه ليست ندى، وكأنها قد أصابها فصام في الشخصية، ولكن صدمته لم تدُم طويلًا، فقد كان مشفقًا على حالتها الرثة هذه، ظن أن ذلك نبع من حاجتها لأبيها وافتقادها له، فاقترب منها أكثر ودون أن ينطق قام بجذبها من كتفيها لتستقر على صدره، ثم لف ذراعيه حول خصرها واستند بذقنه إلى كتفها، بينما هي قامت بلف ذراعيها بضعف حوله، ثم بدأت شهقاتها تعلو شيئًا فشيئًا حتى اهتز جسدها بالكامل بين ذراعيه من فرط البكاء، فشدد من قبضته على خصرها وضمها إليه أكثر ربما يهدأ بكائها قليلًا..
ظلا على هذا الوضع لدقائق.. لا يتكلم.. فقط ترك العنان لها لكي تفرغ كل ما يحويه صدرها من هموم وأحزان لتلقي بها على صدره الذي تستقر عليه الآن.
ابتعدت ندى وتركت حضنه وهي تجفف عبراتها، ولم تقو على النظر إليه، بل نهضت سريعًا إلى غرفتها تاركةً إياه ينظر في أثرها بحالة من التيه والتخبط، فقد استطاعت إثارة شيء ما بقلبه أحب قربها، ولكن نفض ذلك عن رأسه مقنعًا ذاته أنه فقط مشفق عليها وعلى ما يحدث لها.
حين انتبهت لوضعها وهي بين ذراعيه، ابتعدت عنه ثم ركضت إلى غرفتها وهي في حالة من الندم ترثى لها.
أغلقت على نفسها الباب ثم جلست أمام المرآة لتتأمل وجهها الباكي وهي تحدث نفسها بذهول:
ايه اللي انا عملته دا!!.. إزاي سيبت نفسي للشيطان كدا!.. أنا امتى بقيت جريئة ووقحة كدا!… لا أنا مينفعش أعيش معاه لوحدنا…. مينفعش..
قالت كلمتها الأخيرة وهي تبكي ندمًا والشعور بالذنب يكاد يقتلها.
دلفت لتتوضأ ثم جلست بفراشها تستغفر الله كثيرًا، وبعد الكثير من التفكير قررت أن تلفظه من قلبها ثم تغلقه بسلاسل من حديد حتى لا يتكرر مثل هذا الأمر مرة أخرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.
أما على الجهة الأخرى.. جلس أدهم بشرفة غرفته المطلة على حديقة صغيرة.. ما زال يشغله ما صدر من ندى منذ قليل.. يسأل نفسه ترى ما الذي دفعها لفعل هذا؟!.. هل تحبه؟!.. ولكن عاد ليسخر من نفسه أن فكر في ذلك.. فمن المستحيل أن تحبه بين ليلة وضحاها، فهما لم يتقابلا منذ عشر سنوات منذ كانت طفلة، فمتى أحبته إذن.. هو حتى لا يذكر أن تحدث معها ولو مرة حين كانت عائلته مرتبطة بعائلتها، فقد كان منشغلًا في دراسته في كلية الشرطة.
ولكن أكثر ما شغل باله هو استجابته الفورية لها وعدم التفكير كثيرًا وكأن جسده كان متحفزًا للانجذاب إليها، متى أصبح رومانسيًا هكذا.. فالرومانسية لم تعرف طريقًا لشخصيته يومًا، فلم يطلق عليه محمود لقب "قفل" من فراغ.
ضحك بسخرية من نفسه وهو يهز رأسه يمينًا ويسارًا، ثم استنشق الهواء العليل ببطء وزفره على مهل، ثم حدث نفسه بصوت مسموع:
أنا شاغل نفسي ليه.. الموضوع مش مستاهل التفكير دا كله..
رن هاتفه برقم أمه فابتسم بسخرية، فحتما تتصل به لكي تطمئن عليهما وبالطبع لن تتوانى عن سرد النصائح والتنبيهات..
ألو.. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. الحمد لله يا حبيبتي بخير.
ها يا حبيبي كله تمام؟!
ازدرد لعابه بتوتر مردفًا:
احم.. اه.. اه كله تمام يا أمي.
و ندى عاملة ايه.. اوعى تكون زعلتها ولا قولتلها كلمة ملهاش لازمة.. أنا عارفاك.
لا يا ماما متقلقيش.. كله تمام.
مش هوصيك على ندى يا أدهم.. البنت صعبانة عليا أوي.. عشان خاطري يابني راعي مشاعرها شوية.
حاضر يا ماما ندى في عنيا.
طاب اديهالي أصبح عليها و أباركلها.
تحرك بؤبؤا عينيه بتوتر، ثم أردف بكذب:
هي في الحمام يا أمي لما تخرج هخليها تكلمك.
ماشي يا حبيبي.. ابقى سلملي عليها.. هبعتلكو وفاء تطبخ الغدا بعد شوية.
بدون تفكير قال لها بتلقائية:
لا يا ماما متخليهاش تيجي… هنطلب دليفري و خلاص.
ضحكت وهي تقول:
عايز الجو يخلالك… امممم… طيب يا عريس و ماله.
تعجب من ظنها، ولكن في ذات الوقت اندهش من حاله أن طلب منها ذلك، ثم قال مغيرا مجرى الحديث:
روان و حودة عاملين ايه… سلميلي عليهم كتير..
حاضر يا حبيبي.. سلملي على ندى.. في رعاية الله.
حاضر يا ماما مع السلامه.
أما عند ندى.. حين فرغت من حفظ وردها اليومي التقطت هاتفها لتحدث أباها، فقد افتقدته كثيرًا رغم أنه كان معها عبر الهاتف في مكالمة فيديو أثناء حفل زفافها أمس.
في حين أن أباها كان يحترق قلقًا من أن يخيب أدهم أمله فيه، وينكشف خداعه لها أمامه، كان يخشى أن تحدثه حتى لا يسمع منها كلمة لوم أو عتاب وهو لا ينقصه، فيكفيه نيران بعدها عنه المشتعلة بكيانه كله.
اتصلت به وانتظرت قليلًا ليأتيها صوته المتلهف:
ندى حبيبتي.. عاملة ايه يا قلبي.. وحشتيني وحشتيني وحشتيني اوى.
ابتسمت بحب وهي تقول بتأثر:
و انت كمان يا بابا وحشتني اوى اوى.. مش عارفه أنا هعيش هنا من غيرك ازاي.
أنا آسف يا حبيبتي اني بعدتك عني بس والله دا من كتر خوفي عليكي.. بس اللي مطمني انك عايشة مع ناس بتحبك و طنط تيسير بتعتبرك بنتها.
اغرورقت عيناها بالعبرات، ثم أردفت بنبرة شبه باكية:
بس أدهم مش بيحبني يا بابا زي ما كنت مفهماني.
انخلع قلبه حسرة عليها، ثم سألها بترقب:
هو قالك كدا؟!
لا أنا فهمت من تصرفاته… بيتعامل معايا كأني واحدة غريبة عنه..
تنهد بأسى، ثم قال:
سامحيني يا ندى… كان لازم أخليكي توافقي على جوازك من أدهم بأي طريقة وعشان ابعدك عن الخطر.
ــــ تقوم تكسر قلبي يا بابا؟!
رد بنبرة معذبة:
يعني قلبك يتجرح ولا تروحي مني خالص وأموت بحسرتي عليكي.. مش كفاية عليا موت أمك؟!
أخذت شهقاتها تعلو شيئًا فشيئًا، فاستطرد بنبرة حانية:
أدهم انتي هتعرفي تخليه يحبك يا ندى وأنا متأكد من كدا… هو مين بس يابنتي اللي يعرفك وميحبكيش!
ــــ حضرتك بتقول كدا عشان أنا بنتك بس.
لا أنا متأكد من كلامي.. انتي ليكي سحر خاص على كل اللي حواليكي… محبة الناس ليكي نابعة من محبة ربنا.. وانتي ما شاء الله عليكي يا بنتي بتخافي ربنا وبتتقيه في كل حركاتك وسكناتك.
ــــ حضرتك بتقول كدا عشان تصبرني..
لا يا حبيبتي بقول كدا بقناعة… وجرح قلبك مسير الأيام تداويه وأدهم قريب أوي هيحبك بجنون بس انتي خلي أملك في الله كبير وفي نفس الوقت احفظي كرامتك.. لأنها هي أغلى حاجة تملكيها.
هزت رأسها بإيجاب وهي تقول:
حاضر يا بابا… حضرتك متعرفش كلامك دا ريحني قد ايه.
ابتسم بارتياح وهو يقول:
إحنا صحاب يا ندى.. وأي حاجة تزعلك كلميني طول وع فضفضي معايا، بكرة لما الدراسة تبدأ وتختلطي بالناس هتتعرفي على أصحاب جدد وهتلاقي نفسك معاهم والحياة هتبقى أحلى يا بنتي إن شاء الله.
ابتسمت بأمل وهي تقول:
إن شاء الله يا بابا.
ــــ وصلي سلامي لأدهم يا حبيبتي.
ــــ الله يسلمك يا حبيبي.. لا إله إلا الله
ــــ محمد رسول الله.
أرخى أنور جسده بفراشه وهو يحدث نفسه بحزن:
ليه كدا يا أدهم؟!…. دا انت لو لفيت الدنيا كلها مش هتلاقي زوجة زي ندا في تدينها وجمالها وأخلاقها… ربنا يهديك وينور بصيرتك.
في محافظة سوهاج
كان جالسًا بالمضيفة الملحقة بالدوار حيث كان يناقش إحدى العائلات في مسألة تخص الثأر وما يتبعه من خراب في محاولة جادة منه لكي يجعلهم يتنازلون عن هذه الفكرة المدمرة ليقوم بدوره الهام كونه كبيرًا لبلدته وحلال العقد.
ــــ راجع نفسك يا حاچ صالح… لو جلت ولده اليوم هيجتل ولدك عشية وهنفضلوا في الدوامة دي ومش راح نخلصو منها واصل… والشباب اللي كيف الورد هو اللي بيدفع التمن.
رد الآخر بغلظة:
ــــ لو ماخدتش بتار أبوي هتجرس في البلد كلها يا كبيرنا وانت خابر زين.
مالكش صالح بالبلد… أني هانا الكبير والبلد كلها عارفة إن مفيش كلمة بعد كلمتي… وأنا جولت هننهي التار ده للأبد… فوزي الچيار صبيحة الچمعة جدام البلد كلها هيجدملك كفنه على يده وانت هتجبله ونجفلو على السيرة دي وأكده خلص الكلام.
ــــ بس يا كبيرنا..
قاطعه معتصم بإشارة من كفه حين رن هاتفه برقم ما، فأخرجه من جيب جلبابه ليسود وجهه بغضب جامح حين رأى هوية المتصل، ثم أعاده مرة أخرى لجيبه، ثم تحدث بصوت مجلجل غير قابل للنقاش:
ــــ مبصش يا حاچ صالح أني جولت هننهي التار يعني هننهيه… خدوا واچبكم انتو مش أغراب.. عن إذنكم..
قالها ثم هب واقفًا من أمام الحضور ليغادر المضيفة ويتجه مباشرة إلى داخل الدوار قاصدًا غرفته بالدور العلوي.
