الفصل 1 | من 34 فصل

رواية مهرة و بدر الفصل الأول 1 - بقلم فريدة الحلواني

المشاهدات
193
كلمة
1,777
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

من داخل مستشفى السلامة التخصصي للولادة، المتواجد في منطقة محطة الرمل وسط الإسكندرية. نصعد الدور الثاني، نجد غرفة العمليات بابها مغلق، ويقف أمامه الحاج أحمد النعمان وولديه عادل وياسر، وحفيديه بدر ومصطفى، ومعهم حسن المحامي وأبيه الحاج حسين صاحب الجد.

وعلى مسافة ليست بالقليلة، نجد سيدة رغم كبر عمرها إلا أنها ما زالت تتمتع بجمال باهر، لما لا وهي تركية الأصل، هي أم بريهان زوجة الشهيد محمد. نجدها تجلس على أحد مقاعد الانتظار، تتمنى مرور الوقت حتى تخرج ابنتها بعد خضوعها لعملية ولادة قيصرية، وها قد قاربت على الخروج. عادل: اقعد يا حج ارتاح شوية، أنت بقالك ساعة واقف على رجلك.

الجد النعمان: سيبني يا عادل، أبوك لسه ما عجزش عشان يتعب من الوقفة، أنا مش هرتاح غير لما أشيل بنت الغالي على إيدي، دي هي أملي الوحيد إني أشم ريحته. ياسر: ربنا يطلعها بالسلامة يا حج وتعيش وتربيها. ثم نظر لأخيه وقال: سيبه براحته يا عادل، ده الحج شباب أكتر مننا. ضحك الجميع على مزحته حتى يهونوا على الجد صعوبة الموقف. وما هي إلا ثوانٍ وسمعوا صرخة الطفلة المنتظرة. هللوا جميعًا فرحين بقدومها.

خرجت بعد قليل ممرضة وهي تحمل طفلة أقل ما يقال عنها ملاك، آية من الجمال، واتجهت مباشرة إلى الجد. الممرضة: سمي الله يا حج، عروسة أحلى من القمر. الجد: مد يده وحملها واغرورقت عيناه بالدموع حينما رأى وجهها الجميل، ثم أذّن لها واحتضنها بشدة وهو يقول: أهلًا ببنت الغالي، ربنا عوضني بيكي عنه. حسين: ألف مبروك يا حج تتربى في عزك. قبل أن يرد عليه، وجد من يشده من عباءته وهو يصيح على الجد.

بدر: هات مهرة يا جدي، بالله عليك ما حد يشيلها قبلي. نظر الجميع لهذا الطفل وتصميمه على حملها قبل الجميع، لا وأيضًا أطلق عليها اسمًا دون الرجوع لأحد. عادل: بس يلا مش هينفع، وبعدين مين اللي قالك إن اسمها مهرة؟ رد عليه بدر البالغ من العمر حينها ١٢ عامًا، وقال بشجاعة: متخافش يا بابا عمرها ما تقع وهي معايا، واسمها ده أنا اخترته مع عمي محمد الله يرحمه قبل ما يسافر آخر مرة، وكمان وصاني عليها.

نظر له الجميع باستغراب، ولكن نظرة الجد كانت أكثر عمقًا. فالصغير دون أن يدري أعلن حمايته لها، وأقر بعدم سماحه لوقوعها وهي معه. إذاً من سيحمي مهرة النعمان ويحافظ عليها؟ هو ذلك البدر خليفة النعمان. أعطاه الجد إياها وقال له بطريقة غريبة: خدها يا بدر، بس أوعى تفلتها من إيدك يا خليفة النعمان، دي وصيتي أنا كمان ليك. بدر: عمري، عمري أبدًا يا جدي ما هسيبها من إيدي، ووعد مني أحافظ عليها عمري كله.

نظر الجميع للموقف في ذهول، وكأنهم فهموا ما يدور في ذهن النعمان. في تلك الأثناء، خرجت بيري من غرفة العمليات إلى غرفة عادية، وطمأنهم الطبيب على صحتها وأنها أمامها عشر دقائق تستفيق فيهم ويستطيعوا أن يدخلوا لها. أخذت الممرضة الطفلة إلى طبيب الأطفال للاطمئنان عليها، وبالطبع ذهب معهم بدر وأبيه. بعد فترة، داخل غرفة بيري. بيري: ها يا حج، أظن استلمت حفيدتك، ممكن بقى استلم ميراثي من محمد عشان أنا هسافر مع مامي تركيا.

