في منزل النعمان، كانت تجلس الجدة في صالة المنزل وقت الظهيرة تسبح على مسبحتها، بينما كانت كل من ريهام وفاطمة زوجتا ابنيها، ومعهما نوال ابنتها، يقفن داخل المطبخ يحضرن وجبة الغداء التي تضم دائمًا جميع العائلة. دلف عليهم كل من بدر وسليم، فالباب دائمًا مفتوح نظرًا لأن العمارة كاملة تخصهم ولا يوجد بها غيرهم، وأيضًا لأن باب البيت من أسفل مغلق ببوابة حديدية كبيرة. بدر: سلامو عليكو. وتوجه إلى الجدة والتقط كف يدها ليقبّله
وهو يداعبها: إيه القمر ده يا نعناعة، أنتي كل يوم الصبح تحلوي أكتر. الجدة بضحك: بس يا واد يا بكاش أنت. تعالَ يا سليم عامل إيه، بقى لي كام يوم مش بشوفك يا واطي، هو أكمن ما خلصت الكلية أنت وبدر ومبقاش فيه مذاكرة هتقطع بينا كده؟
سليم بخضة وهو يقبل يدها: لا لا والله أبدًا يا ستي، أنا مقدرش أستغنى عنكم بس والله غصب عني. حتى اسألي بدر، إحنا بقى لنا كام يوم مفحوتين في الشغل مش عارفين نريح خمس دقايق. حتى دلوقتي كنا بنحمّل طلبية ولولا إن قميص بدر اتقطع كنا كملنا، بس لما لقيته جاي يغير قلت أجي معاه أطمن عليكم. الجدة: خلاص سماح المرة دي بس ما تغيبش تاني، أنت عارف إنك عندي زي العيال دي بالظبط. بدر: خلاص يا حاجة سيبي الواد في حاله.
ثم نادى على من في المطبخ: أما يا ريهام أنتي يا حجة أنتي وهي، أي واحدة فيكو تعملنا كوبايتين شاي ع السريع على ما أغير هدومي. خرجت له عمته نوال وهي معصبة وتمسك بيدها ملعقة خشبية تقلب بها الطعام: مالك يا ولا داخل بزعابيبك كده ليه، أنت لو ما كنتش تجعر وتسمّع الناس بينا ما ترتاحش، ما تطلب اللي عايزه بالراحة. بدر: خلصتي روحي بقى يا نونة اعملي...
وقبل أن يكمل دخل عليهم إعصار مكون من مصطفى يمسك في كل من يديه فتاة يعلقها من ملابسها من الخلف، وبمجرد ما وصل منتصف الصالة قذفهم ناحية بدر وهو يصرخ بهم: خد بقى البلاوي دول، وإياك حد يقولي روح هاتهم من المدرسة تاني، فااااااهمين! بدر ببرود: هادي أعصابك يا شبح بس وقولي في إيه. نوال: أكيد عملوا مصيبة زي عوايدهم. إحدى الفتاتين ببكاء مرير: والله ما عملت حاجة يا عمتو، دي مهرة عورت الولد وخر دم من دماغه.
نظرت لها تلك الشيطانة الصغيرة وهي تقول ببلطجة وغيظ من بكاء ابنة عمها: ما خلاااااص بقى يا بسكوتة، طول الطريق وأنتي عمالة تعيطي على حتة خربوش. لميس بصراخ: يا سلام ده الولد نزل دم كتير وقال هايودينا للشرطة. مهرة: أنتي عبيطة يا بت ولا يقدر يعملنا حاجة، ده إحنا بنات النعمان. صرخت بهم الجدة ليصمتوا حتى تفهم ماذا حدث بعد أن وجدت كل من كنتاها وابنتها وبدر وسليم ومصطفى يتبادلون النظر للفتاتين ببلاهة علهم يفهمون ما حدث.