بمجرد أن دلف غرفته نزع عنه جلبابه بعصبية، ثم التقط هاتفه وأعاد الاتصال بالرقم المتصل، ثم وضع الهاتف على أذنه، وحين أتاه صوت الطرف الآخر قال بغضب جامح:
ــــ هو أنا مش قولت متتصليش بيا أبدا طول ما أنا في البلد… أنا كلامي مبيتسمعش ليه… انتي كدا جبتي آخرك معايا وبنظامك دا استحالة نكمل مع بعض.
ردت بخوف:
ــــ أنا اتصلت عشان..
قاطعها بانفعال بالغ:
ــــ مهما كانت الأسباب.. لو بتموتي حتى متتصليش بيا.. قولتلك ميت مرة ابعتيلي رسالة ع الواتس ولما اكون لوحدي هكلمك… انما اللي انتي بتعمليه دا مينفعش يا نيرمين.
ردت بصوت باكي:
ــــ خلاص يا معتصم أنا آسفة مش هتتكرر تاني… أنا بس اعتبرت نفسي مراتك بجد وحبيت أطمن عليك.
زفر بضيق، فتلك الحركات الغبية لا تمل من فعلها أبداً، ثم قال بجدية:
ــــ نيرمين إحنا متفقين من الأول إن جوازنا منفعة متبادلة ومافيش مجال للحب بينا وانتِ وافقتي… وكنتي ماشية ع الاتفاق كويس… مش عارف إيه اللي قلب أحوالك كدا وبقيتي تقلقي عليا وشغل الأفلام دا.
قال عبارته الأخيرة بحدة وانفعال، فأجابت بلهفة:
ــــ عشان حبيتك يا معتصم… اه في الأول كنت معجبة بيك كزوج ورجل أعمال ناجح وأقنعتك بعرضي… بس معرفش إزاي من غير ما أحس لقيت نفسي مش قادرة أستغنى عنك وبقيت بتوحشني لما بتسافر بلدك.. هو دا غلط إني أحبك؟!
ــــ أيوة غلط… غلط يا نيرمين… وبعدين الموضوع دا مينفعش نتكلم فيه في التليفون… لما نتقابل نكمل كلامنا… سلام.
ثم أغلق الهاتف وألقى به على الفراش وهو يزفر بعنف، فليس هذا ما كان ينقصه…
يتبع…
رواية مهمة زواج الفصل السابع 7 - بقلم دعاء فؤاد
وبعدين يا داري… هتفضلي قافلة على نفسك كدا كتير؟!
إيه؟
هو اللي خلق أدهم مخلقش غيره.
نظرت لأمها بعينين دامعتين ولم تعقب، ثم تحشرج صوتها وهي تقول بألم:
مامي انتي متعرفيش أنا عملت ايه عشان أدهم ياخد باله مني ويخطبني.
سيبيني بقى أرجوكي مش عايزة أسمع كلام من حد تاني.
رمقتها أمها بغضب بالغ ثم قالت بانفعال:
طيب… أنا ليا كلام تاني مع شريف.
رمقتها بلا اهتمام وعادت ترثي حظها، فرغم تلك الخطة المحكمة التي عاونتها بها إحدى صديقات السوء مستعينة بإحدى الدجالات لتوقعه تحت تأثير السحر، إلا أنه حدث ما كانت تخشاه.
وبعدين يا شريف… احنا هنفضل واقفين نتفرج على بنتنا وهي بتضيع مننا كدا.
نظر لها ببسمة ساخرة ثم تحدث بثقة:
أدهم هيرجعها متقلقيش.
الجوازة دي شكلها مش مريحني.
شاكك إنها مأمورية من مأمورياته وطبعاً مكتم عليها عشان متتعرفش.
أخذ نفسًا عميقًا من سيجارته النفيسة وراح ينفث دخانها براحة ثم قال بمزيد من الثقة:
أنا كلفت حد من رجالتى يجبلي قرار الجوازة دي ويعملي تقرير وافي عنها.
ولو طلع اللي في دماغي صح يبقى خلاص خلصت.
هيرجع متقلقيش.
زفرت بعنف وهي تهوي بجسدها على أقرب مقعد لها ثم قالت بضيق:
أنا كنت ما صدقت خلصنا منه.
انت عارف لو اكتشف حقيقة شغلك في الاستيراد والتصدير هيعمل إيه؟
ضحك بملء فمه ساخرًا ثم عادت ملامحه للجدية ليقول بنبرة تفوح منها الشر:
بالعكس بقى.
أنا عايز سيادة الرائد أدهم باشا الكيلاني يكون جوز بنتي عشان يبعد عننا عيون المباحث.
ومتيخافيش.
مش هيشك حتى ولو واحد في المية في شركتي ومصانعي.
مش عارفة انت جايب الثقة دي كلها منين؟
تشدقت بتلك الكلمات وقلبها ينبض عالياً من الخوف، فأخذ يطالع إحدى الملفات بين يديه ثم قال بلا اهتمام:
سيبك من الخوف اللي انتي فيه دا يا شاهي وروحي خلي الشغالة تعملي فنجان قهوة سادة.
تركته غائصًا بدوامة شره يفكر في صفقة جديدة في ظاهرها أنها تجارة شريفة تفيد البلد، بينما تخبئ بباطنها سموم تقتل شبابنا، وهذا الرجل "شريف الزغبي" الذي ليس له من اسمه نصيب، يتلذذ بصفقاته المحرمة.
بينما ندى أخذت تدور بغرفتها ذهابًا وإيابًا وهي تفكر كيف لها أن تتخلص من حبها له الذي يجعلها ضعيفة أمامه، تخشى كثيرًا أن يشعر بذلك العشق الذي تكنه له منذ سنوات.
فهي تأخذ ذلك الأمر على كرامتها للغاية.
لازم أتعامل معاه عادي وكأننا أخوات.
أصحاب.
أصحاب؟
نعم فهذا هو الحل الوحيد.
فإما يحبها ويقولها لها صراحة، وإما أن يفترقا متى اطمئنت على أبيها وتمكنت من العودة إليه.
خرجت من غرفتها بعدما أحكمت حجاب الإسدال حول رأسها راسمًة في مخيلتها حياة جديدة بصحبته، ربما يكتشف فيها ما يجذبه لهواها وتتبدل الأحوال إلى ما تتمناه.
دلفت إلى المطبخ ثم فتحت الفريزر لتستخرج منه دجاجة مجمدة ثم فتحت الثلاجة لتستخرج ما تحتاجه من خضروات ومكونات أخرى لطبختها التي ستعدها بنفسها.
تقنع ذاتها أن الحياة لن تقف عند حبيب ضائع أصبح لها ولكن قلبه ليس من نصيبها.
أصابه الملل البالغ من طول فترة مكوثه بغرفته، فهو غير معتاد على ذلك، ومعدته أصبحت تتضور جوعًا، فقرر الذهاب إليها ليسألها عن أي طعام يطلبه لها ليتناولاه سويًا.
بمجرد أن فتح باب غرفته داعبت أنفه رائحة الطعام الذكية الآتية من المطبخ.
للوهلة الأولى ظن أن أمه قد أرسلت وفاء لتعد لهما وجبة الغداء، ولكن طمس ظنه صوتها العذب الصادر من المطبخ وهي تدندن ببعض الأناشيد الدينية.
ابتسم بلا وعي من شدة عذوبة صوتها الذي يطرب الآذان.
استند إلى باب المطبخ وهو يستمع لأنشودتها الجميلة "مصطفى مصطفى… منبع للصفا.. سيد الأنبياء.. مشعل للوفاء… كان في عطفه لليتامى دفا".
كان يراقبها بابتسامة معجبة، وكانت هي تقلب الطعام مولية ظهرها له وتدندن بأريحية غافلة عن ذلك الذي يراقبها باهتمام.
التفت ناحية الثلاجة فتفاجأت به واقفًا يطالعها ببسمة أخجلتها، فأخفضت عينيها أرضًا وهي تقول:
انت واقف هنا من امتى؟
امممم… يعني من خمس دقايق بس.
ابتسمت بخجل ثم حاولت التحلي بالشجاعة لتقول مغيرة مجرى الحديث:
خلاص أنا خلصت الأكل… هتتغدى دلوقتي؟
أومأ موافقًا ثم عاتبها:
بتتعبي نفسك ليه… أنا أصلًا كنت جاي أشوفك عايزة تاكلي إيه نطلبه من أي مطعم كويس.
زَمَّت شفتيها برفض قائلة:
لا أنا مش بحب أكل المطاعم.
أنا وبابا متعودين على الأكل الصحي.
رفع كتفيه لأعلى متمتمًا:
تمام زي ما تحبي.
طيب أنا هغرف الأكل وجاية وراك.
أساعدك؟
رمقته بتردد ثم قالت بخجل:
لا متتعبش نفسك.
تجاوز ردها ثم دلف ليتوجه ناحية الأطباق يلتقط بعضًا منها تحت نظراتها المندهشة.
هتفضلي تبصيلي كدا كتير؟
هتف بها دون أن يلتفت لها وكأنه يراها بظهره، فانتبهت لحالها ثم عادت تتحرك بالمطبخ بتوتر بالغ وهي تحاول أن تتماسك قليلًا.
فقد استطاع أن يثير حبها له من جديد وهي التي ظنت أنها ستُنحيه جانبًا ولو لفترة مؤقتة.
انتهيا من الطعام ثم ساعدها في إعادة الأطباق إلى المطبخ، ها هي ترى فيه جانبًا جديدًا وخلقًا حميدًا لطالما تمنته أي زوجة في زوجها.
وحين هم بالخروج من المطبخ نادته تستوقفه:
أدهم.
نعم؟
ممكن نتكلم؟
يا ريت.
هغسل الأطباق وهجيلك الصالون.
تمام.. هستناكي.
بعد عدة دقائق أقبلت عليه بعدما استجمعت كامل شجاعتها، جلست في الكرسي المقابل له ثم قالت بنبرة نادمة:
أولًا أنا آسفة على اللي حصل مني الصبح.
ضيق ما بين عينيه متسائلًا بمكر:
إيه اللي حصل أنا مش فاهم؟
ازدردت لعابها بصعوبة وبؤبؤا عينيها يتحركان بعشوائية ثم قالت بخجل بالغ:
خلاص مش مهم.
ضحك من مظهرها الذي يشبه الكتكوت المبتل، فرمقته بحنق ثم توقف عن الضحك قائلًا بجدية:
مشكلتك إنك حاطة جوازنا في إطار العلاقات المحرمة.
ليه مثلًا منعتبرش نفسنا في فترة خطوبة بنتعرف فيها على بعض؟
ابتسمت بسخرية:
ماهو علاقة الخطوبة برضو ليها حدود ومينفعش فيها تجاوز زي اللي أنا عملته النهارده.
تنهد بعمق ثم قال مغيرًا مجرى الحديث:
في حاجة تانية عايزة تقوليها؟
أومأت موافقة وهي تقول بنبرة طفولية متحمسة:
إيه رأيك نبقى أصحاب؟
نظر لها باستفهام فاسترسلت موضحة:
طالما انت مش شايفني زوجة ليك… وأنا كمان مش مستعدة للجواز بالطريقة اللي اتجوزنا بيها… إيه المانع نكون أصحاب لحد ما ربنا يسهل وبابا يخرج من محنته وأرجع له تاني.. بدل ما إحنا كدا عاملين زي القط والفار.