ياسر: طب بنتك مش هترضعيها؟ بيري: لا طبعًا، أنت عايز جسمي يبوظ أكتر من كده؟ وبعدين أنا قلت لكم مسافرة، مش هينفع أقعد هنا أكتر من كده. النعمان بحدة: خلاص انتهينا، المحامي بره معاه كل الأوراق اللي هتمضي عليها للتنازل عن حضانة مهرة، وبعدها هسلمك الشيك بالمبلغ اللي اتفقنا عليه، مع العلم إن ورثك من جوزك هو معاشه وبس، لأن ما فيش أي حاجة يمتلكها غير وظيفته، بس أنا ما يهمنيش فلوس الدنيا قصاد حفيدتي تبقى في حضني.

بيري: إزاي ما يمتلكش حاجة؟ أمال كل المحلات والفلوس اللي في البنوك دي إيه؟ الجد: دي فلوسي، والمحلات باسمي وولادي مش هيمتلكوا حاجة منها غير بعد موتي. رد الجميع بخضة: بعد الشر عليك يا حج، ربنا يبارك في عمرك. مريم أم بيري: خلاص يا بيري خلصينا بقى، أنتِ اتفقتي معاهم وهما نفذوا، ما لوش لازمة كتر الكلام، امضي وخلصينا. وبالفعل مضت على كل الأوراق التي تثبت تنازلها عن أي شيء يخص ابنتها.

مع وعد أنها كلما سنحت لها الفرصة للنزول إلى مصر ستمر عليهم كي تراها. غادروا جميعًا المستشفى بعد الاطمئنان على الطفلة من الطبيب. في سيارة عادل، وهو يتولى القيادة وبجواره والده، وبالخلف يجلس مصطفى ابن ياسر، وبجانبه بدر يحمل الطفلة ويضمها إلى صدره في حماية. مصطفى: هاتها يا بدر أشيلها شوية. بدر: بس يا واد، إياك تلمسها أنت أو غيرك. مصطفى: ليه بقى؟ إشمعنى أنت؟ ما هي بنت عمي أنا كمان.

بدر: بس أنا اللي سميتها، وأنا اللي عمي الله يرحمه وصاني عليها، وأنا اللي هربيها وأصرف عليها كمان. مصطفى: يا سلام، هو أنت مصروفك هيكفي إنك تصرف عليها؟ بدر: لا يا أهبل، أنا هشتغل عشان أجيب لها كل حاجة. هنا تدخل عادل الذي كان يتابع هو والجد حديث الصغار باهتمام. نظر لولده من خلال المرآة وقال: وأنت بقى يا معلم بدر قررت من نفسك إنك تشتغل وتصرف عليها واحنا روحنا فين يا واد؟ وبعدين هتسيب المدرسة عشان تشتغل أنت...

قاطعه الجد بحكمة وقال: استنى بس يا عادل، ما تبقاش حمقي كده وافهم الأول. ثم التفت بجسده إلى الخلف ينظر لحفيده ويكلمه بهدوء ليفهم منه. الجد: بالراحة كده يا بدر الأول، وصية إيه اللي عمك وصاك بيها؟ وشغل إيه اللي عايز تنزله؟ فهمني واحدة واحدة وأنا هعمل لك اللي أنت عايزه لو صح. بدر: يا جدي، عمي محمد الله يرحمه قبل ما يسافر آخر مهمة ليه كان بيحضر شنطته وأنا كنت معاه. فلاش باك بدر: أنت مسافر خلاص يا عمي؟ كنت قعدت معانا شوية.

محمد: معلش يا حبيبي، اتصلوا بيا من الكتيبة عشان أقطع الإجازة، عشان فيه مهمة ضروري أحضرها. بدر: توصل بالسلامة يا عمي بس ما تتأخرش عشان تشوف النونة لما تتولد. ترك محمد ما بيده واتجه إلى الأريكة التي يجلس عليها بدر وجلس بجانبه ومسك يده ثم قال: اسمعني يا بدر كويس واحفظ اللي هقوله ده كويس. سكت قليلًا ثم أكمل:

أنت عارف إنك صاحبي، وبرغم إنك صغير في السن بس أنت راجل من يومك، عشان كده كنت دايماً بحب أتكلم معاك في أي حاجة تخصني. أنا مسافر ومش عارف هرجع إمتى، عايزك توعدني إنك تاخد بالك من بنتي لما تتولد، أنا مش عارف هرجع ولا لأ. قاطعه بدر صارخًا: بس يا عمي، إن شاء الله ترجع بالسلامة وتتولد على إيدك.

