بعد أن لطمها، وقفا الاثنان ينظران في أعين بعضهما بصدمة، لا هو يستوعب كيف طاوعته يداه ومدت عليها، ولا هي تصدق أنه يفعلها يومًا. رفع يده ونظر لها بصدمة، ثم أخذ يشد شعره الطويل وهو يسحبه للخلف، ويدور حول نفسه مثل الطير الجريح. بدر: إزاي! أنا مش قادر أستوعب إني أمد إيدي عليكي. ثم نظر إليها بقهر وقال وهو يلومها: انتي خليتيني أعمل حاجتين عمري في حياتي ما تخيلت إني أعملهم: إني ألمسك وإني أضربك.
وأخذ يلوم نفسه وهو يقول: أنا طول عمري باقول إني أبوكي، فيه أب يعمل مع بنته كده؟ إلى هنا وكفى، لن تحتمل المزيد من تلك الترهات التي يظل يتفوه بها لعله يقنع حاله أولًا قبل الآخرين. اقتربت منه بشراسة أنثى تدافع عن حقها. أمسكت ياقة قميصه وجذبته لها حد الالتصاق، ونظرت في عينيه بقوة وقالت: بص في عنيا وقولي إني بنتك، قولي اللي كان مفصول عن الدنيا وهو جوه حضني وبيبوسني كأنها آخر حاجة هيعملها في الدنيا بيعتبرني بنته.
هزته بضعف وهي تضربه بقبضة يدها الحرة على صدره وهي تهدر به: انطق! قولها وأنا أقسم بالله من بكرة أول واحد هيتقدملي هقبله. أمسكها من كتفيها وصرخ بها: بس بس بقى كفاية، إياكي تفكري حتى فيها! ثم قال بضعف: انتي مش فاهمة حاجة، صدقيني مش هينفع، غصب عني. سحبت يدها الممسكة به وانهارت تجلس أرضًا على ركبتيها وهي تبكي دمًا بدل الدموع وتقول: هو أنا لو قادرة أعملها وأشوف غيرك كنت قبلت على نفسي كل الوجع والإهانة دي؟
جلس أمامه سريعًا وحاوط وجهها وهو يمنعها من هذا الحديث. أموت لو هنتك وأكون تحت التراب لو مسيت كرامتك، انتي تاج راسي افهمي. أبعدت يده عن وجهها بعنف وقالت من بين شهقاتها: لاااااا، لا وجعتني لما حسيت بحبي ليك وهربت منه، وبقيت تكلم بنات عشان تتشغل عني. أقولك عرفت كام واحدة غيري، نمت مع كام واحدة غيري؟ إحنا ما قلناش لبعض كلمة حب، بس أنا وانت عارفين كويس إن إحنا بنعشق بعض، ومن غير اتفاق بينا كل واحد بيفدي التاني بروحه.
أنا عمري ما شفت راجل غيرك، مش معترفة بيهم أصلًا، أنت محور حياتي، أنا ما بأعرفش أخبي عليك حاجة حتى لو كانت حاجات بنات. أنت تعرف النفس اللي بأتنفسه. خليت البنات يعايروني إني ما عنديش كرامة عشان بأجري وراك وأنت مش شايفني أصلًا، خفت... خفت أقولهم إنك بتحبني أكتر مني يقولوا عليا مجنونة. أنا فعلًا مجنونة بيك، مش هأعرف أشوف غيرك، مش هأقدر حد يلمسني غيرك، مش بأتمنى أكون أم لأولاد غيرك، أقسم بالله مش هأقدر صدقني.