ضحك من تشبيهها الساخر، ولكن استحسن الفكرة فسألها متوجسًا:
بس انتي متأكدة من كلامك؟
عارفة يعني إيه هنكون أصحاب مش زوجين؟
رمشت بعينيها مستفهمة فاسترسل موضحًا:
يعني لو في يوم أعجبت ببنت هاجي أحكيلك عنها عادي ويمكن أعرفك عليها كمان!
قال عبارته وهو يتفرس ملامحها بدقة، يريد أن يتأكد من شكوكه كونها تحبه بالفعل أم أنها مجرد أوهام.
رسمت الثبات ببراعة على ملامحها، فهي من اختارت ذلك الدرب وقد تيقنت من سؤاله لها الآن أنها اختارت الصواب بدلًا من أن تعيش في وهم انتظارها لاعترافه بحبها.
عادي يا أدهم… وأنا برضو لو قابلت إنسان كويس أكيد هحكيلك عنه.. ولا إيه؟
حقك طبعًا طالما هنكون مجرد أصحاب.
صدمها جوابه للغاية حتى أنها كادت أن تركض من أمامه لتبكي بغرفتها.
ألهذا الحد لا يملك نحوها ولو القليل من المشاعر!
يرى أمر ارتباطها بآخر حق لها؟
ولو دا حصل ساعتها هديكي كامل حريتك ترتبط بالشخص المناسب ليكي.
انتي في النهاية أمانة عندي يا ندى وحقك تعيشي حياتك وتحبي وتتحبي.
انتي مالكيش ذنب في مشاكل والدك.
لم تعد تتحمل سماع المزيد.
بدأ الشعور بالندم على اقتراحها الأبله يتسلل إليها، ولكن ما ألقاه على سمعها لم يكن إلا اعترافًا جديدًا لها بأنها لا تُمثل له سوى مهمة عمل لا أكثر.
هذه هي الحقيقة.. دائمًا مذاقها مر.
حقيقي احترامي ليك بيزيد كل يوم.
قالتها بسخرية ولكن ظن أنها جادة، فأجابها بجدية أكثر:
انتي زي ريم أختي بالظبط… في نفس مكانتها بالنسبالي.
واللي مرضاهوش لأختي مش هرضاهولك يا ندى.
أغمضت عينيها بألم يصرخ به قلبها.
ماذا تنتظر أكثر من ذلك… لقد كانت كلماته تلك بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير.
أومأت متظاهرة بالامتنان، وما أنقذها من ذلك الموقف المؤلم هو صوت الأذان الذي صدح في السماء يعلن عن صلاة المغرب.
نهضت تلملم إسدالها سريعًا وغصة أليمة عالقة بحلقها:
أنا هقوم أتوضأ بقى لصلاة المغرب.. عن إذنك.
لم تنتظر رده وإنما فرت إلى غرفتها وهي تسند موضع قلبها الذي يؤلمها بشدة.
لم تتوقع قبوله لمقترحها بهذه الطريقة.
ظنت أنه سيحاول درئها… يقنعها بأن تعطي لزواجهما فرصة.
ولكن أن يوافق بهذه السهولة وأن يسمعها تلك المهاترات؟
لم تتوقع.
الآن فقط أدركت مدى حماقتها وسلامة نيتها التي كادت أن تسلبها كرامتها أمامه.
عودة إلى محافظة سوهاج
وبعدهالك يا أبو البنات… البت صافية أهي خلصت امتحانات بجالها ياچي شهر والغندور ولد أخوك لا حس ولا خبر.
ولا هو كان كلام نسوان.
هب من مقعده بانفعال ليزجرها بحدة:
اتحشمي يا مرة.
مِعتِصم لو سمعك هيجيبلك.
لوت شفتيها لجانب فمها قائلة بسخرية:
خايف منه يا سبعي؟
ما ينفذ اللي اتفجنا عليه عاد.
رد بتأكيد:
هينفذه.
تلاجيه بس ناسي.. هو الراجل هيفتكر إيه ولا إيه؟
اقتربت منه تحدثه بجانب أذنه بصوت كالفحيح:
خلاص يبقى تروحله العشية تفكره.
البت كبرت وادورت وعرسانها كل يوم بيدجوا الباب وأني أجولهم لاه البنتة محچوزة لـ حَمَد ولد عمها.
ابتعد عنها بعدما انتهت من فحيحها وهو يقول باشمئزاز:
خلاص يا كيداهم اتهدي بجى يا وَلية زهقتيني… أباااي.
نفض جلبابه من الحنق ثم تركها قاصدًا دوار معتصم ابن أخيه لكي ينفذ ما أملته عليه زوجته لعله يتخلص من طنينها المزعج في أذنيه.
يا أهلا وسهلًا بالغالي… كيفك يا عمي وكيف أحوالك؟
قالها معتصم بترحيب بعدما استقبله بالمضيفة وأمر له بكوب من الشاي.
ارتشف رشفة من الكوب ثم وضعه أمامه وقال بنبرة جادة:
اسمع يا مِعتصم يا ولدي.
من كام سنة أبوك الله يرحمه جبل ما يفوتنا ويجابل وچه كريم اتفج امعايا بعلمك إن بنتة العيلة ميتچوزوش براها واصل.
و اهو بتي كريمة الكبيرة اتچوزت واد عمك قناوي والدور على بتي صافية واللي أبوك خطبها لخيك حَمد.
واهو خيك خلص چامعته وصافية قمان خلصت علامها.
هنستنو إيه عاد؟
تجلت ملامح الصدمة على معتصم، فماذا يفعل بتلك المصيبة التي أحلت عليه وعلى شقيقه من حيث لا يحتسبوا، تلك العادات العقيمة والتي تلاحقهم أينما كانوا من ثأر ثم زواج القاصرات وغيرها وغيرها الكثير، فـ صافية ابنة عمه بالكاد أنهت الشهادة الإعدادية أي عمرها لن يتخطى السادسة عشر وشقيقه حمد لن يقبل بهذا البتة، فقد تربى على عادات أهل القاهرة وتلك الفتاة التي يراها أبوها أنثى ناضجة ما هي إلا طفلة في عين شقيقه.
ابتلع معتصم ريقه ثم أردف بنبرة جادة:
كلام أبوي الله يرحمه سيف على رجبتي وطبعًا هنفذه بالحرف يا عمي حمد.
بس أني بجول نستنى سنتين اكده على ما صافية تبلغ السن القانوني للچواز.
انتفخت أوداج عمه حمد والذي سمي شقيقه على اسمه ثم قال باستنكار:
أباه يا مِعتِصم… من ميتى وإحنا عيهمنا الحديت الماسخ ده.
انت عايز البلد تاكل وشي والكل عارف إن صافية لحمد واد عمها.
يجولو عليها إيه اومال؟
معيوبة وواد عمها مارايدهاش؟
أخذ معتصم يسب ويلعن في سره، فكل ما يشغل أهل تلك البلدة هو صورة كل فرد في عيون الآخرين وحسب.
يا عمي صافية ست البنات كلاتهم.
أني بعمل اكده لمصلحتها.
انت خابر زين مشاكل الچواز العرفي بالذات لو البنية حبلت و ولدت جبل السن.
قالها معتصم محاولًا إثناء عمه عن تفكيره العقيم، ولكن الآخر رأسه وكأنها خلقت من الصخر، فهب بانفعال من مجلسه يصيح بانفعال:
خبر إيه عاد يا ولد أخوي… مكانش العشم يبجى ده ردك عليا.
صاح معتصم بصوت أكثر حدة:
اجعد يا عمي خلونا نتفج.
وصل صوتهما إلى مسمع السيدة أم معتصم فأتت تستند على عصاها وحين رآها ولدها ركض إليها ليساندها حتى جلست بمجلسهم، فقالت وهي تلهث بتعب:
خبر إيه عاد إيه اللي حاصل… صراخكم واصل لآخر الدوار.
قص عليها حَمَد شقيق زوجها ما جاء لأجله ورد معتصم الذي لم يرق له أبداً فأمعنت السيدة المسنة في السمع جيدًا وبعد لحظات من التفكير أردفت بنبرة قاطعة:
عمك عنديه حج يا ولدي.
دياتي عوايدنا ومعادش له لازمة البنتة تستنى أكتر من إكده.
شينة في حجها يا ولدي.
وصل معتصم لأقصى درجات حنقه فقد ضيقت عليه أمه الخناق وقال بغضب مكتوم:
يا أمايا نعمل خطوبة والدخلة بعد سنتين لما تبلغ السن.
أني اكده عداني العيب.
أخذ حمد يلوح بيديه وهو يقول بغضب بالغ:
يادي السن اللي فلجتنا بيه يا ولد أخوي.
ردت والدته بنبرة قاطعة:
عيب اكده يا معتصم.
عمك مش هيعاود داره خايب الرجا.
هنعملو خطوبة إيوة بس سنتين كَتير يا ولدي.
هما شهرين تلاتة زين جوي.
اتسعت بسمة حمد مرتضيًا بتصريح زوجة أخيه بينما معتصم يدير ناظريه بينهما بحنق بالغ ولم يجد من الكلمات ما يطفئ بها نيران غضبه، فقام من مجلسه وهو يقول بوجوم:
اللي تشوفوه يا أمايا… عن إذنكم.
بمجرد أن دلف معتصم غرفته حتى قام بالاتصال بشقيقه في الحال.
حَمَد… بكرة الصبح تكون عندي في البلد.
ليه يا معتصم إيه اللي حصل؟
أمي جرالها حاجة؟
لا يا حبيبي متقلقش أمك بخير.
هستناك.
لا بقى يا معتصم فهمني في إيه؟
يابني قولتلك متقلقش.
بس الموضوع اللي عايزك فيه يطول شرحه ومينفعش نتكلم فيه في التليفون.
طاب اديني نبذة طيب.
يوووه يا حمد.
يا أخي اسمع الكلام بقى ولما تيجي هحكيلك كل حاجة بالتفصيل الممل.
طيب يا معتصم الصبح بإذن الله هكون عندك.
سوق على مهلك وخلي بالك من نفسك.
ماشي يا حبيبي… سلام.
أغلق معتصم الهاتف وهو يزفر بعنف، يفكر ويفكر ولا يدري من أين يشرح لأخيه تلك المصيبة التي أحلت عليهما فجأة والأعتى من ذلك كيف سيقنعه بتلك الزيجة وهو ذاته غير مقتنع بالمرة.
يتبع.
رواية مهمة زواج الفصل الثامن 8 - بقلم دعاء فؤاد
يا نهار مش طالعله شمس!!
ايه اللي انت بتقوله دا يا معتصم… انت عايزني أنا أتجوز البت الهبلة دي اللي اسمها صافية؟!
طاب ياخي قول كلام يتعقل.
هتف بها حمد في ذهول وغضب في آن واحد وهو يلوح بيديه هنا وهناك، بينما معتصم رغم إشفاقه على شقيقه إلا أنه تحلى بالصرامة هاتفا به بغلظة:
بقولك ايه يا حمد… اهدى كدا وافهم… انا شرحتلك لحد دلوقتي أكتر من عشر مرات إن دي عوايدنا ومش معنى إنك عيشت سنين كتير من عمرك في القاهرة واطبعت بطباع أهلها إننا خلاص هنغير جلدنا وننسى عوايدنا واللي أهلنا ربونا عليه.
