تحميل رواية «مهمة زواج» PDF
بقلم دعاء فؤاد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في مساء إحدى ليالي أغسطس الدافئة، يقف بحلته السوداء الأنيقة التي جعلته أميراً من أمراء حكايا ألف ليلة وليلة. يقف بساحة الانتظار بمطار القاهرة الدولي، ينظر إلى ساعته النفيسة بتأفف كل حين وآخر في انتظار وصول الطائرة القادمة من نيويورك. وهناك خارج المطار تنتظر أسرته في سيارة أخرى، وهم والدته وشقيقته وزوجها ليستقبلوا العروس. بعد عدة دقائق أعلن المذيع الداخلي عن هبوط الطائرة القادمة من نيويورك، وحينها انتابته حالة من التوتر. لا يدري كيف سيكون شعوره حين يقابلها، بالأحرى كيف سيعرفها وهو لم يلتقِ بها سو...
رواية مهمة زواج الفصل الحادي عشر 11 - بقلم دعاء فؤاد
كانت ندى جالسة بغرفتها تقرأ بأحد كتب الفقه التي تفضلها دائماً حين رن هاتفها برقم السيدة تيسير والدة أدهم.
"ألو، ازيك يا طنط؟ عاملة إيه؟"
"بخير يا حبيبتي الحمد لله."
"اتأخرتي أوي يا طنط… أدهم قالي إنك كنتي جاية الصبح وإحنا دلوقتي بقينا بعد الضهر أهو."
"أنا آسفة يا ندى، أكيد زهقتي من القعدة لوحدك… بس إنتي عارفة إن روان حامل في الشهر التاني وتعبانة، فاضطريت أفضل معاها شوية. بس إن شاء الله هرجع على آخر اليوم."
"ألف سلامة عليها… سلميلي عليها كتير… لو عايزة تقعدي معاها عادي، أنا مش زهقانة ولا حاجة."
"لا يا حبيبتي الحمد لله بقت أحسن… وبيني وبينك مابرتّحش غير في بيتي… المهم وفاء جايلك دلوقتي تنضف البيت بس أنا كلمتك عشان أقولك متخليهاش تدخل قوضتك إنتي وأدهم… نضفيها إنتي عشان خصوصياتكم وكده."
ابتسمت بمرارة ثم قالت:
"حاضر يا طنط… أنا ممكن أنضف البيت كله عادي."
"لا يا قلبي الشقة واسعة وهتتعبي في تنضيفها وإنتي لسة عروسة ميصحش نستغلك كدا."
ثم ضحكت بمرح لترد ندى متظاهرة بالضحك:
"ماشي يا طنط اللي تشوفيه."
"مابلاش طنط دي بقى… إنتي بنتي التالتة يا ندى."
ابتسمت بحب لتلك السيدة التي عادة ما تغمرها بحنانها ثم قالت:
"حاضر يا ماما."
"أيوه كدا يا ندوش… يلا يا حبيبتي مش هطول عليكي… إن شاء الله قبل ما أدهم يرجع من شغله هكون عندك."
"تمام… مع السلامة."
وبمجرد أن أغلقت الهاتف، دق جرس الباب فعلمت أنها وفاء الخادمة، فبدلت بيچامتها الصيفية الخفيفة لفستان منزلي بسيط بأكمام طويلة ثم ذهبت لتفتح الباب وبالفعل وجدتها وفاء.
"مساء الخير يا ندى هانم."
"مساء النور اتفضلي يا وفاء."
دلفت إلى داخل الشقة بعدما أغلقت ندى الباب ثم تحدثت إليها مباشرة:
"وفاء ابدأي بالمطبخ والحمام على ما أنضف قوض النوم.. وبعدها اعملي الريسبشن والصالون وقوضة السفرة.. تمام؟!"
أومأت وفاء بابتسامة، فقد رفعت ندى عن كاهلها عناء تنظيف غرف النوم، فالشقة واسعة حقاً وتنظيفها شاق للغاية.
فكرت ندى أن تبدأ بغرفة أدهم حتى لا تأتي أمه وتجدها مهلهلة، وبذلك تكتشف انفصالهما في الغرف ويبدأ التحقيق وهي غير مستعدة نفسياً لذلك.
بمجرد أن فتحت باب الغرفة صعقت مما رأت، إنها أشبه بمقلب للقمامة منها غرفة.
الملابس ملقاة في كل مكان.. بقايا الطعام مازالت مكانها على الكومود.. طاولة الزينة فوضوية للغاية.. جورب هنا وآخر هناك.
ناهيك عن الأوراق المتناثرة في كل ركن من الغرفة.
علاوة على أكواب الشاي والقهوة الموضوعة على الكومود. بحق الله لو كان طفلاً لما فعل بالغرفة فعلته تلك.
أخذت تهز رأسها بأسى ثم سرعان ما انفجرت في الضحك من فرط ذهولها من ذلك المشهد الغير متوقع على الإطلاق.
دلفت وأغلقت الغرفة جيداً حتى لا ترى وفاء تلك الفوضى، وأول ما فعلته هو أن تقدمت نحو طاولة الزينة لتلتقط زجاجة عطره الذي أدمنته وتديرها بين كفيها لتقرأ الاسم المدون عليها "دخون روز". لقد أحبت اسم العطر من فرط عشقها له ولصاحبه، ثم نثرت قليلاً منه بالجو وقامت باستنشاقه باستمتاع غريب وكأنه يقف الآن أمامها.
ابتسمت بحالمية حين تخيلت نفسها مستقرة على صدره وتتنفس عطره من جانب عنقه. حقاً متى سيتحقق ذلك الحلم؟!
فكل يوم يمر عليها في منزله يترسخ عشقه داخلها أكثر ويزداد هوسها به أكثر وأكثر. متى أصبحت مجنونة به هكذا؟
ندى تلك الفتاة الرزينة الهادئة تمرد عليها قلبها للغاية لتتحول لفتاة مراهقة تتخيل نفسها بأحضان حبيبها؟!
نهرت نفسها وهي تتمتم لنفسها بالسباب والتأنيب ثم شمرت ساعديها وخلعت حجابها لتبدأ في مهمتها الأصعب على الإطلاق ألا وهي ترتيب غرفة أدهم الفوضوية.
***
يقف بروح مفقودة سانداً رأسه إلى باب العناية المركزة وكأنه ينتظرها لتخرج إليه، فلم ينتبه من شروده إلا حين ربت أبوه على كتفه، فنظر له بعينين مسبلتين بارهاق ليهز أبوه رأسه بأسى على حال ابنه.
"وقفتك دي مش هتفيد بحاجة يا آسر… إنت بقالك أكتر من ساعتين واقف على رجلك يابني."
نظر أمامه في الفراغ وهو بالكاد يفتح عينيه من فرط الحزن الذي أنهك عيناه ثم قال بصوت متحشرج:
"أنا مش حاسس بتعب يا بابا متقلقش."
تنهد أبوه بحزن دفين ثم قال بنبرة جادة مؤلمة:
"يا آسر إنت لازم تفهم إن ميري دلوقتي بين أيادي الله وأحسن حاجة نقدمهالها الدعاء… أنا متأكد إنها مش مبسوطة بوقفتك دي وحالتك اللي إنت فيها دي دلوقتي."
انكمشت ملامحه بألم وكأنه على وشك البكاء ثم قال بنبرة متألمة:
"ميري لسة عايشة يا بابا… قلبها لسة بينبض… لسة بتتنفس."
رد أبوه بحدة لعله يفيق:
"يابني كلها ساعات وهتفارق الدنيا."
رد آسر بنفس نبرته الحزينة:
"حتى لو لسة فاضل في عمرها كام ساعة فأنا عايز أفضل جنبها الكام ساعة دول… مش هقدر أسيبها… أنا عارف إنها مسألة وقت مش أكتر. بس قلبي مش مطاوعني أبعد عنها الساعات اللي باقيالها في عمرها… أرجوك يا بابا سيبني أنا مش حاسس بتعب صدقني."
أطرق أبوه رأسه بحزن بالغ وهو يردد الحوقلة، ثم عاد ليلح عليه من جديد:
"طاب عشان خاطر أبويا العيان اسمع كلامي وريحني وروح البيت غير هدومك على الأقل… إنت مش شايف شكلك عامل إزاي! البدلة البيضا مبقتش بيضا والسترة طالعة من البنطلون وحالك مبهدل أوي يابني."
انفرج ثغره ليعترض ليقاطعه والده بنبرة قاطعة:
"خود شاور وغير هدومك بس يا آسر وتعالى تاني بسرعة… أنا هقف مكانك هنا مش هتحرك لحد ما ترجع… يلا يابني أنا ضغطي عالي ومش حمل المناهدة دي."
أشفق على حال أبيه ورجائه المستمر فأومأ بقلة حيلة:
"ماشي يا بابا… كلها نص ساعة بالظبط وهرجع تاني."
أومأ مربتاً على كتفه بحنو:
"أيوه كدا يا حبيبي ربنا يهديك… يا ريت تروح بتاكسي بلاش تسوق عشان إنت شكلك تعبان ومش مركز."
أومأ آسر بصمت ثم استدار مغادراً تاركاً قلبه هنا عند حبيبته الراقدة في فراش الموت.
***
في محافظة سوهاج….
بمجرد أن ترجل معتصم من سيارته اتجه مباشرة إلى داخل الدوار أتبعه حمد ليتجها مباشرة لمجلس أمهما المعتاد في بهو المنزل ولكنه لم يجدها، فتسرب القلق إلى قلبه، فهي دائما تفضل الجلوس بتلك الأريكة العتيقة ولا تتركها إلا في حال مرضها.
"نعمة.. نعمة.."
هرولت إليه نعمة الخادمة لتقول باحترام جم:
"أوامرك يا كبير."
"فين ستك الحاجة؟"
"ستي الحاجة في قوضتها يا كبيرنا أصلها بعافية حبتين."
اتسعت عيناه بذعر ليصيح بانفعال:
"بعافية كيف يعني؟… وإزاي محدش يكلمني في التلفون ويخبرني."
جذبه حمد من ذراعه ليقول:
"إنت لسة هتسأل يا معتصم… بينا نطلع نشوف فيها إيه؟"
بعد قليل…
طرق معتصم باب غرفة والدته ثم دلف بهدوء ليتفاجأ بهذا المشهد…
أمه طريحة الفراش يبدو على ملامحها التعب، وتجلس ريم على حافة الفراش تقيس لها ضغط الدم بجهاز الضغط خاصتها بينما مارتينا تقف خلفها تتابع عمل ريم.
"تعالى يا ولدي متخافيش عليا إني زينة."
خلعت ريم سماعتها ثم قامت بفك الجهاز من حول ذراع السيدة المسنة ثم قالت بنبرة عملية متجاهلة وجود معتصم:
"فعلاً زي ما توقعت… الضغط عالي وهو اللي عامللك الصداع ومأثر كمان على عنيكي."
تقدم معتصم من فراش والدته تبعه حمد ليقول الأول بلهفة:
"ألف سلامة عليكي يامايا… بجى أكده تجلجينا عليكي!!"
ثم انحنى ليقبل كفها بحب خالص. تعجبت منه ريم، فكيف لهذا الرجل الغليظ أن يتحول هكذا مع أمه.
تقدم حمد هو الآخر وقبل جبينها:
"سلامتك يا حاجة ألف سلامة… مبتاخديش علاج الضغط ليه بس يا ست الكل… ولا إنتي بتعملي كدا بقى عشان أفضل قاعد جنبك أديكي العلاج بنفسي؟"
ضحكت السيدة بقهقهة ثم قرصت حمد من أذنه القريبة منها لتقول بجدية ممزوجة بالمزاح:
"ياد جولتلك اعدل لسانك اللي اتعوچ ده من كتر جعدتك اف بحري."
قهقه حمد وهو يتصنع الألم:
"أي.. يا حاجة خفي يدك هبابة."
"مليح اكده… ناس مبتچيشي غير بالعين الحمرا."
كانت ريم تتابع المشهد بابتسامة متأملة بها مزيج من الإعجاب بتلك التركيبة العجيبة والعلاقة المريحة التي تجمع أفراد هذه الأسرة ومن المشهد برمته.
بينما معتصم كان يسترق إليها النظرات، يراقب بسمتها المرتسمة على ثغرها بشغف، يجاهد نفسه ألا يبتسم على مظهر البراءة الذي تبدو به الآن على عكس ما عرفه عنها.
تنحنحت ريم لتجذب انتباه السيدة فالتفتت إليها لتقول بأسف:
"متأخذنيش يا بتي.. آخر العنجود لاهاني عنيكي."
ابتسمت بود:
"ولا يهمك يا حاجة."
ردت البسمة لتقول بنبرة يشوبها المرح:
"ده ولدي حمد الصغير… وده إنتي خابراه معتصم الكبير… إني بستسمحك عنيه يا بتي إذا كان شد عليكي هبابة… بس بعد ما حكتيلي اللي حصل عدرتك… وبعد ما شوفتك واتحددت معاكي حبيتك جوي… البصة في وشك تشرح الجلب الحزين."
أخفضت ريم جفنيها بخجل على إثر تلك الإطراء الحلوة في حين قالت مارتينا بضحكة بسيطة:
"سيدي يا سيدي… وأنا مش هينوبني من الحب جانب ولا إيه؟"
ضحكت أم معتصم لتقول بود:
"إلا إنتي يا مارتينا يا بتي… دا إنتي عشرة خمس سنين.. منستغنوش عنيكي واصل."
قاطع الحديث حمد متسائلاً:
"طاب ياما إحنا عارفين الدكتورة مارتينا… عرفينا بجى على الدكتورة اللي شرحت جلبك."
ضحكت السيدة لتنظر لمعتصم بمكر:
"عرفهالو يا ولدي… إنت تعرفها مليح أكتر مني."
رد معتصم باقتضاب مشيحاً بناظريه عن ريم:
"دي الدكتورة ريم… لسة ماسكة الوحدة چديد مكان الدكتور حسين."
أومأ حمد برأسه محيياً إياها ببسمة:
"اتشرفت بمعرفتك يا دكتورة ريم وإن شاء الله تتبسطي معانا في البلد."
كتمت ضحكتها بصعوبة لتقول بسخرية:
"الشرف ليا يا أستاذ حمد… بس أنا فعلاً مبسوطة… مبسوطة أوي."
قالت عبارتها الأخيرة وهي تنظر لمعتصم بنظرة ذات مغزى، فزفر معتصم بضيق ثم صاح بجدية مغيراً مجرى الحديث:
"طاب يا دكتورة هتكتبي للحاجة أدوية؟"
ارتبكت قليلاً حين صوب عينيه تجاهها بملامحه شديدة الجدية والتي تهابها كثيراً، فعدلت من وضعية نظارتها الطبية في حركة ملازمة لها عند توترها ثم أومأت برأسها وهي تستخرج دفتر صغير من حقيبة يدها وقلم لتقول وهي تكتب:
"أيوة هكتبلها على نوعين… الأول هتاخد منه حباية على الريق والنوع التاني هتاخد منه قرص بعد العشا."
نزعت تلك الورقة من دفترها ومدت بها يدها لمعتصم الذي أخذها منها وهو يتطلع إليها بملامح مبهمة مرتكزا بعينيه صوب عينيها، لا تفهم إعجاب هذا أم وعيد الذي يشع من نظراته، ولكنها أخفضت عيناها سريعاً لتقف وتقول بجدية:
"أنا كدا خلصت… ألف سلامة عليكي يا حاجة ولو حصل أي حاجة ابعتيلي وأنا تحت أمرك."
ابتسمت السيدة بامتنان لتفتح لها ذراعيها وتقول:
"تعالي في حضني يا بتي والله حبيتك كيف مابحب عيشة بتي… ابجي طلي عليا بطلتك الزينة دي."
استجابت ريم لدعوة السيدة أم معتصم، فهي أيضاً قد أحبتها وارتاحت لها كثيراً وأدركت الآن سر تحول معتصم معها… فحنانها الزائد هو ما يدعوه للتعامل معها بذلك اللين وتلك الرقة.
نهض معتصم ليقول بجدية:
"اتفضلو امعاي أوصلكو لتحت."
هتفت ريم بأدب:
"مفيش داعي يا معتصم بيه… إحنا هنعرف ننزل."
أصر عليها:
"لاه ميصحش يا دكتورة… اتفضلو من هانا."
سار خلفهما معتصم إلى أن وصلوا إلى باب الدوار ليأمر خفيره بعد ذلك بايصالهما إلى الوحدة الصحية.
عاد معتصم لغرفة أمه ليجد حمد جالساً ويبدو أنه شارد في أمر ما وما أثار حفيظة معتصم إمكانية شروده في ريم الأمر الذي أضرم نيران الغضب في صدره.
"مالك يا حمد؟!... حمد.."
انتبه حمد في الثانية ليقول بشرود:
"إيه يا معتصم؟!"
"إيه إنت؟!"
نظر معتصم لأمه فوجدها تجاهد النعاس، فانحنى يقبل جبينها:
"نامي وارتاحي يامايا وإني هبعت سمعان يجيبلك الدوا من الصيدلية."
"ماشي يا وليدي."
ساعدها في الاستلقاء على جانبها الأيمن ثم جذب ذراع أخيه يجره خلفه جراً وأغلق الغرفة وانصرف إلى غرفته وما زال يجر شقيقه خلفه.
"إيه يا معتصم بتجرني وراك زي البهيمة كدا ليه يا أخي؟"
ألقى به على طرف الفراش ليسأله بالهدوء الذي يسبق العاصفة:
"مالك بقى؟!.. من ساعة اللي اسمها ريم دي ما مشيت وإنت قاعد سهتان على نفسك ومش على بعضك."
ابتلع ريقه بصعوبة ثم أردف بتوتر:
"ماليش يا معتصم… إنت اللي بيتهيألك."
زمجر فيه بصياح وكأنه يذكره بأمر ما:
"فوق يا حمد… كلها أسبوعين تلاتة بالكتير وهتبقى مسؤول عن زوجة… والمفروض إنك متفكرش في واحدة غيرها… كيانك كله لصافية مهما كان فيها من عيوب."
نهض حمد ليقف قبالته هاتفا به بانفعال:
"أنا مش صغير عشان تفكرني بالكلام دا يا معتصم… ولا أنا مراهق عشان خيالك يصورلك إني ممكن أبص لواحدة زي ريم وأنا على ذمتي واحدة تانية."
أخذ يهزه من كتفيه وهو يصيح بعصبية:
"أومال مالك وإنت سرحان من ساعة ما شفتها… تفسرلي دا بإيه إنطق."
نفض ذراعي شقيقه عنه ليقول بحسرة:
"كنت بتخيل صافية زيها يا أخي… نفسي تكون زيها مش أكتر من كدا… إنما هي كشخص.. استحالة أفكر في واحدة مش من حقي."
سكت معتصم وكأنه سكب عليه دلواً من الثلج، ليسترسل حمد باستنكار:
"أنا اللي مستغربك يا أخي… ورد فعلك كان مبالغ فيه أوي يا معتصم.. فسرلي إنت بقى اتحمقت أوي كدا ليه."
صاح بانفعال مشوشاً على موقفه الغير مبرر:
"أنا كل الحكاية إني كنت بنبهك مش أكتر.. وبعدين أنا مش مضطر أفسرلك أي حاجة… سلام."
تركه معتصم وانصرف مغادراً الغرفة مخلفاً غيامة من الغضب والغموض في آنٍ واحد.
غادر وهو ينهره نفسه على تسرعه في الحكم على أخيه، فهو يدرك جيداً مدى رجاحة عقل حمد وحسن امتلاكه لزمام الأمور. ولكن أكثر ما أغظه تلك النيران التي استعرت بصدره حين خُيل إليه أنها أعجبت شقيقه. ترى أي شرارة تلك التي أشعلتها؟!
رواية مهمة زواج الفصل الثاني عشر 12 - بقلم دعاء فؤاد
ترجلت السيدة تيسير من السيارة الأجرة في نفس لحظة ترجل أدهم من سيارته، فابتسم لهذه الصدفة وأقبل عليها ليلتقط كفيها يقبلهما:
ــ حمد الله على سلامتك يا ماما وحشتيني أوي.
احتضنته بشدة لتقول:
ــ وأنت كمان يا حبيبي… يلا نطلع بسرعة أصل ندى وحشاني أوي.
ــ يلا يا حبيبتي.
أخذها ودلفا إلى الداخل واستقلا المصعد.
قبل ذلك الحين بقليل…
انتهت ندى لتوها من التنظيف وها هي قد أخذت حمامًا باردًا، وارتدت بادي بحمالات رفيعة أظهرت كتفيها ومقدمة صدرها، وشورت قصير من الجينز. ثم أظلمت الغرفة بعدما أغلقت بابها من الداخل لتأخذ قسطًا من الراحة لحين وصول السيدة تيسير.
وبمجرد أن تمددت على فراشها، قامت منتفضة كالملسوعة لتقول بذعر:
ــ يانهار أبيض… أنا نسيت هدومي في أوضة أدهم.
ثم هبت من الفراش سريعًا وفتحت الغرفة لتركض باتجاه غرفة أدهم بسرعة كبيرة قبل أن تراها وفاء بهذه الملابس الفاضحة، معتقدة في داخلها أن تيسير أو أدهم لن يصلا حينها.
فتحت الغرفة، ومن فرط سرعتها في الركض، انزلقت قدماها لتصطدم رأسها بحافة خزانة الملابس المصنوعة من الخشب الثقيل. وقد كانت الصدمة مؤلمة لدرجة أنها صرخت بعلو صوتها حين كان أدهم يفتح باب الشقة بمفتاحه الخاص. حينها التقطت تيسير صراخ ندى لتسبقه إلى الداخل وهي تهتف بهلع:
ــ ده صوت ندى جاي من أوضتك.
ثم خلعت حذائها سريعًا وركضت نحو غرفة ابنها لتجدها مفتوحة وندى مسجية على الأرض ممسكة برأسها ولا تستطيع النهوض.
ــ حبيبتي يا ندى… إيه اللي حصل؟
كانت ندى تجاهد ألا تفقد وعيها، فقد ثقل رأسها للغاية وداهمها الدوار، بينما تيسير انحنت لتراها، فلمحت تلك الدماء التي تسيل من جبهتها، فصاحت بهلع:
ــ أدهم تعالى بسرعة.
في تلك اللحظة، دلف أدهم ليصعق حين رآها بتلك الملابس العارية، فعاد إلى الخلف خطوة يواريها عن ناظريه، فحتماً إن كانت بوعيها ستثور وتغضب لرؤيته لها بذلك الوضع، ولكن أمه صاحت به بحدة:
ــ ادخل بسرعة يابني شوف مراتك… دماغها متعورة.
اضطر لأن يستجيب لها ليدخل وهو يحاول أن يغض الطرف عما يظهر من جسدها أمامه. فانحنى ليتفقد جبهتها، وقد كانت بالكاد تفتح عينيها وكأنها تريد أن تركض من أمامه، ولكن جسدها يأبى وكأنها مخدرة.
ــ جبينها مفتوح بس مش عارف الجرح كبير ولا صغير من الدم اللي نازل.
ــ طيب قومها تنام على السرير على ما أروح بسرعة أجيب علبة الإسعافات.
أومأ وهو يسند كتفيها لتذهب تيسير سريعًا خارج الغرفة، بينما أدهم يهزها برفق لعلها تستطيع النهوض:
ــ ندى.. قومي معايا.. ساعديني عشان أقدر أسندك وأقومك من ع الأرض…
ولكنها من فرط خجلها استجابت لتلك الغيمة التي داهمتها لعلها تنقذها من ذلك الموقف الذي أخذها لدرجة فاقت احتمالها.
ــ ندى.. ندى..
زفر بعنف حين أدرك أنها فقدت وعيها، فقام بلف ذراعه حول كتفها والآخر أسفل ركبتيها ليحملها بسهولة وكأنها لا تزن شيئًا، وقد استقرت رأسها على صدره وسالت دماء جبهتها على بدلته البيضاء، ولكن لم يهتم، فأكثر ما يهمه الآن أن تكون بخير.
بينما هي داعبت رائحة عطره التي تعشقها أنفها لتئن بخفوت مستمتعة بذلك الحلم الذي راودها بمجرد أن فقدت وعيها بين ذراعيه.
وضعها برفق على الفراش، ثم أخذ يتأمل أنوثتها الطاغية وكأنه مسحور، أين كانت تواري كل هذا الجمال، ولكن عاد ليغمض عينيه ويستغفر ربه بخفوت، فحتماً لو كانت واعية لما مرت بها له هكذا.
ابتسم باستهزاء من حاله، ثم نهض بسرعة ليحضر شرشف خفيف من الخزانة ثم دثرها جيدًا بحيث لا يظهر منها سوى رأسها حتى ما أن استيقظت لا تشعر بالخذي أو الخجل.
حين أتت أمه بعلبة الإسعافات الأولية، التقطها منها ليبدأ في تجفيف الدم ثم تبين له أنه جرح صغير لا يحتاج لغرز، فقام بتطهيره ووضع لاصق طبي عليه.
ــ هي أغمى عليها ولا إيه يا أدهم؟
أومأ وهو يقوم بوضع اللاصق ثم قال:
ــ أيوه يا ماما… شكلها مرهق أوي.. أنا بقول نسيبها تنام وترتاح بلاش نفوقها.
في تلك اللحظة، دلفت وفاء حاملة كوبًا من العصير الطازج كانت قد أمرتها تيسير بإعداده لندى، وقد سمعت عبارة أدهم الأخيرة لتقول وهي تدخل:
ــ آه والله يا أدهم بيه… ندى هانم تعبت النهاردة في تنضيف أوضة النوم ومأكلتش أي حاجة عشان تلحق تخلص قبل ما ترجعوا.
انكمشت ملامحه بغضب ليصيح بها:
ــ وندى هانم تنضف ليه؟!.. وأنتي كان لازمتك إيه؟
تجعدت ملامحها ببكاء ثم قالت:
ــ والله يا بيه هي اللي صممت تنضفهم وقولتلها عنك يا ست ندى هكمل أنا مرضييتش أبداً وقالتلي نضفي انتي الصالون و….
صاح أدهم بحدة:
ــ خلاااص… واللي حصل النهاردة ميتكررش تاني.. حطي العصير هنا واتفضلي أنتي.
وضعت العصير على أقرب طاولة ثم فرت من أمامه على عجل، بينما تيسير قد داهمها الشعور بالذنب، فهي من أخبرت ندى بأن تنظف غرفة نومها… ولكنها لم تطلب منها تنظيف غرف النوم الأربعة بالشقة.
حانت منها التفاتة ناحيتها لينمو بداخلها احترام أعظم من ذي قبل لتلك النائمة في سلام.
تنهدت تيسير بحزن ثم نهضت وهي تقول:
ــ طيب أنا هقوم يا حبيبي أغير هدومي وأنت كمان غير وارتاحلك شوية على ما العشا يجهز.
هز رأسه عدة مرات لتنهض تيسير خارجة من الغرفة ثم أغلقت الباب خلفها.
أعاد رأسه للخلف مستندًا إلى الوسادة من خلفه ثم ظل محدقًا في سقف الغرفة بشرود، يفكر في ندى… تلك الفتاة الرقيقة ذات القلب الصافي النقي… التقية العفيفة.. كيف فضل عليها دارين صاحبة المظاهر والطبقية… هو يدرك جيدًا أن الحب لم يطرق له بابًا ولم يعلم له سبيلًا بعد… ولكنه لا يدري لما يشتاق لدارين حين تكون بعيدة عنه وما إن يراها تصبح مثلها كأي فتاة بالنسبة له…
حاول كثيرًا تفسير تلك الظاهرة ولكن لم يجد لها تفسيرًا.
تنهد بحيرة ثم أدار رأسه ناحيتها ينظر إليها بتتمعن.. ذاك الملاك النائم ذات الشعر الأسود القصير وغرة كبيرة غطت حاجبيها، رموش كثيفة وطويلة، بشرة خمرية ناعمة نعومة الأطفال، وحين أخفض ناظريه ناحية قوامها الأنثوي المغطى بالشرشف الخفيف عاد سريعًا ينظر أمامه وكأنها تشعر به… فهو لن يترك لنفسه العنان لتأمل ما حجبته عنه من جسدها مستغلًا نومتها وعدم وعيها.
نظر لتلك البقعة الحمراء على كتفه متنهدًا بعمق، ثم نهض أخيرًا من الفراش ثم التقط ملابس بيتية من الخزانة وأخذها إلى الحمام الصغير الملحق بغرفته.
بعد قليل خرج مرتدياً بنطال قطني وتيشيرت أبيض ثم قام بأداء صلاة المغرب وبعدما انتهى تمدد بحوارها بالفراش محافظًا على مسافة كبيرة بينهما.
التقط هاتفه ليتصل بآسر للمرة العاشرة ولكن مازال هاتفه مغلقًا الأمر الذي أثار قلقه البالغ، أخذ يدعو الله أن تكون الأمور على ما يرام ثم غفى سريعًا من فرط إرهاقه بالعمل.
دقت الثامنة مساءً وبدأت ندى تتململ بابتسامة مرتسمة على ثغرها، فلازالت تغوص داخل ذلك الحلم الذي جمعها بأدهم وهي بأحضانه تنعم بقربه وتتنفس عطره ويدنو منها يلقي عليها من كلمات العشق والهيام، ثم بدأت تفتح عينيها ببطء مستغربة تلك الحوائط رمادية اللون، حاولت أن تتذكر آخر ما حدث ولكن مازالت الذاكرة مشوشة.
لفت نظرها ذلك الغطاء الذي يغطي جسدها لتواتيها الأحداث وتتوالى على رأسها، خاصة حين قبض أدهم على كتفيها وهي شبه عارية.