طب طب لو أنا فيا حاجة مش عاجباك قولي أغيرها. طب هو أنا وحشة، هو أنا ما ينفعش أتحب؟ خطفها لأحضانه وهو يبكي، نعم يبكي، فما سمعه لم ولن يتخيله. ما هذا العذاب! يا ليتك مت قبل أن تعذب حبيبة عمرك هكذا. بدر: اهدي اهدي، انتي ست البنات كلهم، انتي ما فيكيش غلطة، العيب فيا أنا. تفتكري سهل عليا إني كل يوم تكبري وألف عين عليكي وأنا عايز أصرخ وأقول دي بتاعتي ملكي أنا ومش قادر؟ تفتكري سهل عليا أشوف نظرة عينك ليا وأهرب منها؟
بس غصب عني، مش هينفع والله صعب، يا عالم حسوا بيا صعب. ابتعدت عنه قليلًا ومسحت دموعه بمنتهى الرقة وهي تقول: ولا أنا ولا أي حد في الدنيا دي كلها يستاهل إن بدر النعمان ينزل دمعة من عينه عشانه. وقد قررت إنهاء تلك الليلة إلى ذلك الحد حتى لا يأتي ضغطها عليه بنتيجة عكسية، وأيضًا لأنها حقًا أرهقت مما حدث، فلتُعطه فرصة للانسحاب حتى يختلي بحاله ويرتب أوراقه وتنتظر النتيجة فقالت:
قوم يا قمري قوم نام عشان تبقى فايق للقعدة بتاعة بكرة، اليوم كان طويل ومرهق وأنت أصلًا بقالك كام يوم مش بتنام. ابتسم بغلب وقال: وانتي إيش عرفك، بتراقبيني؟ لا، قلبي اللي قالي يا بدر، مش بيبقى مرتاح وبأحس إنه واجعني لما تكون مدايق أو مخنوق أو في حاجة شغلاك. مش عارفة أشرحلك بس بأحس باللي جواك أيًا كان فرح أو زعل. بدر: طب ودلوقتي إيه اللي جوايا؟
مهرة: دلوقت جواك قهر وعذاب ونار لو خرجت هتحرق الدنيا وما فيها، صح ولا أنا غلطانة يا معلم بدر؟ احتضنها بضعف وقال: آااااه، صح صح يا غلب بدر وعذابه. ثم أخرجها وساعدها على الوقوف واتجه إلى فراشها وهو يقول: نامي يا فرستي وارتاحي، بس ليّ طلب وغلاوة قمرك عندك، انسى أي حاجة حصلت أو اتقالت انهارده.
لم تُحبذ اعتراضه، فكفى ما حدث إلى الآن، تسطحت على فراشها ثم دثرها جيدًا ومال عليها مقبلًا جبهتها قبلة عميقة وتركها وأغلق الإضاءة ثم خرج وأغلق خلفه الباب. وترك الشقة صاعدًا إلى خلوته فوق السطح لعله يجد بعض الهدوء ليستطيع ترتيب الفوضى التي انتشرت بداخله. صباحًا في منزل زينة.
دخلت الأم عليها فوجدتها ما زالت نائمة ولا تبالي بما حدث من أبيها أمس حينما رجعت، وفور دلوفها منزلها أمسكها أبيها من حجابها وهو يشد شعرها تحته وسحبها للداخل وهو يصرخ بها: بقي انتي يا بنت الكلب تخرجي من ورايا وكل دي مصايب عَمْلاها وأنا معرفش! تدخلت أمها سريعًا لتنقذ ابنتها وهي تحاول تهدئته فتركها،
ولكن هدر بها: عاملة مشاكل مع خطيبك ليه يا بت، وصحابك اللي معتبرينك أختهم سايقة العوج عليهم ليه، ورايحة تتلمي على ناس لا نعرفلهم أصل من فصل؟ زينة ببكاء: يا بابا والله العظيم أنا ما عملتش حاجة، مصطفى هو اللي خانقني وعايز يتحكم فيا وكل حاجة يقول عليها لا. وصحبتي اللي خرجت معاها دي تبقى سمر النويري رجل أعمال مشهور عادي يعني إني أصاحبها. نهار أبوكي أسود! مصاحبة بنت تاجر مخدرات!
انتي عارفة إن مصطفى راحله شركته ورفض يعمل معاه شغل بملايين عشان سمعته مشبوهة. صُعقت زينة مما سمعت وظنت أن أبيها يقول ذلك كي يبعدها عن سمر. ظلوا بين شد وجذب حتى وعدت أبيها كذبًا أنها ستفعل ما أمرها به حتى تنهي هذا الجدال الذي لن يغير من قناعتها. الأم وهي توقظها: زينة يا زينة، قومي يلا اتأخرنا على الجماعة. زينة: روحي انتي وأنا شوية وهأحصلك. قالت لأمها ذلك حتى لا تُبلغها برفضها ويحدث ما لا يُحمد عقباه مع أبيها.