لوح بيديه بعصبية مفرطة:
خلاص اتجوزها انت… مش انت الكبير!!.
لكزه بخفة في كتفه فارتد للخلف خطوة فاسترسل معتصم بحدة:
انت أهبل يلا… دا أنا عمري قد عمرها مرتين… انت أنسب واحد لصافية يا حمد وسنك قريب من سنها.
رد بعناد:
يا عم أنا مش عايز أتجوز دلوقتي… أنا لسة يادوب متخرج ومخلص جيشي ولسة بقول يا هادي في شغل البيزنس…مش هتجوز قبل ما أبني نفسي يا معتصم.
أخذ معتصم يفرك وجهه بكفيه وهو يستغفر ربه بخفوت لعله يتخلص من وساوسه التي تأمره بلكمه، ثم حاول التحلي بالصبر قائلا بنبرة من اللين:
قولي يا حبيبي… في بنت معينة في دماغك أو بتحبها عشان كدا انت رافض؟!
أجابه بنبرة صادقة:
لا يا معتصم مفيش… ولو في هتكون انت أول واحد عارف… أنا مش في دماغي الحب والعواطف والكلام دا.
طاب خلاص إدي نفسك فرصة يمكن تحبها… صافية بنوتة حلوة ومؤدبة وغير كدا انت اللي هتربيها على ايدك وهتطبعها بطبعك.
لوح بيده بانفعال كما اعتاد منذ بداية الحوار وهو يقول بسخرية:
حلوة ايه بس يا معتصم… هو أنا أعرف شكلها أصلا… وبعدين بعيدًا عن الشكل والأدب… مكانش دا طموحي في البنت اللي هتجوزها… أنا نفسي اتجوز بنت متعلمة تعليم عالي.. مثقفة.. متكلمة.. واحدة تربي ولادي أحسن تربية.. واحدة تليق بحمد البدري رجل الأعمال المستقبلي… مش طفلة يادوب مخلصة الإعدادية!!
قال عبارته الأخيرة بمرارة جعلت معتصم يتنهد بحيرة، فماذا عساه أن يفعل..
لقد وقعوا في الفخ وقضي الأمر.
حمد… احنا قدام أمر واقع ولازم هنقبل بيه… فحاول كدا تبلع الجوازة دي بمزاجك وتقنع نفسك بيها… وبعدين جوازك من صافية مش هيعوق حياتك في حاجة…. كدا كدا هتتجوز في الدوار وهتسيبها هنا مع الحاجة وروح شوف أشغالك وانزلها البلد أجازات..
رمقه حمد بعينين حمراوتين من الغضب، فاسترسل معتصم بنفاذ صبر:
يا سيدي ابقى اتجوز البنت اللي على مزاجك هناك في القاهرة وابني معاها مستقبلك زي ما انت عايز و…
قاطعه بانفعال بالغ:
أنا مش هغلط غلطتك يا معتصم…
احتقن وجه معتصم بالغضب حين لفظ أخوه تلك الكلمات، ولكن حمد لم يسكت عند هذا الحد، بل استرسل بمزيد من الجلد والتأنيب:
أنا مش هعمل زيك وأفضل خايف للسر ينكشف وأعيش بشخصيتين زي ما انت بتعمل.
خرج معتصم من صمته الغاضب وانفجر فيه بحدة:
معتصم البدري مبيخافش يا حمد…
جوازي من نرمين أنا مخبيه عن أمك عشان مش هتقبل بيه.. وإذا كنت خايف من الجوازة دي تتكشف فدا خوفي على أمي وصحتها لو عرفت… أما أي مخلوق تاني ميهمنيش وانت عارف.
كان يصيح حتى برزت عروق رقبته للغاية الأمر الذي أثار شفقة حمد عليه وجعله يشعر بالذنب أن استفزه لتلك الدرجة، فاقترب منه يربت على كتفه بحنو مرددا باعتذار:
معتصم أنا…
أوقفه بإشارة من كفه وهو يقول بحدة دون أن ينظر إليه:
بس ولا كلمة… اعمل حسابك هنوصل دار عمك الليلة نطلب يد البنتة ونتفاجأ بكل حاجة وتنزل معاها بكرة انت وأمها تنجوا الشبكة اللي تعجبها… وحسك عينك تجول كلمة أكده ولا أكده ولا يصدر منك أي حركة ملهاش لازمة يا حمد.. هنزل دلوق أصلي العصر وتحصلني على الغدا.
ثم تركه بصدمته وغادر الغرفة، فجلس حمد على حافة فراشه منكسا رأسه بين كفيه يحاول تهدئة ذلك الغليان برأسه، فيبدو أن أخيه قد أخذ القرار ولن يتراجع مهما فعل… وهو لن يستطيع أن يكسر كلمته أو بالأحرى هيبته بين أهل بلدته.
عودة للقاهرة..
أمام إحدى الكافيهات الراقية قام آسر بصف سيارته ثم ترجل منها ليفتح الباب الخلفي لخطيبته لتخرج ميريهان تلتها شقيقتها مودة فقام آسر بغلق السيارة إلكترونيا واصطحبهما إلى الداخل..
ايه رأيكو في الترابيزة اللي هناك دي
أشار إلى إحدى الطاولات النائية التي تطل على النيل فأومأت ميريهان بحماس:
حلوة يا آسر… يلا.
حين وصلوا للطاولة وجلس كل من آسر وميري أردفت مودة ببسمة خالصة:
طب هروح أنا بقى أستناكم في الترابيزة اللي هناك دي..
أشارت إلى أخرى بعيدة في الجهة المقابلة، فقال آسر بجدية:
طب اقعدي نشرب أي حاجة الأول.
ردت بمرح:
لا يا عم… أنا هروح أمارس هوايتي المفضلة..
قالتها وهي ترفع أمامهما حقيبتها التي تحوي أدوات الرسم.
فأومأ آسر ببسمة ممتنة فأسرعت بالاستئذان منهما وذهبت إلى حيث أشارت.
بتحبك أوي مودة…
قالها آسر وهو يراقبها بعدما انصرفت، فردت ميري بتنهيدة حزينة:
بتفضلني على نفسها في كل حاجة… عايزاني أعيش اللي هي مش قادرة تعيشه… انت متعرفش أنا قلبي واجعني عليها قد إيه يا آسر..
رد بلهفة:
لا يا حبيبتي سلامة قلبك… كفاية هي… ربنا يشفيها.
يا رب… نفسي تخف وتعيش حياتها زي أي بنت.. بس للأسف كفاءة القلب كل مدى بتقل لولا الأدوية اللي لو فوتت يوم وماخدتهاش الدنيا تبوظ خالص وغالبا بتبات اليوم دا في المستشفى.
ربت على كفها المستقر على الطاولة وهو يقول بحزن:
نصيبها كدا من الدنيا يا ميري… ربنا يجعل مرضها في ميزان حسناتها.
زفرت أنفاسها وهي تتمتم بالحمد لله، فغير آسر مجرى الحديث:
ها يا حبي… تشربي ايه؟!
بينما هناك على طاولة مودة، بينما هي منهمكة في الرسم، رن هاتفها برقم ما، فنظرت للاسم واتسعت بسمتها تباعا ثم فتحت المكالمة لترد:
ألو… ماما حبيبتي وحشتيني أوي..
وانتي يا روحي وحشاني موت… عاملة إيه يا ميمو وميري أخبارها إيه؟!
الحمد لله يا ماما احنا بخير.. انتي اللي عاملة ايه؟!
بخير يا حبيبتي طول ما انتو بخير… ميري صوتها وحشني أوي…مش ناوية قلبها يحن وتكلمني بقى؟!
ابتلعت مودة ريقها ثم قالت بحزن:
متزعليش منها يا ماما… هي بتحبك بس انتي عارفة إن قلبها جامد شوية ولسة شايلة منك..
اممم… مش قادرة تسامحني وتنسى اللي فات.. أنا تعبت ومش عارفة أعملها إيه تاني عشان تسامحني.
معلش يا ماما إديها شوية وقت… إن شاء الله هتروق وهترجع المية لمجاريها.
يا رب يا مودة يا رب… وصلي سلامي ليها وآسر..
حاضر يا حبيبتي يوصل…
مع السلامة يا روحي..
أغلقت ريهام والدة مودة الهاتف وهي تزفر بحزن، فمنذ أن انفصلت عن والدها وتزوجت بآخر وسافرت معه إلى الخارج وبنت ابنتها ميريهان سدا منيعا بينها وبين والدتها لم تتخطاه بعد رغم مرور أكثر من عشر سنوات على ذلك الأمر، ورغم كل محاولات التودد من قبلها، إلا أنها كلها قابلتها ميريهان بالرفض على عكس مودة تماما، والتي رق قلبها لأمها على الفور وسامحتها وكأن شيئا لم يكن.
في شقة أدهم….
طرق باب غرفتها فردت عليه من خلف الباب ليقول لها:
ندى أنا هستناكي في الصالون….عايز أتكلم معاكي.
أتاه صوتها من خلف الباب:
حاضر ثواني وجاية.
بعد قليل أقبلت عليه مرتدية إسدال الصلاة ثم جلست بالكرسي المقابل له، فأدار دفة الحديث قائلا بجدية:
إن شاء الله بكرة الصبح ماما هترجع من عند روان وأنا هنزل شغلي…. وطبعاً ماما هتلاحظ إن كل واحد مننا بيبات في أوضة لوحده وطبعاً هتقوم الدنيا ومش هتقعدها..
ردت بتجهم:
والمطلوب؟!
رد عليها بهدوء وترقب:
أنا فكرت في فكرة كدا مش عارف هتوافقي عليها ولا لأ؟!
قول أنا سامعاك.
أخذ نفسا عميقا ثم قال وبؤبؤي عينيه يتحركان بعشوائية كناية عن توتره:
عايزك تقوليها إنك اقترحتي نتعرف على بعض فترة معينة كأننا لسة في فترة خطوبة لحد ما نتعود على بعض وبعدين هنمارس حياتنا الزوجية طبيعي بعد كدا.
سكتت مليا تراقب توتره ثم أردفت بوجوم:
وليه أنا اللي اقترحت… ليه ما يكونش انت؟!
تنهد بنفاذ صبر:
عشان هي مش هتتقبل مني أنا الاقتراح دا… إنما هتقبله منك انتي وهتحاول قدر الإمكان ما تضايقكيش حتى لو هتيجي عليا أنا.
هزت رأسها بإيجاب وملامحها يبدو عليها الحزن العميق ثم قالت بنبرة خاوية:
تمام يا أدهم ربنا يسهل.
رسم بسمة صغيرة على شفتيه ثم قال بنبرة جادة فيها شيء من الإعجاب:
بس تعرفي!.. أنا اتبسطت أوي إني اتعرفت عليكي… بجد انتي شخصية جميلة ومثيرة وأنا متأكد إن كل ما هنقعد مع بعض هكتشف فيكي حاجات أجمل.
تورّدت وجنتاها من الخجل وهربت بعينيها من مرمى ناظريه حياءا ثم قالت بنبرة مهتزة من أثر الخجل:
احم… وأنا.. وأنا كمان اتشرفت بمعرفتك… عن إذنك.