الجدة: بااااااس يا مقصوفة الرقبة منك ليها. في إيه يا مصطفى؟ مصطفى: أبدًا يا ستي، رحت أجيب الهوانم من المدرسة لقيتهم عند المدير ومعاهم ولد سايح في دمه، قال إيه عاكسهم قامت البلطجية اللي ربنا ابتلانا بيها حدفته بطوبة فتحت دماغه واتخيطت خمس غرز، والهَانِم كمان مش عاجبها. لميس: والله يا تيتا ما عملت حاجة، أنا وزينة قولنالها نمشي بس هي ما رضيتش. ريهام بطيبة: بس يا حبيبتي بطلي عياط. وأخذتها في حضنها.
مهرة: ما تنشفي شوية يا بت، ده إيه ده. نوال وهي تتحرك لكي تضربها غيظًا من كلامها، ولكن مهرة سريعًا وقفت خلف بدر حتى لا يطالها شبشب عمتها: والله أنا ما لاقية كلام أقوله، أوعى يا بدر خليني أربيها. بدر: إييييه يا حاجة تربي مين، أنا اللي هربيها محدش له دعوة بيها. نوال بغيظ: إذا كنت أنت أصلًا مش متربي وادي النتيجة، يعني أنتوا الاتنين عايزين اللي يربيكوا.
فاطمة بهدوء: استني بس يا نوال، خلوا العيال تقعد وتفهمنا إيه اللي حصل يمكن الولد يستاهل. سحب بدر مهرة من خلفه وجلس على إحدى المقاعد وأوقفها أمامه وبهدوء قال لها: ها، ارغي وقولي إيه اللي حصل من غير تحوير. مهرة: كده يا بدّور، وأنا عمري حوّرت عليك؟ قالتها ببراءة لا تمت لها بصلة. نوال: شوف البت بريئة إزاي.
مهرة: أهدي يا ماما خليني أركز، آآآقصدي أحكي. بص يا بدر أنا كنت واقفة أنا وزينة ولميس عند باب المدرسة من جوه زي ما أنت منبه عليا، لقيت الـ... قاطعها بدر بصراخ: نهاااااار اللي جابوكي أسود. وجذبها من ملابسها وقال: أنتي يا بت روحتي المدرسة وشعرك مفرود، فين الكااااااااااب؟ صرخت نوال باهتياج: حراااااام عليك سايب المصيبة اللي هببتها وماسك في شعرها المفرود، هتجلطني! بدر: بس يا حجة أنتوا حسابكوا معايا بعدين.
مهرة سريعًا: أهدي يا بدوري أنا هافهمك اللي حصل. بدر: ارغي. مهرة ببراءة مصطنعة: الصبح ماما نوال كانت تعبانة شوية فما قدرتش تلم لي شعري، فتيتا هي اللي سرحتهولي وسابته مفرود، قلتلها لا يا تيتا بدر هيزعل مني ويزعقلي، قالتلي ما يقدرش يعملك حاجة طول ما أنا موجودة وصممت أنزل بيه مفرود زي البنات، وأنا كنت متضايقة بس مقدرش أكسر كلامها، بس كده هو ده اللي حصل. ثم غمزت لجدتها في الخفاء حتى تؤيد قصتها
(هي قالت إن جدتها من فعل ذلك لأنها متأكدة أن بدر لا يستطيع أن يراجع جدته في أي أمر) ذهلت النسوة الواقفة تستمع إلى كذب تلك الشيطانة وبراعة تمثيلها، حتى إنهن صدقن ما قالته رغم أنه بعيد كل البعد عن الحقيقة. فلاش باك صباحًا مهرة: بالله عليكي يا مامتي خليه مفرود وبلاش الكاب النهار ده. نوال: بس يا بت بلاش خوثة، أنا مش ناقصة قلة أدب مالي مربيكي ييجي يفتح لي صوته بسببك. مهرة
بدموع زائفة لاستعطافها: عشان خاطري يا ماما، هو أنا مش زي البنات يعني؟ اشمعنى أنا اللي دايمًا لبسي كله زي الولاد، نفسي أبقى زي البنات مرة. تأثرت نوال بحديثها كثيرًا وضمتها إلى حضنها وقالت: خلاص يا نن عيني ولا تزعلي، هسيبه مفرود وهتبقي أحلى من كل البنات. ثم سكتت ثواني وأكملت بقلق: بس هنعمل إيه في هولاكو لو شافك ده ياكلنا.