شهقت شهقة عميقة حين نظرت إلى نفسها ثم إلى أدهم الراقد بجوارها رغم تلك المسافة الجيدة بينهما، فاستيقظ من غفوته على شهقتها العالية ليقول بصوت متحشرج:
ــ مالك يا ندى.. بقيتي كويسة؟
سحبت الغطاء على نفسها حتى رقبتها ثم قالت وعيناها متسعتين ومغشيتين بالدموع:
ــ كويسة؟!.. كويسة إيه وزفت إيه؟… أنا إيه اللي جابني هنا؟!.. وإزاي تنيميني على سريرك؟!.. وإزاي تـ..
قاطعها بحدة مزمجرًا:
ــ والله الأسئلة دي تسأليها لنفسك… إنتي إيه اللي جابك أوضتي وأنتي بالمنظر ده؟
سكتت تناظره والدموع تسيل من عينيها، فأشفق عليها ليقول بحنو:
ــ إنتي بتعيطي ليه دلوقتي؟
ردت بصوت متحشرج من أثر البكاء وهي مازالت متمسكة بالغطاء:
ــ لو سمحت قوم هاتلي الإسدال بتاعي من أوضتي…
زفر بعنف ثم نهض من الفراش بتثاقل، فاسترسلت كلامها:
ــ لما تخرج من الأوضة أنا هدخل الحمام أستناك لحد ما تجيبه.
أومأ دون أن يتحدث ثم خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه، ولكن لسوء حظه قابل أمه في طريقه للغرفة.
ــ مساء الخير يا حبيبي… ندى عاملة إيه دلوقتي.
ابتلع ريقه ليقول:
ــ كويسة يا ماما.
ــ هي صاحية؟
ــ احم.. أيوه صاحية.
ــ طيب أنا هدخل أشوفها.
حاول أن يستوقفها بأي حجة ولكنها كانت قد فرت من أمامه قبل أن يقول أي شيء، ولكن أكمل طريقه لغرفتها ليأتي لها بالإسدال.
طرق الباب عدة طرقات ثم فتحت الباب ودخلت مباشرة لتجد الفراش خالي.
ــ ندى… ندى…
أتى صوتها من المرحاض:
ــ أيوه يا ماما.
ــ إنتي كويسة يا حبيبتي؟
ــ آه كويسة.
ــ طيب أجيلك أسندك.
ــ لا لا أنا هخرج أهو… أومال فين أدهم؟
ابتسمت السيدة ظنًا منها أنها قد اشتاقت إليه وأن الأمور بينهما على خير ما يرام ثم قالت:
ــ كنت شايفاه رايح ناحية أوضة المكتب… تقريبًا عنده شغل مستعجل هيخلصه.
زفرت باحباط وانتظرت قليلاً لعل تيسير تغادر الغرفة ولكن يبدو أنها لن تفعل، فاضطرت للخروج لعلها تطمئن عليها ثم تخرج قبل أن يأتي أدهم.
خرجت ندى من المرحاض بذات الملابس لتقابلها تيسير بابتسامة واسعة حين رأتها بحالة جيدة، فاحتضنتها بحب ثم أخذتها من يدها وأجلستها بطرف الفراش وجلست بجوارها وهي تربت على كتفها بحنو ثم سألتها بترقب ظنًا منها أن أدهم ماكث بغرفة مكتبه:
ــ ألف سلامة عليكي يا حبيبتي.. إيه اللي حصل؟
ــ معرفش أنا اتزحلقت إزاي ورأسي اتخبطت في حافة الدولاب واتعورت.
مسحت على شعرها وهي تناظره بإعجاب واضح ثم قالت:
ــ الحمد لله جات سليمة.. بس تعرفي تسريحة شعرك جميلة أوي ولايقة أوي على وشك.. وأحسن حاجة بقى إن القصة الحلوة دي مغطية على الجرح اللي في جبينك.
أطرقت ندى رأسها بخجل لينسدل شعرها القصير مع غرتها الغزيرة لتغطي وجهها تمامًا. في تلك اللحظة، دلف أدهم وفي يده الإسدال ليتفاجأ بجلوس ندى بذات الملابس الشبه عارية مولية ظهرها له وأمه في مواجهته.
ــ ادخل يا أدهم.
التفتت ندى ناحية الباب لتجده واقفًا على الباب فانتفض جسدها لتنهض وكانت على وشك الركض من أمامه ولكنه كان أسرع منها حين وصل إليها قبل أن تتحرك ليترك الإسدال يسقط من يده ثم لف ذراعه حول خصرها وضمه إلى جسده، فتجمد جسدها بصدمة ليسرع أدهم قائلًا قبل أن يصدر منها أي حركة تفسد ما ينتويه:
ــ إيه يا ماما هنصوم النهاردة ولا إيه؟
ضحكت تيسير وهي تنهض واقفة:
ــ حالا يا حبيبي هخلي وفاء تجهز العشا… هسيبكم تجهزوا.
ثم مرت من أمامهما وأدهم متشبثًا بها للغاية، فقد كانت تقاومه بالخفاء وبمجرد أن سمعا انغلاق الباب، نزعت ذراعه عن خصرها بحدة لتصيح بغضب دون أن تنظر له:
ــ أنت قليل الأدب.
ثم فرت من أمامه ناحية المرحاض ولكن لحق بها ليجذبها من ساعدها ثم أسند جسدها إلى خزانة الملابس واحتجزها بين ذراعيه كل هذا تحت ذهولها من حركته السريعة وكأنها دمية يحركها كما يشاء:
ــ اهدي بقى… إنتي مراتي.. فاهمة؟
صاحت بغضب وهي تبكي:
ــ لا… أنت اللي مش عايز تفهم.. مش كل شوية هقولك مينفعش.
ــ وأنا غيرت رأيي.
تجلت ملامح الصدمة على ملامحها الباكية لبرهة ثم سألته بعدم استيعاب:
ــ قصدك إيه؟
أجابها بتلقائية وبدون تردد:
ــ قصدي مفيش شروط في جوازنا… إنتي مراتي لحد ما ربنا يأمر بحاجة تانية.
ضيقت عينيها بشك:
ــ بس ده مكانش اتفاقنا امبارح.
رد بجدية تامة:
ــ انسي أي اتفاق قلناه امبارح أو قبل كدا.
ــ وإيه اللي غير رأيك؟
سكتت لحظة ثم قالت وكأنها قد استوعبت شيئًا ما لتوها:
ــ آه عشان ماما تيسير رجعت وأنت مقدرتش تكمل على اتفاقنا عشان خايف من رد فعلها… مش كدا؟
هز رأسه بنفي:
ــ لأ مش كدا.
قطبت جبينها باستغراب ليسترسل بجدية:
ــ أنا غيرت رأيي لأني اقتنعت إني مش هلاقي زوجة أحسن منك تشيل اسمي وأبني معاها حياة.
سكتت تحاول استيعاب كلماته وهي تنظر لصدق عينيه، فابتلعت ريقها بصعوبة من فرط توترها أثر تلك المفاجأة ثم سألته بتوجس:
ــ أحسن مني من حيث إيه يعني؟
مط شفتيه ليقول بنبرة جادة ومازال محتجزها بين ذراعيه المرتكزين على الخزانة:
ــ يعني.. بنوتة حلوة… مؤدبة.. متدينة.. خلوقة.. دكتورة… هعوز إيه تاني أكتر من كدا؟!.. أظفر بذات الدين تربت يداك.
تهدل كتفاها باحباط تسأله باستنكار:
ــ بس كدا؟
هز كتفيه لأعلى ليقول بتعجب:
ــ إنتي أكيد فيكي حاجات حلوة كتير.. بس ده اللي حاضرني دلوقتي.
أطبقت جفنيها لوهلة بألم ثم فتحتهما لتنظر إليه بملامح خاوية، تلك النظرة أثارت قلقه ليسألها بتوجس:
ــ إيه يا ندى؟… مش عايزاني؟
تنهدت بحزن حاولت إخفاءه ثم قالت بنبرة جاهدت أن تبدو طبيعية:
ــ لا إزاي تقول كدا… أنت كمان فيك صفات حلوة أي بنت مكاني تتمناها..
ــ زي؟
إحساس المرارة يكاد يقتلها والبكاء يكاد يغلب على نبرتها، ولكنها جاهدت لتبقي على نبرتها عادية وأجابته دون أن تنظر إليه تعدد مميزاته:
ــ ظابط وسيم… هيبة… هيئة جميلة.. شخصية قوية.. إنسان جد أوي مالكش في اللف والدوران.
حانت منه شبه ابتسامة ليفك حصارها أخيرًا ثم قال بجدية وهو يمسد على قصة شعرها التي أعجبته كثيرًا:
ــ تمام كدا نبقى متفقين… الشعر الجميل ده ميتغطاش قدامي تاني.. وعايزك تاخدي راحتك في اللبس.. متكتفيش نفسك بالإسدال طول اليوم… زي ما إنتي شايفة محدش في البيت غيري أنا وإنتي وماما.
أومأت بصمت وهي تكاد تفقد وعيها من لمسته التي خدرتها، لا تدري أمن المفترض أن تفرح لكسر ذلك الحاجز المنيع الذي أقامه بينهما من أول ليلة لهما… أم تبكي لعدم شعوره ناحيتها بشطر ما تكنه له من عشق… أي عشق هذا… لا لا… بل إنها متيمة به وهو لا يدري.
تمنت لو كانت أسبابه متعلقة بوقوعه في حبها، ولكن خذلها وحطم آمالها بسرد أسباب لا تكفيها البتة.. ولكن يكفي قلبها ذلك القرب الذي تمنته كثيرًا في أحلامها.
ــ غيري هدومك دي يلا عشان نتعشى سوا.
ــ طيب هات الإسدال… أنا مش هخرج من الأوضة كدا.
أخذ يحك ذقنه بحيرة:
ــ وبعدين!!.. إنتي لو خرجتي غيرتي في أوضتك ماما هتاخد بالها.
ــ هو ده كل اللي يهمك يعني؟
ــ أنا بس مش عايز نفتح في حوارات ملهاش لازمة بعد ما خلاص اتفقنا نكون مع بعض دايما.
هزت ساقها بعصبية وهي تهتف بانفعال:
ــ وأنا مش هقعد باللبس ده.
ــ طيب خلاص أنا هخرج أقعد مع ماما لحد ما تخلصي وتعاليلنا أوضة السفرة.
أومأت وهي تهز رأسها ثم تركها وخرج من الغرفة، وبمجرد أن سمعت صوت انغلاق الباب هوت بجسدها على الفراش وهي ممسكة بموضع قلبها الذي ينبض بعنف… لقد وعدها للتو ببقائه معها لآخر العمر.. لا تصدق… سيصاب قلبها بالانهيار من فرط المشاعر المتضاربة التي توالت عليها… فرح.. بكاء… إثارة…
لا تدري ماذا يتعين عليها أن تفعل الآن.
رواية مهمة زواج الفصل الثالث عشر 13 - بقلم دعاء فؤاد
في محافظة سوهاج..
كان معتصم قد أرسل سابقا خفيره سمعان إلى ريم بالوحدة الصحية يطلب منها رقم هاتفها، حتى إذا ما مرضت أمه أو حدث جديد بحالتها الصحية اتصل بها لعلها ترشده إلى ما عليه فعله، وقد رحبت لذلك ولم تمانع حبًا لتلك السيدة، فقامت بتدوينه على ورقة وكتبت أعلى الرقم "د/ريم الكيلاني".
وقد قام معتصم بتسجيله بهاتفه ثم أرسل لها رسالة عبر الواتساب يخبرها برقمه لكي تحفظه لديها، وقد فعلت.
وفي المساء كانت الفتاتان جالستان بالسكن الخاص بهما الملحق بمبنى الوحدة الصحية بالطابق العلوي لها، وهو عبارة عن غرفة نوم بها تختان وخزانة ملابس وطاولة الزينة، وصالة بها طاولة طعام مستديرة وأريكتان، ومطبخ صغير بالكاد يتسع للموقد وحوض غسل الأطباق، وأيضًا مرحاض صغير.
"لا لا أنا مش معاكي خالص يا مارتينا. أنا شايفة أن حمد أحسن من معتصم، تحسيه ذوق كده وبيفهم، مش زي أخوه الإتم ده."
قالتها ريم وهي تحتسي الشاي مع صديقتها، لترد مارتينا بسخرية:
"إنتي طلعتي غبية ومبتفهميش."
أشاحت بيدها وهي تقول بنزق:
"يابنتي إنتي بصة للجسم والهيئة، أي نعم حمد مش بودي بيلدينج زي معتصم، بس مازلت عند رأيي إن حمد چان أكتر. وبعدين يا ستي بقى بلا معتصم بلا حمد، سيبك إنتي وخليني أتمزج بكوباية الشاي بالنعناع دي."
ضحكت مارتينا بقهقهة على كلمات صديقتها ثم صبت جل تركيزها في كوبها أيضًا.
بينما في ذلك الحين تمامًا كان الليل قد أسدل ستائره وحركة الأقدام قد قلت بل تكاد تكون اختفت من المنطقة المحيطة بمبنى الوحدة الذي تحفه الأراضي الزراعية من جهتين، والثالثة محفوف بالمنازل والطريق من أمامه، فتلك عادة أهل البلدة إغلاق منازلهم والخلود إلى النوم مبكرًا للغاية.
كان هناك بالأسفل رجلان ملثمان كان لتوهما قد تسلقا السور العالي للوحدة قافزين إلى الداخل. تقدم أحدهما إلى تلك النافذة المطلة على الحديقة بالطابق الأرضي والتي كان من السهل الوصول إليها، وقد قام بخفة بفصل الحاجز الحديدي باستخدام آلة معه، ثم بسهولة كسر درفتي النافذة ودلف إلى داخل المبنى، تلاه زميله.
تسللا بخفة إلى الطابق العلوي حيث سكن الأطباء المغتربين.
أحدث أحدهما جلبة خارج السكن لكي تنتبه إحداهما وتقوم بفتح الباب، ومن ثم يقتحمان السكن.
وبالفعل شعرت مارتينا بصوت غريب بالخارج، فتركت الكوب من يدها لتتجه ناحية باب السكن، بينما ظلت ريم منشغلة بتفقد هاتفها وتصفح الفيسبوك ولم تنتبه لذلك الصوت الغريب.
سمعت ريم صوت صرخة مكتومة، فأصابها الفزع وركضت باتجاه الباب لتلمح جلباب أحد الملثمين، فاتسعت عينيها بذعر والتقطت حجابها سريعًا تضعه على رأسها، ثم خرجت بهدوء تختبئ بالمطبخ ومازالت ممسكة بهاتفها.
لمحت جسد مارتينا مسجى على الأرض بجوار باب السكن المفتوح ويبدو أنها فاقدة للوعي، فازداد ذعرها أكثر ورفعت هاتفها أمام عينيها المذعورتين، وأول من أتى بخاطرها هو "معتصم".
بيدين مرتعشتين قامت بالاتصال به، وقد علت دقات قلبها بطريقة جنونية من فرط الخوف، وبعد ثوانٍ أتاها صوته المتعجب لتقول بنبرة مهزوزة مرتعبة:
"مـ معتصم."
وقبل أن يجيبها كان قد رآها أحد الرجلين ليسقط الهاتف من يدها وهي تصرخ بملء فمها، بينما على الجهة الأخرى انتفض معتصم من فراشه حين أتاه صراخها وانقطع الاتصال بعدها.
أعاد الاتصال بها عدة مرات ولكن الهاتف مغلق. ازدادت دقات قلبه من فرط القلق، وفي غضون ثوانٍ كان قد ارتدى جلبابه واتجه سريعًا نحو غرفة شقيقه وقام بإيقاظه:
"حمد.. حمد.. قوم معايا بسرعة.. في مصيبة حصلت لريم."
رد بصوت ناعس:
"ريم مين؟!"
"اصحى وركز معايا كده.. الدكتورة ريم اللي كانت عندنا النهاردة."
هب حمد من الفراش واقفًا وهو يهتف بقلق:
"إيه اللي حصل؟!"
جذبه من ذراعه وسار به إلى خزانة ملابسه وهو يصيح بقلق بالغ:
"إنت لسه هتسأل يا حمد.. البس واخلص.. أنا هنزل اصحي الغفر على ما تلبس وهات سلاحك معاك.. بسرعة."
أومأ حمد وشرع في تبديل ملابسه، وفي غضون دقائق قليلة كان معتصم يسير مهرولًا إلى الوحدة بجواره حمد، وخلفه ثلاثة من الغفر بينهم سمعان وبحوذتهم أسلحتهم الخاصة بخلاف العصا الغليظة "الشوم".
لم يكذب حدس معتصم، فبعدما فتح سمعان البوابة الحديدية بالمفتاح الاحتياطي الذي بحوذته ودلفوا إلى الداخل تبين له النافذة المكسورة والتي عبروا خلالها. وهو يركض بعدما أصابته حالة من الهيستريا، فقد هوى قلبه بين قدميه حين تخيل أن مكروهًا قد أصاب ريم.
صاح بغضب مزمجرًا كالأسد الجريح وعند مقدمة الدرج:
"سمعان.. خد الرجالة وجيبلي الأرض عاليها وواطيها لحد ما تلاقي الكلاب اللي عملوا كده.. ورب العزة إن عاودت من غيرهم لأكون معلق رجبتك على باب البلد.. هم بسرعة."
ثم أخذ الدرج في خطوتين وركض خلفه حمد يلحق به.
تفاجأ بجسد مارتينا المسجى على الأرض بجوار الباب ليصيح بحمد:
"حمد بسرعة شيل مارتينا دخلها جوه وحاول تفوقها."
أومأ حمد وانحنى لمستواها ليبدأ ما أمره به معتصم. بينما معتصم ركض إلى غرفة النوم فلم يجدها، فخرج سريعًا ليأتيه صوت شهقاتها العالية من المطبخ، فركض نحوها بسرعة يتفقدها، فوجدها منكمشة على نفسها على أرضية المطبخ مرتدية بيجامة النوم والحجاب بالكاد يغطي نصف شعرها و.. تتنفس بصعوبة وكأنها تصارع للبقاء على قيد الحياة، وعينيها بالكاد تفتحها وكانت بعالم آخر كأنها لا تشعر به، فقد أصابتها نوبة هلع.
قبض معتصم على كتفيها برفق يهزها وهو بالكاد يسيطر على انفلات أعصابه، ثم ناداها بهدوء عكس ما يختلج بكيانه كله:
"ريم.. اهدي.. اهدي يا ريم.. اتنفسي براحة.. خدي نفسك براحة."
ولكنها لم تستجب له، بل علت وتيرة تنفسها أكثر والدموع أغرقت وجنتيها، فلم يجد بدا من احتضانها، فهو يدرك جيدًا أنها قد أصيبت بنوبة هلع ولن يجدي معها نفعًا سوى تلك الطريقة.
جذبها إلى حضنه ليشعر بتلك النبضات العنيفة التي تضرب صدرها بضراوة حتى أن صداها تردد بصدره، فأخذ يمسد على رأسها تارة ويربت على ظهرها تارة أخرى وهو يردد بعض الكلمات المهدئة بجوار أذنها بنبرة حنونة للغاية:
"ريم خلاص إنتي في أمان.. اهدي.. اتنفسي براحة يا ريم.. خلاص مشيوا.. اهدي.. خدي نفسك براحة خالص."
بدأت تستجيب له بعدما تسلل إليها ذلك الشعور بالأمان علاوة على الدفء النابع من إحاطته لها، وبدأت شهقاتها تقل رويدًا رويدًا ونبضات قلبها بدأت في الانتظام بالتزامن مع انتظام وتيرة تنفسها، حتى انغلق جفنيها واستسلم جسدها للنوم بعدما أنهكته تلك الحالة المرعبة، فشعر بثقل رأسها على صدره ليتنهد بقليل من الارتياح، ولكنه أبقاها بحضنه برهة بعدما غزى قلبه نحوها ذلك الشعور الغريب بالتملك وكأنها تخصه.. وكأنها ملكًا له.
تجاهل تلك المشاعر التي تملكته، فهذا ليس وقتًا مناسبًا لاستكشاف المشاعر، ومن ثم قام بحملها برفق شديد حتى أدخلها غرفة النوم ووضعها على الفراش ودثرها جيدًا، ثم ألقى عليها نظرة أخيرة وخرج مغادرًا الغرفة.
خرج ليجد حمد قد وضع مارتينا على الأريكة الكائنة بالصالة ويحاول إفاقتها، حتى بدأت تتململ وتفتح جفنيها بصعوبة إلى أن استعادت وعيها كاملًا لتنهض من نومتها وهي تبكي بشدة، ثم أخذت تدير ناظريها بين حمد ومعتصم الذين جلسا على الأريكة المقابلة ينظرون نحوها على استحياء لتهتف باستغراب بنبرتها الباكية:
"معتصم بيه؟!.. إنت جيت هنا امتى؟!.. وعرفتا منين؟!"
أقبل عليها وهو يغض نظره عنها ثم قال بجدية:
"مش مهم عرفت إزاي.. المهم احكيلي اللي حصل بالظبط."
بدأت شهقاتها تعلو ثم ما لبثت أن تذكرت صديقتها لتصيح بهلع:
"ريم… ريم فين؟!.. عملوا فيها إيه؟!"
"متخافيش يا مارتينا ريم بخير."
كان ذلك رد حمد لها، فهتف معتصم بنفاذ صبر:
"ريم نايمة جوه.. قوليلنا بقى إيه اللي حصل؟!"
حاولت السيطرة على أعصابها التالفة ثم بدأت في سرد ما حدث أمامها:
"أنا وريم كنا سهرانين وبنشرب شاي.. وفجأة سمعت صوت برا باب السكن فافتكرتها قطة قولت أشوفها يمكن تكون عطشانة.. بس ريم مكنتش واخدة بالها.. خرجت وبمجرد ما فتحت الباب لقيت قدامي اتنين متلثمين مش باين منهم غير عيونهم.. واحد منهم خبطني على دماغي ومحستش بحاجة بعدها."
انخرطت في البكاء مرة أخرى ثم ما لبثت أن صرخت عاليًا حين نظرت ليديها:
"يا نهار أسود… دهبي.. سرقوا دهبي."
تحسست رقبتها لتتفقد سلسالها الذهبي ولكن أيضًا لم تجده فازداد نواحها أكثر، بينما معتصم أخذ يطمئنها وهو يغلي من الغضب:
"اهدي يا مارتينا.. هرجعلك كل اللي سرقوه متقلقيش."
"أنا عايزك تقومي دلوقتي تلمي كل هدومك ومتعلقاتك وريم كمان صحيها وقوليلها تلم حاجتها كلها عشان هاخدكو معايا الدوار."
نظر لحمد ليقول بنبرة آمرة:
"وإنت يا حمد قوم أوصل الدوار هتلاقي مفاتيح عربيتي في درج الكومود بتاعي خودهم وهات العربية وارجعلي على هنا."
أومأ حمد ثم نهض متجهًا إلى حيث أمره أخوه.
بينما معتصم ترك مارتينا لتقوم بما أملاه عليها وهبط إلى الطابق الأرضي للوحدة ليتفقد المكان ربما يجد ما يدل على هوية هؤلاء اللصوص، استل هاتفه من جيب جلبابه ليجري اتصال برجاله:
"ها يا سمعان وصلت لإيه؟!"
"قطرناهم يا كبير بس بيهربوا منا وسط الأراضي.. بس والله ماهنسيبهم لو هيجرونا وراهم البلد كلها."
"اضرب عليهم نار إن لزم الأمر يا سمعان."
"أوامرك يا كبير."
أغلق الهاتف ثم أخذ يدور في غرف الوحدة ويتفقدها بحرص، وبعد عدة دقائق هبطت إليه مارتينا تناديه ويبدو عليها الانزعاج الشديد:
"معتصم بيه… ريم منهارة ومصممة ترجع القاهرة دلوقتي."
لم ينطق بحرف بل صعد إليها مرة أخرى على عجل ثم طرق الغرفة المفتوحة بابها ليأتيه صوت شهقاتها العالية، فتقدمت مارتينا من الخارج:
"اتفضل ادخل يا معتصم بيه.. ريم لابسة حجابها."
دلف إليها ليجدها تجلس على حافة الفراش مرتدية ملابسها المعتادة من قميص نسائي طويل أسود اللون وبنطال جينز ضيق وحذاء رياضي أسود وحجابها أيضًا من اللون الأسود، وبكائها عبارة عن شهقات فقط ووجهها محمر من شدة الانفعال.
"دكتورة ريم اتفضلي معايا فـ.."
قاطعته بصراخ:
"أنا مش رايحة في مكان… أنا هرجع بيتي في القاهرة… ودلوقتي."
كانت تتحدث وعينيها زائغة في مكان آخر ويبدو أنها على حافة الانهيار العصبي، فاقترب منها واقفًا يحدثها برفق:
"هتروحي القاهرة إزاي دلوقتي؟! إنتي عارفة الساعة كام؟!"
ردت بذات الانفعال:
"همشي يعني همشي.. مش قاعدة دقيقة واحدة في البلد دي… أنا عايزة أروح بيتي."
أخذت تردد العبارة الأخيرة وهي تشهق بأنفاسها التي بدأت تضيق وتزداد، فخشي أن تأتيها نوبة الهلع من جديد، وأدرك أنها ليست في وعيها الكامل.
"ريم اهدي بقى عشان نعرف نتفاهم."
ولكن كان ازدياد شهقاتها هو ردها عليه، لينظر إلى مارتينا وهو يقول بنبرة ذات مغزى:
"لو سمحتي يا مارتينا هاتيلها كوباية مية يمكن تهدى شوية."
أدركت مارتينا أنه يريد الانفراد بها لعله يقنعها بالعودة معه إلى الدوار، فأومأت له وخرجت من الغرفة.
تقدم منها حتى نزل على ركبتيه على الأرض ليكون رأسه في مستوى رأسها ودون أن يلمسها أخذ يتحدث إليها بهمس حانٍ:
"ريم اهدي بقى… اتنفسي براحة."
نظرت له بعينين محمرتين من فرط البكاء ثم قالت بعدوانية:
"مش ههدى غير لما أرجع بيتي."
أشاح برأسه للجهة الأخرى متنفساً بعمق ثم نظر لها مرة أخرى ليقول بذات النبرة الحانية:
"طيب بطلي عياط وأنا هعملك اللي إنتي عايزاه."
أيضًا لم تهدأ شهقاتها ولو مقدار شهقة واحدة، بل شفتيها ترتجفان بالتزامن مع ارتجاف يديها واهتزاز جسدها بالكامل من فرط الانفعال، فنظر لعينيها بعمق ثم قال وهو يتلاعب بها بمكر:
"الظاهر كده عاجبك حضني."
اتسعت عينيها بصدمة وتوقفت حركة جسدها تمامًا، فابتسم بانتصار، واسترسل بمزيد من المكر وبهَمْس مثير للغاية:
"ماهو أصل حضني هو اللي بيهديكي."
بدأت تواتيها ذكرى الأحداث الماضية حين قام باحتضانها حتى هدأت أثناء نوبة الهلع، لتحمر وجنتيها خجلًا وتهب واقفة من الفراش مولية ظهرها له، ليقف هو الآخر ليقول بجدية:
"أخيرًا هديتي!… ريم خلينا نتكلم بالعقل شوية."
استدارت له لتتحدث بحدة وهي تنظر أرضًا:
"أنا حقيقي مش هقدر أكمل هنا تاني… أنا هعمل محضر وهقدم على طلب نقل للقاهرة."
حين أدرك أنها تذكرت ما حدث وعادت لوعيها، عاد أيضًا لغلظته التي عاهدته عليها فرد بنبرة قاطعة وبحدة بالغة:
"مفيش محاضر هتتعمل.. حقك أنا هعرف أجيبهولك وكل اللي اتسرق منيكم هيرجع.. ماهو مبقاش كبير البلد دي لما شوية كلاب يغفلوا ضيوفي ويسرقوهم.. كأنهم مفكريني طرطور وسطيهم."
ابتلعت ريقها بصعوبة من رهبتها، وهتفت به بنبرة مهتزة:
"إنت بتزعقلي كده ليه؟!"
"وإن ما نزلتيش امعايا دلوق هتشوفي اللي مش هتحبي تشوفيه واصل يا ست الدكتورة."
ردت بخوف نوعًا ما:
"إنت شوية كنت كيوت… إنت بتقلبي مرة واحدة كده ليه؟!"
كتم ضحكته بصعوبة بالغة محافظًا على وجهه الصارم ونبرته الغليظة متجاهلًا رأيها به:
"همي يلا لمي هدوماتك… حمد مستنينا تحت."
لكنها حاولت أن تتحلى بالشجاعة لتقول بنبرة قاطعة:
"أنا مش هتحرك من هنا وأروح أبَات في بيت واحد غريب عني بدون علم أهلي."
رغم شعوره بالإعجاب والاحترام الشديد لتقريرها بذلك، إلا أنه تأفف بنفاذ صبر:
"معناته إيه كلامك؟!"
انكمشت ملامحها وكأنها ستعود من جديد للبُكاء حين تذكرت حاميها وسندها في الحياة، فهي الآن في أشد الاحتياج إليه وكلماته المطمئنة وحضنه الآمن الذي تلجأ إليه حين تضيق بها الضوائق… لتقول بنبرة طفولية أوشكت على البكاء:
"أنا عايزة أدهم… أنا عايزة أكلمه… أنا هقوله ييجي ياخدني من هنا."
ثم أخذت تدور حول نفسها وكأنها تبحث عن شيء ما، فاستنفرت عروق رقبته بغضب بالغ حين ذكرت ذلك المجهول بالنسبة له، ولكنها حاول أن يتحلى بالهدوء ليسألها بجدية:
"إنتي بتدوري على إيه؟"
"بدور على تليفوني عشان أكلم أدهم."
جذبها من ذراعها وهي منحنية تبحث عن الهاتف لتعُتدل أمامه ليصيح بها بعدم وعي منه:
"أدهم مين اللي عايزة تكلميه ده؟! يبقالك إيه؟!"