محمد: اسمعني للآخر عشان خاطري، أنا حاسس إني مش هرجع، أوعدني إنك تحافظ على بنتي وما تخليش في يوم دمعة تنزل من عينيها، عوضها عني وعن أمها لأني متأكد إن بنتي هتكون يتيمة أم وأب، أوعدني ما تحسسهاش باليتم أبدًا يا بدر. بكى الصغير واحتضن عمه وقال: أوعدك إني هشيلها في عينيا وهتكون عندي أهم من أي حد في الدنيا. محمد وهو يشدد من احتضانه ويقول: جدع يا بدر، طمنت قلبي، هو ده خليفة النعمان بصحيح.

أبعده ومسح دموعه واستطرد: ها بقى هتسميها إيه يا بدور؟ بدر: مهرة، هسميها مهرة النعمان. استغرب محمد كثيرًا من الاسم وسأله: إشمعنى الاسم ده؟ مش غريب شوية؟ بدر: ما هو عشان غريب مش هيليق غير بيها، فرسة عربية أصيلة ما لهاش زي. أنا من أول ما قلت لي إن طنط بيري حامل في بنت وأنا عمال أدور على اسم يليق بيها لحد ما لقيته، ها إيه رأيك؟ محمد: خلاص تبقى مهرة محمد النعمان. ثم قام من مكانه ليذهب إلى عمله، احتضن الصغير وهو يوصيه:

مهرة يا بدر أمانة في رقبتك، وقول لجد بنتي أمانة في رقبته، أوعى يخلي أمها تاخدها، خليه هو يربيها زي ما ربانا على الأخلاق والدين. بدر: ما تخافش يا عمي هقوله، وأنا كمان هكون قد الأمانة. باك بكى الجد وعادل على حديث الصغير، وبعد أن تمالك الجد نفسه، ابتسم لحفيده وقال: خلاص يا بدر، مهرة مسؤوليتك، وأنا عارف إنك راجل وقدها، بس ليه تسيب المدرسة؟ كمل علامك وفي الإجازة انزل شغل. بدر: مين قال إني هسيب المدرسة يا جدي؟

أنا هشتغل وأدرس، وأنت عارف إني شاطر، حتى أنا الوحيد في إخواتي اللي مش باخد دروس وبطلع من الأوائل. عادل: طب لو قصرت في دراستك نعمل إيه؟ بدر: أوعدك مش هقصر والله العظيم وهتشوف. الجد: خلاص يا معلم بدر من بكرة تطلع من المدرسة عالشغل، وأنا هربطلك يومية محترمة، إيه رأيك؟ بدر: اتفقنا يا جدي. عادل: بعد إذنك يا أبا هركن هنا، أنزل بس أشتري اللبن اللي الدكتور كتبه للبت عشان ترضع منه.

الجد: لا ما لوش لزوم، أختك نوال هترضعها مع بنتها، هي لسه والدة من أسبوع وهي اللي قالت لي كده. عادل: على خيرة الله، ربنا يقويها. بعد فترة، وصل الجميع إلى منزل النعمان، واستقبلته الجدة نعمة بدموع عينيها وهي تحمل الصغيرة وتضمها إليها، تجد بها ريح ابنها الشهيد الذي راح في أوج شبابه، كان يبلغ الخامسة والثلاثين ربيعًا، اختطفته يد الغدر منهم ومن ابنته الوحيدة دون رحمة. بكى الجميع على هذا المشهد الصعب.

الجد بتأثر: خلاص يا حاجة بكفاكي بكاء، حتى عشان عينيكي. ريهام: خلاص يا ماما بقى، أهي الحمد لله بقت في وسطينا وكلنا معاها، وهنعوضها كلنا، أمهاتها والله. فاطمة: آه والله يا ماما، يعلم ربنا هنربيها زي أولادنا وأكتر. انتفض بدر غاضبًا وصرخ بهم فجأة: باااااس يا حاجة أنتِ وهي، تربوا مهرة؟ ما حدش ليه دعوة بيها غيري، أنا اللي هربيها وأعمل لها كل حاجة، أنا سايبكم بس انهارده تهرسوا في البت أحضان، بس بعد كده إياك ألاقي حد يلمسها.