لكن في قرارة نفسها ستكمل نوم ثم تذهب وحدها إلى أحد دروسها. صدقتها الأم سريعًا ونبهت عليها عدم التأخير وذهبت سريعًا إلى منزل النعمان حتى تساعدهم كما المعتاد في تلك العزائم، حيث أن في نهاية كل جلسة صلح يعقدها النعمان في منزله يقدم لطرفي النزاع وكل من حضر وليمة كبيرة إكرامًا لضيوفه وتأكيدًا للصلح. كان العمل في منزل النعمان يجري على قدم وساق، حتى الفتيات لم يذهبن إلى المدرسة أو الجامعة حتى يساعدن أمهاتهن فيما يفعلن.
بعد صلاة الظهر اجتمع في منزل النعمان في الشقة الأرضي المخصصة للجلسات العرفية. كل من الجد وأولاده وأحفاده وطرفي النزاع وبعض من كبار الحي حتى يكونوا حاضرين وشاهدين فيما سيحدث. بدأ الجد الحديث مرحبًا بضيوفه وطلب من أيمن الحديث.
(أيمن شاب مكافح صديق بدر والشباب، ومتخرج أيضًا من كلية الهندسة ويعمل في أحد محال النعمان منذ أن كان في الصف الأول الثانوي حتى يستطيع إكمال تعليمه وأيضًا مساعدة والده في مصروف المنزل فهو من أسرة فقيرة ولكنه يملك عزة نفس وكرامة لا يملكها بعض أصحاب الملايين)
يا جدي أنت عارف إني خاطب عبير بنت عمي عاطف بقالي ٣ سنين، ويعلم ربنا وأنت شاهد أنا مش مخلي في جهدي جهد عشان نتمم الجواز، ينفع أبوها يفسخ الخطوبة من غير ما يقولي عشان عايز يجوزها لقريبه اللي جاي مالخليج وعنده ٤٥ سنة ومتجوز اتنين، ولما البت اتصلت بيا من وراه تبلغني ضربها وكسر دراعها واتجبس. تجهم وجه كل من كان حاضر تلك الجلسة من دناءة هذا المسمى برجل. الجدة بحدة: الكلام ده صح يا عاطف؟
عاطف بلجلجة: آآه ما هو يا حج أنا عايز أفرح ببنتي وهو راكنها جنبه سنين. قاطعه أيمن: ما أنا جبت الشقة يا عم عاطف. عاطف: جايبها قسط ولسه كام سنة على ما توضبها وتجيب العفش. بدر: بعيدًا عن كل الهري اللي أنت بتقوله ده يا عم عاطف، أنت عايز تبيع بنتك لواحد قد أبوها؟ عاطف بوقاحة: أنا أبوها وأدرى بمصلحتها، وبعدين حد يكره العز والفلوس؟
الجدة: تصدق إنك راجل ناقص، بقي عايز تبيع البت عشان تكسب من وراها قرشين تصرفهم على الهباب اللي بتطفحه. ثم أخذهم الحديث بين شد وجذب حتى جاء وقت حكم النعمان فجلس الكل ينصت. الجد: أنت يا أيمن قولت إن الشقة فاضل عليها قسط واحدة صح؟ أيمن: أيوه يا جدي، وبعدها أبدأ في الفرش والعفش يعني قدامي سنة كمان. عاطف: لا ما يلزمنيش. وكاد أن يقف من مكانه حتى وجد يدًا حديدية تُحط فوق كتفه وهو يُحدجه بنظرات نارية.