هبت واقفة لتسير نحو غرفتها بخطوات سريعة، فلا تدري أهي غاضبة، حانقة، محبطة، خجلى أم كل تلك المشاعر امتزجت بوجدانها.
بينما أدهم راقب طيفها بحيرة، لا يدري أقراره ذلك معقول أم أنه قد بالغ فيه… ولكنها لطالما هي من اقترحت عليه علاقة الصداقة… إذن فالأفكار متبادلة والرأي واحد… ندى جذابة حقا وربما تتطور العلاقة بينهما لأبعد من ذلك… ولكن في الوقت الراهن قلبه لا يميل لها وهي بالنسبة له مهمة عمل وأمانة من والدها وعليه المحافظة عليها بأقصى ما يستطيع… هذا كل شيء.
انتهت نزهة آسر مع ميري ومودة ثم أخذهما بسيارته عائدين إلى منزلهما حيث جلست ميري بجوار آسر في المقعد الأمامي بينما جلست مودة بالمقعد الخلفي، وأثناء ذلك تحدثت مودة إلى ميريهان عبر مرآة السيارة الأمامية:
صحيح يا ميري ماما كلمتني لما كنتي قاعدة مع آسر… نفسها تسمع صوتك… بتقول إنك وحشتيها أوي.
تجهم وجهها على إثر سيرة أمها وقالت ببرود:
امممم…. ماشي.
رمقها آسر بنظرة من جانب عينه تنم عن عدم رضاه عن رد فعلها ثم قال بحدة طفيفة:
ميري ميبقاش قلبك أسود كدا… دي مهما كانت مامتك وربنا ميرضاش بالمعاملة اللي بتعامليها بيها دي.
رمقته بنظرة حارقة ثم هتفت بعصبية:
أنا قلبي أسود وزي الزفت… ويا ريت محدش يكلمني تاني في الموضوع دا….ممكن؟!.
هم آسر ليتحدث إلا أن مودة قاطعته:
خلاص يا آسر سيبها براحتها.
شدد من قبضته على المقود كناية عن تعصبه وصمت بينما ميري أشاحت بناظريها بعيدا عنه تراقب الشوارع عبر النافذة بشرود وتيه… تشعر بنصال حادة تمزق قلبها… فلا هي قادرة على مسامحة أمها ولا تستطيع التخلص من إلحاح شقيقتها وخطيبها… فماذا عساها أن تفعل بنابضها الذي يأبى الغفران.
في محافظة سوهاج….
بت يا صافية… البَسي الدريل البنفسچي بتاع العيد الصغير عشان تجابلي بيه حمد واد عمك.
سكتت مليا تفكر ثم ما لبثت أن قالت بتردد:
بس أني كنت عايزة ألبس الدريل البني يا أمايا.
أخذت تحرك شفتيها لجانب فمها كناية عن عدم رضاها لتقول بسخرية:
بني يا مايلة!!.. كانك اتچنيتي اياك!.. أني جولت تلبسي البنفسچي يا مجصوفة الرجبة.. انتي عايزة تلبسي غامق وتچرسينا؟!
زمت شفتيها بضيق ثم قالت بانصياع:
حاضر يامايا بنفسچي بنفسچي..
ضيقت عيناها بمكر وهي تقول:
إيوة اكده… أنا خابراكي معتچيشي غير بالعين الحمرا يا بت حمد.
ضربت صدرها بخفة لتقول باستنكار:
أني يامايا؟!…دا أني بالذات لو جولتيلي لجحي روحك بالجنايا هلجحها طوالي.. دا أني عمري ما كسرتلك كلمة واصل.. أني طوالي..
قاطعتها أمها بنفاذ صبر هاتفة:
اتكتمي يا بت… ايه ياختي ماصدجتي تنفتحي في حديتك الماسخ ده… إنچري يلا روحي احلبي الچاموسة عشان تتشطفي وتغيري خلجاتك قبل ما عريس الغبرة ياچي..
أطرقت رأسها بانكسار وهي تردد بخنوع:
حاضر يا امايا أني رايحة الزَريبة أهو…
راقبته أمها وهي تسير ناحية حظيرة الحيوانات وهي تبتسم بانتصار، فها هي فتاتها المطيعة لم تخيب ظنها أبداً وأينما توجهها تذهب كيفما شائت هي… ألغت شخصيتها ومحت تفكيرها ولم تسمح لها بأن تفكر أو تختار… فحتى زواجها بابن عمها لم يكن سوى إقراراً منها بالموافقة على ما تراه أمها في صالحها وحسب، فصافية أيضاً حالها من حال حمد، لم تراه منذ سنوات ولم يخطر ببالها من الأساس أن تُخطب له.
ولكن هي كل ما تعرفه أنها ترى بعين أمها وتفكر برأس أمها وتسير كما يحلو لأمها وحسب.
رواية مهمة زواج الفصل التاسع 9 - بقلم دعاء فؤاد
استيقظت ندى لصلاة الفجر، وبعد أن أدّت الصلاة أنهت أذكار الصباح، ثم تلت وردها القرآني. بقيت مكانها شاردة تفكر فيما أملته عليها أدهم بالأمس. تؤلمها تلك الكذبة التي افتعلها لكي يضمن تغاضي أمه عن انفصالهما في بيت الزوجية، ولكنها مضطرة لمجاراته إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
استمرت بشرودها حتى بدأت خيوط الشمس تتسلل إلى الغرفة عبر النافذة لتضيئها رويدًا رويدًا. إلى أن انتبهت لوقت الشروق، فأخذت تدلك رقبتها من الألم وهي تتمتم لنفسها:
ــــ ياااه، أنا قعدت كل دا سرحانة…
ثم تنهدت بقلة حيلة ونهضت من مكانها لتبدل أسدال الصلاة إلى فستان قطني بسيط ومريح، وفي ذات الوقت لا يظهر من جسدها شيء. ثم غطت رأسها بحجاب صغير وخرجت من الغرفة لتسير باتجاه المطبخ لتعد ثمة شطيرة تسد بها جوعها.
لم تكد تصل إلى باب المطبخ حتى استمعت إلى صوت جلبة آتٍ من غرفة أدهم، فأدركت أنه قد استيقظ وربما يتجهز الآن للذهاب إلى عمله. فابتسمت بحالمية وهي تفكر في شيئ ما، فلا ضير من إعداد مزيد من الشطائر لتناولها سويًا.
بينما أدهم في غرفته حائر تائه بين ملابسه وأحذيته وأحزمته الميري. الغرفة تعمها فوضى هائلة، فقد كانت أمه من تعد له ملابس العمل وتوفقها مع بعضها البعض، حتى حذائه هي من تتولى أمره وتضعه بجوار بدلته الرسمية، وما عليه إلا أن يرتدي ما أعدته وحسب.
أخذ يزفر أنفاسه بعنف، فقد ضاق ذرعًا بهذا الأمر ونفد صبره، ولكن لا مجال الآن للحيرة، فعليه أن يختار عاجلًا أم آجلًا.
بعد حوالي عشرين دقيقة كان أدهم يقف أمام المرآة يضع اللمسات الأخيرة على مظهره بعدما مشط شعره ونثر عطره النفاذ. ثم قام بإحكام حزامه الميري حول خصره وغرس سلاحه بالجيب المخصص له في الحزام. وأخيرًا وبعد عناء ألقى نظرة رضا على نفسه، فقد انتهت المهمة بنجاح.
في تلك الأثناء كانت ندى تجلس إلى الطاولة الصغيرة القريبة من غرفة أدهم حتى يرى ما أعدت له من إفطار. فقد كانت تنتظره بملل إلى أن خرج أخيرًا وهو يعبث بهاتفه غير منتبه لها. ولكن حين أطل عليها بتلك الطلة التي تراه بها لأول مرة بحلته حالكة السواد وشارتي الشرطة ذات النسر الذهبي على كتفيه، وشعره المصفف بعناية، وذقنه الحليقة تمامًا والتي جعلته يبدو أصغر من عمره بكثير، وذلك الحزام الأسود حول خصره والسلاح الذي يزينه، وفوق كل ذلك رائحة عطره التي تصيبها بالثمالة. انحبست أنفاسها بصدرها من فرط الإثارة واتسعت حدقتاها بإعجاب بالغ. وكل ما أثار حفيظتها الآن هل تراه البنات وهو على تلك الشاكلة؟ حتمًا ستصاب بالجنون إن اتبعت أفكارها تلك.
حين رفع رأسه عن هاتفه وخطى نحوها حين انتبه لها. نفضت رأسها سريعا من لحظات الإعجاب والصدمة وتصنعت أنها مشغولة بإعداد الشطائر رغم أنها جاهزة بالفعل للأكل.
ــــ صباح الخير يا ندى.
ــــ صباح النور.
ــــ صاحية بدري كدا ليه؟
ــــ عادي.. أنا بصلي الفجر ومبنامش.
هز رأسه ثم ما لبثت أن تنحنحت بخجل وقالت:
ــــ احم.. أنا سمعت دوشة جاية من قوضتك فقولت أنك أكيد بتلبس عشان تروح شغلك فعملتلك ساندويتشات معايا.
سحب الكرسي المقابل لها ثم جلس عليه وهو يقول:
ــــ يا بنتي بتتعبي نفسك ليه.. أنا كنت هفطر في الشغل.
هزت كتفيها لأعلى قائلة بخجل:
ــــ عادي.. أنا كدا كدا كنت بعمل لنفسي فزودت ليك.
التقط إحداها ثم قضَم منها قضمة وهو يقول:
ــــ ماشي يا قمر تسلم إيدك.
أجابته ببسمة صغيرة ثم بدأت تأكل على استحياء وهي تستنشق رائحته المسكرة باستمتاع. فبدون وعي منها سألته بتلقائية:
ــــ البرفيوم بتاعك حلو أوي.. هو اسمه ايه؟
حانت منه ابتسامة وهو مثبت نظره على الشطائر بيده، فقد فاجأته بسؤالها. ثم ما لبث أن قال:
ــــ دخون روز.. بطلبه من دبي مخصوص أونلاين.
أومأت بحرج بعدما نهرت نفسها على سؤالها السخيف من وجهة نظرها، فكثيرًا ما يسبق لسانها عقلها.
عم عليهما صمت وجيز وهما يأكلان، قطعته ندى بسؤالها:
ــــ أدهم بما إننا أصحاب قولي بقى.. أعجبت ببنت قبل كدا أو حبيتها؟
توقف عن مضغ الطعام للحظة من أثر تفاجئه بسؤالها الذي أربكه قليلا، فهو لا يدري أمن الطبيعي أن يخبرها بأمر دارين أم ماذا. ولكن سرعان ما محى آثار المفاجأة من على وجهه واسترسل بمراوغة:
ــــ آه كنت معجب ببنت كدا وخطبتها فترة بسيطة بس محصلش نصيب.
صمتت بصدمة لوهلة ثم قالت:
ــــ بجد؟
ــــ اممم.. إيه مالك مصدومة كدا ليه؟
ابتلعت ريقها ثم قالت بنبرة جاهدت أن تبدو طبيعية:
ــــ لا أبداً.. أصل شكلك جد أوي ومش رومانسي ولا ليك في الحب فعشان كدا استغربت.
صدرت منه بسمة ساخرة وهو يقول:
ــــ حتى انتي كمان بتقولي كدا!