ردت مهرة سريعًا: ما تخافيش هو عنده شغل كتير النهار ده ومصطفى اللي هيجيبنا، ولو حصل وشافني أنا هتصرف، يلا بقى يا مامتي. باااك نوال في سرها: يخرب بيتك ده أنا صدقتك. بدر وهو يحاول التحكم في غضبه: ليه كده يا ستي، أنتي مش شايفة شعرها عامل إزاي، ده أنا بلبسها هدوم صبيان ومش خالص، ما بال بقى لما تنزل كده. الجدة: خلاص يا ابني ما جراش حاجة من مرة، المهم خليها تقول اللي حصل عشان نشوف المصيبة اللي هببتها.
نظر بدر لمهرة بغيظ بمعنى حسابنا فيما بعد وقال: كملي يا أختي. مهرة: كنا واقفين لقينا الولد ده جاي يعاكس لميس، طلبت منه بالراحة يبعد ما سمعش الكلام ومسك شعري. بدر بصريخ: آآآآآيه يا روح أمك مسك إيه؟ مهرة سريعًا: كان كان هيمسكه بس أنا بعدت بسرعة وجبت طوبة حدفته بيها واتعور خربوش صغير خاااالص يا بدوري، بس هو ده اللي حصل.
مصطفى بغيظ: يا بت ده أنا شايف الولد متغرق دم، منك لله يا شيخة، وأنا كمان مني لله لو فكرت أروح معاكي مكان. بدر بحدة طفيفة: خلاص يا مصطفى هي مش غلطانة، يعني عايزاه يعاكسهم وتسكت، أنا هروح بكرة المدرسة وهطلع ميتين أمه عشان يحرم يبص لبنات النعمان. مصطفى: لا يا أخويا ما تتعبش نفسك، هو جاي لجدك هو وأبوه عشان يشتكي له، قابل بقى يا عم، يلا أنا ماشي سلام. وخرج سريعًا قبل أن يرد عليه أي أحد.
بداخل سنتر للدروس الخصوصية، نجد فتاتين منتظرتين وصول وليد ليقلهما إلى المنزل، فبنات النعمان يعاملن كالأميرات، كل طلباتهن مجابة، ودائمًا يجب على أحد شباب العائلة توصيلهن من وإلى المدرسة أو أي مكان حتى يحميهن من أي شخص تسول له نفسه الاقتراب منهن. لوجي بضجر: إيه يا ست مها رني على أخوكي شوفيه اتأخر ليه، عايزة أنااااام. مها: خلاص لسه مكلماه من شوية زمانه داخل علينا، أهدي شوية ما هو لو كان سولي كان زمان النوم طار من عينك.
ههههههههه. لوجي: هاهاها خفة يا بت، أما نشوف يا أختي لما حظابط يرجع من الكلية بتاعته هتعملي إيه. مها: هييييييح ظبوطة قلبي ده يرجع بس ده وحشني أوووي المرة دي. لوجي: هانت خلاص أهو قرب يتخرج وإن شاء الله يجيله التعيين في إسكندرية، يلا وليد وصل أهو. قامت الفتاتان وتوجهن إلى سيارة وليد أخو مها وابن عمة لوجي. ركبت مها بجانب أخيه ولوجي في الخلف. لوجي بمرح: إزيك يا دكتورة إيه أخبارك، طمنّي على الجثث بتوعك.