نوال: لا والنبي إيه يا سي بدر من إمتى الكلام ده؟ وبعدين أنا اللي هرضعها وإلا أنت ناوي ترضعها كمان؟ ضحك الجميع ورد بدر بغيظ يقول: لا يا عمتي، ممكن أجيب لها لبن صناعي عادي يعني. ياسر: ما تهمد يلا واقعد، إيه اللي بتقوله ده؟ قلب بدر عيناه في ملل ونظر لجده وقال: قول لهم أنت يا جدي عشان ما عنديش خلق أحكي. عادل: يا واد لم نفسك واتكلم عدل. الجد: بس أنت وهو، أنتم كلكم عليه؟ بدر بيتكلم صح. ثم حكى لهم اتفاقهم سويًا.

أعجب الجميع بهذا الصبي، ومن داخلهم واثقين أنه لن يخلف وعده أبدًا. وبالفعل أثبت بدر صدق وعده، فها هو يذهب إلى مدرسته ويعود سريعًا للمنزل يطمئن على مهرته ويأخذها بين ذراعيه وهو يستذكر دروسه، ثم يسلمها أمانة للجدة على أن تعده ألا تدع أحدًا يحملها، خاصًا الصبية، حتى يعود من عمله.

يذهب سريعًا إلى عمله مع جده ويعمل بجد كما لو كان شابًا كبيرًا، وفي نهاية اليوم يأخذ راتبه ويشتري به كل ما يلزم صغيرته من حفاض أطفال أو ما شابه على قدر ما معه من مال. ولكن كان ما يؤرقه هو نوم مهرته في منزل عمته ليلًا، حتى إذا جاعت في الليل تقوم العمة نوال بإرضاعها مع ابنتها مها، كان يتمنى أن تنام الصغيرة في أحضانه، فهو منذ قدومها ترك منزل أبيه وأخذ جميع متعلقاته وانتقل للعيش في منزل الجد حتى يكون قريبًا منها.

وكانت الصغيرة شعرت به، فبعد ستة أشهر امتنعت عن الرضاعة من تلقاء نفسها، وأصبحت تأكل طعام الأطفال وتشرب العصائر، وهذا ما أسعد بدر جدًا وأصبح يحضر لها كل ما تشتهيه. وكان يقلب الدنيا رأسًا على عقب إذا اكتشف أن أحدًا اشترى لها أي شيء يخصها. فأصبحوا يشترون احتياجات المهرة سرًا، فبالطبع لم يستطع مرتب الصغير تلبية احتياجات طفلة بعمرها. ولكن الجد رفض أن يشعره بهذا، وأصبح يكمل ما ينقصها سرًا.

مرت الأيام وأصبح الصغير شابًا يسر الناظرين، فقد تخرج من كلية الهندسة هو وسليم صديقه الصدوق، وباقي الشباب ما زالوا يدرسون. وأصبحت مليحة في التاسعة من عمرها، في الصف السادس، ولكن عبارة عن شيطانة يسير عليها على الأرض أينما وطأت، ويؤكدها من أنثى كارثة، لكن منها أو من ذلك البدر الذي أصبح مثل المصارعين ويأكل بأسنانه كل من يدوس على طرفها، إذا حقًا كانوا ليفعلونها. فهو يناصرها إذا كانت ظالمة أو مظلومة.

لكن فيما بينهم، فيعلمها خطأها مع وعد منها بالتسجيل، وهو واثق بوعدها فهي الإبداع لا تكذب عليه ولا يمكن أن تداري عنه شيئًا مهما كان تافه بمحض إرادتها. فهو بالنسبة لها محور الكون. هي تحب الجميع وتنادي عمتها ماما لأنها أمها بالرضاعة، ولكن بدرها فهي تضعه في مكانة تخصه منفردة لا يستطيع أحد أن يصل إليها. فهو بالنسبة لها الدنيا وما فيها. دعونا نرى فيما بعد كيف ستسير حياة أبطالنا. أوعدكم بكثير من الضحك والعشق والغموض.

ماذا سيحدث؟ سنرى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...