ــــ دا مش رأيي أنا لوحدي بقى؟
هز رأسه بإيماءة بسيطة، فلم يرغب في الدخول في تفاصيل ولا الحديث عن أي شيء يخص دارين.
ــــ وانتِ؟
باغتها بسؤاله فلم تحسب له حساب، ولوهلة سكتت تفكر في إجابة تعفيها من الحرج، فمن سواه الذي يمتلك قلبها منذ علمت للحب سبيلا! ولكنها ابتلعت ريقها ثم قالت دون أن تنظر له متظاهرة بالانشغال بالأكل:
ــــ قبل ما أسافر أمريكا مع بابا كنت معجبة بشاب جارنا.. بس كنت لسه صغيرة.. هبل مراهقة بقى.
ــــ ولما كبرتي؟
التقطت عيناها الحائرتين عينيه المصوبة تجاهها بترقب، تكاد تصرخ بعشقها له ولكن خشيت أن تفضحها نظراتها، فأخفضتهما سريعا ثم قالت بوجوم:
ــــ خلاص بقى عقلت.
هز رأسه بإيماءة بسيطة ثم نظر في ساعة يده فوجدها قد دقت الثامنة، فنهض وهو يقول بجدية:
ــــ أنا كدا لازم أمشي.. شكرا يا ندى على الفطار.
نهضت تباعًا لتقول بخجل:
ــــ الشكر لله دا حاجة بسيطة.
أومأ بامتنان ثم قال:
ــــ ماما كلها ساعة وهتوصل.. مش هوصيكي بقى.
أومأت محاولة رسم الثبات على ملامحها حتى لا يلحظ حزنها الكامن بقلبها ثم قالت ببسمة محبة:
ــــ لا إله إلا الله.
ــــ محمد رسول الله.
غادر من أمامها بينما بقيت هي تنظر في أثره بشرود وقد أخذ الحزن من قلبها مأخذه، ثم سرعان ما عادت لواقعها لتأخذ الأطباق للمطبخ وتقوم بغسلها.
ــــ ألو.. آسر.. بقولك النهاردة عيد ميلاد مودة وأنا أخدت عربية بابا ورايحة خان الخليلي أجيبلها هدية من هناك.. انت عارف أنها بتحب المشغولات والأنتيكات اللي بتتباع هناك.
ــــ يا مجنونة انتي سواقتك زي الزفت.. مستنتيش لما أخلص شغلي ليه وكنا روحنا سوا.
ــــ أنا لسه هستناك؟ كدا هتأخر أوي ومش هلحق أعمل حاجة.
ــــ طيب يا ميري ربنا يستر.. بس عشان خاطري سوقي ع الهادي كدا وخلي بالك من نفسك.
ــــ متقلقش يا حبيبي.. صاحبتك قلبها ميت.. ههه.
ــــ ماهو أنا مش مخوفني غير قلبك الميت دا.
ــــ خلاص بقى يا آسر متبقاش قلوق كدا.
ــــ ماشي يا روح آسر.. اشتري هدية مني ليها على ذوقك.
ــــ تمام يا حبيبي.. باي بقى عشان أركز في الطريق.
أغلقت ميريهان الخط وهي تتنهد ببسمة عشق خالصة، ولم تكد تعيد الهاتف إلى جوارها حتى انتبهت على صوت زامور عالٍ أصم أذنيها ثم لم تشعر بشيء بعدها.
بينما آسر على الجهة الأخرى أغلق المكالمة وهو يزفر بقلق، لا يدري لما انقبض قلبه هكذا حين أخبرته بأنها تقود سيارة والدها، ولكن نفض تلك الوساوس سريعا عن رأسه وهو يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
انهمك آسر في أعماله فقد كان يومه حافلا بالمهام والمأموريات حتى أصابه الإرهاق، فقرر أن يذهب لأدهم مكتبه يتمزحان سويًا.
ــــ الباشا العريس.
هز أدهم رأسه بيأس وهو يقول بغضب:
ــــ هتفضل طول عمرك طور.. بتدخل من غير ما تخبط ليه يا حيوان.
لوح آسر بيده وهو يقول بسخرية:
ــــ عم أنا فتحت عليك باب الحمام؟
رمقه بنصف عين وهو يقول بخفوت حاد:
ــــ عديم الإحساس.
ابتسم بسماجة هاتفا:
ــــ حبيبي يا دومي.
ــــ هو أنا بمدحك يلا؟ دا أنا بوبخك.
ــــ ضرب الحبيب زي أكل الزبيب.. وأنا بموت في الشتيمة.. وبخني.
ــــ أبو تقل دمك.
ــــ ها يا عريس.. عامل إيه في الجواز؟
رمقه أدهم بتجهم مردفًا بغيظ:
ــــ تعرف تنقطني بسكاتك؟
بادله آسر بأخرى مشمئزة هاتفا بحدة:
ــــ تصدق أنا غلطان إني جيت لبأف زيك.. وأنا اللي كنت فاكرك هتفرفشني شوية.
رد بنبرة متهكمة:
ــــ مالك يا ننوس عين ماما؟
هتف به آسر بحدة:
ــــ اتكلم بجد شوية بقى يا أدهم.
اعتدل أدهم في جلسته ليميل برأسه ناحية صديقه متسائلًا بقلق:
ــــ واد يا آسر فيك إيه؟.. حاسك بتحاول تتوه كدا بس شكلك مش مظبوط.
تنهد بعمق ومشاعر التيه قد احتلت ملامحه ونبرة صوته:
ــــ مش عارف يا أدهم.. مضايق كدا من غير سبب.. مش عارف دا من ضغط الشغل ولا إيه بالظبط.
لم يكد يرد عليه حتى رن هاتفه برقم حماه.
ــــ دا عمو محمد والد ميري.
ــــ طاب رد عليه.
فتح الخط ليأتيه صوت حماه الباكي:
ــــ آسر تقدر تيجيلي دلوقتي مستشفى الدكتور رؤف؟
رد بنبرة يشوبها القلق:
ــــ خير يا عمي.. هي مودة تعبت تاني ولا إيه؟
سكت مليًا وهو يعصر عينيه بحسرة ثم قال:
ــــ تعالى بس.. أنا محتاجلك جنبي دلوقتي.
ــــ حاضر يا عمي.. هحاول آخد إذن وأجي لحضرتك.. مع السلامة.
أغلق آسر المكالمة وهو في حالة من الحيرة والشك ثم قال متعجبًا:
ــــ غريبة أوي.. مودة لما بتتعب ميري هي اللي بتتصل بيا تعرفني.
رد أدهم بتفكير:
ــــ يمكن مشغولة معاها يا آسر.. روح انت بس اطمن عليهم وأنا هنا هغطي عليك.
أومأ باقتناع ليقول بنبرة حزينة:
ــــ فعلاً.. مودة حالتها متأخرة أوي اليومين دول.. ميري كانت قالتلي إنها في المرحلة الأخيرة من المرض ومافيش أي علاج ولا حتى عمليات هتجيب معاها نتيجة وإن هي خلاص كلها أيام وتودع الدنيا.
أغمض أدهم عينيه بتأثر متمتمًا بخفوت:
ــــ لا حول ولا قوة إلا بالله.. الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به عباده وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا.
ــــ طاب روح يابني مستني إيه.. أكيد محتاجينك معاهم دلوقتي.
نهض آسر وهو يقول:
ــــ تمام.. لو اتأخرت مش هوصيك بقى ظبط الدنيا عشان سيادة اللوا ميحسش بحاجة.
ــــ امشي يا آسر متحملش هم.
في مستشفى القلب التابعة للدكتور رؤف صديق محمد أبو مودة.
يقف محمد في حالة يرثى لها وبجواره مودة تزرف الدموع بلا انقطاع وأمامهما الدكتور رؤف يسرد لهما بأسى:
ــــ للأسف يا محمد نزفت كتير جدا لحد تقريبا ما دمها اتصفى.. أنا آسف إني أقولك إن خلايا المخ ماتت وهي حاليا ميتة إكلينيكيا.
شهقت مودة بذعر بينما تحشرج صوت محمد ليخرج بصعوبة:
ــــ ماتت؟
أردف الطبيب موضحًا:
ــــ لا القلب لسه بينبض وهي حاليا متوصلة بجهاز التنفس الصناعي بس خلاص مفيش أمل في رجوعها تاني للحياة.. إحنا في انتظار بس إن القلب يقف.. شد حيلك يا محمد ربنا يصبرك.
بينما هناك آسر يسير بتؤدة حتى لمح محمد يقف أمام العناية المركزة وتقف بجواره مودة. ماذا؟ مودة تقف على قدميها؟ هي مذعورة حقًا ويبدو على ملامحها الإعياء الشديد وكأنها ستسقط في أي لحظة ولكنها بالفعل واقفة. لقد توقع أن يأتي ليجدها مسجية بفراش المرض. لماذا إذن دعاه حماه للقدوم؟ لحظة.. ميريهان؟ أين هي إذن؟
حين واتته تلك الفكرة ركض إليهما وقلبه يكاد يخرج من قفصه الصدري من فرط الخوف والقلق. وما إن وصل حتى خرت مودة فاقدة الوعي فالتقطها آسر بين ذراعيه على الفور ونزل بها على أرضية المشفى الرخامية، وذلك حين لفظ الطبيب أمر انتظاره لتوقف قلب شقيقتها.
ــــ بنتي.
صرخ بها محمد في ذهول وحاول قدر المستطاع أن يبقى واقفًا على قدميه اللتين أصبحتا كهلام وألا يسقط فاقدًا للوعي هو الآخر، بينما انحنى الطبيب رؤف على الفور ليتحسس نبض شريانها السباتي على جانب رقبتها فلم يشعر به البتة، فأسرع بدق جرس ما على الحائط وهو يصرخ بصوت عالٍ:
code blue.. arrest.. code blue
وفي لحظات كان فريق من حوالي ستة أفراد من ممرضين وأطباء قد حضروا للمكان وقاموا بنقل مودة إلى غرفة الإنعاش القلبي بينما محمد يتوسل لرؤف:
ــــ مودة مالها يا رؤف؟
أخذ يلهث بعنف وهو متردد في القول فحثه محمد بتأكيد:
ــــ قول يا رؤف أنا راضي.
كل ذلك تحت مرأى ومسمع آسر الذي ما زال لا يفهم شيئًا إلى الآن بينما رد رؤف بأسف:
ــــ قلبها مستحملش الصدمة ووقف.
اتسعت عينا آسر وهو يردد بذهول في نفسه:
ــــ صدمة؟ أي صدمة تلك؟
استرسل رؤف يطمئنه:
ــــ بس متقلقش يا محمد.. الفريق مش هيسيبها وشغالين معاها إنعاش قلبي رئوي وإن شاء الله القلب هيشتغل تاني وهتتوصل بأدوية تدعم القلب.. أنا هدخل دلوقتي أشوفها وأطمنك.. عن إذنك.
لم تعد قدماه قادرتين على حمله، فحبيبتاه على وشك فراقه، حبتا العين وقرة القلب وزهرتا عمره. يا الله كيف لقلبه أن يتحمل كل هذا! فهبط ليجلس على الأرض ونزل آسر معه يسأله بهلع:
ــــ فيه إيه يا عمي فهمني؟ إيه اللي حصل أبوس إيدك؟
نظر له بعينين مغشيتين بالعبرات ثم قال بصوت جريح بالكاد تخطى حنجرته:
ــــ ميري عملت حادثة ونزفت كتير لحد.. لحد ما دمها اتصفى ويعتبر ماتت.. رؤف.. رؤف بيقول إنها ميتة إكلينيكيا.