نزعت ذراعها منه بغضب جامح لتصرخ بانفعال:
"متلمسنيش تاني… إنت فاهم؟!"
أخذ نفسًا عميقًا يحاول به تهدئة نفسه، ثم زفره على مهل ليقول بهدوء نوعًا ما:
"يا بت الناس اعجلي كده وخلونا نخفى من اهنيه وبعدين كلمي اللي تكلميه."
ثم ما لبث أن تذكر شيئًا ما وهي مازالت تبحث:
"وبعدين الحرامي سرق كل حاجة مخلاشي حاجة واصل.. حتى دهب زميلتك سرقها.. يعني لا حيلتك فلوسات ولا تليفونات ولا أي حاجة واصل."
اتسعت عيني ريم بصدمة لتقول بملامح مشدوهة:
"يعني إيه؟!.. يعني مش هعرف أكلم أدهم؟!"
رد وهو يكظم غيظه بصعوبة:
"لو حافظة رقمه خودي تلفوني كلميه."
"لا مش حافظاه… مسيفاه على الموبايل… مش حافظة أي أرقام خالص."
"طيب خلاص كده مفيش قدامك غير إنك تيجي امعايا.. و متخافيش.. هتباتي في المضيفة اللي جار الدوار يعني بعيد عن اللي بايتين في الدار.. وفي غفر بيحرسوا المضيفة لما بيكون عندنا فيها ضيوف.. يعني إنتي امعايا في أمان ومحدش يقدر يدوسلك على طرف طول ما إنتي في حماية الكبير."
تهدل كتفاها بإحباط لتهز رأسها بإيماءة بسيطة كناية عن قلة حيلتها وموافقتها على عرضه، فما لبث أن زفر بقوة ثم قال:
"أخيرًا راسك اللي كيف الحجر الصوان دي لانت.. دا إنتي طلعتي واعرة قوي."
رمقته بنظرة متحدية:
"والله لولا الظروف اللي زي الزفت دي والدنيا اللي متقفلة في وشي دي ما كنت وافقت أبداً على كلامك."
حانت منه شبه ابتسامة ليقول بنبرة متهكمة:
"معلش.. ما يوجع إلا الشاطر… بس… احم… ألا مين أدهم اللي عايزة تكلميه؟!"
"أدهم أخويا الكبير… مبعرفش أعمل أي حاجة بدون علمه."
قطب جبينه باستنكار:
"باه.. باينه واعر جوي وبتخافيه."
هزت رأسها بنفي:
"لا لا مش زي ما إنت فاكر… بالعكس دا من حبي واحترامي ليه… أدهم ده مفيش أحن منه."
أومأ عدة مرات وهو يقول:
"ربنا يباركلك فيه… بينا يلا ننزلوا لحمد."
يتبع...
رواية مهمة زواج الفصل الرابع عشر 14 - بقلم دعاء فؤاد
بينما كانت ندى تجالس السيدة تيسير يتمازحان ويضحكان على مواقف من الطفولة حين كانت ندى طفلة صغيرة تعيش بينهم قبل اغتيال والدتها وانتقالها مع أبيها إلى الولايات المتحدة، تفاجأا بأدهم يخرج من غرفته ركضاً مرتدياً بنطال جينز أسود وقميص أسود ينتعل حذائه، فركضت إليه ندى تسأله بقلق:
ـــ أدهم إنت بتجري كده ليه؟!.. إيه اللي حصل ورايح فين؟!
أجابها باستعجال وهو يعقد رباط حذائه:
ـــ لسة مكلم آسر دلوقتي بعد ما جاتلي رسالة إنه تليفونه متاح.. وقالي إن خطيبته عملت حادثة وفي المستشفى بين الحياة والموت.
شهقت السيدة تيسير حين استمعت لذلك وأخذت تردد:
ـــ لا حول ولا قوة إلا بالله… حبيبي يا آسر… ربنا ينجيهاله يا بني.. خلي بالك من نفسك يا أدهم وإنت سايق عشان خاطري.. وابقى طمني يا بني.
أومأ عدة مرات ثم فتح باب الشقة سريعاً وهبط الدرج ركضاً ثم استقل سيارته متجهاً إلى مشفى الدكتور رؤف…
بعد حوالي نصف ساعة وصل أدهم إلى طابق العناية المركزة ليلفت انتباهه تلك المشاجرة القائمة بين آسر وحماه في ركن ما بالطابق..
ـــ يا عمي قولتلك سيب ميريهان هنا وأنا هفضل جنبها مش هسيبها…
صاح بها آسر بانفعال بالغ وهو يلوح بيده ويبدو أن الشجار قائم منذ فترة وقد احتدم بينهما للغاية، فمن ثم رد محمد بانفعال أشد:
ـــ دول بناتي أنا.. وإنت مالكش الحق تقرر عني.. أنا هاخد بناتي الاتنين وهسافر شئت أو أبيت.. ورأيك ميهمنيش ومش مستني أخد الإذن منك.
استنفرت عروق آسر بغضب جامح ليصيح بصوت حاد:
ـــ أنا مش هسيبها.. إنت عارف إن بينها وبين الموت شعرة… ليه تبهدلها في السفر.. سيبها تموت هنا قدام عيني.
أخذ محمد يلوح بيده موجهاً حديثه لوالد آسر:
ـــ ما تلم ابنك يا سعيد… أنا حر في بناتي أنا الوحيد اللي هنا صاحب القرار… هو مالهوش أي صفة.. خطيبته خلاص ماتت… خده بقى وامشوا من هنا..
التمس سعيد العذر لمحمد ولم يعاتبه أو ينجرح من كلماته اللاذعة، فجرحه غائر ويبدو من مظهره الغاضب أنه يموت في اللحظة ألف مرة، فأي شخص في مكانه لما تحمل ما يتحمله الآن…
بينما كان أدهم يتابع المشاجرة بذهول… فهل حقاً ميريهان ماتت؟!
نفض رأسه سريعاً ثم تدخل ليجذب آسر من ذراعه بعيداً عن حماه فلا الوقت ولا المكان مناسبان لتلك المهزلة..
ـــ آسر ميصحش تزعق قصاد حماك بالطريقة دي…
أوشك آسر على البكاء ليقول بمرارة:
ـــ ميريهان خلاص مخها مات وكلها ساعات والقلب يقف والسر الإلهي يطلع… ياخدها يعالجها برا ليه يا أدهم والعقل بيقول إن حالتها مالهاش علاج.
ربت أدهم على كتفه بمواساة وهو بالكاد يسيطر على حزنه الذي أثاره صديقه بداخله ليقول بجدية وهدوء في ذات الوقت:
ـــ الله يكون في عونه يا آسر… محدش حاسس باللي هو فيه… سيبه يعمل اللي يريضيه طالما كده هيكون مرتاح.. مش كفاية الابتلاء اللي هو فيه؟!
رد عليه بنبرة قاطعة:
ـــ مش هقدر أسيبها… سفرها ألمانيا مالوش أي لازمة.. ليه عايز يبعدها عني الشوية اللي فاضلة في عمرها!!
أقبل عليهما سعيد والد آسر ليقول موضحاً:
ـــ اللي إنت متعرفهوش يا أدهم إن مودة هي كمان حالتها خطيرة ومحتاجة تدخل جراحي في أقرب وقت ومحمد هيسفرها ألمانيا وهياخد ميري نفس المستشفى… أب وعايز بناته معاه أيا كانت حالتهم إيه.. مالناش أي حق إننا نعترض على قراره.
هز أدهم رأسه عدة مرات ثم تطلع لآسر بعتاب:
ـــ لا يا آسر مالكش حق في وقفتك واعتراضك.. الراجل في البلاء الشديد ده وإنت عمال تقاوح معاه؟!… يا أخي سيبه يعمل اللي في مصلحة بناته.. ده بدل ما تقوله اللي تشوفه يا عمي أنا معاك فيه؟!
أطرق رأسه بحزن وضيق وهو يكاد يختنق من فرط الضغط سواء من أدهم أو من أبيه ليقول بأسى:
ـــ محدش حاسس بيا… ميري واخدة روحي معاها.. مش هقدر أسيبها… مش قادر.
جذبه أدهم إلى حضنه ليربت على ظهره يواسيه، فأطلق آسر لعينيه العنان ليفرغ ما بقلبه من حزن.. أسى… انكسار.. علاوة على ذلك الخواء الذي خلفته تلك المسكينة في قلبه ليهتز جسده من شدة البكاء.
ـــ اصبر يا آسر… أومال أبوها يعمل إيه… هو ده عمرها.. محدش بياخد ساعة زيادة عن عمره اللي ربنا كاتبهوله… إن شاء الله يا حبيبي تقابلها في الجنة.
بدأ يهدأ رويداً رويداً إثر كلمات أدهم التي نزلت على قلبه كالماء البارد، فاستخرج منديلاً من جيبه أعطاه له فأخذه آسر منه وأخذ يجفف عينيه وهو يردد بصوت متحشرج من أثر البكاء:
ـــ إنا لله وإنا إليه راجعون…
ـــ ادخل ودعها وبص عليها للمرة الأخيرة قبل ما الإسعاف ياخدها.
أومأ بخضوع ثم ابتعد عن صديقه ليسير بلا روح إلى العناية المركزة يستأذن الطبيب ليودعها الوداع الأخير في حين كان محمد ينهي إجراءات سفره بابنتيه.
صدح أذان الفجر في سماء القاهرة حين أقلعت الطائرة المجهزة بوحدة عناية مركزة متحركة تقل مودة وميريهان ووالدهما والدكتور رؤف ومعهما فريق طبي لاحتمالية حدوث أي أمر غير مرغوب فيه أثناء نقل المريضتين.
وبمجرد أن أقلعت الطائرة نزل آسر على ركبتيه على أرضية المطار وبكى وكأن روحه تصعد في السماء… لا يصدق أن هذا نهاية طريقه مع من استحوذت على قلبه وملكته بلا منازع.
نزل أدهم إلى مستواه ليحيط كتفيه بذراعه وتركه يفرغ ما بنابضه… فقد امتلئ القلب حتى فاض بالحزن.
بينما ندى لم تنم ليلتها قلقاً على أدهم، فقد أدت صلاة الفجر وقرأت وردها وها هي الشمس قد أوشكت على الشروق ول م يعد بعد.
خرجت لتجلس في صالة الاستقبال المقابلة للباب حتى تراه حين يعود لعل قلبها يطمئن.
غفت على الأريكة دون أن تشعر وقد كانت لازالت بملابس الصلاة، وفي تلك الأثناء عاد أدهم وعلامات الإرهاق متجلية على ملامحه ليقابل ندى وهي غافية على الأريكة.
ـــ ندى.. ندى.
فتحت عينيها بصعوبة لتقول بصوت ناعس:
ـــ أخيراً رجعت يا أدهم؟!
ـــ إنتي إيه اللي منيمك هنا؟!
اعتدلت لتأخذ وضع الجلوس ثم أجابته بصوت متحشرج من أثر النوم:
ـــ قلقت عليك لما اتأخرت… فصليت الفجر وقعدت أستناك هنا.
حانت منه ابتسامة باهتة ثم انحنى ليجذبها من يدها لتقف قبالته ثم قال:
ـــ طيب ادخلي نامي بقى… أنا قدامك أهو كويس.
هزت رأسها ثم سحبت يدها من يده ومن ثم سارت باتجاه غرفتها، وحين تبين له ذلك سار خلفها ليستوقفها بقبضة يده على يدها وهو يقول:
ـــ إنتي رايحة فين؟!
أجابته ببراءة:
ـــ رايحة أنام في قوضتي..
أدارها لتقف في مواجهته ثم رفع يديه لمستوى رأسها ليقوم بفك حجابها وهو يقول:
ـــ احنا مش اتفقنا إننا هننام في قوضة واحدة؟!.. وشعرك ده ميتغطاش قدامي؟!
أطرقت رأسها بخجل:
ـــ إنت مقولتش إننا هننام في قوضة واحدة.
صدرت منه ضحكة بسيطة ثم قال بمكر:
ـــ أومال احنا هنتجوز إزاي؟!.. هنتجوز عن بعد مثلاً؟!
احمرت وجنتاها خجلاً وهي تنظر له بجحوظ ثم تهربت بعينيها من النظر بعينيه، فازدادت ضحكاته أكثر من ذي قبل، ثم رأف بحالة التوتر التي أصابتها بالتزامن مع خجلها الزائد وأخذها من يدها وسارا سوياً باتجاه غرفته وقد سارت معه بلا اعتراض.
ـــ أنا هدخل الحمام أخد شاور وأتوضأ عشان أصلي وإنتي خدي راحتك.. اعتبري نفسك لوحدك في القوضة.
أومأت بصمت وبمجرد أن اختفى عن ناظريها، خلعت إسدالها لتظهر تلك البيجامة البيضاء من الستان التي أظهرت ذراعيها، ثم تمددت على أقصى طرف الفراش وتدثرت جيداً بالغطاء الخفيف بعدما ضبطت درجة حرارة المكيف على البارد، ودون أن تشعر هوت في سبات عميق… فأحداث اليوم لم تكن بالقليلة ما جعلها تهرب من تلك البداية الجديدة بالنوم.
بعد عدة دقائق خرج أدهم من المرحاض مرتدياً ملابس النوم، فتفاجأ بها نائمة بأقصى الفراش وكأنها على حافة السقوط ليضحك بسخرية وهو يهز رأسه بيأس، ثم قام بفرد سجادة الصلاة ليؤدي صلاته وبعدما انتهى تمدد بجوارها، ثم أخذ يتأملها قليلاً وصديقه آسر وفقدانه لحبيبته ما زال يحتل تفكيره، واتته مشاعر غريبة لم يختبرها من قبل حين تخيل أنه يمكن أن يفقدها، شعر بأن قلبه يكاد ينخلع من موضعه إن حدث معه ذلك… فأغمض عينيه يستعيذ بالله من تلك الوساوس.. ودعا ربه بألا يذيقه مرارة الفقد… فمذاقها أمر من الحنظل.
مسح على شعرها الذي لم يعشق منها سواه حتى الآن، ثم انحنى ليزيح تلك الغرة الكثيفة التي غطت جبينها حتى حاجبيها ليظهر له ذلك الجرح الصغير ثم لثم جبينها ببطء، وأخذ يتمتم بهمس وهو ما زال يمسح على شعرها:
ـــ ربنا يخليكي ليا يا ندى..
ترك شعرها ثم عاد لينام بالطرف الآخر تاركاً بينهما مسافة مناسبة احتراماً لرغبتها… أو يمكننا القول رأفة بخجلها… فهو يدرك جيداً مدى حيائها وأنها لم تعتاده بعد.
انقضى يوماً حافلاً بالأحداث المصيرية ليأتي يوماً جديداً ينتظر أبطالنا ربما تنقلب به الموازين…
في محافظة سوهاج….
استيقظ معتصم بعد ليلة قضاها في نوم متقطع لا يشبع ولا يسمن من جوع، فقد سيطرت ريم على تفكيره واحتلت كيانه بالكامل… رغماً عنه كان يتذكر أحداث تلك الليلة حين كانت بين ذراعيه وحين نزل على ركبتيه أمامها.. شخصيته الصارمة التي تحولت إلى شخص آخر لا يعرفه.. لا يدري متى ظهر ذلك الجانب الحنون منه.. ولما ظهر لها هي بالذات!.. لم تكن الأولى بحياته… فقد مرّ به الكثيرات ومنهن أشد منها جمالاً… فحتى زوجته رغم جمالها الفتاك وقوامها المثير لم تحرك فيه ما حركته تلك القطة المتمردة… ماذا فعلت به ومن أين ألقاها عليه القدر…
ـــ كنتي مستخبيالي فين يا ريم…. أنا كنت عايش ومزاجي حلو ولا كان في دماغي حب ولا شوق … جيتي قلبتيلي كياني كله…. يا ريتني ما شوفتك ولا عرفتك.
وكانت تلك آخر فكرة واتته ثم بعدها غفى حتى أشرقت الشمس وتسلل نورها عبر ستائر غرفته لتداعب جفنيه اللذين استجابا سريعاً لها واستيقظ وكأنه لم ينم قط.
بعد حوالي نصف ساعة كان معتصم يجلس بجوار أمه بأريكتها المفضلة يقص عليها ما حدث ليلاً أثناء نومها وبالطبع أخبرها بوجود ريم ومارتينا بالمضيفة..
ـــ أباااه يا ولدي… كيف جلبهم طاوعهم يسرقوا ضيوف الكبير… كانهم مفكرين راح ينفدوا بعملتهم الواعرة..
ربت معتصم على فخذها وهو يقول:
ـــ باينهم أغراب يا مايا… ماهو محدش من البلد يتجرأ يعمل العملة دي… بس أني هعرف كيف أتوبهم.
قاطع مجلسهم الخفير سمعان مقبلاً عليهما وهو يلهث وبيده حقيبة سوداء ثم قال بنبرة مفتخرة:
ـــ ربطتهم في مزرعة المواشي مع البهايم كيف ما أمرت يا كبير.
حانت من معتصم ابتسامة واثقة ثم هتف بقوة:
ـــ وفين اللي سرقوه؟!
ركض سمعان إليه واضعاً تلك الحقيبة على الطاولة الرخامية أمام كبيره:
ـــ دياتي يا كبير… الدهبات والفلوسات وحتى التلفونات… كله رشّعته يا كبير.
أومأ معتصم بفخر:
ـــ عفارم عليك يا سمعان… إنت أكده صوح دراعي اليمين… عدي ع المزرعة إنت والرجالة اللي كانو معاك وكل واحد فيكم يختارلو نعجة على كيفه.. وخد الفلوسات دي فرّجوها على بعضيكم..
قالها وهو يستخرج رزمة من المال من جيب جلبابه، فأخذها سمعان وهو يقبل يد معتصم، فسحبها سريعاً وهو يقول:
ـــ استغفر الله.. دي حقك إنت والرجالة اللي تعبت.. يلا روح ومت نساش تسيب حد عينه على الكلبين دول.. وفيش أكل ولا شرب لحد ما أفكر هعمل إيه بيهم.
أومأ سمعان وهو يكاد يطير من الفرح بتلك الغنيمة التي حصل عليها، بينما السيدة أم معتصم أخذت تتطلع إلى ولدها بفخر وإعجاب ثم ما لبثت أن قالت بتأثر:
ـــ كاني شايفة الحاج حمدان البدري الله يرحمه هو اللي جاعد جدامي دلوقتي… مخابش ظن أبوك يوم ما جالي إنك خليفته من بعده في البلد دي.
ابتسم معتصم متأثراً بإطراء أمه ثم انحنى يقبل ظهر كفها وهو يقول:
ـــ ربنا يخليكي ليا يا مايا… أني دايماً أجولك هذا الشبل من ذاك الأسد..
و بعدين أني من غير وجودك جاري مسواش حاجة..
مسكت على شعره بحنو، ثم أخذت تدعو له بدعواتها التي تدمع العين من شدة إخلاصها وخشوعها، وهو يؤمن خلفها.
عمَّ عليهما صمتاً وجيزاً قطعه معتصم بقوله:
— بقولك يا أمايا… يعني لما الدكتورة ريم تصحى واجب تجي معاها وتعزميها هي وزميلتها على شبكة حمد وصافية الليلة طالما هيشرفونا في الدوار يامين دول.
ابتسمت السيدة بمغضبى، فهي قد لمست إعجابه بها رغم عدم إظهاره لذلك، ثم قالت بجدية:
— من غير ما تقول يا ولدي.. أني كنت ناوية على أكده.. زي ما قولت ده واجب.. وإحنا الواجب ميفوتناش واصل.
تنهد بارتياح، ثم استل هاتفه لكي يوقظ شقيقه… فاليوم حافل ولا بد من تجهيز الدوار استعداداً لتلك المناسبة الهامة.
بدأت ملامح والدته بالعبوس، وكأنها تذكرت شيئاً سيئاً، ليهتف بها معتصم بقلق بعدما استشعر حزنها المفاجئ:
— مالك يا مايا؟!.. أنتي شربتي دوا الضغط النهاردة؟!
أومأت وهي تقول بملامح واجمة:
— متخافيش يا ولدي… أني زينة.
— لا يا مايا… شكلك مش يطمنش واصل.
تطلعت إليه وقد غشّت الدموع عينيها، الأمر الذي جعل قلبه يكاد ينخلع من موضعه، ثم قالت بصوت متحشرج:
— كان بدي الخطوبة دي تكون خطوبتك أنت… أنت ولدي البكر وأول فرحتي.. كيف يعني الصغير يتجوز قبل الكبير.. أني مخبرش راسك اللي زي الحديد دي عطلينا ميتى يا معتصم.
أغمض عينيه يهدئ من ضربات قلبه التي تسارعت من فرط القلق، ثم أخذ نفساً عميقاً بعدما رسم بسمة مصطنعة على شفتيه، ثم قال بمزاح:
— يا ولية وجعتي جلبي في رجليا.. بس أكده؟!.. بقى هو ده اللي خلى الهم يغير ملامحك الزينة دي؟!
تطلعت إليه بحنق، فهو دائماً ما يقلل من أهمية ذلك الأمر، فضحك أثر تلك النظرة المغتاظة، ثم حاوط كتفيها بذراعه وهو يقول بنبرة مقنعة:
— ياما أنتي خابرة إني مفاضيشي للجواز ومسؤولياته… أني ملاحظش على المزارع والأراضي ومشاكلها أهناك، دا غير مشاكل أهل البلد والجعدات العرفية اللي كل يوم والتاني بنعملوها في المضيفة.. غير بقى شركتي ومصنعي اللي في بحري… مين اللي هيحمل دي كلها يا مايا…
همت لتقاطعه بينما هو سبقها ليقول:
— أني خابر إن دي مش حاجة.. بس على الأجل استني هبابة يكون حمد اتجوز وأهو بدأ يشيل عني كتير في الشغل أهناك… يعني خلاص هانت يا مايا.
جففت عينيها، ثم تحدثت بنبرة جاهدت أن تبدو صارمة:
— هستنى هبابة يا معتصم… بس مش راح استنى كتير… نفسي أشيل ولدك قبل ما أجيبل وش كريم..
احتضنها بحب وهو يردد:
— بعيد الشر عنيكي يا مايا.. والله قريب… قريب جوي يا تاج راسي.
وعدها، وحينها تمثلت أمام عينيه صورة ريم وكأنها أتت لتقول له أنا قدرك، فابتسم بحالمية شارداً بها ومازال يسند رأس أمه إلى صدره.
بعد قليل ترك أمه وذهب إلى المزرعة حيث اللصين اللذين احتجزهما هناك…
قام بجلدهما على ظهرهما العاريين بالسوط بقسوة حتى أخذا يعتذران منه بتوسل، ولكنه أبى أن يطلق سراحهما، ثم تركهما مربوطي الأيدي وعاد مرة أخرى إلى الدوار، ليجد ريم تجلس بمكانه بجوار أمه، ومارتينا تجلس بكرسي قريب منهما.
أقبل عليهم محاولاً الحفاظ على صرامته أمامها، فيبدو أنه قد فقد الكثير من هيبته أمامها بالأمس، الأمر الذي أثار ضيقه البالغ..
بمجرد أن اقترب منهم هبت ريم واقفة لتقول برقة قبل أن يتفوه بأي شيء:
— معتصم بيه أنا متشكرة أوي على ضيافتك لينا وإنك رجعتلنا الحاجات اللي اتسرقت مننا… بس بعد إذنك عايزة الموبايل بتاعي عشان أكلم أدهم عشان أعرفه إني راجعة القاهرة النهاردة.
قطب جبينه باستنكار ثم سألها بثبات:
— ومين قال إنك هتعودي القاهرة النهاردة؟!
بدأت أعصابها تثور، فيبدو أنه سيعاندها أو سيجبرها على أمر لا تريده، ثم صاحت بحدة طفيفة:
— أنا اللي قولت.. وافتكر قولتلك امبارح إني مش هقعد في البلد دي تاني..
رد عليها بنفس نبرة صوتها:
— وأنا ما قولتش إنك هترجعي القاهرة… أنا استدعيتك أهناك في الدوار لحد ما أرجعلك حقك.. وشغلك في الوحدة هتكمليه.
— مش من حقك تقرر إذا كنت أكمل شغلي ولا لأ.
— لا من حقي… أني كبير البلد دي.. ومفيش حاجة بتتم من غير موافقتي..
— أنا لا يمكن أدخل المكان دا تاني… بعد اللي حصل مستحيل.
— معناه إيه الكلام ده؟!.. مفيش مخلوق في البلد عرف باللي حصل… ومش هسمحلك تشوهي شكلي وسط ناسي… أنتي لو سيبتي الوحدة الكلام هيكتر في البلد.. عايزة تجرسيني وسطهم؟!.. عايزاهم يقولوا الكبير ما قدرش يحمي ضيوفه؟!
ربعت ذراعيها أمام صدرها لتقول بنبرة ذات مغضبى:
— آآآاه قول كدا بقى… أنت كل اللي هامك شكلك ومنظرك في البلد.. أنا عايزة إيه أو هكمل شغل إزاي في مكان مش حاسة فيه بالأمان دي مش مشكلتك… مش كدا؟!
سكت معتصم يريد أن ينفي ما تقوله.. يريد أن يقر لها بأنه يخشى فقدانها… أنه سيفتقدها بعدما امتلكت قلبه… أنه سيشتاق لها إن ابتعدت عنه…، ولكن نهوض أمه من مكانها أنقذه.. فقد قامت تربت على كتف ريم تهدئها وهي تقول:
— يا بتي إحنا اتعودنا عليكي وفراقك يعز علينا.. وبعدين لو على الأمان معتصم هيأمن الوحدة وهيجيب حديد على الشبابيك والأبواب وهيسيب لك هناك غفر يحرسوها كمان بالليل وبالنهار.
همت لتعترض لكن مارتينا لم تعطيها الفرصة، فقد أحبت وجودها معها في الوحدة لتقول باستعطاف:
— خلاص بقى يا ريم… أنا واثقة ومتأكدة إن اللي حصل دا مش هيتكرر تاني.. معتصم بيه قد الدنيا واستحالة يسمح بحاجة زي دي تتكرر… وبعدين أنتي عايزة تمشي وتسيبي أختك الغلبانة لوحدها؟!
عبست ملامحها بضيق لتقول:
— مارتينا أدهم لو عرف اللي حصل استحالة يوافق إني أكمل هنا… هو أصلاً من الأول ما كانش راضي أستلم شغلي في الصعيد وكان بمعارفه قادر ينقلني في أي مكان أختاره بس أنا اللي أصريت أخوض التجربة… ويا ريتني كنت سمعت كلامه من الأول.
ضربت أم معتصم على صدرها بخفة لتقول بعتاب:
— بأه يا دكتورة… وهو إحنا جسرنا وياكي يا بتي؟!.. دا إحنا الود ودنا نشيلك فوق راسنا.
عادت لتقول باعتذار:
— لا طبعاً يا حاجة أنتو مقصرتوش أبداً.. أنا بس خايفة أخويا ياخد مني موقف لو عرف.
تدخل معتصم ليقول بنبرة قاطعة:
— مالكيشي سؤال بخيك.. أني هكلمه أعتذرله عن اللي حصل وياكي ليلة امبارح ومتحمليشي هم حاجة واصل.
تنهدت ريم بقلة حيلة لتهز رأسها بإيماءة بسيطة كناية عن استسلامها لكلامهم، فاتسعت بسمة الحاجة أم معتصم، وكاد معتصم أن يبتسم فرحاً بذلك ولكنه جاهد نفسه لإخفائها، وتنهد بارتياح كبير وكأنه أنجز أحد أصعب مهماته… تلك العنيدة المتمردة يبدو أنها ستذيقه الويلات حتى يخضعها له.
رواية مهمة زواج الفصل الخامس عشر 15 - بقلم دعاء فؤاد
رغم نومه عند شروق الشمس إلا أنه استيقظ باكراً في موعده المعتاد للذهاب إلى مقر عمله بالعمليات الخاصة، فحتماً آسر لن يستطيع الحضور بعد تلك الليلة العسيرة التي مرت عليه أمس، وبذلك فهو لا يتسنى له التغيب عن العمل.
استطاع أن يعد ملابسه الميري بصعوبة ثم ارتداها وهو يتحرك في الغرفة بهدوء حتى لا تستيقظ ندى، فهي أيضاً قد قضت ليلتها مستيقظة في انتظاره.
انتهى من تلك المهمة الشاقة ثم وقف أمام المرآة يمشط شعره وينثر عطره النفاذ عليه بغزارة، ثم تمم على سلاحه ومن ثم تحرك بخطى بطيئة ناحية حافة الفراش التي تنام عليها، ثم برك على ركبتيه ليكون رأسه بمستوى رأسها وأخذ يمسد على شعرها وهو يتأملها بحالمية.
ثم انحنى ليزيح غرتها الغزيرة عن جبينها ولثمه ببطء، فداعبت رائحته الذكية أنفها لتبتسم وهي بين الحلم واليقظة وقامت بلف ذراعها حول رقبته، وهي مغمضة العينين دفنت رأسها بالقرب من عنقه الذي يفوح منه عطره الذي يُسكرها لتتنفسه باستمتاع، وكان أدهم مستسلماً لها تماماً لتفعل به ما يحلو لها.
بقيا على ذلك الوضع ثوانٍ قليلة ثم سرعان ما سكنت ندى تماماً وثقل ذراعها على رقبته، فادرك أنها كانت تحلم أثناء نومها.
لم يتحرك أدهم أيضاً وظل متسمراً هكذا يحاول السيطرة على ضربات قلبه المتسارعة أثر فعلتها المباغتة، فاغمض عينيه يلملم شتات نفسه ثم تنهد بعمق وقام بإبعاد ذراعها عن رقبته ليضعه بجوارها بهدوء ثم نهض وهو يخلل أصابعه بين خصلاته الطويلة كناية عن توتره.