بدر: فكر بس تقوم من مكانك من غير ما الحج يأذنلك وأنا أدفنك في أرضك. الجد بحزم: خلاص اسمعوا حكمي، كتب الكتاب يوم الجمعة عندي في البيت وأنت يا أيمن تأخذ عفشك من عندي. أيمن: آسف يا جدي، سامحني، مش هأفرش بيتي غير من شقايا. أحمد: أنت بتعارض حكم الحج يا واد؟ أيمن: لا يا صاحبي، الحج كلمته سيف على رقبتي، بس أنت ما تردهاش. ياسر: طب خلاص بعد إذنك يا أبا، أيمن يأخذ العفش من عندنا بس بالقسط وكده تبقى اتحلت.
عاطف: ولما يدفع قسط عفش وشقة هيأكلها منين ولا هينزلها تشتغل وتصرف عليه؟ هنا ولم يتحمل الشباب فالتفوا حول عاطف في منظر مهيب حتى كاد أن يُغشى عليه من الرعب. مصطفى: لهنا وكفاية عشان ما أقلش منك قدام الرجالة، أيمن أرجل من عشرة زيك، ولولا إن بنتك غلبانة مش شبهك كان سابها من زمان. أبو أيمن: الله يكرم أصلك يا ابني. النعمان بعد أن دق الأرض بعصاه حتى يصمت الجميع.
وقال بحدة: هي كلمة مش هتتنيها، كتب الكتاب الجمعة عندي، والفرح آخر الشهر تكون فرشت شقتك وأول قسط للعفش تدفعه بعد ما تخلص آخر قسط للشقة. تمام؟ عاطف بطمع: بس البت ناقصها حاجات ياما وأنا ما عاييش أجيب لها حاجة، أنا أصلًا مش عايزها بعد ما عصت كلامي. أيمن: خلاص أنا مش عايز حاجة. عادل: حاجتها عندي تمام كده؟ النعمان منهيًا الحديث: تمام، يلا يا شباب اطلعوا هاتوا الأكل. وبهذا انتهت الجلسة بعد صعود الشباب لجلب الطعام.
مر اليومان سريعًا بدون أحداث تُذكر غير اختفاء بدر من المنزل بحجة العمل، وحزن مهرة الظاهر وصمتها، وحين حاولت الفتيات معرفة سبب حزنها أو ما حدث معها هي وبدر رفضت الحديث وطلبت منهم أن يتركوها حتى تستطيع التحدث وحينها ستُخبرهم ما حدث. كان العمل يجري على قدم وساق داخل منزل النعمان، فقد تجمعت نساء الحي حتى يساعدن في تجهيزات اليوم.
بينما الفتيات تجمعن مع العروس في شقة المذاكرة حينما حضرت الميكب أرتيست لتجهزهن مع العروس في جو ساده المرح مع محاولات مهرة رسم الابتسامة. في الأسفل دلف بدر ينادي على عمته وحينما أتت إليه سحبها داخل ممر الغرف بعيدًا عن أعين النساء المتطفلة. بدر: نونا العسل اللي ما فيش منها. نوال: آآه، ما دام بدأتها بالأونطة يبقى عايز مصلحة، خلص من غير كهن عشان مش فاضيالك.
بدر: ماشي يا عمتي، خدي الشنطة دي اديها لمهرة فيها فستان، بس لو سألتك مين جابه قوللها إنك ما شفتنيش رجعت البيت من يومين فقولتي لوليد يجيبه مع فستان لميس. نوال: وأنت فاكر هيدخل عليها الحوار الأهبل ده؟ ما لكيش دعوة، اعملي اللي بأقولك عليه بس. بأقولك إيه ما تدخلنيش ما بينكم وسيبيني أشوف اللي ورايا.
وتركته وذهبت ولكنه ظل يدور حولها وهو يحايلها غير آبه للنظرات المتلصصة عليهم حتى خضعت له عمته ونفذت أمره حتى تستطيع الخلاص منه. مر اليوم سريعًا وجاءت لحظة عقد القران، وحينما جلس أيمن أمام المأذون ويقابله عاطف وكيل العروس للبدء في المراسم أوقفه بدر. بدر: استنى يا عم الشيخ مش هينفع تكتب دلوقت. انصدم الجميع مما قاله ووقف أيمن بخضة يسأله: ليه يا بدر إيه اللي حصل؟ ترى ما الذي يمنع القران؟ سنرى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!