أخذ يهزه بلا وعي وهو يردد بعدم تصديق:
ــــ ميتة إزاي؟ لا ميري مماتتش.. ميري كويسة وهتقوم.. دي كانت بتكلمني من ساعتين بتقولي إنها رايحة خان الخليلي تشتري… هي فين؟ عايز أشوفها.. هي فين؟
نهض وهو يبحث عنها كالمجنون ويحاول فتح باب العناية بيدين مرتعشتين ولكن بلا جدوى.
ــــ اصبر يا آسر.. هتشوفها بس اصبر.
كان ذلك هتاف محمد الضعيف ولكن لم يتوانى عن الطرق على الباب الكبير إلى أن خرجت ممرضة من الداخل ليهتف بها برجاء:
ــــ لو سمحتي دخليني عايز أشوف خطيبتي.
ــــ أنا آسفة جدًا مش هينفع.
ــــ أرجوكي أنا مش هعمل أي حاجة.. أنا هبص عليها من بعيد.
أشفقت على حالته المزرية لتقول بعد برهة من التفكير:
ــــ بس من فضلك بسرعة قبل ما دكتور رؤف ييجي ويشوفك عندها.
ــــ حاضر متقلقيش.
أفسحت له الطريق فدلف مسرعًا وهاله ما رأى من مشهد يخلع القلب.
ميريهان مسجية على الفراش الأبيض ترتدي عباءة طبية زرقاء وغطاء رأس طبي، بشرتها شاحبة شحوب الموتى، عينيها نصف مفتوحة ولكن بؤبؤيها ثابتان تمامًا، وأكثر ما آلم قلبه تلك الأنبوبة المغروسة بحنجرتها والموصولة بخراطيم غليظة متصلة بجهاز التنفس الصناعي حيث الأصوات الصاخبة والعديد من الأجهزة الأخرى المتصلة بذراعيها.
تقدم منها حتى اقترب كثيرًا ثم انحنى لمستوى رأسها وانفرج ثغره لينادي عليها ولكن لسانه أبى من فرط صدمته، حاول كثيرًا إلى أن تخطى تلك الغصة الأليمة التي علقت بحلقه ثم ردد اسمها بصعوبة:
ــــ مـ ميري.. ميريـ هان.. حبيبتي.. أنا آسر يا روحي.. سامعاني؟ انتي هتقومي.. هتبقي كويسة وأنا هستناكي.. هستناكي العمر كله يا كل حياتي.
سكت يتأملها بصمت لعله يرى منها أي حركة أو حتى رمشة من عينيها إلا أنه لم يحدث وكأنها ميتة حقًا.
انتابته حالة من الهيستيريا حين أدرك حقيقة موتها وفراقها الأبدي فأخذ يهزها وهو يبكي بنحيب وصل الممرضة:
ــــ ميري ردي عليا.. طاب ارمشي بعنيكي.. اعملي أي حاجة.. أي إشارة.. ميري الله يخليكي يا حبيبتي ردي عليا.. ميري.. ميري.
استمر في تحريكها وهو يناديها بلا كلل حتى هرولت إليه الممرضة ومعه زميل آخر وأخذا يجذبانه بعيدًا عنها حتى أخرجاه من الغرفة وهو في حالة من الانهيار التام.
رواية مهمة زواج الفصل العاشر 10 - بقلم دعاء فؤاد
بعد نصف ساعة من الانتظار، خرج الدكتور رؤف يجفف حبات العرق التي أندت جبينه.
قال وهو يتنفس باعياء:
ـــ الحمدلله يا محمد، مودة قلبها رجع واضطرينا نحطها على جهاز التنفس الصناعي علشان نريح القلب لحد ما حالتها تستقر وتقدر تاخد نفسها بتلقائية.
فغر محمد فاهه بحسرة، فبنتيه راقدتان ومصيرهما مرتبط بذلك الجهاز اللعين في آن واحد. لقد تمنى في تلك اللحظة لو يلحق بهما، فلم يعد لديه ما يعيش لأجله.
أشفق رؤف عليه للغاية. وبعد برهة من التفكير وهو يتأمل حالة البؤس التي أصابت صديقه، ربت على كتفه وهو يقول بجدية:
ـــ تعالى معايا مكتبي يا محمد… عايزك في موضوع ضروري.
نظر له بتيه وكأنه لم يسمعه، أو بالأحرى ليس لديه طاقة لسماع أي شيء. فأدرك رؤف ما يدور بخلده والتمس له العذر، ولكنه أصر عليه:
ـــ تعالى يا محمد.. الموضوع يخص مودة… صدقني يا صاحبي دي مسألة حياة أو موت.
استطاع أن يجذب انتباهه بذكر قرة عينه، فانصاع محمد المكلوم لكلامه ثم تحرك بصعوبة بالغة. فقام رؤف بإسناده حتى وصلا لمكتبه الكائن بنفس الطابق.
ـــ اسمعني كويس يا محمد وحاول تستوعب اللي هقوله. دلوقتي ميري قدامها ساعات أو أيام وتقابل وجه كريم، ومودة حالتها خطيرة ولو متحركناش والنهاردة…
سكت مليا ليقول بأسى:
ـــ للأسف هتحصل أختها.
انهمرت العبرات من عيني محمد واهتز جسده ببكاء مرير لم يستطع السيطرة عليه. فنهض رؤف من مكانه ليسحب كرسي ويجلس بجوار صديقه يربت على ظهره ويطمئنه، ثم استرسل بتوسل:
ـــ اهدى يا محمد… البكا في وسط كل اللي انت فيه ده مش هيفيد بحاجة… اجمد عشان تقدر تنقذ مودة وتطلع بأقل الخسائر.
أخيرا نطق بقلة حيلة وقد احمر وجهه من فرط الحزن والبكاء:
ـــ في ايدي ايه اعمله يا رؤف… قولي وأنا مش هتردد لحظة.
ـــ حتى لو قولتلك هنستأصل قلب ميري ونعمل عملية زرع قلب لمودة؟!
تطلع إليه بملامح مصدومة ليسترسل رؤف بمزيد من الضغط:
ـــ ميري كدا كدا مش هترجع للدنيا بس قلبها سليم وكويس.. والعملية نسبة نجاحها هتبقى عالية لأنهم اخوات.. ونسبة التوافق بينهم هتكون عالية ومش بعيد تكون متطابقة ودا يضمن نجاح العملية إن شاء الله… والقرار دلوقتي في ايدك.. يا بناتك الاتنين يودعوك.. يا تفارق واحدة وتنقد التانية وتطلع بخسارة واحدة بدل خسارتين.
مازال محمد في ذهوله وصدمته. فأدرك رؤف تخبطه، فالوضع ليس بالهين.
ـــ محمد أنا هروح أشوف حالة وهسيبك هنا تفكر براحتك… بس خليك عارف إن مفيش قدامنا وقت كتير.. ولو وافقت هتحتاج مبلغ كبير لأن العملية مش هنعملها هنا.. البنات هتسافر ألمانيا في طيارة فيها إسعاف مجهز وهناك كل حاجة هتتم.. أنا كدا شرحتلك الوضع كله وانت في ايدك القرار.. عن إذنك.
نهض من جواره ثم سار على عجالة ناحية باب الغرفة. فلم يكد يصل رؤف إلى الباب حتى هتف به محمد بصوت متحشرج من أثر البكاء:
ـــ أنا موافق… ابدأ في الإجراءات فوراً.
التفت رؤف ليسأله بجدية:
ـــ هتقدر على مصاريف السفر والعملية؟!
أجابه بنبرة من الضياع:
ـــ هبيع كل اللي حيلتي… هبيع الفيلا والشركة والكام فدان اللي في البلد… معادش عندي حاجة أبكي عليها يا رؤف… مكانش عندي أغلى من بناتي.. هبقى على إيه من بعدهم.
قال كلماته ثم انخرط في بكاء مرير. فعاد إليه رؤف ليواسيه ويهدئه حتى سكن قليلا، فأردف محمد:
ـــ بس الموضوع ده يفضل سر بينا… مش عايز مخلوق يعرف.. لا مودة ولا مامتها ولا حتى آسر.
ـــ اطمن يا محمد محدش هيعرف… بس العملية لو نجحت هنعملهم إيه؟!
ـــ هنعملهم عملية قلب مفتوح.
ـــ بس مودة والكل عارف إن العملية دي مش هتفيدها في حالتها.
رد محمد بقليل من الانفعال:
ـــ يووه يا رؤف.. ساعتها هقنعها بأي حجة… أبوس إيدك أنا مش ناقص.
أومأ رؤف عدة مرات مردفا بجدية:
ـــ خلاص يا محمد هتدبر إن شاء الله… أنا حالا هكلف فريق يقوم بإجراءات التوافق وعمل التحاليل والأشعة اللازمة.. وهحجز في مستشفى القلب اللي بتعامل معاها في ألمانيا في أقرب وقت.
نهض محمد هو الآخر ليقول:
ـــ وأنا هروح البنك أسحب كل الفلوس اللي في رصيدي وهحولهملك لحد ما أتصرف في بيع الحاجات اللي قولتلك عليها.
أومأ رؤف بأسى على مصاب صديقه ثم قال:
ـــ إن شاء الله كله هيبقى تمام.
نظر له باستجداء:
ـــ أرجوك يا رؤف عايز أشوف بناتي قبل ما أمشي.
ربت على كتفه ليقول بمواساة:
ـــ شوفهم يا محمد بس عايزك تبقى جامد عشان تقدر تكمل المشوار… وحط في دماغك دايما إن مودة محتاجاك معاها في الأيام اللي جاية دي بالذات.
هز رأسه عدة مرات وهو يجاهد عبراته لألا تسقط مجددا… يقاوم ذلك الانهيار الذي يهز كيانه بضراوة متصبرا بآيات الصبر الذي يرددها في نفسه منذ تلقى صاعقة حادث ميريهان.
في محافظة سوهاج….
يجلس معتصم برفقة أخيه بالمضيفة الملحقة بمنزل عمه حمد كحال معظم منازل البلدة. ليقول بعدما رحب عمه بطلب زواج أخيه من ابنته:
ـــ شوف يا عمي إيه طلباتك وميتى بدك نعمل الخطوبة والفرح.
حك حمد الكبير ذقنه والسعادة تغمره بهذا النسب الثقيل ليقول بفرحة تنطق بها عينيه:
ـــ خير البر عاچله يا ولدي… واحنا چاهزين ف أي وجت.. إيه رأيك الخطوبة بكرة والفرح بعد سَبوعين تلاتة أكده.
ـــ نعم؟!
كان ذلك رد حمد الصغير والذي صدمه تعجل عمه بالزواج، ولكن معتصم نهره بنظرة من عينيه. ثم تطلع لعمه، راسما على محياه بسمة مصطنعة، ثم قال:
ـــ اللي تشوفه يا عمي… مالوهش عازة التأجيل كيف ما انت خابر.
أخذ حمد يناظره بنظرات حارقة، فهو لم يتوقع أن أخاه سينصاع لطلبات عمه بتلك السهولة. ولكن معتصم تجاهل نظراته مسترسلا حديثه بجدية تامة:
ـــ وطلباتك من حيث الشبكة والمهر يا عمي؟!