لم يرد بخياله أنه سيقع أسيراً لها بتلك السرعة، لقد انقلب كيانه بالكامل منذ أعلنها لنفسه زوجة وكأن قلبه كان رهن إشارة منه ليقع بحبها. أحبها؟! هل حقاً هذا ما يسمونه الحب؟!
لا يدري ماهية هذه المشاعر وكيف يكون الحب، حقاً لا يدري.
انتعل حذاءه الميري ثم خرج من الغرفة وبداخله ثورة من المشاعر وهو لا يريد أن ينجرف نحوها.
***
داخل مبنى العمليات الخاصة.
دلف مكتبه لتقابله سحابة من الدخان ليتفاجأ بوجود آسر يجلس بالكرسي المقابل للمكتب بملامح بائسة ويدخن السجائر بشراهة.
«انت إيه اللي جابك يا آسر؟!»
وقف أمامه تماماً ثم استرسل كلامه بحدة:
«انت رجعت تاني للهباب ده؟!»
نظر له بخواء ثم عاد يستكمل تدخين السيجارة، فسحبها منه أدهم بحدة ثم ألقاها على الأرض ليطفئها بحذائه بينما آسر كان يتابعه بلامبالاة وكأنه مغيب أو بعالم آخر.
جلس أدهم في الكرسي المقابل له ثم قال بعتاب:
«بقى هو ده الدعاء اللي بتدعيهولها... فاكر إن السجاير هي اللي هتهون عليك فراقها؟!»
«مالك يا آسر فوق كدا وسيبك من شغل الصياعة ده.»
صاح بعبارته الأخيرة بحدة بالغة أجفل منها آسر ثم نهض بعصبية وهو يصيح بانفعال:
«أصلك متحرقتش من النار اللي حرقتني... أنا سايبهالك وماشي يا عم الحكيم.»
ثم غادر آسر تاركاً صديقه ينظر في أثره بذهول. هل قسى عليه إلى هذا الحد؟! هل حقاً لا يشعر بالنيران المستعرة بصدره؟!
تنهد أدهم بضيق ثم استغفر ربه ودعا لصديقه بالصبر، فحتماً مصابه جلل ويهذي بما لا يعي من فرط غرقه في دوامة الحزن.
بعدما قام بالإطلاع على بعض تقارير المأموريات الخاصة بعمله وبينما هو في خضم انشغاله أتاه اتصال هاتفي من شقيقته ريم، ورغم كل ما به من زحام ابتسم بسعادة من مجرد رؤية اسمها يزين شاشة هاتفه.
«ألو... حبيبي اللي واحشني ومش سائل فيا.»
ضحكت ريم بملء فمها وكانت آن ذاك تجلس إلى جوار مارتينا بالمضيفة ثم قالت بدلال:
«ومين اللي يسأل على التاني يا سعادة الباشا.»
«الناس اللي رايقة زيك تسأل على الناس اللي محتاسة زيي.»
ضحكت مرة أخرى ثم قالت بسخرية:
«آه رايقة أوي... ما أنت لو تعرف اللي حصلي امبارح مكنتش قلت كدا.»
سألها بقلق أثاره عبارتها:
«خير يا بنتي إيه اللي حصل.»
ابتلعت ريقها بصعوبة لتسرد له بنبرة متوترة ما حدث لها من سرقة باختصار شديد حتى لا تثير قلقه ثم أشادت له بموقف معتصم وما فعله باللصوص وإعادته لمتعلقاتهم المسروقة، وفي النهاية قالت بنبرة يشوبها الحماس:
«بس يا سيدي... بس بصراحة معتصم بيه راجل ذوق أوي واستضافنا في المضيفة بتاعته ومحافظ علينا ومصمم أكمل شغل في الوحدة كأن مفيش حاجة حصلت.»
سكت ملياً يفكر بموقف ذلك الرجل ثم أردف بجدية:
«أنا من الأول قايلك بلاش تبعدي عننا انتي اللي صممتي على رأيك... وادي النتيجة.»
ردت عليه باستعطاف:
«دي مجرد حادثة كانت ممكن تحصل في أي مكان يا دومي.»
«طيب و ناوية على إيه؟!»
«هكمل بقى وخلاص... معتصم بيه عين حراسة على الوحدة... يعني الدنيا بقت أمان... هو بس كان عايز يكلمك يطمنك يعني إن مفيش حاجة هتحصل تاني.»
هز أدهم رأسه بملامح متجهمة ثم أضمر في نفسه أمراً ثم قال:
«ماشي ابقي اديله رقمي.»
أجابته ببسمة واسعة:
«تمام يا حبيبي... هسيبك بقى تكمل شغلك عشان معطلكش.»
«تمام مع السلامة.»
أغلق الهاتف وهو يتأفف بضيق ثم جلس مستنداً بظهره إلى ظهر الكرسي ممسكاً بأحد أقلامه يطرق بها على سطح مكتبه وهو يفكر بشرود فيما قالته ريم ليحدث نفسه بخفوت:
«معتصم بيه! يا ترى حكايتك إيه وبتعمل كدا معاها ليه؟ مش مرتاحلك يا سي معتصم... بس هجيب قرارك.»
***
أغلقت ريم المكالمة ثم خرجت تبحث عن معتصم لتطلب منه محادثة أخيها يستأذنه لبقائها بالبلدة، فدلتها نعمة الخادمة على مكانه حيث استطبل الجياد في الجهة الخلفية للدوار.
في تلك الأثناء كان معتصم يقف بجوار مهرة صغيرة جذابة للغاية في مظهرها، فقد فضل أن يختلي بنفسه بعيداً عن ضجيج الاحتفال بالدوار وعن أعين الناس بملابسه البيتية التي يفضلها دائماً حيث كان يرتدي بنطال قطني أسود يأخذ شكل الساقين ويعلوه تيشيرت أسود أيضاً وينتعل حذاء رياضي من اللون الأسود، فكان مظهره جذاب للغاية. من يراه لا يصدق أن هذا هو معتصم بيه كبير البلدة.
وكان يتمم على إجراءات خطبة أخيه عبر الهاتف، أنهى لتوه مكالمة مع حمد يخبره فيها أنه قد اشترى الذهب وبصحته شقيقته عائشة أو عيشة كما يدعونها وزوجها هشام.
تنهد بتعب من كثرة المكالمات الهاتفية ثم أدار كامل انتباهه إلى تلك المهرة الرقيقة التي تذكره في رقتها بـ "ريم".
أخذ يمسد على شعرها الناعم وهو يحدثها وكأنها تفهمه:
«قوليلي أسميكي إيه؟ بجد محتار... الود ودي أسميكي على اسمها. ما أنتي أصلك جميلة زيها بالظبط... بس خايف أتفضح.»
قال تلك الكلمة ثم ضحك وكأن تلك المهرة تضحك معه.
في تلك الأثناء وجدته ريم لتراه من بعيد يقف أمام تلك المهرة الجميلة ولكن استرعى انتباهها تلك الملابس التي تراه بها لأول مرة لدرجة أنها قد ظنت أنه ليس هو. لولا أنها أنهت مكالمة لتوها مع شقيقها لظنته هو أدهم شقيقها.
أخذت تخطو نحوه بهدوء وكأنها تريد أن تستكشفه حتى سمعته يتحدث بلكنتها مثلها تماماً. بحق الله هل هذا معتصم؟!
«أقولك أنا تسميها إيه؟!»
التفت على ذلك الصوت الذي يعرفه تمام المعرفة ليتطلع إليه بذهول. تُرى منذ متى وهي واقفة هنا؟!
أومأ دون أن يتحدث، فقد أصبح في حيرة من أمره. أيحدثها بلكنته الصعيدية أم أنها سمعت لهجته القاهرية وانكشف الأمر.
اقتربت لتقف قبالته ثم أخذت تمسد على شعر المهرة وهي تقول بابتسامة جميلة:
«سميها ريمان... أنا بحب الاسم ده أوي.»
رمقها بشبه ابتسامة وأيضاً لم يتحدث، فسألته بترقب:
«إيه رأيك في الاسم ده؟»
سكت ملياً يفكر بأي طريقة سيتحدث معها ولكن قال أخيراً:
«جميل... عشان مشتق من اسمك.»
انفرج ثغرها بابتسامة واسعة لتقول بذهول:
«أنا كنت عارفة إنك بتتكلم زيي بس مكنتش متأكدة... كنت مفكرة إني كان بيتهيألي من حالة الصدمة اللي كنت فيها ساعة حادثة السرقة. بس دلوقتي اتأكدت وعلى فكرة بقى سمعتك وانت بتكلم المهرة من شوية.»
هز رأسه بإيجاب بـوَلَه. كل مرة يراها فيها يتأكد أنه قد وقع بحبها. أن حبه لها يتحول إلى عشق أو ربما هيام لا يدري. ولكن، هو حقاً لا يريدها أن تتوقف عن الحديث. يستمتع كثيراً بسماع صوتها. طريقتها في الكلام. نبرتها الحماسية وانفعالها أحياناً.
حين أومأ لها مؤكداً ظنونها سألته بحماستها المعتادة:
«طيب قولي بقى... إزاي بتتكلم بطريقتين؟ وليه مخبي عن الناس شكلك وكلامك ده؟»
رد وهو مازال يتأملها بابتسامة:
«دي حكاية طويلة أوي.»
«احكي... انت وراك حاجة؟!»
«لأ...»
«وأنا كمان موارييش حاجة.»
صدرت منه ضحكة بسيطة ثم بدأ الحديث عائداً بذاكرته للخلف:
«أبويا الله يرحمه كان عايز يعلمني أحسن تعليم... لأن ناس البلد والبلاد اللي حوالينا بيعملوا ألف حساب لأصحاب الشهادات والمناصب والنفوذ وهو كان عايزني أكون كبير البلد من بعده... عمتي كانت متجوزة راجل غني أوي في القاهرة بس مخلفتش منه... كانت عايشة معاه في فيلا طويلة عريضة لوحدهم... أبويا بعتني ليها لما تميت ٦ سنين عشان تقدملي عندهم في مدرسة خاصة وهي طبعاً رحبت جداً وكانت طايرة بيا من الفرحة. المهم علمتني اللهجة بتاعت الناس اللي هناك عشان محدش يتنمر عليا من زمايلي... ماهي مدرسة انترناشونال بقى وكل اللي داخلينها أولاد ذوات ورجال أعمال وسياسيين وناس تقيلة أوي. بصراحة تعبت معايا لحد ما نستني لهجة الصعيد. واللي أبويا عمله معايا عمله مع حمد... بس حمد بقى محاولش يغير كلامه... بس بيعاني طبعاً وهو بيتكلم قدام أمي عشان متزعلش.»
ضحكت ريم وهي تقول:
«آه أخدت بالي... اممم كمل.»
«وكملت بقى مع عمتي لحد ما دخلت الجامعة وكنت بنزل البلد في إجازة الصيف بس... أمي طبعاً كانت بتزعل مني لما بلاقيني بتكلم كدا بس لما كبرت بقيت أحاول مزعلهاش وأتكلم زي ما هي حابة... مع إن كنت خلاص شربت اللهجة والطبع والعادات بتاعت القاهرة وكان صعب عليا أوي أقلب من اللهجة دي للهجة دي لحد ما اتعودت بقى.»
كانت ريم تستمع بتركيز شديد وحين انتهى سألته بفضول:
«وأنت خريج إيه بقى؟!»
«اقتصاد وعلوم سياسية.»
رفعت حاجبيها بذهول متمتمة:
«واو... لا بجد شابوه لباباك.»
«وحمد خريج إدارة أعمال... وعيشة أختي بقى الحاج برضه مقصرش معاها بس محبش يغربها عند عمتي بحكم إنها بنت وأخدت الثانوية العامة منازل ودخلت ألسن جامعة عين شمس. دراستي في المدارس الانترناشونال عرفتني على أصدقاء كتير من الوسط الهاي كلاس واستغليت الموضوع ده في تأسيس شركة في المجمع التاني وبدأت الشركة تكبر شوية وبدأت أشارك ناس تقيلة ورجال أعمال كبار. وشوية شوية أسست مصنع في ٦ أكتوبر وأهو شوية قاعد هنا وشوية في شركتي والدنيا ماشية الحمد لله.»
هزت رأسها بإعجاب واضح من مسيرته الناجحة ثم استرسلت أسئلتها الفضولية:
«بس أنت بقيت كبير البلد إزاي وإمتى؟!»
أجابها وهو ينظر لتلك المهرة الجميلة يواري ناظريه عنها حتى لا ينكشف ولهه بها:
«أبويا كان دايماً بيقعدني معاه في القعدات العرفية والمقابلات اللي كان بيعملها مع كبار البلد والمأمور وضباط المركز وكان دايماً يشركني في المشاكل اللي بيناقشوها وياخد برأيي. لحد ما دخلت ثانوية بقى هو اللي يخليني أدير القعدات دي وأكون أنا صاحب الكلمة والرأي لحد ما دخلت الجامعة واتخرجت بقيت أنا أساس القعدات العرفية والاجتماعات لدرجة إن أبويا كان أوقات بيبعتلي أرجع من القاهرة مخصوص لو في مشكلة كبيرة عشان أنا اللي أحلمها. أهل البلد كلهم بقوا شايفيني أنا الكبير وبقوا بيتعاملوا معايا على هذا الأساس تمام زي أبويا ما كان بيخطط. وكان لازم عشان أفضل محافظ على المكانة دي أحافظ على عادات البلد وتقاليدها وألتزم بلبسي ولهجتي كصعيدي. عشان أفضل كبير في نظرهم دايماً.»
هزت ريم رأسها بتفهم عدة مرات ثم قالت باعجاب:
«لا بجد أبهرتني يا معتصم بيه.»
ضحك بملء فمه ثم قال:
«بيه إيه بقى؟! قولي معتصم بس.»
حانت منها ابتسامة خجلى ثم قالت برقة:
«أول مرة أشوفك بتضحك كدا... كنت فاكرة إنك ضد الضحك.»
أجابها بضحكة بسيطة:
«ما خلاص بقى الوجه الآخر للكبير انكشف وبان.»
ابتسمت ثم قالت بلا تفكير:
«بس أحلى بكتير من الوجه الأولاني.»
دق قلبه بعنف أثر تلك الإطراء وسكت يتأملها بحالمية حتى أخجلها من فرط تأمله لها، فهربت من مرمى ناظريه وهي تتحسس شعر المهرة وتسأله مغيرة مجرى الحديث:
«بس مش غريبة إنك تجوز أخوك الصغير قبل ما تتجوز أنت؟!»
أخذ نفساً عميقاً وهو يفكر. ماذا لو علمت أنه متزوج بالفعل! وماذا أيضاً لو عرفت ملابسات تلك الزيجة وتفاصيلها؟ حتماً ستشمئز منه ويسقط من نظرها ذلك الذي أبهرها منذ ثوان. إن كان قد ندم على زواجه بنرمين، فلم يكن ندمه أشد من تلك اللحظة التي تقف فيها أمامه الآن.
أخيراً تحدث وهو يتحاشى النظر في عينيها كناية عن كذبه:
«مكنش عندي وقت للجواز... مشاكل وأملاك هنا.. وشغل الشركة هناك.. غير إني مقابلتش اللي تخليني أفكر حرفياً في الجواز.»
رفعت حاجبيها باستنكار:
«أنت عايز تفهمني إنك متعرفتش على بنات في حياتك؟!»
«لأ طبعاً عرفت كتيير جداً بحكم دراستي في الجامعة وخروجاتي اللي كانت أغلبها في السخنة والساحل وشرم. دا غير مجال شغلي. يا بنتي دي البنات كانت بتتمنى بس نظرة مني.»
قال عبارته الأخيرة بغرور مع غمزة من عينه، الأمر الذي أغاظها كثيراً، فسألته بتهكم:
«اممم... ومفيش بقى واحدة منهم لفتت نظرك؟!»
ضيق عينيه بتفكير ثم قال بحالمية ودقات قلبه تتسارع معلنة عن هيامه بها:
«في... بس مش منهم.»
من نظرته الهائمة ونبرته الحنونة التي تحدث بها فهمت أنه ربما يقصدها. ذلك الشاب اللعوب يبدو من غروره ووجهه الآخر الذي أظهره لها أنه يتلاعب بها أو ربما يريد أن يتسلى معها ليثبت لها أنه محط أنظار الفتيات كما قال لها. ولكن على من؟ فهي ليست صيداً سهلاً كما يظن.
انفرج ثغرها بغتة لتصيح وكأنها تذكرت شيئاً ما:
«شوفت الكلام أخدنا ونسيت أنا كنت جيالك ليه أصلاً.»
ابتسم بغموض فقد فهم ما يدور بخلدها وتهربها المقصود من ذلك الحوار الذي بدأته. "حسناً فالأيام بيننا".
«خير؟!»
«كنت جاية أديك رقم أدهم عشان تكلمه... أنا كلمته وفهمته اللي حصل وقولتله إنك عايز تكلمه.»
أومأ ثم فتح هاتفه لتمليه الرقم ويقوم بحفظه على هاتفه، ثم استأذنت منه وغادرت من أمامه ليعود إلى مهرته الصغيرة بحالة جديدة غمرته بها تلك القطة المتمردة. ريم.
***
في أحد النوادي الراقية بالتجمع الخامس.
تجلس دارين مع صديقتها المقربة دنيا.
«اتفضلي يا قلبي... العمل المرادي مضمون مية في المية.»
التقطت دارين منها زجاجة بنية صغيرة تشبه زجاجة الدواء ثم دستها سريعاً في حقيبة يدها ثم قالت بنزق:
«شرب تاني يا دنيا؟ هو مفيش حاجة تانية غير الحاجات اللي بتتشرب دي؟»
لوحت يدها لتقول:
«معرفش بقى يا داري... هو أنا هتشرط على الشيخ ده في دي كمان... انتي متعرفيش أنا ببقى مرعوبة إزاي وأنا بكلمه.»
لوت شفتيها لجانب فمها لتقول بتافف:
«أوف... أنا مش عارفة إزاي متأثرش بالعمل الأولاني زي ما أنا عايزة... يا خسارة مالحقتش أفرح بنجاح الخطة.»
اقتربت منها برأسها لتقول بهمس:
«ماهو بيقول تأثير العمل كان ضعيف لأنه محافظ على صلاته وقريب من ربنا. إنما المرادي هو عمل حسابه وعمل سحر أقوى. بس طبعاً انتي عارفة إنه كله بحسابه.»
هزت رأسها وهي تقول بلامبالاة:
«ميهمنيش الفلوس. المهم يحصل اللي أنا عايزاه بالظبط.»
أومأت بتأكيد:
«هيحصل متقلقيش. بس أهم حاجة يشرب منه معلقة على كوباية عصير.»
أومات دارين بشرود ثم سألتها دنيا بترقب:
«بس قوليلي هتقابليه إزاي وتشربيه العمل بعد ما قطع علاقتك بيكي؟»
أجابتها وهي تنظر في نقطة ما في الفراغ:
«هتصرف... في فكرة كدا في دماغي هحاول أنفذها.»
يتبع.
رواية مهمة زواج الفصل السادس عشر 16 - بقلم دعاء فؤاد
حين انتصف النهار قامت دارين بالاتصال بأدهم لتستكمل بقية خطتها اللئيمة.
في بادئ الأمر استغرب من اتصالها بعدما قام بفسخ خطبته بها، ولكنّه لم ينكر على نفسه أنّه ما زال يحب رؤيتها والتحدث إليها.
«ألو… الحمد لله يا دارين.. انتي اللي عاملة ايه..»
«بخير يا أدهم.. بعد إذنك كنت عايزة خدمة صغيرة منك.»
«أنا تحت أمرك طبعاً..»
«مرسي يا أدهم ودا عشمي فيك طبعاً… بس ينفع لو مفيش عندك مانع نتقابل وأحكيلك على اللي عايزاه؟!»
سكت ملياً يفكر… لم لا؟! فلا ضير من رؤيتها.
«تمام يا داري مفيش مشكلة.»
ابتسمت حين ناداها بتلك الكنية المحببة إليها ثم قالت بسعادة غامرة:
«بجد يا أدهم مش عارفه أشكرك إزاي..»
«على إيه يا بنتي.. عادي.. انتي بالنسبالي حد مهم ومقدرش أرفضلك طلب.»
تنهدت بحالمية ثم سألته بهيام:
«بجد يا أدهم؟!»
أومأ مؤكداً:
«أيوة طبعاً بجد..»
«طاب حيث كدا بقى نتقابل في كافيه نايل وشوف الميعاد اللي يناسبك.»
«خلينا نتقابل ع الساعة ٨ بالليل كدا.»
«تمام في انتظارك.. باي»
«باي..»
أغلقت الهاتف وهي تفكر بتركيز شديد في تلك الخطة المحكمة التي أعدتها لتعيدها على نفسها عشرات المرات قبل ساعات قليلة من تنفيذها.
في مدينة برلين….
خرج لتوه بعد عملية عسيرة دامت لأكثر من عشر ساعات يزيح حبات العرق عن جبينه ليبشر ذلك الذي كاد قلبه أن يتوقف من فرط الخوف والقلق ليقول له بنبرة منهكة:
«محمد أنا مش عارف أعزيك ولا أهنيك…. الحمد لله مودة لحد اللحظة دي أمورها ماشية تمام وهتخرج من العمليات بعد شوية على جهاز تنفس صناعي لحد ما نطمن إن جسمها اتوافق مع القلب الجديد ومش هيرفضه… إنما ميريهان بقى….. البقاء لله.»
تهدل كتفاه من الحزن وكسى الوجوم ملامحه المهمومة، فتمتم بصبر وجلد:
«أنا لله وأنا إليه راجعون… الحمد لله على كل حال… ربنا يتمم عملية مودة على خير ويصبرني على فراق أختها…»
قال عبارته الأخيرة ثم انخرط في بكاء مرير اهتز له جسده بالكامل، فأخذ الدكتور رؤوف يربت على كتفه بمواساة وهو يقول:
«خليك جامد للآخر يا محمد…. وشوف كدا هتدفن ميري فين؟!»
أخذ يمسح عبراته بيده ثم قال بنبرة باكية:
«هاخد الجثة وأرجع أدمنها في مصر… عشان لما أرجع مع مودة بالسلامة نبقى نزورها في قبرها علطول..»
«تمام… احجز وشوف إجراءاتك… إكرام الميت دفنه..»
هز رأسه بإيجاب ثم أخذ يفكر في تلك الدوامة التي أخذته إلى القاع حتى أنه لا يدري كيف أنه واقفاً على قدميه إلى الآن… ولكنها تلك القوة التي أمدها الله بها لكي ينقذ ما يمكن إنقاذه.
لم يطق آسر البقاء في عمله… فليس لديه من التركيز ما يعينه على ممارسة مسؤولياته المعتادة، فاستأذن من مديره الذي التمس له العذر بعدما علم بما حدث مع خطيبته…
خرج من المبنى ليسير بسيارته في الشوارع بلا هدف… كل مكان يمر به يراها فيه…
فقد مرت معه في كل الأماكن… تركت له ذكرى هنا وأخرى هناك.. يا إلهي كيف سيعيش بدونها؟! لقد كان قاب قوسين أو أدنى من خطوة الزفاف.. ذلك العش الذي طالما انتظره طويلاً لكي يجمعهما… جائته تلك الريح العاصفة التي خسفت به الأرض وبقي هو يبكي على الأطلال…
بينما هو في خضم تيهه بين الشوارع والطرقات أتاه اتصال من حماه يخبره أن ميريهان قد فارقت الحياة وأنه سيعود بها في الطائرة التي ستصل مطار القاهرة صباح الغد، وأغلق الهاتف سريعاً قبل أن يسمع من آسر ما لا يرضيه من لوم أو عتاب… فهو يجهل الأمر برمته ولا يعلم شيئاً عن ضرورة سفر ميريهان مع شقيقتها…
بمجرد أن انقطع الاتصال أصبح جسد آسر كالهلام… وكأنه جسد خاوٍ بلا روح.. نعم يدرك النهاية جيداً ولكن دائماً حدوث الحقيقة وتحولها إلى أمر واقع وقعها صعب على العقل تحمله أو استيعابه.
ركن سيارته على جانب الطريق حتى يتمالك أعصابه التي انفلتت منه للغاية، وأخذ يلتقط أنفاسه المتلاحقة…. ثم رغماً عنه خرج صبره عن السيطرة وصاح بعلو صوته بآهة ألم مزقت كيانه ثم هدأ بعدها قليلاً حتى ثقل رأسه وأسندها على عجلة القيادة.
عاد من عمله في السابعة مساءً وكانت حينئذٍ ندى خارجة لتوها من المطبخ، وحين سمعت صوت انغلاق الباب توقعت عودته فاستقبلته ببسمة واسعة وكانت مرتدية بيجامة بيتية بنصف كم راسم تفاصيل جسدها، فكانت مثيرة حقاً… اجفلت بخجل حين رمقها بنظرات الإعجاب، فاخفضت جفنيها وهي تقول بحياء:
«حمد الله على السلامة..»
«الله يسلمك..»
اقترب منها في حركة فاجأتها وقبّل مقدمة رأسها بغرض تقريب المسافات بينهما، فازداد خجلها أكثر، ولكنها تغلبت على ذلك ثم قالت:
«على ما تغير هدومك هكون جهزت العشا.»
رد عليها بتعب:
«لا أنا مش هتعشى دلوقتي… عندي مشوار كدا هخلصه ولما أرجع هبقى أتعشى… أنا داخل آخد شاور..»
هزت رأسها بإحباط… فهي كانت تتطلع لتناول العشاء برفقته…
«طاب هعملك ساندوتش تاكله ع السريع..»
لم يُرد أن يحرجها فاومأ موافقاً ثم تركها وسار باتجاه غرفته.
نزع ملابسه العسكرية ثم جلس على حافة الفراش حين داهمه صداع قوي، فتمدد بجسده على الفراش بملابسه الداخلية لعل الصداع يقل… ولكنه غفى دون أن يشعر من فرط التعب.
بعد قليل دلفت ندى وبيدها طبق به شطيرتين، فوجدته هكذا نائماً بتلك الملابس، فاقتربت منه تقف بجواره وهي في حيرة من أمرها… أتوقظه ليأكل ويذهب إلى حيث أخبرها أم تتركه يكمل نومه…
«أدهم… أدهم..»
أخذت تهزه برفق ولكنّه لم يصدر عنه أي حركة وكأنه مقتول.
هزت رأسها باشفاق، ووضعت الطبق جانباً ثم جلست بجواره على حافة الفراش، تأملته ملياً تريد أن تتحسس ملامحه التي تعشقها ولكنها مترددة… تخشى أن يستيقظ من لمستها تلك… ولكنها أقنعت نفسها أنه لا ضرر من الاستمتاع ولو بثوانٍ برائحته التي أدمنتها وكأنها مادة مخدرة لم تعد تستغني عنها….
فأمالت برأسها عليه تستنشق عبير عطره مستندة بكفها الأيمن على كتفه الأيسر، فتذكرت ذلك الحلم الذي راودها في الصباح حين كانت في حلمها بين ذراعيه تدفن رأسها بين رأسه وكتفه وتتنفس رائحته، فابتسمت بحالمية وهي تأخذ نفساً عميقاً تملأ بعبيره رئتيها، ولكن لحظها العثر سقط شعرها الناعم القصير على عينه ليفتحهما بغتة وكأنه لم ينم لحظة، ليجدها مائلة عليه هكذا وأنفاسها تلفح عنقه فامتدت يده اليمنى الحرة البعيدة عنها لتقبض على ذراعها المستند على كتفه، فانتفضت مفزوعة وقامت سريعاً من عليه، فنهض هو الآخر من نومته ليجلس وهو يمسح وجهه من أثر النوم بينما هي أصابها التوتر البالغ وتجمد الدم في عروقها ووقفت أمامه كالمذنب ثم أخذت تفرك كفيها بتوتر وهي تقول بنبرة مهتزة:
«أنا… أنا كنت بصحيك عشان… عشان تاكل وتخرج.»
نظر لها باستنكار وهو يتأمل ارتباكها، ثم هتف بدهشة:
«في إيه يا ندى إيه اللي حصل يعني.. اهدي كدا… ليه التوتر دا كله..»
«ها!..»
أشفق على خجلها فقام بتغيير مجرى الحديث:
«أنا فعلاً جوعت أوي… فين السندوتشات؟!»
انحنت سريعا لتعطيه الطبق فأخذه منها ثم قضم قطعة من إحداهما وسألها وهو يلوك الطعام بفمه:
«هو أنا نمت كتير؟!»
هزت رأسها بالنفي:
«لا.. أنا عملت السندوتشات بسرعة ودخلت لقيتك نايم.»
هز رأسه عدة مرات وهو يتطلع إليها بسرحان، فقد حقاً أفقدته عقله بقربها الزائد منه… ترى هل حقاً كانت توقظه أم أنها فعلت معه ما فعلته معها ذلك الصباح…
نفض تلك الأفكار عن رأسه ثم نهض من الفراش وهو يقول بجدية:
«أنا كدا هتأخر على الميعاد..»
حمحمت ثم قالت بتهرب:
«طاب أنا هروح أشوف ماما تيسير..»
أومأ ولم يعقب، فهو أراد أيضاً أن يهرب من أمامها بعدما بعثرت كيانه خلال تلك اللحظات وأصبح مشتتاً للغاية… هل أحبته أيضاً كما أحبها؟!….
بينما هي فرت إلى غرفتها وهي تعض على أناملها من الندم… ما كان ينبغي أن تبادر هي بالقرب… ما كان ينبغي أن تلمسه… فهي المطلوبة ولا بد ألا تكون سهلة المنال هكذا.
ظلت تجلد ذاتها وهي تدور بغرفتها ذهاباً وإياباً ولم تجرؤ على الخروج منها حتى لا تواجه بعد فعلتها تلك.
وفي تلك الأثناء تماماً … وصلت دارين إلى المقهى مبكراً عن موعدها مع أدهم لتراقب ذلك النادل الذي يدور بصينية المشروبات هنا وهناك، فنادته بأدب ليقبل عليها..
«أي خدمة يافندم؟!»
«أيوه.. أنا فعلاً عايزة منك خدمة واللي تطلبه أنا تحت أمرك.»
اللمعت عيناه بطمع فأومأ يحثها على قول طلبها، فاستخرجت تلك الزجاجة الصغيرة من حقيبتها ثم قالت له بصوت أقرب إلى الهمس:
«بص.. أنا جوزي جاي يقابلني كمان شوية عشان في مشاكل بينا كدا هنحاول نحلها… أصل في واحدة حيوانة عملتله عمل وخطفتة مني وأنا عايزاه يرجعلي تاني بأي طريقة.. فأرجوك عايزاك تساعدني وكوباية العصير بتاعته تحطله فيها من العمل دا عشان يرجعلي..»
اتسعت عينا النادل باستنكار وأخذ يردد برفض:
«لا لا طبعاً.. أنا مستحيل أعمل كدا.. افرض دا سم يبقى أنا كدا قتلته بإيدي..»
أسرعت تقول بلهفة:
«لا والله ماهو سم… أنا عندي استعداد أشرب منه قدامك عشان تتأكد… دا مجرد عمل أو سحر يعني عشان يرجعلي.. وللأسف لو كان رضي نتقابل في بيتنا كنت أكيد مش هلجأ لحضرتك بس هو مش عايز يرجع البيت حتى نتقابل فيه ونحل مشاكلنا.. الله يخليك يا أستاذ ساعدني والمبلغ اللي تطلبه أنا تحت أمرك… إيه رأيك تاخد ألفين جنيه؟!»
«ألفين جنيه؟!»
قالها بذهول وهو يحك مؤخرة رأسه بتفكير، فحركة كهذه لن تكلفه شيئاً ولن تأخذ من وقته ثوانٍ ستدر عليه نصف راتبه تقريباً..
«حضرتك متأكدة إن دا مش سم… وإن دا مش هيضره ولا يشيلني ذنبه؟!»
«لا لا لا اطلاقاً… والله ما هيجراله أي حاجة.. دا جوزي وأنا هخاف عليه أكتر من أي حد في الدنيا.»
مد يده أخذ الزجاجة بتردد ثم قال بقلة حيلة:
«ماشي… بس هاخد الفلوس دلوقتي.»
فتحت حقيبتها لتستخرج المال الذي أعدته مسبقاً وناولته إياه وهي ترسم على شفتيها ابتسامة الانتصار فأخذ منها الأموال ودسها سريعاً في جيب سترته قبل أن يراه أحد ثم دس الزجاجة في جيب بنطاله..
«العصير بتاعه هتحطه قدامه ناحيته بالظبط وأنا بسرعة هاخد كوبيتي قبل ما الكوبايات تتبدل.»
أومأ موافقاً وهو يرتعش من الخوف ثم انصرف إلى زبون آخر…
في محافظة سوهاج..
كانت الأجواء احتفالية والزينة والأضواء الملونة منتشرة على امتداد الدوار وصوت الطبل والمزمار يغطي على أي صوت، وقد انقسمت حديقة الدوار الكبيرة إلى قسمين… قسم للرجال وقسم للسيدات تفصلهما حاجز كبير من قماش الخيام المزخرفة بالنقوش الإسلامية.
وقد كان قسم الرجال مكتظاً على آخره بأعيان البلدة والبلاد المجاورة وكان حمد يجلس بين الحضور بالجلباب الصعيدي، فهو الزي الرسمي لتلك المناسبات.
كان يجلس وبجواره شقيقه الأكبر يستقبلان الضيوف تارة ويرقصان بالخيول تارة أخرى في أجواء حماسية للغاية.
بينما في الجهة الأخرى تجلس العروس بفستانها الذهبي وطرحتها البيضاء المزرقشة بين السيدات تراقبنهن وحسب.. وكانت عائشة تحثها على الرقص ولكنها لم تستجب أبداً بحجة الخجل…
بينما هي في الحقيقة كانت تنتظر الإشارة من أمها.. وكانت ريم تجلس بين السيدات تصفق على تلك الأغاني الفلكلورية الخاصة بالصعيد وحده وتتابع رقص الفتيات ومستمتعة للغاية بتلك الأجواء الجديدة التي تراها لأول مرة وبالطبع رافقها مارتينا بالتصفيق والضحك.
على الجهة الأخرى… همس معتصم بأذن أخيه ببضع كلمات ثم استأذن من الحضور وذهب باتجاه خيمة النساء، وقبل أن يحمحم بصوت عالٍ ليعلمن بقدومه، وقف منبهراً تغمره حالة من الإعجاب حين وجد ريم تتمايل مع مارتينا وتضحك بسعادة غامرة وتصفق مرتدية فستان أبيض قصير مزين بزهور حمراء صغيرة يُظهر كاحليها ولكن تغطيهما بـ “ليج ان” طويل أبيض وتنتعل حذاء أبيض وحجاب قصير أحمر فكانت مميزة وجميلة بتلك الضحكات التي زينت ملامحها المريحة… كما أنه لأول مرة يراها ترتدي شيئاً آخر بخلاف البناطيل الضيقة والقمصان الطويلة… يا إلهي لقد كاد يفقد عقله من فرط انبهاره بها.
سرق من الزمن لحظات يتأملها بابتسامة حالمة وكأنه لم يكن هو… هو حقاً بدأ ينسى أنه الكبير في حضرتها… ثم سرعان ما عاد لرشده مستعيداً هيبته ووقاره ومن ثم حمحم بصوت عالٍ حتى تنتبه لهن النساء ويتوقفن عن الرقص وبالفعل قد فعلن…
أقبل على العروس التي كانت تجلس بين أمه وأمها ثم قال بصوته الغليظ:
«مبارك يا عروستنا…. حمد هيجي دلوقتي يلبسك الشبكة… ربنا يتمم بخير إن شاء الله.»
أومأت بخجل وهي تنظر أرضاً، وبعد قليل دلف إليهم حمد وتقدم منهن فنهضت أم صافية لتحضر علبة الذهب فجلس حمد مكانها وهو ينظر بطرف عينه إلى عروسه الخجلى فقد كانت جميلة حقاً، ولكن آه لو اكتمل جمال وجهها بجمال عقلها.. ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يناله.
وقف معتصم خلف شقيقه ثم قام بإلباسها الذهب وقامت بإلباسه خاتم الخطبة الرجالي ثم علت الزغاريد من قبل النساء وانطلقت الطلقات النارية تدوي في السماء..
«مبارك يا صافية..»
قالها حمد برقة فابتسمت تلك البسمة التي أظهرت غمزتها الوحيدة، فحاول تناسي لقائه الأخير بها وركز أكثر على تلك الابتسامة الساحرة التي سلبت عقله.
تقدمت منهما ريم لتبارك لهما فراقبها معتصم بنظرة معجبة لم تخفَ عليها ولكنها تجاهلت نظراته ولم تعره اهتماماً ثم قالت برقتها المعهودة:
«مبروك يا عروسة.. مبروك يا أستاذ حمد… ما شاء الله عروستك زي القمر..»
«الله يبارك فيكي يا دكتورة… عقبالك.»
اتسعت بسمة السيدة أم معتصم لتقول بسعادة:
«عقبالك يا بتي… والله نورتي الجعدة الزينة دي..»
«شكراً يا حاجة.. أنا مبسوطة أوي إني في وسطكم النهاردة..»
أتاها صوت معتصم الغليظ:
«عقبالك يا دكتورة..»
كتمت ريم ضحكتها بشق الأنفس، فهناك فارق كبير بين وجهه الآن ووجهه الآخر الخفي، وأجابته وهي تكتم ضحكتها بصعوبة:
«ميرسي يا معتصم بيه.. عقبالك انت كمان.»
بالطبع لاحظ ضحكتها التي تحاول إخفاءها وقد فهم سبب تلك الضحكة، فابتسم هو الآخر محاولاً كبت ضحكته… فلولا ذلك الجمع من الناس لانفجرا سوياً في الضحك.
عادت ريم لمجلسها بجوار مارتينا وهي تتحاشى النظر تجاهه، بينما هو غادر مجلس النساء سريعاً قبل أن تفضحه نظراته لها بينهن.
رن هاتف ريم التي كانت تحمله بيدها طيلة الوقت، وكانت أمها هي المتصل…
«مارتينا أنا هخرج برا أكلم ماما أصل الصوت هنا عالي أوي ومش هنسمع بعض..»
أومأت لها ثم تابعت التصفيق والغناء، بينما ريم فتحت الخط بعدما ابتعدت كثيراً عن محيط الحفل حتى يتسنى لها سماع أمها…
استمرت المكالمة بينهما دقائق قليلة اطمأنت خلالها تيسير على ابنتها المغتربة، ثم انتهى الاتصال..
ولم تكد ريم تخطو خطوة واحدة في طريق عودتها للدوار حتى سمعت نباح الكلاب يأتيها من الاتجاه الذي من المفترض أن تسير ناحيته، انقبض قلبها وتجمدت الدماء في عروقها حين ظهرت لها من العدم مجموعة من الكلاب تنبح بقوة وكأنها تنتظر إشارة الهجوم عليها…
ازدادت ضربات قلبها بالتزامن مع زيادة معدل التنفس من فرط الخوف، ولم تجد بداً من الركض من أمامهم لعلها تنجو بنفسها، فركضت في الجهة الأخرى بعيداً عن الدوار لتركض الكلاب بدورها خلفها ويا ليتها ما فعلت…
أدركت أنها أخطأت حين ركضت فقد ازدادت الكلاب شراسة وازداد ركضهم خلفها ولكنها استمرت في الركض على أي حال وهي تبكي من الخوف وتكاد تسقط في أي لحظة…
ولكن لسوء حظها لحقها أحد الكلاب لينهش كاحلها فصرخت بعلو صوتها من شدة الألم والخوف بذات الوقت، ولكن من سيسمعها في هذا الطريق الزراعي غير المأهول بالسكان..
يبدو أن الكلاب قد خافت فتركتها مسجية على الأرض وانسحبت بعيداً عنها… بينما بقيت هي تتنفس بصعوبة بالغة وجسدها متعرق للغاية وينتفض من شدة الخوف، فان نجت من الكلاب.. فهل ستنجو من الظلام الدامس الذي يحيطها؟!.. ثم من أين لها طريق العودة؟!
انكمشت على نفسها على جانب الطريق الترابي تنتظر النجاة وهي تحاول السيطرة على حالة الهلع التي أصابتها ولكن الأمر قد خرج عن السيطرة.. تباً لتلك الحالة التي ستفقدها حياتها يوماً..
أوشك الحفل على الانتهاء، وقد انتاب القلق مارتينا، فريم لم تعد بعد..
قامت بالاتصال بها عدة مرات ولكن في كل مرة ينفتح الخط ولا تجيب، الأمر الذي أثار رعبها عليها ولم تجد بداً من إخبار معتصم لعله يساعدها..
حين أخبرته بما حدث صاح بها بحدة:
«غايبة بقالها أكتر من ساعة ولسة جاية تقوليلي دلوقتي؟!»
ردت ببكاء:
«أنا أنا اتلهيت في الفرح و…»
قاطعها بزمجرة عالية ينادي بها على سمعان:
«سمعاااان..»
هرول إليه الخفير في لحظات ليهتف به بصوت جهوري:
«خد الرجالة وجيب البلد على الدكتورة ريم… ولو لقيتها رن عليا طوالي..»
«أوامرك يا كبير.»
«عيشة..»
أقبلت عليه أخته وهي في حالة من الذهول من قلق أخيها المبالغ فيه ليهتف بها:
«خدي نعمة ودوري في الدوار أوضة أوضة… والمضيفة قُمان..»
أومأت بخنوع ثم ذهبت إلى داخل الدوار، بينما الحاجة أم معتصم كادت تبكي من القلق وأخذت تدعو لها بالرجوع سالمة…
«ووينه حمد؟!»
أجابته أمه:
«حمد أدلّى يوصل عروسته وخواتها لدارهم يا ولدي..»
أخذ نفساً عميقاً ثم استل هاتفه من جيبه ليتصل بـ ريم لعله تجيبه وبالفعل فتحت الخط ولكن صوتها يأبى الخروج ولكن على الأقل اطمئن أنها ربما تكون بخير…….
ركض خارج الدوار والهاتف على أذنه ليحثها بقوة على الرد:
«ريم… انتي فين… ردي عليا يا ريم أنا معتصم..»
حين أتاها صوته أجهشت في بكاء مرير وصل إليه الأمر الذي دب الرعب في أوصاله وأدرك أن حالة الهلع قد أصابتها وبالطبع السبب مرعب.
ابتلع ريقه بصعوبة من فرط القلق ثم قال بهدوء:
«ريم عشان خاطري اهدي واتنفسي براحة عشان أعرف مكانك وأجيلك آخدك.»
أيضاً لا رد… فقط شهقات عالية هو كل ما يستطيع سماعه، أخذ يركض بعيداً وبعيداً لعله يراها والخط مفتوح، ثم قال وهو يكاد يفقد عقله:
«ريم أنا معاكي ع الخط متخافيش… أنا معاكي يا حبيبتي مش هسيبك.. اهدي عشان خاطري.. حاولي تتنفسي براحة عشان صوتك يطلع… قولولي انتي فين؟!»
بالكاد استطاعت أن تقول:
«معرفش..»
أحس بقليل من الارتياح حين أتاه صوتها، ثم حثها على التحدث:
«طاب انتي شايفة الزينة والنور اللي في الدوار؟!»
«لأ.. أنا… بعيد..»
أغمض عينيه برعب، ثم واتته فكرة ليقول وهو يركض أبعد وأبعد:
«طاب عايزك تركزي معايا كويس… افتحي الـ gps من تليفونك وابعتيلي مكانك..»
لم ترد ولكنها قامت بما قاله بيدين مرتعشتين، فأتته رسالة بموقعها، فتنفس الصعداء ثم قام بخلع جلبابه الذي أعاق حركة ركضه وألقاه على الطريق وبقي بالسروال وبادي كات رجالي، ثم تتبع الـ gps جرياً حتى ينقذها سريعاً قبل أن يصيبها مكروهاً حتى تقريباً وصل لمكانها…
قد انقبض قلبه حين تبين له أنها قابعة هنا بهذا الطريق المهجور حيث تكثر الحيات والعقارب ولكنّه لا يراها…
أخذ ينادي بملء فمه:
«رييييم…. ريييم انتي فين… ريييم..»
لمح ذلك الضوء الخافت والذي يبدو أنه ضوء الهاتف الذي ظهر من الجانب النائي للطريق فسار إليه ركضاً لتظهر له أخيراً وهي متكومة على نفسها وفستانها الأبيض ملطخ بالأسود وحجابها ساقطاً من على رأسها وجسدها ينتفض بشدة وأنفاسها متسارعة للغاية..
«ريم..»
بمجرد أن سمعت صوته ورفعت رأسها إليه فرأته أمامها.. لا تعرف كيف ألقت بجسدها على صدره ليلتقطها بين ذراعيه ويطوقها بشدة، فانفجرت في البكاء والنواح بحرقة وكأنها قد فقدت عزيزاً…
بينما هو أخذ يمسح على رأسها تارة ويشدد من احتضانها تارة أخرى وهو يغمض عينيه بألم يعتصر قلبه لأجلها…
لقد كاد أن يفقدها… كان كالمجنون قبل أن يجدها… لا يدري كيف وجد ذلك الهدوء والعقل أثناء بحثه عنها.. كلما تخيل أنها بقيت أكثر من ساعة بمفردها في ذلك المكان الموحش يكاد قلبه ينخلع، كيف تحملت ذلك… تلك الرقيقة التي تشبه قطعة البسكويت في رقتها.. كيف تحملت البقاء هنا.. وماذا لو لم يكن هاتفها معها.. كيف ستسير الأمور حينها… وألف كيف وماذا سألها لنفسه…
أخذ يردد على أذنيها من الكلمات ما يهدئها بنبرة شبه باكية:
«أنا آسف… حقك عليا أنا… أنا خلاص جيتلك ومش هسيبك يا ريم… اهدي يا حبيبتي.. اتنفسي براحة انتي خلاص في أمان… أنا مش عارف بس إيه اللي خلاكي تبعدي عن البيت كدا.. ليه بس؟! ليه؟!»
بدأت تهدأ رويداً رويداً بعدما شعرت بذلك الأمان الذي أخرجها من تلك الحالة المزعجة حتى كادت أن تفقد وعيها… فبينما حالة الهلع يبقى المخ متيقظاً ومتنبهاً تحسباً لأي خطر قد يهاجم صاحبه وبمجرد ما أن يشعر بأن الخطر زال يحدث له حالة من الخمول بعد فترة عصيبة من الخوف والإنهاك ويحاول استعادة وظائفه بعد فترة من النوم أو فقدان الوعي..
«ريم.. أوعي تنامي.. خليكي صاحية عشان نعرف نرجع.»
هزت رأسها المستندة على كتفه بإيجاب فأبعدها قليلاً ليرى وجهها فوجدها تفتح عينيها بصعوبة فسألها بترقب:
«هتقدري تمشي؟!»
هزت رأسها بالنفي، فسألها بتردد:
«أنا كدا مضطر أشيلك.»
لم ترد كناية عن موافقتها فكل ما يشغل بالها الآن أن تعود للدوار لتهرب من ذلك الكابوس وتنام لعله ينمحي من ذاكرتها.
هم بالنهوض لكي يتمكن من حملها إلا أنها صرخت بألم حين لمس كاحلها، فأصابه الفزع وقام بتفقد كاحلها ليرى إذا ما كان قد انكسر ولكن وجد به آثار لأسنان كلب، فنظر لها برعب وهو يقول:
«إيه دا؟!… هو في كلب عضك؟!»
هزت رأسها بإيجاب وهي تبكي، فأخذ يسب ويلعن وقد اتضحت له الصورة..
«طاب لازم نرجع الدوار بسرعة عشان نشوف هنعمل إيه في الجرح دا… أنا هشيلك ومتخافيش مش هلمس رجلك..»
أومأت وهي تحاول السيطرة على بكائها، فأحكم الحجاب حول رأسها أولاً وغطى ساقيها بالفستان جيداً حتى تكون مستورة، ثم حملها بخفة وكأنها لا تزن شيئاً وتعلقّت بعنقه بضعف وسار بطريق العودة إلى الدوار وهو يدعو الله أن تمر تلك الحادثة بسلام.
رواية مهمة زواج الفصل السابع عشر 17 - بقلم دعاء فؤاد
بالكاد استطاع أدهم أن يصل المقهى بالموعد المحدد ليجد دارين تشير له، فسار تجاهها ومن ثم تبادل معها التحية وجلس قبالتها.
أخذت تنظر له باشتياق بالغ لم يخفى عليه، ولكن لم ينزعج من ذلك، فهو يدرك جيدا مدى حبها له ويعلم أن حبها له أضعاف مقدار حبه لها، هذا إن كان قد أحبها بالأساس.
"ازيك يا أدهم… انت وحشتني اوي."
أجابها بنبرة عادية حتى لا يعطي لها أملا في الرجوع:
"وانتي كمان… اخبارك ايه واخبار والدك ووالدتك."
"احنا تمام الحمد لله."
"ها؟!.. ايه بقى الموضوع اللي كنتي عايزاني عشانه؟!"
زمت شفتيها بانزعاج لتقول بحزن مصطنع:
"ايه دا علطول كدا؟!… طاب مش هعزمك الأول على حاجة نشربها؟!"
لم تنتظر رده حتى لا تترك له حرية اختيار المشروب فأسرعت تقول وهي تشير للنادل:
"هطلبلك عصير فراولة.. انا عارفة انك بتحبه.."
أومأ موافقا ليأتي النادل يقف أمامهما بتوتر لاحظه أدهم الأمر الذي أثار دهشته، فطلبت منه دارين كوبين من العصير فأومأ وانصرف بسرعة.
بعد قليل أتى النادل بالكوبين ليضع كوب أدهم أمامه ويديه ترتجفان حتى كاد أن يسقط الكوب، فأخذت دارين تصطك فكيها من الغيظ، فأحس أدهم بوجود خطب ما، ويبدو أن دارين على معرفة بهذا النادل، فقد لمح تلك النظرة المحذرة التي صدرت منها تجاهه وبحنكته وذكائه أيقن أنها نصبت له فخا ما والعصير هو الوسيلة.
رفع أدهم رأسه ليشكر النادل لينظر له بنظرة ثاقبة قرأ فيها خوفه وتردده لتؤكد له تلك النظرة شكوكه.
نظر لـ دارين نظرة تحليلية غامضة في انتظار سرد طلبها، فحمحمت بتوتر ثم قالت:
"طاب تعالى نشرب العصير الأول.."
قالتها وهي تأخذ رشفة من كوبها ولكن رفع حاجبيه قائلا ببسمة مصطنعة حتى لا تشعر أنه اكتشف أمرها:
"هشرب طبعاً يا داري.. بس حابب اسمعك الأول.."
ابتلعت ريقها ثم أردفت بنبرة مهتزة:
"في واحدة صاحبتي أخوها داخل الجيش داخلية ولما عرفت ان في بينا سابق معرفة اترجتني تتوسطله عشان تجيبه في مكان قريب من اقامته.. فأكدتلها اني هكلمك وان انت اكيد مش هترفض تقدم لي الخدمة دي.."
كانت تتحدث ويديها أمامها على الطاولة تفركهما بتوتر مستمر فامتدت يده ليضعها على يديها يوقف بها رجفتهما، الأمر الذي جعل عينيها تجحظ من الدهشة ليقول بنبرة رقيقة مع ابتسامة تبدو حالمة:
"اهدي.. الموضوع مش مستاهل التوتر دا كله."
ثم سحب يده لترتطم بالكوب وكأنه بدون قصد ولكن في الحقيقة فعل تلك الحركة خصيصا ليسكب الكوب بطريقة تبدو عفوية، وما إن انسكب الكوب على الطاولة حتى ابتعد سريعا قبل أن تبتل ملابسه بينما دارين شهقت بصوت عال حسرة على ضياع خطتها اللئيمة، فأخذ أدهم يقول بلا اكتراث:
"مش مهم… حصل خير.. ماليش نصيب فيه."
أخذت تهز رأسها وهي تكاد تبكي، ولكنها حاولت أن تبدو طبيعية، فنهض ادهم ثم وضع بضع ورقات مالية على الطاولة وهو يقول:
"انا مضطر امشي يا داري لأني تعبان اوي وعايز انام… ابعتيلي بس بيانات اخو صحبتك ع الواتس واعتباري الموضوع خلصان… باي.."
انصرف مغادرا من أمامها على عجل بينما هي بقيت تنظر في أثره بضياع ولم تقوى على التفوه بأي كلمة من فرط الصدمة.
أما أدهم ركب سيارته وسار بها بضع خطوات بعيدا عن المقهى ثم وقف بضع دقائق يراقب خروجها، وبمجرد أن تأكد من خروجها وابتعادها بسيارتها عن محيط المقهى، صف سيارته ثم ترجل منها عائدا مرة أخرى إلى المقهى لينادي ذلك النادل الذي قدم له العصير، وبمجرد أن أتاه قبض على ذراعه ثم استخرج من جيب قميصه بطاقة التعريف خاصته ليشيرها في وجهه وهو يسدد إليه نظرة نارية ويقول بنبرة شديدة اللهجة:
"انا الرائد أدهم برهام.. بهدوء كدا وبدون ما تضطرني اني استخدم معاك العنف قولي بالظبط الانسة اللي كانت قاعدة معايا كانت متفقة معاك على ايه؟!"
ارتجفت أوصال النادل وتعرق جسده من الخوف ثم قال بصوت متلجلج:
"والله يا باشا انا معرفهاش… هي جات وقالتلي عايزاك تحط من الازازة دي على العصير بتاعك… و و و قالتلي انك جوزها ودا سحر عايزاك تشربه عشان ترجعلها.. واترجتني اساعدها… و و و عرضت عليا ٢٠٠٠ جنيه… و و انا أخدتهم وعملت زي ما قالتلي…"
نظر له أدهم بصدمة، فلم يخطر بباله أن دارين قد تلجأ إلى تلك الطرق المتخلفة البعيدة كل البعد عن تحضرها ومستواها الاجتماعي العالي.
ركب سيارته وانطلق إلى حيث لا يدري. دارت بذاكرته أحداث قديمة ربطها بما حدث اليوم، إذن إعجابه بها وخطبته لها سابقا كان مدبرا، هل تلك المشاعر المتناقضة تجاهها بفعل ما سقته له من قبل؟ وكيف وهو أدهم أدهى ضابط في العمليات الخاصة الذي تخشاه أعتى عصابات المافيا يقع في ذلك الفخ التافه من فتاة تافهة كـ دارين؟ وكانت تلك الفكرة أكثر ما جعلته يكاد يجن. كيف استطاعت خداعه بتلك السهولة؟ أين كان عقله ودهائه؟ أين كانت عيناه اللتان تلتقطان أبسط الأشياء وتلفت نظره أدق التفاصيل؟ وألف سؤال يسأله لنفسه وهو يأكل نفسه من الغضب ويدور في الطرقات بلا وجهة محددة.
في محافظة سوهاج.
دلف بها سريعا إلى غرفتها بالمضيفة تحت أنظار السيدات بالدوار ومنهن أمه وأخته ومارتينا، ثم وضعها برفق بالغ على الفراش وكانت حينئذ قد فقدت وعيها.
"مارتينا بسرعة شوفي رجليها فيها عضة كلب."
شهقت مارتينا برعب بالتزامن مع صدمة أمه وأخته، وأخذت تقول بقلق:
"لازم نغسل مكان العضة بمية وصابون.. وفي عندنا في الوحدة مصل لعضة الكلب لو ممكن حد ييجي معايا افتح وأجيب لها حقنة بسرعة أديهالها.."
رد عليها بلهفة:
"طاب بسرعة روحي وهبعت معاكي سمعان واتنين كمان من الرجالة.."
بينما عائشة تدخلت بقولها:
"على ما ترجعي بالحجنة هكون فوجتها وساعدتها تتحمم وتغير خلجاتها اللي كلها طينة وترابة دياتي."
أومأت ثم خرجت مسرعة بعدما قام معتصم باصدار أوامره لخفيره. نظر لأمه ثم قال بارهاق:
"أني طالع أتحمم وأغير خلجاتي يامايا… وهبابة أكده وهعاود أطمن عليها."
أومأت أمه بصمت وهي تتأمله بنظرة ذات مغزى، فلم يخفى عليها تحوله مع تلك الفتاة وخوفه الزائد عليها. تهرب من نظراتها ثم استدار مغادرا المضيفة.
بعد نصف ساعة كان قد أنهى حمامه ثم صلى المغرب والعشاء ومن ثم سجد شكرا لله أن نجى ريم من الهلاك. جلس على الأريكة الصغيرة الكائنة بركن الغرفة وبعد عدة دقائق قضاها في التفكير في ريم وما مر به من أحداث معها منذ أول يوم رآها، أتاه صوت طرقات خفيفة على الباب ليأذن للطارق بالدخول فإذا بها عائشة أخته.
"تعالي يا عيشة…"
أقبلت عليه حتى جلست جواره بالأريكة وقبل أن تفتح فمها سألها بلهفة:
"ريم عاملة ايه دلوقتي؟!"
نظرت له نظرة مطولة ثم قالت بحدة:
"انت مالك ملهوف عليها كدا ليه يا معتصم… دا انت كنت هتموت روحك عشانها."
نهض بعصبية ليوليها ظهره هاتفا بحدة:
"ضيفة في داري يا عيشة.. واي حاجة تمسها هتبقى في وشي انا."
نهضت لتقف خلفه وتسأله بسخرية:
"ضيفة برضو يا معتصم؟!.. انت فاكر ان انا هصدق الكلام دا؟!"
استدار ليكون بمواجهتها ثم هتف بجدية:
"ايوة ضيفة….. وعشان تستريحي اه اللي في دماغك صحيح وانا بحبها."
اتسعت عينيها بصدمة لتقول بترقب:
"ونرمين؟!.. مراتك؟!"
رد عليها بنبرة منهزمة:
"انا عمري ما حبيت نرمين وانتِ عارفة كدا كويس… اه اتجوزتها بكامل ارادتي بس عمري ما حسيت انها تخصني زي ما حسيت مع ريم… عمري ما قلبي اتلهف عليها زي ما اتلهف على ريم… عمري ما استنيت اشوفها بفارغ الصبر زي ما بيحصل مع ريم.. ريم هي اللي قلبي دقلها يا عيشة.. هي اللي ملكت قلبي بجد."
هتفت به بانفعال بالغ:
"أومال اتجوزت نرمين ليه من الأساس؟!.. احنا كلنا كنا ضد الجوازة دي من الأول… انا وهشام وحمد حذرناك وقولنالك مسيرك هتقابل اللي تحبها… انت اللي كنت واثق في نفسك اوي وقولت ان الحب دا كلام فارغ مش سهل تقع فيه… جاي دلوقتي تقولي بحبها؟!"
أجابها بانفعال مماثل:
"واظن انتي عارفة كويس سبب جوازي من نرمين… قولتك ميت مرة اتجوزتها عشان أعف نفسي وعشان معملش حاجة في الحرام… نرمين بالنسبالي كانت جوازة سهلة بدون مسؤوليات ولا خلفة ولا وجع دماغ…"
"بس اللي خلانا نوافقك انك أقنعتنا انك هتتجوز بنت من بنات الأعيان في البلد وهتخليها في الدوار مع امي وانت هتنزلها كل شوية البلد وهتكون هي مراتك قدام امك والعيلة وناس البلد كلها… وحتى لو عرفت انك متجوز مش هتكون مشكلة كبيرة لأن تعدد الزوجات مقبول في الصعيد… انما الدكتورة ريم بجلالة قدرها هتقبل بكدا يا سي معتصم؟!"