اللمعت عيني حمد الكبير بطمع ليقول بعنجهية بعدما بلل شفتيه:
ـــ شبكة بتي متجلش عن متين ألف چنيه والمهر كدهم مرتين والمؤخر مليون چنيه.
سكت معتصم يتأمله مليا وهو يضيق عينيه بتفكير. فهو يدرك جيدا أن تلك العنجهية الكاذبة وذلك الطمع الذي يملأ عينيه ما هو إلا صنيع زوجته الجشعة. ولكن أومأ موافقا على كل حال ليقول بغموض:
ـــ وماله يا عمي… صافية تستاهل تُجلا دهب.
رمقه حمد شقيقه بذهول، فكيف لأخيه أن يوافق عمه على هذا الهراء وكأنه سيزوجه مارلين مونرو.
بينما معتصم نظر له بثبات وكأنه يقول له “اصبر”. ليتحدث حمد أخيرا بنفاذ صبر وغيظ شديد:
ـــ طاب مش هشوف مارلين مو… قصدي العروسة يا عمي ولا إيه؟!
أومأ عمه بابتسامة سمجة:
ـــ حالا يا عريس بتي…. يا أم كريمة.. يا أم كريمة.
هرولت إليهم زوجته سريعا فيبدو أنها كانت قريبة من مجلسهم تسترق السمع لتقول بفرحة ظاهرة:
ـــ أيوه يا حاج؟!
ـــ نادمي صافية لعريسها.
بعد قليل أطلت عليهم بحجاب أبيض صغير وفستانها الشيفون البنفسجي المبطن من الداخل. ولكنه يبدو مبهرجا أكثر من اللازم بسبب الفصوص التي تزينه بالأكمام وعلى الصدر، الشيئ الذي أثار ضحكات حمد. ولكن كتمها بشق الأنفس ووقف يمد يده ليصافحها. فمدتها على استحياء ثم نزعتها سريعا بمجرد أن لمسها وهي تطأطئ رأسها للأسفل بخجل بالغ. فتنحنح معتصم ثم وقف ليقول:
ـــ بينا يا عمي إحنا نشربو الشاي بالدوار ونسيب العرسان براحتهم.
نهض عمه وأخذ معتصم وخرجا من المضيفة تاركين حمد وصافية مازالا واقفين.
ـــ اقعدي يا صافية.
انصاعت لأمره وجلست بأقرب أريكة. فجلس حمد بجوارها تاركا بينهما مسافة جيدة. ورغم ذلك ابتعدت عنه أكثر. فنظر لها باستنكار، ولكنها لم تبالي له وظلت ساكنة تنظر إلى الأرض فحسب.
ــــ هي السجادة عجباكي أوي كدا؟!
لم تفهم مقصده. فرفعت رأسها تنظر له باستفهام:
ـــ ها؟!
دقق أكثر في ملامحها. عينيها نجلاوتين ذات لون أسود قاتم، يعلوهما حاجبين طويلين رسمتهما رغم عدم تدخلها تخطف الأنظار. بشرتها بيضاء متخضبة بالحمرة، ذقنها مقسوم بدقة الحسن. إنها حقا جميلة رغم بساطتها ذات ملامح مريحة. ولكنها صغيرة للغاية، فمن يراها لن يعطيها أكثر من خمسة عشر عاما… فملامحها تبدو كذلك.
حين أطال النظر إليها ابتسمت رغما عنها من فرط الخجل ثم أطرقت رأسها للأسفل مرة أخرى. فلمح تلك الغمازة الوحيدة بخدها الأيمن والتي زادتها جاذبية. تلك البسمة أطاحت بعقله وجعلته يبتسم تلقائيا. لا يدري لما يبتسم الآن بعد تلك الابتسامة الرائعة التي أظهرتها له. ولكن استطاعت أن تستحوذ على إعجابه.
ـــ انتي هتفضلي باصة في الأرض كدا كتير؟!
ردت بخفوت وهي مازالت على ذلك الوضع:
ـــ وأني هبص فين يعني يا واد عمي؟!
ـــ بصيلي.
دق قلبها بعنف حين أمرها بذلك. فذلك الوسيم كيف ستنظر له هكذا دون خجل.
ـــ بصيلي يا صافية… مش حرام على فكرة.
بالكاد استطاعت أن ترفع رأسها لتلتقي عينيها النجلاوتين بعينيه المصوبة بهما تماما يتأملها بشغف أكثر من ذي قبل. فازداد خجلها. ولكنها تلك المرة أخفضت جفنيها تخفي بهما خجل عينيها وما زالت رأسها مستقيمة ناحيته وكأنها تستجديه أن يرحم خجلها.
اتسعت ابتسامته أكثر مستمتعا بتلك الربكة التي أصابتها بسببه. ثم قال بإعجاب:
ـــ انتي طلعتي حلوة أوي يا صافية وأنا شكلي كدا هحبك.
احمرت وجنتيها وأشاحت وجهها بعيدا عنه لتقول بحنق:
ـــ اتحشم يا واد عمي.
علت ضحكته أكثر. الأمر الذي أثار غيظها البالغ. فرمقته بتقطيبة ثم قالت:
ـــ شايفني أراچوز إياك!
سكت عن ضحكه ليقول بجدية ممزوجة ببسمته:
ـــ لا طبعاً دا انتي ست البنات.
عادت لطأطأة رأسها مرة أخرى. فسألها:
ـــ طاب قوليلي طيب إيه رأيك فيا؟!
ردت باقتضاب:
ـــ مليح.
ـــ بس كدا؟!
أخذت تفرك كفيها وتقول وهي تنظر لهما:
ـــ يعني انت من زينة شباب البلد وأي واحدة تتمناك و… أكده.
ـــ وانتِ عرفتي منين الكلام ده.
ـــ أمي جالتلي أكده.
أخذ يهز رأسه بتفهم ليقول:
ـــ أنا عايز أسمع رأيك انتي مش رأي أمك.
ـــ ها؟!
……..مخبراش.
هز رأسه بإحباط ثم سألها مرة أخرى:
ـــ طاب انتي مستعدة للجواز؟!
قطبت جبينها بتفكير ثم سألته بجهل:
ـــ كيف يعني؟!
ـــ يعني مستعدة إنك تكوني مسؤلة عن زوج بكل طلباته وبيت وعيلة هتعيشي في وسطها كزوجة مش طفلة… واحتمال كمان تكوني أم… فكرتي في كل ده؟!
انفرج ثغرها قليلا تفكر في كلماته ثم قالت بلامبالاة:
ـــ إيوة… أمي جالتلي إن إني كبرت واللي في سني معاها عيل واتنين.
حاول قدر الإمكان أن يتحلى بالصبر، فهي قد استطاعت أن تستفزه لدرجة أنه يريد كسر رأسها. ثم تابع أسئلته:
ـــ طاب مش ناوية تكملي دراسة بعد الإعدادية؟!
ردت بعفوية:
ـــ لاه.. أمي جالتلي كفاية عليكي الإعدادية… البنتة ملهاش إلا دار چوزها.
تطلع إليها رافعا حاجبيه باستنكار… أمي قالت… أمي قالت… وماذا عنها هي؟!
زفر أنفاسه بضيق، فقد ضاق ذرعا بإجابتها الغير واعية وأدرك حقيقة كونها مازالت طفلة في شكلها وعقلها أيضا.
أخذ يتمتم بصوت خفيض:
ـــ الله يسامحك يا معتصم انت وعمي.. هو أنا لسه هربي من أول وجديد.
طاب يا صافية عايزة تعرفي حاجة عني أو تسأليني أي سؤال؟!
سكتت لبرهة ثم هزت رأسها بنفي:
ـــ لاه.
لوى شفتيه لجانب فمه بإحباط بالغ. فهو لم يتوقع أبدا أن تكون أول مقابلة له مع شريكة عمره على هذه الشاكلة المملة. ولا أن تكون إجابتها بهذا الغباء وتلك اللامبالاة وكأنها ستذهب معه في نزهة. كيف لا يثير فضولها… كيف لا تهتم بما يفضله وما لا يفضله.. كيف لا تستفسر عن خططه المستقبلية…
ما هذا الهراء؟!.. حقا بدأ يفقد عقله.
في بادئ الأمر أثارت إعجابه واستحسن التأمل في وجهها الجميل. ولكنها الآن لا تطيق النظر إليها. فقد استطاعت بغبائها أن تبني بينهما جدارا منيعا حجب عنه ما رآه فيها من حُسن الخِلقة.
***
ـــ مش مسامحك يا معتصم… مش مسامحك على اللي بتعمله فيا… بقى دي آخرتها… اتجوز واحدة جاهلة متعرفش أي حاجة في الدنيا… واحدة ماشية بدماغ أمها ولاغية دماغها دي خالص… إيه دا؟!.. هو في كدا يا أخي.!
كان ذلك صياح حمد أثناء عودته لمنزلهما بسيارة شقيقه. وكان معتصم يستمع إليه وهو ظاهريا يركز على الطريق، وأنما داخليا كان حزينا لحال أخيه التعيس. فهو أيضا لم يتمنى أبدا له عروس كـ صافية تلك الفتاة ناقصة العقل. فلا تمتلك النضج الكافي لمجاراته. ولا الحنكة في الحديث. ولا لأي مقوم يجعلها تستحق “حمد البدري”.
هذا الشاب ذو العقل الذهبي الذي يسبق في ذكاء تفكيره وحكمته من هم أكبر منه بكثير. إنه يراه أفضل حتى من ذاته رغم تلك الهيبة التي اكتسبها ورغم بلوغه عمر الثانية والثلاثون ورغم فرق الثمان سنوات بينه وبين شقيقه الأصغر.
أخذ نفسا عميقا ثم زفره على مهل. ثم قال بجدية:
ـــ ما خلاص يا حمد بزيادة تأنيب فيا… وبعدين أنا واثق إنك هتجدر تغيرها كيف ما انت رايد… صافية هتبجي زي العجينة في يدك تشكلها كيف ما تحب… وفي يدك تشيل مخ أمها من راسها وتزرع بداله مخك انت… كيف العروسة اللي بيحركوها باليد.
جز على أسنانه بتغيظ بالغ ثم صاح بانفعال:
ـــ وأنا إيه اللي يجبرني أتجوز لعبة أحركها بمزاجي؟!.. وليه متجوزش واحدة ليها رأي وليها كيان… تبقى بنت قوية وليها شخصيتها تسد في أي موقف وأنا مش معاها. ليه أربط نفسي بواحدة أنا المتحكم الوحيد فيها زي الجهاز اللي بريموت كونترول. لا لا يا معتصم… صافية أبعد ما يكون عن طموحاتي كزوجة.
ضرب معتصم المقود بقبضته بعصبية مفرطة ثم صاح بغضب:
ـــ أباااي عاد يا حمد.. الفأس وجعت في الراس وانتهينا.. أني مش هرچع في كلمتي مع عمك.. مانجصش تجريس في البلد وهو سيد مين يچرس الخلج.. الله يسامحه أبويا هو اللي فرض علينا النسب الغم ده.
سكت حمد وهو يغلي بداخله. فمعتصم حديثه صحيح… لقد وقعت الفأس في الرأس وكان هو كبش الفداء.
يتبع…