سكت مليا يفكر بملامح مهمومة ثم قال بنبرة يشوبها الشجن:
"قبل ما اتجوزها هكون طلقت نرمين.."
"نعم؟!.. بالسهولة دي؟!.. وانت فاكر انك لما تطلقها هتكون كدا خلصت منها؟!"
سكتت تراقب ردة فعله ثم استرسلت بمزيد من الضغط:
"نرمين مش سهلة يا معتصم.. دي هتقلب الدنيا عاليها واطيها لو عرفت انك هتطلقها عشان بتحب واحدة تانية.. خاصة بعد ما حبتك واتعلقت بيك.."
صاح بها بغضب:
"وانتي فاكراني هخاف من حشرة زي دي؟!"
"متنساش ان الحشرة دي هي اللي وقفت شركتك على رجليها… وفي ايديها تخسف بيك الارض."
رد بثقة زائدة وهو يناظرها بتحدي:
"لسة متخلقتش اللي يقدر يهزم معتصم البدري يا عيشة… وان كان على الشركة… انا هعرف إزاي أقومها بدون ما أعتمد على شراكتها."
سكتت تصتك فكيها من الغيظ ثم ما لبثت أن اقتربت منه وأسندت كفها على كتفه لتقول بحنو:
"أنا خايفة عليك يا معتصم… علاقتك بريم هتخسرك كتير ومش هتستمر… ارجع لعقلك واعمل زي ما كنت ناوي… شوفلك بنت حلوة وصغيرة من بنات العمدة ولا من أي عيلة كبيرة واتجوزها… صدقني هتنسيك ريم ودنيتك هتمشي زي ما كنت مخطط.. وجوازك من نرمين مش هيأثر على حياتك… كدا كدا هي عقيم ومش هتجيبلك عيال تساومك بيهم… دا غير إن هي متقبلة جوازكم بكل ما فيه ومعندهاش مشكلة لو اتجوزت بنت بلدك طالما مش هتحرمها منك…"
تنهد بعمق ثم رفع عينيه للسماء وكأنه يناجيها لتتركه وشأنه ثم عاد لينظر لها مجددا بتوسل:
"عشان خاطري يا عيشة سيبيني دلوقتي… انا بجد تعبان ومتلخبط وحاسس ان الدنيا بتلف بيا من كتر التفكير… مش قادر أفكر ولا آخد قرار.. عايز ابقى لوحدي شوية."
هزت رأسها بايجاب بعدما أشفقت على حالة التخبط التي أصابته ثم قالت وهي تربت على كتفه:
"أنا بس حبيت ألفت نظرك للي هيحصل… والقرار بعد كدا في ايدك انت…"
ثم تركته تائها هكذا وغادرت الغرفة وأغلقت الباب خلفها.
عودة للقاهرة.
عاد أدهم في ساعة متأخرة من الليل وكانت أمه في استقباله، فلم تستطع النوم من فرط قلقها عليه.
"حمد الله على سلامتك يا حبيبي.."
قبل مقدمة رأسها وهو يقول:
"الله يسلمك يا حبيبتي… صاحية ليه لحد دلوقتي؟!"
"كنت مستنياك… مالك يا أدهم شكلك متغير كدا ليه.. في حاجة مزعلاك يا حبيبي؟!"
أخذ يتهرب من مرأى عينيها وهو يقول:
"مفيش حاجة يا ماما… دا عشان بس آسر لسه مكلمني وقالي ان ميريهان اتوفت وباباها هيرجع بالجثة بكرة من ألمانيا عشان يدفنها… وطبعا آسر منهار على الآخر ومش قادر أعمله حاجة."
أخذت تهز رأسها بحزن وهي تردد الحوقلة وتدعو له بالصبر.
"بعد اذنك يا ماما.. انا داخل أنام."
سار باتجاه غرفته فاستوقفته هاتفة:
"رايح فين يابني… ندى نايمة في أوضتها."
هز رأسه بلا اهتمام متمتما:
"تمام براحتها… انا هنام في أوضتي."
هزت رأسها بعدم رضا وهي تقول:
"ايه الكلام دا بقى… انتو زعلانين من بعض ولا ايه؟!"
"لا أبدا يا ماما أنا بس مش عايز أقلقها وأصحيها."
"خلاص روح نام انت في أوضتها المرادي… انا والله مش عارفة ايه اللي غير رأيك وسيبتو الأوضة اللي كنا مجهزينها ليكو ورجعت لأوضتك."
"عادي يا ماما بنغير."
ربتت على كتفه بحنو وهي تقول:
"خلاص يا حبيبي نام جنبها عشان متفتكرش انك زعلان منها… اسمع مني أنا عارفة الستات بتفكر إزاي.."
ضحك أدهم ثم قال بقلة حيلة:
"حاضر يا ست الكل… انتي أدرى."
ثم تركها واتجه إلى غرفة ندى ومن حسن حظه أن خزانتها بها ملابس له منذ أول ليلة لهما. فتح الباب بهدوء ليجدها نائمة في وسط الفراش بأريحية فلا مكان له بجوارها، الأمر الذي جعله يبتسم بسخرية، فدلف وأغلق الباب خلفه بهدوء ثم خلع ملابسه وأخذ منشفة واتجه مباشرة إلى الحمام الصغير الملحق بالغرفة.
بعد عدة دقائق خرج من المرحاض مرتديا ملابس النوم ثم وقف أمامها حائرا، فإنها تحتل أكثر من ثلاثة أرباع الفراش… هل يوقظها لتنام على الحافة؟!.. ولكن في النهاية أشفق عليها، فإن استيقظت ستقيد نفسها عند حافة الفراش ولن تنعم بنوم هانئ كما حالها الآن… فاهتدى لأن ينام بالأريكة المقابلة للفراش فهي أيضا واسعة تستوعب جسده.
وبمجرد أن تمدد عليها حاول نسيان كل ما مر به بذلك اليوم الطويل ليسقط سريعا في النوم دون أن يدري.
لم ينم ليلته من فرط التفكير وحين بدأت أشعة الشمس الذهبية تتسلل عبر السماء لتنير الأرض ارتدى تيشيرت وبنطال منزلي ثم هبط إلى اسطبل الخيول ليختلي بنفسه بعد ليلة عسيرة قضاها في التفكير في أسوأ الاحتمالات التي قد تحدث لاحقا خاصة بعد حديث أخته الخطير ليلة أمس.
استند بظهره إلى النافذة التي تطل منها رأس مهرته الصغيرة ثم شرد في ملكوت آخر لبعض الوقت لدرجة أنه لا يدري كم مرت عليه من الدقائق أو ربما ساعات وهو على تلك الحالة من الشرود.
ثم فجأة ظهرت له ريم من العدم مقبلة عليه بملامح ذابلة وتسير ببطء بسبب جرح كاحلها أو ربما من فرط هزالها، فأطرق رأسه بخجل وكأنه هو سبب ما يحدث لها أو ربما لأنه دائما كان يصل متأخرا.
حين وجدته مطرق الرأس حين رآها فهمت أنه يشعر بالذنب تجاهها، فوقفت أمامه تماما وهو مائلا بظهره على الحائط من خلفه ثم قالت بملامح خاوية:
"صباح الخير يا معتصم بيه.."
رفع عينيه لينظر لها بحزن وينقبض قلبه حين ظهر له شحوب وجهها ثم تحدث بنبرة متعبة:
"أولا صباح النور… ثانيا قولتلك قبل كدا قوليلي معتصم بس."
أخذت تفرك كفيها بتوتر ثم قالت ببسمة تبدو مصطنعة:
"مش هتفرق كتير لأننا مش هنتقابل تاني."
قطب جبينه باستنكار في انتظار توضيحها، لتأخذ ريم نفسا عميقا ثم تقول بحزن طغى على نبرتها:
"أنا هرجع القاهرة والمرادي هقدم طلب نقل بجد.. وقبل ما تقول أي حاجة أنا بشكرك على حسن ضيافتك ومساعدتك ليا… مش عارفة لو مكنتش لحقتني سواء في الحادثة الأولى أو التانية كان ممكن يجرالي ايه.. أنا مش هنسى اللي عملته معايا طول عمري.. انت مالكش ذنب في اللي حصلي ومتحملش نفسك فوق طاقتها.."
لم يتفاجأ كثيرا بكلامها فهو توقعه تماما وهذا أكثر ما آلمه وجعل النوم يجافيه، فكيف يُكن لها كل ذلك العشق وفي ذات الوقت ترحل عنه… أترحل بعدما امتلكت قلبه وكيانه… أترحل بعدما تعلقت روحه بها؟
رد عليها بذات النبرة البائسة وكأنه يتوسل إليها:
"طاب خليكي لحد ما رجلك تبقى كويسة وتخلصي مدة الحقن… عشان حتى أهلك ميقلقوش عليكي."
أطرقت رأسها مليا ثم عادت تنظر له:
"هعالج نفسي… انت نسيت اني دكتورة ولا ايه؟!… وإن كان على أهلي مش هقلقهم وأقولهم على اللي حصل طبعاً… هقولهم اني وقعت واتعورت."
أشاح بناظريه للجهة الأخرى ينظر بعشوائية كناية عن انهياره داخليا ثم عاد ينظر إليها مردفا بوجع:
"للدرجادي مش طايقة تقعدي معانا؟!"
أجابته بلهفة:
"لا طبعاً متقولش كدا… بس أنا فعلا خلاص اتقفلت من الشغل هنا ومش هقدر أكمل شغل تاني اللي هو أساس وجودي في البلد."
هز رأسه عدة مرات دون أن يتفوه بشيء، فأردفت تودعه وهي تتحاشى النظر في عينيه:
"أشوف وشك بخير يا معتصم… وشكرا مرة تانية.."
قالت عبارتها واستدارت سريعا لتغادر قبل أن توقفها نظرته الراجية، بينما هو لم يتحرك قيد أنملة وكأنه تحول لصنم، يفكر في نهاية طريقه معها الذي لم يبدأ من الأساس… هل انتهى كل شيء هكذا بسهولة؟
وكأنه استفاق لتوه من حالة السكون التي أصابته، فهتف بعلو صوته حين ابتعدت عنه مقدار ثلاث خطوات:
"تتجوزيني يا ريم؟!"
توقفت عن السير من فرط المفاجأة ولكنها لم تلتفت له، فاسترسل مردفا بجدية تامة بعدما اعتدل في وقفته ومازالت مدبرة عنه:
"مش عايز رد منك دلوقتي… خدي وقتك في التفكير… حتى لو رجعتي بيتك هستنى ردك.. هيفضل الباب بينا موارب مش هيتقفل أبدا."
من فرط مفاجأتها لم تدري بما عليها أن ترد، فاستدارت إليه ليسترسل حديثه بمزيد من الجدية حتى لا يترك لها فرصة للرفض:
"أظن انتي عرفتي عني كل حاجة.. وأنا قدامك أهو لو عايزة تعرفي أي حاجة تانية.. ولو على الإقامة.. هتكون إقامتنا في البلد قليلة وأكتر الأيام هنقضيها في القاهرة.."
هزت رأسها عدة مرات ثم أجابته بتوتر ملحوظ:
"هفكر وأرد عليك."
ثم استدارت لتغادر سريعا بارتباك قبل أن يتفوه بالمزيد.
بينما معتصم بقي ينظر في أثرها بملامح مهمومة، فرغم تخطيطه لذلك الطلب الذي طلبه منها إلا أنه لم يكن يريد التسرع في ذلك الأمر قبل تسوية أموره مع نرمين حتى لا يخدع ريم… ولكن أمر رحيلها هو ما فرض عليه أن يبكر بذلك قبل أن يفقدها تماما… لقد أصبح موقفه أمامها صعب بالفعل… موقف لا يحسد عليه.
رواية مهمة زواج الفصل الثامن عشر 18 - بقلم دعاء فؤاد
جلس أمام الدوار وهو يضرب فخذيه بحسرة كل حين وآخر.
أقبلت عليه زوجته وهي تراقب حالته الغريبة وسألته باندهاش:
ـ أباه! مالك يا حمد؟ من عشية امبارح وأنت عمال تضرب كف بكف وحالك لا يسر عدو ولا حبيب، كأنك مفرحانش بالنسب اللي كنا بنحلمو بيه.
رمقه بغل ثم نظر أمامه وهو يفرك فخذه بغيظ وتحدث مصع فكيه:
ـ نسب الشوم يا حزينة، أهو إحنا طلعنا من المولد بلا حمص.
هرولت لتجلس بجواره وتسأله باستنكار:
ـ واه! كيف يعني يا أبو البنات؟
قال وهو مازال يضرب على فخذيه من فرط الحسرة:
ـ الخمس فدادين اللي أخويا حمدان سابهملي أزرعهم والمحصول بيناتنا بالنص، معتصم ولده مضاني امبارح على عقد بيع وشرا بيهم وقالي دول مهر صافية.
ضربت على صدرها بحسرة:
ـ واه واه واه! يا مراري الطافح.
استرسل حمد بمزيد من الغيظ:
ـ إني كنت جلت إنه نساهم والمحصول كله ببيعه وتمنه بشيله في جيبي كأنها أرضي وملكي، جلت إني أولى وهما حداهم أراضي ومزارع كتيرة، بس طلع واعر جوي يا أم كريمة، مينساشي حاجة واصل، جالي إني سايبلك الأرض بكيفي.
صاحت بغيظ وحقد:
ـ كيف يعني؟ يعني طلعنا أكده بولا حاجة؟ والمهر اللي كنا مستنين نتلايم عليه عشان نهد الدار ونبنيها من أول وجديد؟
أخذ يهز رأسه بتهكم مرير:
ـ بيعي الأرض بجى وهدي وابني يا خيتي كيف ما بدك، إني من الأول بجول إنك وش فقر.
ثم هب من مقعده وفر من أمامها بعصبية وهو يكاد يصاب بالجنون.
***
استيقظت ندى لتجد أن الساعة دقت الثامنة صباحًا، فأخذت تزفر بضيق، فقد فاتتها صلاة الفجر. ولكن كيف لم تسمع صوت المنبه؟
نهضت وهي تردد أذكار الصباح لتتفاجأ بأدهم يجلس على الأريكة المقابلة ويمسح وجهه من آثار النوم، ويبدو أنه أيضًا استيقظ للتو.
أخذت تنقل بصرها بينه وبين ذلك القميص القصير الذي بالكاد يصل لفوق ركبتيها. هل كان نائمًا هنا ورآها عارية هكذا أثناء نومها؟
شهقت بخفوت ثم ركضت من أمامه قبل أن ينتبه لها باتجاه المرحاض، ولكن كان قد توقع ذلك فكان أسرع منها وقبض على يدها وهي تركض من أمامه ليجذبها بقوة فوقعت جالسة على فخذيه. ومن فرط صدمتها من سرعته لم تقو على النطق، فقط تنظر له بصدمة.
ـ أنتي بتجري مني ليه؟ إحنا مش اتفقنا إننا هنكون زي أي اتنين متجوزين؟ يعني المفروض تبطلي كسوف مني بقى.
لم تستمع تقريبًا لما قاله، فقد كانت شاردة في ملامحه المثيرة. عينيه الناعسة، شعره الطويل الأشعث، صوته المتحشرج من أثر النوم، تفاحة آدم التي تتحرك مع حركة فمه.
بالطبع لاحظ شرودها وتأملها له، فابتسم بجاذبية ليقول بنبرة مثيرة:
ـ حلو.. مش كدا؟
ردت وكأنها في عالم آخر:
ـ ها؟
ازدادت ابتسامته اتساعًا ليسترسل بمزيد من الإثارة:
ـ وأنتي كمان حلوة.
كادت أن تفقد وعيها من فرط جاذبيته وجمال نبرته المثيرة التي جعلتها أسيرة له، ولكنها ابتلعت ريقها بصعوبة ثم أخيرًا عادت لوعيها لتقول بتوتر وتوسل:
ـ أدهم أنا عايزة أدخل الحمام.
ترك يدها فنهضت سريعًا لتركض مرة أخرى باتجاه الحمام وتغلق الباب ثم تستند عليه من الداخل وهي تضع يدها على موضع قلبها وتحاول تهدئة ضربات قلبها وأيضًا أنفاسها المتسارعة.
بينما أدهم ضحك من مظهرها المرتبك ثم قال بصوت عال لتسمعه:
ـ مسيرك تقعي تحت إيدي يا ندى ومش هتعرفي تفلتي.
كان يقصد فقط مشاكساتها لا أكثر حتى يقلل من خجلها وتوترها المستمر أمامه.
بينما هي ابتسمت من عبارته وهي تتنهد بعشق خالص لذلك الذي سيفقدها عقلها يومًا.
تركها بالمرحاض وغادر الغرفة متجهًا إلى غرفته ليأخذ حمامه الصباحي ويصلي الصبح قضاءً، ثم ارتدى حلة سوداء بقميص أسود بدون ربطة عنق وانتعل حذاءه، ثم أخبر والدته أنه سيذهب لصديقه آسر ليكونا في استقبال حماه في المطار ومن ثم يحضر معه مراسم الدفن.
بعد حوالي ساعتين كان كل من آسر وأدهم في مطار القاهرة يجلسان في مقاعد الانتظار، وقد كان آسر يرتدي حلة سوداء أيضًا بدون ربطة عنق تمامًا مثل أدهم في صدفة غير مقصودة.
بعد دقائق قليلة أقبلت عليهما والدة مودة وهي منهارة من البكاء وقد وصلت المطار لتوها قادمة من مدينة جدة حيث تقيم مع زوجها الثاني. وحين رأت آسر ركضت إليه وهي تبكي بشدة وتنوح إلى أن التقطها يسندها وهي تكاد تفقد وعيها وقد خارت قواها تمامًا من فرط الحزن والنواح.
ـ ميريهان يا آسر ماتت؟ ماتت وهي زعلانة مني؟ يعني مش هشوفها ولا هكلمها تاني؟ مش هطلب منها تسامحني؟ آاااااه يا حرقة قلبي عليكي يا بنتي.
أخذ آسر يربت على كتفها بمواساة وهو في أشد الحاجة لمن يواسيه، ثم قال لها بنبرة باكية:
ـ اهدي يا طنط بالله عليكي، مينفعش اللي انتي بتعمليه دا عشان خاطر ميريهان، هي مش هتكون مبسوطة بكدا، ادعيلها يا طنط، ادعيلها ربنا يرحمها ويصبرنا على فراقها.
كانت تبكي على كتفه ونياط قلبها تتمزق من الحسرة. فحتى أنها لم ترها قبل موتها ولم تعلم شيئًا عن تلك الحادثة التي أودت بحياتها. لم تودعها، ماتت دون أن تغفر لها. تبكي والندم ينهش بصدرها والحسرة تكاد تقتلها.
دوى صوت المذيع الداخلي بهبوط الطائرة القادمة من برلين، لينتصب الثلاثة في وقفتهم في انتظار جثة ميريهان المحفوظة داخل صندوق خشبي لتظهر بعد قليل محمولة على أكتاف أربعة من الرجال منهم أبوها في مشهد يدمي القلب.
لتخرج صرخة مدوية من فم أمها، فقام آسر سريعًا يتكمم فمها بكفه حتى يمنعها من مزيد من الصراخ وهو يقول لها بحدة:
ـ من فضلك متصوتيش، عيطي من غير صوت كدا مينفعش.
هزت رأسها بإيجاب والدموع تنحدر من مقلتيها بدون توقف، فتركها وأخذ أدهم ليحملا الصندوق بدلًا من اثنين من عمال المطار حتى أوصلوه إلى سيارة الإسعاف التي كانت تنتظرهم خارج المطار.
انطلقت السيارة إلى المسجد لإقامة صلاة الجنازة وركب كل من آسر بجوار أدهم ومحمد وزوجته بالمقعد الخلفي، فقام آسر بالاتصال بوالده ليخبره أنهم في طريقهم للمسجد، فقد كان ينتظرهم هناك.
تمت صلاة الجنازة ومن ثم أخذوها للمقابر الخاصة بعائلتها ليقوم آسر بخلع سترته وشمر عن ساعديه وقام بدفنها بمساعدة عامل المقبرة وأبيها، ولكن لم يستطع تحمل ردمها بالتراب وانسحب بعيدًا ليسنده أدهم وهو يربت على ظهره دون أن يتفوه بحرف، فكل الحروف قد عجزت عن صياغة الكلمات التي يمكن أن تواسيه بها.
***
عودة لسوهاج.
مازال معتصم بمكانه في اسطبل الخيول بعدما غادرت ريم لتضب ملابسها وأغراضها بحقيبة السفر.
قام بالاتصال بشقيقه لأمر ما ليرد حمد بصوت ناعس:
ـ أيوة يا عصوم.
ـ أنت لسة نايم يا حمد؟
ـ الساعة لسة تسعة، هصحى دلوقتي أعمل إيه؟
ـ آه يا خويا عامل فيها عريس.
ـ ولا عريس ولا نيلة، الله يسامحك على اللي عملته فيا.
ضحك معتصم ليقول بمزاح:
ـ بكرة تدعيلي.
ـ أتمنى ذلك.
ـ المهم قوم فوق كدا وجهز عشان هتاخد ريم معاكوا وانتو مسافرين توصلوها لحد بيتها في القاهرة.
ـ إيه دا هي ريم برضو مصممة تمشي؟
ـ أيوه مصممة، بس طبعًا مش هسيبها ترجع لوحدها.
ـ تمام يا عصوم، ساعة كدا وأكون جهزت. كلم بقى هشام وعيشة خليهم يستعدوا عشان نمشي علطول.
ـ تمام، عايزك تخلص كل الشغل المتأخر اللي في الشركة في خلال الأسبوعين الجايين، عشان هتاخد إجازة شهر تقضيه مع عروستك وهكمل أنا مكانك.
ـ شهر كتير أوي يا معتصم.
ـ يا خي حد يطول ياخد إجازة شهر!
ـ ماشي يا سيدي عقبالك وهديك شهرين. أوبس أنا نسيت إنك متجوز أصلًا.
تجهمت ملامح معتصم بضيق ثم قال مغيرا مجرى الحديث:
ـ أخلص مفيش وقت، سلام.
أغلق الهاتف وهو يزفر بضيق من تلك الزيجة التي تلاحقه كاللعنة. لو يدري أنه سيقع في شباك الحب ما قبل بها أبدًا.
عاد إلى الدوار ليبحث عن ريم فانقبض قلبه خشية أن تكون قد سافرت بمفردها، فقام بالاتصال بها:
ـ ألو ريم. أنتي فين؟
ـ أنا في الأوضة اللي في المضيفة بجهز شنطتي.
ـ طيب تعالي أنا مستنيكي برا، عايز أتكلم معاكي في حاجة مهمة.
ـ حاضر ثواني.
ارتدت حجابها على عجل ثم خرجت له ويخالجها شعور بالخجل منذ أن طلبها للزواج، ولكنها حاولت التظاهر بحالة طبيعية لتجده يجلس بغرفة الجلوس ينتظرها.
استقبلها بابتسامة حالمة تجاوزتها حتى لا يزداد خجلها ثم جلست بالأريكة المقابلة له لتقول:
ـ خير في إيه؟
حاول التحلي بالجدية وهو يقول:
ـ كل خير إن شاء الله. حمد وعيشة وجوزها مسافرين القاهرة بعد شوية، فأنا عرفت حمد ياخدك معاه ويوصلك لحد البيت.
هزت رأسها بالنفي:
ـ أنا آسفة يا معتصم مش هينفع.
زفر أنفاسه بضيق بالغ ثم قال بانفعال طفيف:
ـ هو مفيش حاجة تقولي عليها ماشي من أول مرة أبدًا!
هبت من جلستها لتقول بذات الانفعال:
ـ أنت بتزعقلي كدا ليه؟ مش من حقك تزعقلي على فكرة.
أخذ يمسح وجهه من الغضب وهو يستغفر بخفوت ثم قال بهدوء نوعًا ما:
ـ يا ريم أنا خايف عليكي إنك تسافري لوحدك، وهكون مطمن أكتر لما أخويا يوصلك.
ردت بتحدِ:
ـ متنساش إني جيت هنا لوحدي وزي ما جيت لوحدي هقدر أرجع لوحدي.
نهض بعصبية من مجلسه ليقترب منها ويصيح بانفعال:
ـ ممكن أعرف إيه وجهة نظرك في الرفض؟ ولا هو عند وخلاص؟
لوحت بيديها بعشوائية:
ـ وأنا هعند معاك ليه؟ كل الحكاية إن أدهم لو عرف إني ركبت عربية حد غريب المسافة دي كلها هيزعل جدًا مني.
أمال رأسه إليها ليقول بغيظ:
ـ ما قولتلك عيشة أختي هتكون معاكم، يعني مش هتسافري لوحدك في عربيته.
ربعت ذراعيها أمام صدرها لتقول بإصرار:
ـ لأ برضو مش هينفع.
اقترب منها للغاية مميلًا رأسه للأسفل لأنها أقصر منه قامة حتى كادت أن تختلط أنفاسهما، ليصيح بنبرة قاطعة:
ـ بقولك إيه، أنتي هتسافري مع أخواتي يا إما ووديني ما أنتي متحركة من هنا، فاهمة؟
أجفلت من قربه الشديد ومن نبرته العالية لتقول بتوتر وكأنها قد ارتعبت منه:
ـ هسأل أدهم الأول.
حانت منه بسمة انتصار أخفاها سريعًا ثم قال بجدية:
ـ تمام، كلميه وجهزي.
رفعت حاجبيها باندهاش لتقول بسخرية وهي تغادر من أمامه:
ـ بتتكلم كدا كأنك واثق إنه هيوافق.
أخذ يهز رأسه بيأس وهو يبتسم، وما إن ابتعدت عنه مقدار خطوتين عاد يناديها بنبرة حانية على النقيض تمامًا من نبرته الحادة منذ قليل. نبرته جعلت دقات قلبها تتسارع، فالتفتت له مهمهمة:
ـ امممم.
ـ هتكلمي أخوكي على طلبي؟
سكتت مليًا تلملم شتات نفسها ثم قالت بجدية:
ـ أكيد طبعًا، موافقة أدهم قبل موافقتي.
هز رأسه بموافقة ثم قال بنبرة راجية:
ـ تمام هستنى ردك على أحر من الجمر.
أطرقت رأسها وهي تبتسم بخجل ثم استدارت لتغادر من أمامه سريعًا، بينما هو بقي ينظر في أثرها بعشق بالغ وهو يُمني نفسه بقرب اللقاء.
قامت ريم بالاتصال بأدهم عدة مرات ولكن لم يجب ولا مرة، فهو كان في ذلك الوقت في جنازة ميريهان وكان هاتفه على وضع الصامت.
تأففت بضيق ثم لم تجد بدا من الذهاب مع حمد وسوف تقوم بالاتصال به لاحقًا أثناء سفرها بالطريق.
قامت ريم بتوديع الحاجة أم معتصم ومارتينا ومعتصم ذاته الذي كان يودعها بحزن لفراقها ولو مؤقتًا.
كان يومًا عصيبًا للغاية على محمد والد ميريهان ووالدتها وآسر الذي كان في أشد حالات البؤس، إلى الآن لا يصدق أنه فقدها للأبد.
انتهت مراسم العزاء وعاد محمد في المساء إلى ألمانيا مرة أخرى للحاق بمودة، فقلبه يؤلمه كثيرًا عليها ويخشى فراقها هي الأخرى.
بينما قام أدهم بتوصيل آسر ووالده إلى منزلهما، أما والدة مودة أقامت بفندق لتعود في الصباح الباكر إلى جدة بالمملكة العربية السعودية.
في تمام الثامنة مساءً عاد أدهم إلى المنزل وتتجلى علامات الإرهاق على ملامحه، وبمجرد أن رأته ريم تدلف من باب الشقة صرخت باسمه ثم ركضت إليه تحتضنه بشدة وهو أيضًا يشدد من احتضانه لها وهو يضحك ويقول:
ـ وحشتيني يا شقية انتي، وحشتيني أوي.
ـ وأنت كمان يا حبيبي وحشتني أوي.
ابتعد عنها ثم أحاط كتفها بذراعه وسارا سويا لغرفة الاستقبال وهو يسألها بدهشة:
ـ أنتي جيتي امتى؟ وإزاي معرفتنيش؟
أجابته بغضب مصطنع:
ـ ما سيادتك مبتردش يا بيه، شوف موبايلك كدا هتعرف رنيت ولا لأ؟
استل هاتفه من جيب بنطاله وهو يقول بتذكر:
ـ أيوه صح أنا كنت عامل silent عشان العزا بس نسيت خالص أبص عليه.
أخذ يتفقد سجل المكالمات الفائتة ليجد عدة مكالمات من ريم وأخرى من والدته وأيضًا مكالمة واحدة فائتة من ندى، فابتسم بسخرية لذلك فيبدو أنها لم تحاول إعادة الاتصال به حين لم يرد عليها.
وصلا إلى الغرفة ليجد والدته وندى يجلسان سويا في انتظاره، انحنى يقبل يد والدته ثم اتجه إلى ندى وألقى عليها تحية السلام ثم جلس بجوارها ليهمس لها:
ـ ازيك عاملة إيه؟
أومأت وهي تقول ببسمة خجلى:
ـ كويسة الحمدلله.
حمحم ثم قال محاولًا تبرير عدم رده عليها:
ـ على فكرة الفون كان صامت لما رنيتي عليا ولسه شايفه حالا.
هزت رأسها عدة مرات ثم أجابته بخفوت:
ـ أنا كنت بطمن عليك بس لما اتأخرت أوي.
أومأ وشعور بسعادة لا يعرف سببها يغمره، أو ربما راحة نفسية لا يدري. أن تهتم به ملاك كـ"ندى" فهو شيء يدعو للارتياح.
كانت والدته وأخته يراقبان ويتغامزان عليهما، فريم لأول مرة ترى شقيقها يتحدث بتلك الرقة ويبرر دون أن يوجه إليه اللوم. حقًا رأته شخصًا آخر، فحتى حين كان مرتبطًا بـ دارين لم يكن بتلك الحالمية بتاتًا البتة.
ـ سيدي يا سيدي على أدهم باشا الحبيب.
التقط الوسادة من جانبه فألقاها بها وهو يقول:
ـ امشي يا حقودة انتي.
ضحكت ريم وهي تلتقط الوسادة ومن ثم ضحكوا جميعًا، فنهض أدهم وهو يقول:
ـ أنا هدخل آخد شاور وأغير هدومي وأرجعلك يا دكتورة ريم عشان تحكيلي على اللي حصل معاكي في الصعيد.
أومأت ريم وهي تفكر من أين تبدأ له حكايتها مع معتصم وبأي كلمات سوف تصفه بها وكيف ستسرد له طلبه الزواج بها.
ـ قومي مع أدهم يا ندى.
قالتها السيدة تيسير لتنظر ندى لها بتردد في بادئ الأمر ثم لم تجد بدا من الاستجابة لأمرها.
دلف أدهم غرفته وكاد أن يغلق الباب فتفاجأ بندى تدفعه، فنظر لها باستفهام فقالت له بارتباك:
ـ دي ماما تيسير قالتلي أجيلك عشان لو احتاجت حاجة.
أغلق الباب من خلفها ثم سبقها ليجلس بتعب على حافة الفراش، ولكن ندى مازالت واقفة متسمرة بمكانها بجانب الباب ليهتف بها:
ـ ندى ممكن بعد إذنك تدلكي رقبتي؟
أومأت وهي تبتلع ريقها بصعوبة من فرط التوتر، فقربه الزائد يربكها للغاية، أما هو بدأ في فك أزرار قميصه ثم خلعه لتعتلي ندى الفراش وتجلس خلفه ثم تبدأ في تدليك كتفيه. تشنجت عضلاته أثر لمستها الأولى لتشعر بتيبسها تحت يديها، ولكن أخذ نفسًا عميقًا يحاول تهدئة مشاعره التي تولدت بداخله إثر قربها منه ثم بدأت عضلاته ترتخي رويدًا رويدًا تحت لمساتها الحنونة وبقيا على ذلك دقيقة أو دقيقتان.
ـ أنتي شاطرة أوي في المساچ.
ضحكت رغما عنها ثم قالت بجدية:
ـ اممم… كنت بعمل مساج لبابا دايما لأكتافه ورقته لحد ما بقيت خبرة.
ضحك أدهم ثم باغتها بمسك يديها وهي خلفه ثم قبل باطنهما:
ـ شكرًا، تسلم إيديكي.
تسمرت ندى من فعلته، بينما هو نهض وهو يحاول السيطرة على مشاعره التي تدفعه لاحتضانها وسحقها بين ذراعيه، ثم التقط ملابسه من الخزانة واتجه مباشرة إلى المرحاض دون أن يلتفت إليها، بينما بقيت هي تهدئ من نبضاتها المتلاحقة. إنه يسحبها إلى دوامة عشقه بأفعاله دون أن يشعر. وهل كان ينقصها عشق فوق العشق الذي يغمر قلبها!
بعد قليل خرج من المرحاض مرتديًا ملابس بيتية مريحة، وكانت ندى حينئذٍ تمشط شعرها أمام المرآة، فوقف خلفها وكان أطول منها قامة والتقط فرشاته وأخذ يمشط شعره وهو ينظر لها بتأمل في المرآة، الأمر الذي أربكها، فوضعت فرشاتها وتنحت لتفسح له ولكن قيدها بذراعيه يوقفها ثم تحدث إليها عبر المرآة وهو خلفها:
ـ مش عارف ليه حاسس إنك مش قادرة تتعودي عليا، مع إني اتعودت عليكي بسرعة مكنتش متوقعها من نفسي، بس يمكن عشان انتي إنسانة نقية أوي وتتحبي بسرعة.
استدارت لتواجهه ولكنها بمجرد أن نظرت إلى عينيه المسلطة في عينيها تاهت منها الكلمات. إلى متى سيطغى حبه على قلبها ويعجز عقلها حتى عن التفكير؟ فقط دقاته تتسارع في حضرته وعينيها تتعطش لرؤيته.
ـ اتكلمي يا ندى، ساكتة ليه.
أجلت حنجرتها ثم حاولت أن تتحلى بالجدية:
ـ أدهم سبق وقلتلك إنك شخصية مميزة وأي بنت تتمناك، بس اعذرني ظروف جوازنا غريبة شوية ومن ناحية تانية بحاول أتأقلم على الحياة بدون بابا. بابا كان ومازال هو كل حاجة بالنسبالي وفراقه مأثر فيا جدًا.
هز رأسه عدة مرات بتفهم:
ـ أنا مقدر الظروف دي طبعًا وإن شاء الله الفراق ميطولش و…
لم يكد يكمل عبارته حتى قاطعه رنين هاتفه، فذهب ناحية الفراش والتقطه ثم فتح الخط ليجيب:
ـ ألو… أيوه يا باشا. انتداب؟ بكرة؟ وحضرتك بتبلغني دلوقتي؟ تمام تمام… تمام. شكرًا مع السلامة.
أقبلت عليه ندى لتستفسر منه بقلق:
ـ خير يا أدهم. مال شكلك اتغير كدا ليه؟
رد بملامح متجهمة:
ـ بلغوني إني طالع انتداب لجنوب سينا لمدة أسبوعين.
انفرج فمها بصدمة وتجهمت ملامحها بحزن بالغ حتى كادت أن تبكي، فكيف ستتحمل فراقه بعدما تقربت منه حتى كاد حلمها باندماجها معه أن يتحقق.
لاحظ شرودها وتجهم وجهها فاقترب منها وقام بلف ذراعه حول خصرها ليضم جسدها إلى جسده قليلًا ثم قال وهو ينظر لها بحزن حاول إخفاءه:
ـ عادي يا ندى أنا متعود على كدا، مش أول مرة يعني.
هزت رأسها وهي تجاهد عينيها لألا تبكي ثم قالت بصوت متحشرج:
ـ تروح وترجع بالسلامة إن شاء الله.
قبل مقدمة رأسها ثم تركها واتجه نحو الخزانة ليستخرج منها حقيبة سفر، فأقبلت عليه:
ـ أنا ممكن أساعدك في تجهيز الشنطة.
هز رأسه بالإيجاب وقاما معًا بترتيب الملابس وغيره من متعلقاته الشخصية.
بعد حوالي ساعة انتظرته ريم خلالها لإخباره بأمر معتصم، أقبل عليها أخيرًا وجلس بجوارها لتقول له بتأفف وضيق:
ـ إيه يا أدهم؟ كل دا بتاخد شاور وبتغير؟
نهرتها أمها بنظرة زاجرة:
ـ بنت عيب كدا.
ضحك أدهم وهو يقول:
ـ سيبيها تتكلم براحتها يا ماما. ثم قرصها من وجنتها بمزاح:
ـ كنت بجهز شنطتي عشان مسافر بكرة يا غلباوية انتي.
شهقت بخفوت ثم سألته بحزن:
ـ مسافر فين؟ هو أنا أرجع انت تسافر؟
ـ لسه جايلي مكالمة من الإدارة بلغوني بأمر انتداب مؤقت لمدة أسبوعين في جنوب سينا.
تهدل كتفاها بإحباط بالغ ثم تمتمت بحزن:
ـ تروح وتيجي بالسلامة يا حبيبي.
أمنت أمها على دعائها ثم قالت:
ـ خلي بالك من نفسك يا أدهم وطمنا عليك طول الوقت يابني.
ـ حاضر يا ماما، وأنتو كمان خلوا بالكم من نفسكم وخلي بالك من ندى يا ماما.
ـ ندى في عيني يا حبيبي.
وكزته ريم بكتفها:
ـ أيوه يا عم بقى ليك حد نوصلك عليه.
ـ عقبالك يا حقودة.
ـ جينا بقى لمربط الفرس.
ـ خير.
اعتدلت في جلستها لتكون بمواجهته ثم أجلت حنجرتها لتتحدث بتوتر طفيف مع قليل من الخجل:
ـ طبعًا أنت عارف معتصم اللي كلمك قبل كدا عشان يطمنك إن حادثة السرقة دي مش هتتكرر تاني، فاكره؟
سكت لوهلة يتذكره ثم ضيق عينيه بترقب:
ـ اممم. آه افتكرته، كبير البلد اللي قولتيلي عليه.
أخذت تلوح بيديها بحركة دائرية:
ـ هو مش كبير أوي يعني، أقصد كبير مقامًا بس مش كبير سنًا، هو تقريبًا قدك في العمر.
ـ اممم. آه وبعدين.
أخذت تفرك كفيها بتوتر ملحوظ ثم استرسلت:
ـ هو على فكرة خريج كلية اقتصاد وعلوم سياسية وعنده شركة ومصنع بيديرهم هو وأخوه هنا في القاهرة وشخصية متحضرة جدًا، وفي نفس الوقت هو يعتبر حاكم البلد بتاعته وعنده أملاك كتير فيها.
ـ اممم. جميل، وإيه تاني.
ـ هو كان طلب يتقدملي وأنا طبعًا مقولتلهوش رأيي واستنيت لما أقولك وفهمته إن موافقتك قبل موافقتي.
سكت أدهم مليًا يدير حديثها عنه في رأسه، وقرر أنه لن يسلم أخته الغالية لمجهول مهما كان رأيها وقناعتها فيه.
ـ واضح من طريقة كلامك عنه إنك ميالة ليه.
ـ بصراحة يا أدهم هو لما حكالي عن مشوار حياته انبهرت بيه وحسيته شخصية من الشخصيات النادرة والناجحة رغم صغر سنه.
انتفخت أوداجه بغضب ثم قال بنبرة مخيفة:
ـ اممم. واضح كمان إنك كنتي بتقعدي معاه وتحكي له ويحكيلك.
ابتلعت ريقها بصعوبة لتقول بتوضيح:
ـ لا يا أدهم أنت عارفني كويس، دي كانت مرة واحدة بس اللي حكالي فيها عن نفسه لما استضافني في مضيفة بيته بعد حادثة السرقة ومقعدتش بعدها غير يومين تقريبًا وقررت النهاردة إني أرجع. وعلى فكرة هو لسه مكلمني على موضوع طلب الجواز دا النهاردة قبل ما أسافر.
هز رأسه عدة مرات ثم قال بجدية:
ـ وأنا لو مش واثق فيكي يا ريم كان هيكون ليا تصرف تاني. أنا من حيث المبدأ معنديش اعتراض طالما أنتي شايفاه كويس، بس دا ميمنعش إني لازم أقابله وأتعرف عليه وعلى عيلته وبعدين نبلغه برأينا النهائي.
أحست بقليل من الارتياح، فهو محق في قراره تمامًا وطالما أدهم وكيلها بعد الله فلا مجال للقلق.
رواية مهمة زواج الفصل التاسع عشر 19 - بقلم دعاء فؤاد
أنهت ريم حديثها مع شقيقها ثم دلفت إلى غرفتها و التقطت هاتفها و استخرجت رقم معتصم فشردت في ذكرياتها القليلة معه و هي تبتسم بحالمية، لقد استطاع أن يستحوذ على تفكيرها و ربما قلبها في غضون أيام قليلة……
شخصيته المتعددة الجوانب و نجاحه المعتمد على ذكائه و مكانته بين أهل بلدته رغم صغر سنه و فوق كل ذلك رقته المتناهية و احتوائه لها الذي لمسته فيه في أثناء نوبات الهلع التي أتتها هناك، كل تلك الأشياء أسرت قلبها في سجن حبه..
اتخذت قرارها بالاتصال به و أخباره بحوارها مع شقيقها…
على الناحية الأخرى..
رغم حلول الليل و انتشار الظلام الدامس الذي عم اسطبل الخيول إلا أنه قضى وقتا طويلا واقفا هناك شاردا بحزن في أحواله التي انقلبت رأسا على عقب… زواج غير متكافئ بالمرة من المدعوة نرمين ثم بعد حوالي خمس سنوات منه يقع في حب أخرى لتنقلب حياته الى جحيم لا يدري متى سيغفر له حتى يخرج منه.
رن هاتفه برقم ريم لينظر الى الشاشة ليجد اسمها يضيئها تماما كما أضاءت عتمة قلبه، فابتسم بعشق رغم لمحة الحزن التي كست ملامحه ثم فتح الخط ليجيبها:
ـــ ألو.. ازيك يا ريم.. حمد الله على السلامة.
ابتسمت رغما عنها و هي تجيبه:
ـــ الله يسلمك يا معتصم.
ـــ أخبارك إيه؟.. و الجرح اللي في رجلك اخباره ايه دلوقتي؟
ـــ تمام الحمد لله كويس..
سكت ينتظر أن تبشره بخبر ربما يثلج صدره، لتقول بعد برهة:
ـــ أنا كلمت أدهم في موضوعنا من شوية
ـــ اممم و قال ايه؟!
ـــ عايز يتعرف عليك و على عيلتك الأول و بعد كدا يقرر هيوافق ولا لأ
ـــ تمام.. حقه طبعاً.
ـــ خلاص كلمه و اتفق معاه.
ـــ هكلمه حالا.. ايه رأيك اعزمه على فرح أخويا حمد بعد اسبوعين ان شاء الله.
ـــ حلو اوى.. يكون رجع من الانتداب..
ـــ انتداب ايه؟!
ـــ أصل أدهم مسافر الصبح لجنوب سينا و هيرجع بعد اسبوعين ان شاء الله..
ـــ طاب ألحق أكلمه بقى قبل ما يسافر.
ـــ تمام كلمه.
ـــ تمام.. خلي بالك من نفسك و ابقي طمنيني عليكي.
ـــ حاضر سلام.
ـــ سلام.
أغلق الخط مع ريم ثم أخذ نفسا عميقا استعدادا للاتصال بأدهم.. فيبدو أنه ليس شخصا سهلا و أكثر ما يقلقه أن يكتشف زواجه بأخرى قبل تسوية أموره و يفسد كل شيئ..
قام بلمس ايقونة الاتصال ثم وضع الهاتف على أذنه ينتظر اجابته و بعد ثانيتان أو ثلاث أتاه صوته العميق ليرد:
ـــ و عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. أدهم باشا أكيد حضرتك لسة فاكرني..
أجابه بجدية تامة:
ـــ أيوة طبعا فاكرك يا معتصم بيه و مسجل رقمك..
أجلى معتصم حنجرته ليقول:
ـــ احم… دكتورة ريم قالتلي ان حضرتك عايز تتعرف عليا و على العيلة.
ـــ أولا بلاش حضرتك و الالقاب دي.. اعتقد اننا من سن بعض و مفيش داعي للجو دا.
أحس معتصم بقليل من الارتياح:
ـــ صح معاك حق.
ـــ ثانيا بقى يشرفني طبعا اننا نتعرف على بعض و نقرب من بعض أكتر.
ـــ طبعاً يا باشا شرف ليا.. عشان كدا بعزمك انت و الدكتورة ريم و بقيت العيلة الكريمة على فرح أخويا الجمعة اللي بعد الجاية ان شاء الله هنا في البلد.. و لو تمام هبعتلكم عربية تاخدكم من القاهرة لحد البيت هنا.
سكت أدهم مليا يفكر ثم أومأ بموافقة:
ـــ تمام.. ان شاء الله نتقابل في الفرح و نتعرف على بعض.
ـــ تمام يا أدهم باشا هتنوروا البلد كلها.
ـــ منورة بأهلها يا معتصم بيه.. أشوفك على خير ان شاء الله.. مع السلامة
ـــ مع السلامة يا باشا اتفضل.
أغلق الخط ثم تنفس الصعداء، لأول مرة يتحدث مع شخص بكل هذا التحفظ و التوتر.. و لكن لأجلها يتحمل الصعب مادام سينعم بنيلها.
أخذ يخلل أصابعه في خصلات شعره بشرود و هو يتأمل السماء بنجومها المتلئلئة…مابال الشرود و الحزن يلازمنه منذ دق قلبه بحبها.. للأسف لقد مال قلبه لها في الوقت الخطأ.
فتح هاتفه بعدما فكر في الاتصال بنرمين يمهد لها أمر انفصالهما، و بعد تفكير طويل حسم أمره بالتحدث اليها…
في تلك الأثناء كانت جالسة بفراش الزوجية تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي بملل عبر هاتفها الثمين لتتفاجئ برقم معتصم يضيئ شاشة هاتفها، فاتسعت ابتسامتها باشتياق بالغ و فتحت الخط….
و حينها أتاه صوتها الملهوف.
ـــ ألو.. ازيك يا نرمين عاملة ايه؟!
ـــ يااااه يا معتصم!.. لسة فاكر ان ليك زوجة اسمها نرمين؟!
أخذ يركل حبات الحصى بقدمه:
ـــ معلش يا نرمين كنت مشغول جداً الايام اللي فاتت..
اتكأت بكوعها على الوسادة لتجيبه بدلال:
ـــ ماشي يا حبيبي انت عارف اني مبعرفش ازعل منك… طمني عليك عامل ايه؟
تنهد تنهيدة عميقة ثم أجابها:
ـــ أنا كويس الحمد لله..
ـــ وحشتني اوى اوى يا معتصم… مستنية أشوفك بفارغ الصبر
سكت و لم يستطع أن يرد… فاسترسلت بمزيد من الهيام:
ـــ وحشني حضنك و نفسي اترمي فيه… كل حاجة فيك وحشاني.. كل يوم بكون عايزة اكلمك بس بخاف تزعل مني.
سكت يأخذ نفسا عميقا و الشعور بالذنب يتفاقم بداخله كلما تحدثت بالمزيد.. سألها بنبرة هادئة يملأها الشجن:
ـــ حبتيني امتى يا نرمين؟
ابتسمت بحالمية ثم أجابته بعشق جامح:
ـــ من أول شهر في جوازنا…
ـــ ليه؟
تنهدت بعمق ثم قالت:
ــ بدأت أقارن بينك و بين عادل الله يرحمه في كل حاجة.. اكتشفت اني كان فايتني كتير اوي و انا معاه.. و انت عيشتني احاسيس عمري ما حسيتها معاه.. لحد ما وقعت في حبك لدرجة الادمان.. بس خوفت أحسسك بكدا عشان متبعدش عني.
بدأت نبرته تحتد بجدية:
ـــ بس دا مكانش اتفاقنا.
تجهمت ملامحها بحزن ثم قالت:
ـــ عارفة.. بس حصل غصب عني.
أجابها بنبرة جادة قاتلة:
ـــ بس أنا محبتكيش يا نرمين.
شعرت كأنه غرس خنجرا في قلبها و لكنها تظاهرت باللامبالاة:
ـــ مش مهم.. مسيرك هتحبني عاجلا ام آجلا.
ـــ فات خمس سنين من جوازنا و محبتكيش.. معقول ممكن احبك بعد السنين دي كلها؟!
قطبت جبينها باستغراب و أحست بوجود خطبا ما:
ـــ في ايه يا معتصم؟!.. اول مرة تتكلم معايا في الموضوع دا.. بقالي فترة بلمحلك بحبي ليك و انت كل مرة بتصدني.. بس مفيش مرة ناقشتني بالطريقة دي.
زفر أنفاسه بضيق بالغ ثم احتدت نبرته بانفعال:
ـــ عشان مش عايزك تتعلقي بحبال الهوا الدايبة…عايزك تفتكري دايما اننا اتفقنا على ان جوازنا للمصلحة مش اكتر من كدا و ان من حقي اني اتجوز بنت مناسبة ليا من كل النواحي.
تجهمت ملامحها بغضب و لكنها حاولت أن تتحدث بنبرة طبيعية لتقول:
ـــ و انا امتى كنت عارضتك في كدا؟.. اظن انت اللي مش حابب تتجوز.. ببساطة كدا عشان انا مكفياك.
انتفخت اوداجه بغضب جامح لهيتف بها و هو يصتك فكيه بغيظ:
ـــ عاجباني ثقتك في نفسك دي.. بس للأسف انتي فاهماني غلط.
ـــ فهمني انت الصح يا معتصم.
ـــ هفهمك… بس مش هينفع في التليفون.. لما ارجع هفهمك كل اللي انتي عايزة تفهميه.. سلام..
لم يترك لها الفرصة للرد فقد أغلق الخط في الحال..
أخذ يعتصر قبضتيه بغضب بالغ، فقد استطاعت استثارة عصبيته و تعكير صفوه و ندم أن تحدث اليها من الأساس… فلماذا يمهد لها؟!.. الأمر بيده ان أراد الاستمرار معها استمر و ان لم يرد فليطلقها بدون سرد الأسباب و المبررات..
بينما هي ألقت بالهاتف على الفراش بعصبية ثم أخذت تحدث نفسها بشك:
ــــ يا ترى في ايه يا معتصم و ايه مناسبة المكالمة دي؟!… حب جديد دا ولا ايه يا ابن الصعيدي!
تحاول فتح جفنيها و لكنهما ثقيلان للغاية.. تفتح فمها تحاول نطق اسمه تناديه لعله يساعدها على النهوض و لكن صوتها يأبى أن يتخطى حنجرتها، لتستسلم لتلك الغيمة مرة أخرى لتغوص بها لعلها تراه هناك في ذلك الحلم الذي تعيش فيه حرفيا.. تراه يفتح لها ذراعيه و هي تقف بعيدا بفستانها الوردي لتتسع بسمتها و تركض اليه مستجيبة لنداء ذراعيه و ترتمي بأحضانه فيحملها و يدور بها في مكانه و هي تضحك بملئ فمها و تهتف به من بين ضحكاتها:
ـــ براحة يا آسر.. هتوقعني… لا يا آسر هتوقعني بجد..
حينما لاحظت الممرضة الألمانية المسؤلة عن حالتها أنها تحاول فتح عينيها و تحرك يديها سجلت ذلك في ملاحظاتها التمريضية ثم قامت بالاتصال بالدكتور رؤف تبلغه بتطور درجة وعي المريضة.
لم يكذب خبرا و قام فورا بفحصها فوجد أنها بالفعل تحاول فتح عينيها عند مناداة اسمها الأمر الذي يبشر بتحسن كبير و استجابة جيدة لبروتوكول العلاج..
و بعدها قام باستدعاء محمد والد مودة ليبلغه بآخر تطورات الحالة الصحية لها الأمر الذي أثار سروره البالغ و خر ساجدا شكرا لله.
قضى أدهم تلك الليلة ساهرا مع عائلته يودعهم استعدادا لرحيله و غيابه عنهم لأسبوعين كاملين حتى انتصف الليل، فأشفقت عليه أمه و نصحته بالخلود للنوم حتى يستطيع الاستيقاظ مبكرا للسفر.
مد يده لـندى لتعطيه يدها تحتضن يده ثم نهضت ليدلفا سويا الى غرفته..
دلفت ندى أولا لتجد هاتفها يرن برقم أبيها و يبدو أنه اتصل بها عدة مرات و لم تسمعه….
ـــ أدهم أنا هروح أكلم بابا في قوضتي من اللاب فيديو كول..
أومأ عدة مرات:
ـــ تمام.. ابقي سلميلي عليه كتير.
ابتسمت بود قائلة:
ـــ حاضر… عن اذنك.
سارت نحو الباب فاستوقفها ﻤناديا:
ـــ ندى
ـــ اممم
ـــ أنا هنام عشان هصحى بدري… و لما تخلصي ابقي تعالي نامي مكانك هنا.. متناميش في قوضتك..
هزت رأسها عدة مرات و هي تبتسم بحالمية و لم يسعفها عقلها لقول شيئ ثم استدارت لتغادر الغرفة على مضض… فلولا اشتياقها لأبيها و قلقها عليه لما تركته تلك الليلة بالذات.
بينما أدهم شعر بالاحباط، فقد كان يخطط لأن ينام الليلة و هي بين ذراعيه معبرا لها عن حبه و اشتياقه لها… فلا يعلم ان كان سيعود من تلك السفرة سالما أم لا!..
اعتلى فراشه ثم جلس به فابتسم بحالمية و هو يفكر… هل هذا إذن هو الحب الذي كان دوما يتسائل عنه و عن كيفية الشعور به؟!.. هل كان قلبه حجرا إذن قبل أن يلين هياما بها؟!
كان يتعجب من صديقه آسر حين يرى تبدل حاله حين يتحدث الى حبيبته الراحلة..كان دائما يتسائل هل الحب يبدل الأحوال هكذا؟!…الى أن رأى بأم عينيه غرقه اللامحدود في عشقها و في كل تفاصيلها صغيرة كانت او كبيرة..
استيقظ أدهم في تمام السادسة صباحا ليجد الفراش خاليا، فظن أنها قد نامت بغرفتها فهو لم يشعر بأي شيئ حين غفى على وسادته حتى استيقظ على صوت المنبه.
نهض و هو يردد أذكار الاستيقاظ ثم دلف المرحاض ليأخذ حمامه الصباحي و يتوضأ و يصلي الصبح..
أنهى صلاته ثم ارتدى ملابس غير رسمية ليسافر بها كانت عبارة عن بنطال جينز اسود و قميص أبيض مجسم و شمر كمه حتى منتصف ساعديه ثم مشط شعره و نثر عطره و نوى الخروج لكي يودع أمه و أخته و ندى ان كانت مستيقظة.
لم يكد يفتح الباب حتى وجد ندى تدلف و بيدها صينية بها طبق من الشطائر و كوب من اللبن الساخن، فقابلته ببسمة جميلة حبست أنفاسه و شعرها الغزير مع غرتها تتهافى على وجهها بجاذبية:
ـــ صباح الخير… انا قومت قبلك عشان الحق اعملك فطار.
التقط منها الصينية و هو مدهوشا من فعلتها ثم ذهب و وضعها على الكومود و قال بامتنان حقيقي:
ـــ شكرا يا ندى تسلم ايديكي..
ـــ بألف هنا.
ـــ تعالي كلي معايا بقى..
ـــ حاضر..
جلسا بجوار بعضهما على حافة الفراش، فناولها شطيرة ثم أخذ شطيرته و بدأ يأكل، و بعد ثوان قليلة باغتها بسؤاله:
ـــ نمتي فين امبارح؟!
حمحمت بتوتر ثم قالت بنبرة مترددة:
ـــ احم… بصراحة قعدت اتكلم مع بابا فترة طويلة و بعد ما قفلت معاه غصب عني نمت مكاني ع السرير.
هز رأسه عدة مرات،
فنظرت له بطرف عينها فوجدته متجهّم الملامح فسألته بتردّد:
ـــ زعلت؟!
هزّ رأسه بنفي ثم قال بنبرة باردة:
ـــ لأ عادي… براحتك.
شعرت من نبرته أنه غاضب، الأمر الذي أثار سرورها البالغ، فهذا إن دلّ فإنه يدلّ على حبّه لقربها أو ربما يكون قد أحبّها بالفعل… يبقى فقط أن يقرّ بحبّه بلسانه قبل أيّ شيء.
تناول كوب اللبن ثم وضعه على الكومود وهو ينهض:
ـــ الحمد لله… أنا كدا اتأخّرت والعربيّة تحت مستنياني بقالها أكتر من ربع ساعة.
نهضت هي الأخرى لتقف قبالته تتطلّع إليه بحزن بالغ لفراقه، قبّل مقدمة رأسها ثم نظر إليها بحزن وهو يقول:
ـــ مش عارف إذا كنت هعرف أكلّمك في التليفون ولا لأ.. لأن الشبكة هناك سيّئة والإتصالات صعبة.. مش عايزك تقلقي وماما وأخواتي متعودين على كدا وعارفين الكلام دا… خلّي بالك من نفسك.. أشوف وشك بخير..
اغرورقت عيناها بالدموع ولكنه لم يستطع أن يصمد واقفًا أمامها أكثر من ذلك، فحتّما إن بقي ثانية إضافيّة فلن يستطيع تركها بالمرّة، فذهب من أمامها ليحمل حقيبته على ظهره ويجر الأخرى بيده ثم سار مباشرة إلى الباب دون أن يلتفت لها.
بمجرد أن وصل إلى الباب نادته بلهفة فاستدار بمواجهتها وترك حقائبه حين ركضت إليه ترمي جسدها عليه ليرتدّ خطوة إلى الخلف أثر اندفاعها القويّ ناحيته، فتعلّقت بعنقه فمن ثم لفّ ذراعيه حول خصرها يحتضنها بقوّة نابعة من شدّة اشتياقه لها وهو منحني عليها نظرًا لقصر قامتها عنه، رَغْمًا عنها بكت على صدره فحملها ليرفعها قليلاً عن الأرض لتكون رأسها بمستوى رأسه فقامت بدورها بدفن رأسها بين رأسه وكتفه وهو يُمْرِمِغُ وجهه بشعرها يتنفّس عبقَه وهو يشدّد من تطويقه لها وكأنّها ستهرب منه…
كان الصمت مخيماً عليهما فلم يكن لأيّ منهما القدرة على التفوّه بأيّ شيء من فرط المشاعر الجيّاشة التي غمرَتْهُما..
يعلم جيّدًا أنّه تأخّر ولكنه استصعب تركها وكأنّها كانت غائبة عنه لسنوات، حتّى أتَتْهُ طرقات عالية متتالية على الباب وريم تصيح بصوت عال:
ـــ أدهم العربيّة مستنياك من بدري وبِتْضْرِبْ كلاكسات بقالها ساعة لما الجيران كلّها صحِيتْ.
فكّتْ عُقْدَةَ يدَيْها من حول عنقِهِ لتنزل على الأرض فابتعدتْ عنه قليلاً وهي تنظر له بخجل، فأخذ يمسح على شعره ويعيد هندام ملابسه محاولاً السيطرة على موجة المشاعر العاتية التي ضربتْ قلبَهُ حتّى جعلتْ من فراقِها أمرًا عَسِيرًا للغاية..
ـــ هتوحشيني..
قالها برقّة متناهية أجْفَلَتْ منها لتردّ عليه بنفس النبرة:
ـــ وانت كمان..
ابتسم ثم اختطف قبلة من وجنتِها وحمل حقيبَتَهُ مرّة أخرى وخرج سريعًا قبل أن يعود ويحتضنَها مرّة أخرى، وتركَها متَسْمِرَةً من فعلَتِهِ وهي تضع يدها على وجنتِها موضعَ قبلَتِهِ وقلبُها يرفرفُ من السعادة.
قام بتوديع أختِهِ وأمِّهِ ثم هبَطْ إلى أسفل المنزل ليجدَ السيّارة الخاصّة بالعمل تنتظِرَهُ..
فتحَ البابَ الخلفيّ ليتفاجأ بآسر يجلس بالخلف فصاحَ به بحدّة:
ـــ ناموسِيتْكَ كحْلِي يا أدهم باشا.. خير يابا الكلكسات دي كلّها مسْمَعْتْهاش؟!
ألقى حقيبَتَهُ بوجهِ صديقِهِ ليلْتَقِطْهَا قبل أن تَرْتَطِمْ بِرَأْسِهِ ثم ركبَ بِجَوَارِهِ وهو يقول:
ـــ انت إيه اللي جايبَكَ؟!
ـــ اللي جابَكَ هو اللي جابَنِي… اطْلَعْ يابْنِي..
انطلقتْ السيّارة في طريقِها إلى خارج حدود القاهرة، ليَسْتَرْسِلْ أدهم بِبُرُودْ:
ـــ همّا عاملين تمويه ولا إيه… محدّش بلَغَنِي إنّكَ معايا في الإنتداب..
ردَّ آسر بِسُخْرِيَةْ:
ـــ ولا أنا و حياتَكَ.. أنا لسّة عارف الصبح إنّكَ معايا.. بس مال شكلَكَ عَ الصَّبْحْ؟!
نَظَرْ له نَظْرَةً مطوَّلَةً ولِسَانُ حالِهِ يقول:
ـــ الله يكون في عونِكَ يا آسر… بِجَدْ عَذْرْتْكَ.. فِرَاقْ الحبيبْ صَعْبْ أوِي.
ـــ إيه يابْنِي بِتْبَصَّلِي كَدَا لِيْهْ؟!.. هو أنا لَحِقْتْ أوْحَشْكَ.
ابتَسَمَ نِصْفَ إبْتِسَامَةٍ وهو يقول بِمُزَاحْ:
ـــ انت عَلْطُولْ وَاحْشَنِي..
أعادَ رَأْسَهُ إلى الخَلْفْ ثم إسْتَرْسَلْ وهو مُغْمِضْ العَيْنَيْنْ:
ـــ بَقُولْكَ إِيهْ.. نِقْطَنِي بِسِكَاتْكَ بِقَى عَشَانْ عايِزْ أكْمَلْ نَوْمْ لَحَدْ ما نُوصِلْ.
فَعَلْ آسرُ كَما فَعَلْ صَدِيقُهُ ثم قال:
ـــ و الله يكون أحْسَنْ.
فَعَمَّ عَلَيْهِمَا صَمْتًا قَاتِلًا وكُلٌّ مِنْهُمَا هَائِمًا في عَالَمِهِ، أدهم يُفَكِّرْ في حَيَاتِهِ الجَدِيدَةْ ومَشَاعِرِهِ الدَّخِيلَةْ الَّتِي يُخْتَبِرْهَا لِأَوَّلْ مَرَّةٍ مَعْ نَدَى… وآسر شَارِدًا في حَبِيبْتِهِ الرَّاحِلَةْ وَذِكْرَيَاتِهِ الجَمِيلَةْ مَعْهَا وَكَيْفْ سَيْكْمِلْ حَيَاتَهُ بِدُونْهَا……
رواية مهمة زواج الفصل العشرون 20 - بقلم دعاء فؤاد
انتهى معتصم لتوه من إحدى جلسات الصلح بين عائلتين متخاصمتين، ثم خرج من المضيفة بعدما انفضت الجلسة قاصداً مجلس أمه المعتاد بالدوار.
انحنى يقبل ظهر يدها ثم جلس بجوارها متنهداً بتعب. فربتت أمه على فخذه باشفاق:
ـــ تعبت يا ولدي، إني خابرة.. ربنا يجعله في ميزان حسناتك يا حبة جلبي.
ابتسم بحب وهو يقول:
ـــ اللهمَّ آمين.. أيوه أكده إني ماريدش غير دعوتك الزينة ورضاكي عليا يا أمايا.
ـــ راضية عليك يا وليدي ودعالك من كل جلبي.
قبل يدها مرة أخرى ثم أجلى حنجرته ليقول بتردد:
ـــ إني يا مايا كنت ناوي أتحدت امعاكي في موضوع أكده مخابرش هيفرحك ولا…
ـــ جول يا ولدي والله بدي أفرح.
ابتلع ريقه بصعوبة ثم قال:
ـــ إني طلبت الدكتورة ريم للچواز قبل ما تعاود لمصر.
سكتت بصدمة لبرهة تحاول استيعاب ما تفوه به ولدها البكري، ثم أطرقت رأسها بحزن لتقول بملامح متجهمة:
ـــ عتلهيك المصراوية عنينا كيف ما اتلهيت في شركتك اللي في مصر وبجينا نشوفك كيف الرَّحالة.
رد عليها بلهفة:
ـــ لاه يا أمايا لا عشت ولا كنت… إن حصل نصيب واتجوزتها مش هبعد عنيكي واصل.. هنعيش وياكي في الدوار وهاخدها في الكام يوم اللي هشتغل فيهم في مصر.. يعني هتروح وتيجي امعايا.
نظرت له بحيرة ثم تحدثت باستنكار:
ـــ يعني بنت البلد كلها خلصت يا ولدي؟!
شدد من قبضته على يدها وهو يقول بنبرة هائمة:
ـــ هي اللي الجلب دجلها يا أمايا.. هي اللي خلتني أفكر في الچواز بعد ما كنت ما أفكرش فيه واصل.
أخذت تهز رأسها من اليمين لليسار وهي تقول بجدية:
ــــ إني خابرة إن البنت زينة.. چمال.. وأدب….. ونسبها يشرف…. بس كان بدي نسلك يبجى صعيدي أبا عن چد كيف ما بوك الله يرحمه كان بيحلم وبيتمنى يا ولدي…. لأجل ولدك ما يبجى الكبير من بعدك.
رد عليها بجدية:
ـــ وإني مناويش أخلع چلا بيتي الصعيدي مهما حصل.. وكيف ما أبويا رباني راح أربي ولدي.. ووعد يامايا ولدي هيعيش ويكبر في بلدي وهيبجى كبيرها من بعدي بإذن الله.
سكتت ومازالت ملامحها واجمة، فهي غير قادرة على إعطائه موافقة قاطعة من قلبها، لم يكن هذا ما تمنته ولا ما انتظرته منه… رغم حبها الكبير لريم كشخص، ولكنها لم تريدها كزوجة أبداً لولدها البكري وكبير العائلة.
ـــ طَوَّل سكوتك يامايا…
ردت بحزن وهي تتحاشى النظر إليه:
ـــ اعمل اللي فيه الصالح واللي يسعدك.. إني بدي تكون مرتاح وفرحان.
حانت منه شبه ابتسامة وقام بتقبيل يدها بامتنان، يعلم جيداً أنها غير راضية تماماً عن ذلك الأمر، ولكنها ما هي إلا لحظات وستمضي… ثم ستبارك زواجه بالتأكيد.
ـــ ربنا يخليكي لينا يامايا وما يحرمنا من حنيتك علينا واصل… إني كلمت أخوها وعزمتهم على فرح حمد لأجل ما نتعرفوا على بعض وبعدين هيبلغني جراره بعد كده.
هزت رأسها بموافقة وهي تقول بقلة حيلة:
ـــ يشرفوا يا ولدي.
قبل مقدمة رأسها وهو يقول بتوسل:
ـــ ادعيلي يامايا.
نظرت له بتمعن مندهشة من قلقه خشية عدم موافقة أخيها، ألهذا الحد يحبها؟! أهذا معتصم ولدها القوي الذي لا يخشى من شيء بل يخشاه الناس؟! متى أصبح ضعيفاً هكذا؟! ولكنها دعت له على أية حال:
ـــ ربنا يريح جلبك يا معتصم وينولك اللي في بالك يا ضي عيني.
احتضنها بشدة وهو يمني نفسه بأن يستجيب الله دعاءها عاجلاً غير آجل.
مرت عدة أيام كانت ثقيلة على المحبين… فالأيام لازالت تفرقهم والقلوب ملتاعة من بعد المسافات.
لم ينفك أدهم عن مهاتفة ندى ولكن كان الأمر صعباً للغاية… فالشبكة سيئة، وحين يتمكن من الاتصال بها بالكاد يسمع منها كلمة "ألو" ثم ينقطع بعدها الاتصال.
ذهب إلى كل مكان لعل الهاتف يلتقط الشبكة.. بعيداً في الصحراء.. أعلى مبنى العمل.. أعلى مبنى الاستراحة السكنية.. لم يترك مكان إلا وذهب له حتى كاد أن يُجن، وآسر يراقبه باندهاش.
مساءً دلف غرفة الاستراحة التي يتشاركها مع صديقه وهو يتأفف ويركل الباب بعصبية والهاتف بيده، فنظر له آسر باستنكار وكان حينها متمدداً بالفراش ثم قال مندهشاً:
ـــ مالك يا أدهم بتشاكل دبان وشك ليه؟!
ذهب وجلس بالفراش المقابل ثم قال بانفعال وهو ينظر للهاتف:
ـــ مش لاقي شبكة في أي مكان… لا عارف أكلم ماما ولا ندى ولا حتى رسائل الواتس بتوصلهم… أنا قرفت.
رفع حاجبيه بتعجب وهو يبتسم نصف ابتسامة ثم سأله بتوجس:
ـــ إيه الجديد؟!.. ما أنا وأنت عارفين الكلام ده كويس.. أول مرة أشوفك متعصب بسبب الشبكة في الكام مرة اللي جينا فيهم هنا.
نظر له أدهم وهو يتنهد بعمق ومازالت ملامحه عابسة، فاسترسل آسر بنبرة متهكمة:
ـــ الأدوار اتبدلت يا أدهم.. زمان كنت أنا اللي بتعصب وبنفخ بسبب الشبكة لأني ما كنتش عارف أكلم ميري ولا قادر أطمنها عليا لما بتكون قلقانة ولا عارف أكلمها لما بتوحشني… وأنت كنت بتتفرج عليا وأنت في منتهى البرود لدرجة إني ما كنتش مصدق أبداً إنك ممكن في يوم من الأيام تحب زي ما أنا حبيت.
أطرق أدهم رأسه وهو شارد في حديث صديقه، فاسترسل آسر بنفس النبرة:
ـــ دلوقتي بقيت أنا اللي بتفرج عليك ببرود وأنت اللي شايط من الشبكة.
قالها ثم ضحك بمرارة، ولكن أدهم يستمع ولا يعقب على كلامه وكأنه يتمعن به ويديره برأسه، فاسترسل آسر بنبرة جادة بها لمحة من الشجن:
ـــ أنت وقعت في حبها يا أدهم.. اعترف لنفسك بكده.. واضح أوي من عصبيتك قدامي دلوقتي… بس تصدق كنت فاكرك حجر وقفل زي ما محمود دايماً بيقول عليك… بس شايف في عينيك حنين ورومانسية ما كنتش متوقعها منك أبداً.
أخذ نفساً عميقاً وزفره ببطء ثم قال وهو ينظر أمامه في اللاشيء:
ـــ الراجل اللي مش رومانسي هو اللي قلبه مدقش لبنت… ولا عمره حب ولا عرف يعني إيه حب. عشان كده كنتوا كلكم فاكرني قفل… أما بمجرد ما القلب يدق لحبيبه بيلاقي نفسه اتحول تلقائياً لشخص تاني مع حبيبه بس.. مبيعرفش يقسى عليه لو قسى على الدنيا كلها.. الحب بيلين القلب الحجر يا آسر.. بيغير نظرة صاحبه لحاجات كتير.. أي نعم أحياناً مراية الحب عامية.. بس أحلى عمى ممكن يصيبك بالذات لو كان حبيبك يستاهل.
ابتسم آسر مشدوهاً ناظراً إليه باندهاش ثم قال بنبرة مفتخرة:
ـــ لا والله أنا مش مصدق إنك أدهم صاحبي.. دا انت عشرة 12 سنة يلا.. أول مرة أشوفك بتقول حكم وأشعار يخربيتك.
ضحك أدهم بملء فمه وهو يقول:
ـــ يخربيت الحب وسنينه يا صاحبي.. ما كنتش أعرف إن الحب بهدلة.
أخذا يضحكان ويتمزحان إلى أن تناسى شغفه للتحدث إليها ولو مؤقتاً.
لم يكن حال ندى بأفضل من أدهم… فطيلة الوقت الهاتف في يدها لا يفارقها.. ترسل له عشرات الرسائل عبر الواتساب ولكن لا يصله أياً منها حتى كاد عقلها أن يطير… لقد اشتاقت إليه.. يكاد قلبها ينخلع من مكانه من شدة قلقها عليه… فقط لو يطمئنها بجملة تطفئ نيران الوساوس المنضرمة برأسها.. ولكنها تعود وتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وتدعو الله له أن يحفظه ويعود إليها سالماً.
استدعت السيدة أم معتصم صافية خطيبة ابنها لكي تجالسها قليلاً حتى تعتاد الأجواء بالدوار وتشعرها بالاهتمام بدلاً من ولدها الذي وكأنه نسي أن له خطيبة.
ـــ نورتي الدار يا غالية.
ـــ منورة بأهلها يا خالة.
قالتها بخفوت وهي مطأطأة الرأس من فرط انطوائها وعدم اعتيادها على مخالطة الناس ومخاطبتهم، الأمر الذي جعل القلق ينتاب حماتها… فهل حمد ولدها اللبق سيتحمل طباعها الصامتة أو بالأحرى الباردة تلك؟!
ـــ تشربي امعايا الشاي يا مرت ولدي يا زينة انتي؟!
قالتها وهي تتودد إليها لعلها تتقرب منها وتفتح لها قلبها، فنهضت صافية بسرعة تسير باتجاه المطبخ، فنظرت لها السيدة باندهاش متمتمة:
ـــ على فين يا بتي؟!
ـــ هدلى أعالج ع الشاي يا خالة.
ـــ تعالي يا بتي إني هنادم على نعمة تعالج عليه.
ـــ لاه أمي جالتلي لازمن أولف ع الدار كأنها داري.
سكتت السيدة مصدومة من قولها، ولكن ما لبثت أن ابتسمت ابتسامة مصطنعة وهي تقول:
ـــ بكرة تولفي لما تزهجي.. تعالي بس اجعدي چاري أهنيه.
عادت إليها بانصياع ثم جلست بجوارها من جديد، فتحدثت السيدة مغيرة مجرى الحديث:
ـــ جوليلي بجى.. حمد عامل إيه امعاكي وانتي قايمة؟!
جعدت ما بين حاجبيها بعدم فهم:
ـــ كيف يعني؟!
تنهدت السيدة بنفاذ صبر ثم قالت:
ـــ يعني يابتي بيكلمك في التلفون وبتكلميه و…
قاطعتها بقولها:
ـــ إني مش شايلة تلفون.
ـــ باه.. كيف؟!.. يعني حمد لما بده يطمن عليكي بيكلمك كيف؟!
ـــ ما بيكلمنيش واصل… أمي جالتلي لازمن عريسك يشتريلك تلفون.. بس هو ما عملش كده.. وإني ما أشوفهوشي من يوم الشبكة.
في تلك اللحظة دلف إليهما معتصم وقد سمع كلام صافية الأخير فحمحم ثم ألقى عليهما السلام ووقف قبالتها قائلاً بنبرة كاذبة:
ـــ ما تاخذنيش يا صافية.. حمد كان موصيني أشتريلك تلفون بس إني اتلهيت ونسيت… بس إن شاء الله آخر النهار هبعتلك سمعان ومعاه واحد جديد بالخط بتاعه قايم.
سكتت قليلاً لا تدري كيف عليها أن تشكره، ثم قالت بخجل:
ـــ بس إني ما خبرش هستعمله كيف.. أبويا محرم علينا التلفونات ومعرفشي فيهم حاجة واصل.
تمتم معتصم مع نفسه بصوت خافت لم يصل إليها:
ـــ يا وجعة مربربة!!
ولكنه عاد يقول بجدية:
ـــ إني هسجل لك عليه رقم حمد وهعلمك كيف تفتحي عليه لما يرن عليكي.. وبعد كده لما حمد يعاود من مصر يعلمك كيف ما بدك كل حاجة فيه.
ابتسمت بسعادة ابتسامة أنارت وجهها الجميل وأظهرت غمازتها اليمنى.
تركهما معتصم واتجه إلى غرفته يضرب الأرض بقدميه من الغضب وهو يسب أخاه بخفوت، فكيف له أن يترك خطيبته هكذا دون أن يفكر في طريقة للتواصل معها… مر أكثر من خمسة أيام منذ أن خطبها… ألم يخطر بباله أن يحدثها حتى ولو لمرة واحدة… أفٍ لك يا حمد.
بمجرد أن دلف غرفته قام بالاتصال به فوراً وبعد عدة ثوان أتاه صوته يرد عليه فتحدث بنبرة جافة:
ـــ أنت بتكلم صافية يا حمد؟!
سكت حمد مستغرباً سؤاله ثم سأله ببرود:
ـــ وإيه مناسبة السؤال المفاجئ ده؟!.. هي اشتكتلك؟!
لوى فمه ببسمة ساخرة ثم قال بحدة:
ـــ هي دي بتعرف تشتكي!… ياريتها تشتكي زي البنات يمكن كنت عملتلها قيمة أكتر من كده.
أغمض حمد عينيه يكظم غيظه من أسلوب أخيه الساخر ثم رد بانفعال طفيف:
ـــ في إيه يا معتصم؟!.. إيه اللي حصل لده كله؟!
صاح فيه بغضب:
ـــ في إنك ما عندكش دم… كلها كام يوم وهتبقى مراتك وهيتقفل عليكم باب واحد وسيادتك مفضلها ومبتحاولش حتى تقرب منها… هتلاقي فين في أدبها وجمالها.. دا كفاية إنها خام متعرفش يعني إيه لوع… صافية وهي صافية فعلاً.
تنهد حمد بنفاذ صبر ثم رد ببرود:
ـــ خلصت؟!
استشاط معتصم منه غيظاً وصاح بعصبية:
ـــ أنت بارد كده ليه يا ابني؟!
رد بانفعال:
ـــ أنا خايف أتكلم معاها تسد نفسي منها أكتر ما هي مسدودة.. مبتعرفش تقول كلمتين على بعض من دماغها.. عشان كده قولت خليني بعيد أحسن لحد ما ربنا يسهل ونتجوز وأبقى أشوف حل لموضوع كلامها ده… مش عايز أنكد على نفسي من دلوقتي يا أخي.
زفر معتصم أنفاسه بضيق بالغ ثم أخذ يتمتم:
ـــ ربنا يهديك يا حمد.. ربنا يهديك.
تحدث حمد مغيراً مجرى الحديث:
ـــ أمي عاملة إيه؟
ـــ أمي زينة الحمد لله… هي اللي بعتت لصافية قعدت معاها شوية والكلام جاب بعضه وقالتها إن مش معاها تليفون… المهم هبعت سمعان يشتري واحد دلوقتي مع الخط وهبعتلك رقمها وهسجل رقمك عندها.. ويا ريت يعني بمجرد ما يوصلك الرقم تكلمها.
ابتسم حمد بامتنان لذلك الأخ الذي لا يتوانى أبداً عن التفكير في كل أفراد عائلته ثم قال:
ـــ ماشي يا معتصم… تعبتك معايا.
ـــ يا سيدي اتعبني أنت بس ومالكش دعوة.
ضحك حمد فاسترسل معتصم بهدوء:
ـــ حمد.
ـــ اممم.
ـــ أنا طلبت ريم للجواز يوم ما رجعت القاهرة.. وكلمت أخوها وعزمته على فرحك عشان نتعرف على بعض.
اتسعت عينا حمد بصدمة وهو يتمم:
ـــ أنت.. أنت بتقول إيه؟! ونرمين؟!.. نرمين وريم مع بعض؟! طاب إزاي؟!
اعتصر معتصم جفنيه بضيق ثم فتحهما قائلاً وهو يضغط فكيه:
ـــ الله يخليك يا حمد كفاية اللي سمعته من عيشة… أنا عارف كل اللي أنت عايز تقوله وفكرت في كل حاجة أنت فكرت فيها دلوقتي.. بس أنا بعون الله هحل كل حاجة.. هتتحل.. هتتحل يا حمد متقلقش.
ـــ أنا قلقان عليك أنت… حلها صعب أوي يا معتصم دا إن ما كانش مستحيل.
زفر أنفاسه بعنف وهو يقول بنفاذ صبر:
ـــ خلاص يا حمد أخوك مش شوية وأنت عارف كده كويس.. أنا عايزك معايا وف ضهري مش عايزك تكسر مجاديفي.
تنهد حمد بقلة حيلة:
ـــ معاك يا صاحبي مش هسيبك طالما سعادتك هتكون معاها.. أنا من الأول وأنا حاسس إنك غرقان لشوشتك في حبها بس أنت ما كنتش مبين… بس يا ترى هي كمان بتحبك؟!
رد بنبرة ضائعة بعدما أسند رأسه على الوسادة:
ـــ مش عارف… لا قولتلها ولا قالتلي.
رفع حاجبيه باستنكار:
ـــ نعم؟!.. اومال هي وافقت على أي أساس؟!
رفع كتفيه لأعلى:
ـــ عادي.. هو إحنا لازم نقعد نحب في بعض ونتصاحب ونقابل!.. أنا راجل ضغري دخلت البيت من بابه على طول.. وأظن هي احترمت الحتة دي فيا.. بس أكيد برضه في إعجاب حسيته منها… بس حب مش متأكد.
ابتسم حمد بحالمية ثم قال:
ـــ بس أنا بقى متأكد.
ـــ هي قالتلك؟!
ضحك بملء فمه ثم قال:
ـــ هو أنا مش عارف عصام أخويا… أي بنت تعرفه لازم تحبه.. ولا أنت نسيت ولا إيه؟!
ابتسم معتصم بسخرية ثم قال:
ـــ هو أنا حلو أوي كده؟!
ـــ أنت مش حاسس بنفسك يابني؟!.. ماهي حلاوتك دي اللي خلت نرمين ضحت بنص أملاكها عشان بس توافق إنك تتجوزها لحد ما أدمنتك ومبقتش عارفة تستغنى عنك.
حين أتى بذكر نرمين أصابه ضيق بالغ وكأن جبلاً هال على صدره، تلك الخطيئة التي ستلازمه طول العمر:
ـــ أوف.. ما بلااش السيرة دي بقى دلوقتي.
ضحك حمد ثم قال بمواساة:
ـــ ربنا معاك يا صاحبي ويتم مرادك على خير.
ـــ يا رب يا حمد… يا رب.
كانت ريم قد قدمت طلب نقل لأقرب مستشفى لسكنها، وبفضل مكانة والدها ومعارف شقيقها تمت الموافقة بدون تعقيدات، وها هو اليوم أول يوم لها بمستشفاها الجديد.
كانت تقوم بعملها في قسم الاستقبال، حيث تقوم بالكشف على سيدة تعاني من مغص شديد بالبطن وبعد إجراء الكشف الدقيق عليها قالت:
ـــ أنا شاكة إن المغص ده بسبب الزايدة…. هشوف مين هنا تخصص جراحة يكشف عليكي.
تركتها ثم خرجت من غرفة الكشف لتسأل إحداهن:
ـــ لو سمحتي مين معانا جراحة النهارده؟
أشارت لها الفتاة حيث أحد الغرف لتقول:
ـــ الدكتور خالد هتلاقيه قاعد في الأوضة دي.
شكرتها ثم ذهبت إلى حيث أشارت ثم طرقت الباب ودخلت لتجد شاباً وسيماً يرتدي نظارة طبية متوسط الطول شعره أسود قصير ونحيلاً نوعاً ما، وقف بمجرد أن رآها وهو يقول بذهول:
ـــ ريم؟!… معقول؟!
اتسعت بسمتها لتتقدم إليه وهي تقول بدهشة:
ـــ إيه ده أنت شغال هنا يا خالد؟!
مد يده إليها ليسلم عليها فبادلته التحية وسحبت يدها فوراً من كفه، فقال بسرور بالغ:
ـــ أيوه بقالي سنتين… أنت هنا من إمتى؟!
ـــ النهاردة أول يوم ليا.
ـــ بجد؟! يعني هنشوف بعض علطول.
ضحكت وهي تقول:
ـــ آه هزهقك مني… وبالمناسبة دي بقى معايا حالة اشتباه زايدة في غرفة السيدات ممكن تكشف عليها؟!
أجابها مبتسماً:
ـــ طبعاً انتي تأمري.
ـــ شكراً يا خالد… هروح بقى أشرب قهوة عشان أنا خلاص فصلت.
كادت أن تنصرف من أمامه ولكن استوقفها يسألها بتردد:
ـــ ممكن تستنيني هنا هخلص وأعزمك على القهوة نشربها سوا بمناسبة إن ده أول يوم ليكي معانا.
سكتت ملياً تفكر ثم أومأت بابتسامة سلبت أنفاسه، فغادر من أمامها على الفور قبل أن يتجرأ ويفعل بها ما لا يحمد عقباه.. فهذه ريم تلك الفتاة التي لطالما حلم باقتران اسمها باسمه ولكن دائماً كانت الظروف ضده، كما أنها لم تشعر به أبداً وتتعامل معه من باب الزمالة لا أكثر… ولكن ربما قد أعادها القدر إليه مرة أخرى لتتحقق أمنيته.. فهو لا يرى من البنات سواها ولم يستطع الارتباط بغيرها من شدة تعلقه بها.
مرت أيام أخر وريم منتظمة في عملها وتلتقي بخالد أغلب الأيام وهو لم يترك فرصة إلا ويتقرب منها ويحاول اختلاق المواضيع ليتحدث إليها أطول فترة ممكنة وريم تتعامل معه بحسن نية ولم تشك بمحاولات تقربه منها.. تظنه أنه زميلاً عزيزاً يقف بجانبها في مكان جديد عليها ولا تعرف به أحداً سواه.
اشتاق إليها معتصم كثيراً… كل ليلة يمسك بالهاتف يريد الاتصال بها وسماع صوتها الرقيق الذي يذهب عقله ولكن في كل مرة يتراجع… يريد أن يحصل على موافقة أخيها أولاً ثم بعد ذلك لن يتوانى عن إغداقها بوافر عشقه.
بقي يومان على عودة أدهم من الانتداب اللعين.. فحتى تلك اللحظة لم تتمكن ندى من محادثته سوى مرتين وكانت مدة المكالمة لا تتجاوز الدقيقة أو الدقيقتين ثم ينقطع بعدها الاتصال.
استيقظت ندى صباح ذلك اليوم باعياء شديد فاقدة شغفها في كل شيء لا تدري أمن غيابه عنها تلك المدة وانشغالها به أم لشيء آخر.
بقيت في غرفتها طوال اليوم ولم تستطع الخروج منها من شدة الاعياء الأمر الذي أقلق السيدة تيسير للغاية.
وحين عادت ريم من عملها وجدت أمها تجلس مهمومة بمنتصف الصالة فأقبلت عليها بعدما ألقت التحية ثم جلست قبالتها تسألها بقلق:
ـــ مالك يا ماما قاعدة زعلانة كده ليه؟!.. أدهم حصله حاجة؟!
ربتت على رأسها وهي تقول:
ـــ لا يا حبيبتي أدهم بخير الحمد لله.. جاي بكرة إن شاء الله.
ـــ طاب الحمد لله.. اومال مالك؟!
تنهدت بحزن ثم قالت:
ـــ ندى مخرجتش من أوضتها خالص النهارده وكل ما أدخل أشوفها ألاقيها نايمة.. يدوب تصحى تقولي أنا كويسة وترجع تنام تاني.. مش عارفة مالها.. خايفة تكون تعبانة ومش عايزة تقلقنا.
سكتت ريم ملياً تفكر ثم قالت:
ـــ ما يمكن حامل يا ماما.. ماهو الحمل برضه بيخلي الست همدانة وعايزة تنام علطول.
أضاء وجه تيسير بسعادة بالغة وهي تقول:
ـــ بجد يا ريم؟! ازاي مخطرش الموضوع ده على بالي.. أيوه فعلاً هي همدانة خالص ووشها أصفر.. بس معقول هتخبي علينا؟!
ـــ ما يمكن متعرفش أو مخطرش في بالها زيك كده برضه.
ـــ أيوه صح… ياااه أخيرا يا أدهم.. ده هيفرح أوي لما يعرف.
نهضت ريم ثم سارت باتجاه غرفتها وهي تقول:
ـــ هدخل بس آخد شاور ع السريع وأغير هدومي وبعدين هكشف عليها بنفسي.
ضحكت أمها وهي تقول:
ـــ طبعاً.. في بيتنا دكتورة.
ثم تنهدت بسرور:
ـــ يا رب يطلع كلامك صحيح يا ريم… يا رب.