ضحك وليد عليها وقال: عارفة يا لوجي لولا خوفي من أخوكي هولاكو كان زماني حاطط لك جثة محروقة في حضنك وأنتي نايمة عشان تحرمي تتريقي عليهم. مها بضحك: يااالهوي هو بدر على طول كده عامل رعب للكبير والصغير. ضحكن جميعًا وأكملوا الطريق حتى المنزل. بعد صلاة العصر كان يجتمع كل من الجد النعمان وابنه ياسر والحاج حسين ومعهم مصطفى وبدر وسليم ووليد يتناقشون في بعض أمور العمل. الجد: ها يا وليد حملت طلبية الحاج عبد الحميد؟
وليد: أيوه يا جدي وقفت على إيدهم لحد ما العربية اتحركت قبل ما أروح أجيب البنات من الدرس. حسين: طب ابقى هات لي الفواتير عشان أخلي المحاسب يأيدها أول بأول. وليد: حاضر يا جدي. أثناء ذلك دخل عليهم رجلان وشاب وطفل صغير. محمد والد الطفل: سلامو عليكم. الجميع: وعليكم السلام ورحمة الله. الجد: اتفضلوا. مال مصطفى على بدر وقال: قابل يا عم أهو هيتعمل قاعدة بسبب فرستك. زجره بدر بحدة فسكت مصطفى سريعًا خوفًا من بطشه.
والد الطفل: أنا ليا حق عندك يا حاج نعمان وجاي آخده. ياسر بهدوء: اقعد بس خد واجبك وبعدين قولنا أنت مين وحق إيه اللي ليك عند الحاج. سليم نادى على حمص (عامل المقهى) : قوله طقم شاي وعصير للصغنن ده في السريع. سليم: عنيا يا حاج. عم الطفل بعصبية: ما لوش لزوم إحنا مش جايين نضايف. تجهم بدر وقال بحدة: ابلع ريقك بس يا شبح واعرف أنت واقف فين وبتكلم مع مين. في شكوى عندك قولها بأدب. ثم ربّت على
كتف الرجل بقوة وهو يقول: آآآمين يا شبح. خاف الرجل كثيرًا وازدَرَدَ ريقه بتوتر ونظر للنعمان وقال: يرضيك يا حاج حفيدتك تضرب ابن أخويا وتفتح له دماغه خمس غرز؟ نغز سليم بدر في الخفاء ومال عليه مقلدًا مهرة وهي تقول: خربوش صغير يا بدوووري. زجره بدر بحدة وهمّ بالرد على ذلك الرجل ولكن عمه ياسر سبقه.
ياسر: طب يعني بنتنا هتعوره من الباب للطاق ولا لازم يكون ابنكم عمل حاجة وحاجة كبيرة كمان عشان يبقى رد فعلها كده، اسأل ابنك الأول وبعدين اشتكي ولا إيه؟ نظر الرجل إلى الطفل ونهره وقال: انطق ياض إيه اللي حصل؟ خاف الطفل وأطرق وجهه ناظرًا في الأرض خاصة خوفًا من هذا الوحش الذي منذ دخولهم وهو ينظر له بطريقة أرعبته حقًا. بدر: أقولك أنا، ينفع ابنك المحترم يعاكس بنات لا وكمان عايز يمد إيده على واحدة فيهم؟
والد الطفل: إيه الكلام ده يا أستاذ، دول أطفال وابني لا يمكن يعمل كده. مصطفى: أهو ابنك قدامك اسأله. عم الطفل: ما تنطق ياض الكلام ده صح؟ سكت الطفل ونكس رأسه في خزي. الجد: خلاص يا أستاذ ما حصلش حاجة، بس قبل ما تسمع كلام عيل اتأكد الأول قبل ما تحط نفسك في موقف وحش قدام الرجالة ولا إيه؟ بدر: يا ريت تربوا ابنكم وعلموه الرجولة من صغره وإن اللي هيعمله مع بنات الناس هيتعمل في أخواته.
اعتذر الرجلان منهم وأخذوا الطفل بغضب وخرجوا من المحل وهم يصرخون على الطفل الذي وضعهم في موقف محرج. وليد: هو إيه اللي حصل أنا مش فاهم حاجة. بدر: تعالى بس وأنا هأفهمك بعد إذنك يا جدي. الجد: هتروح محل الأزاريطة دلوقت ولا بعد ما ترجع من المخزن؟ بدر: لا هعدي عليه الأول، سلامو عليكم. يلا يا سليم. خرج الشباب من المحل ووقفوا في جانب يتحدثون. بدر: بقولكم إيه أنا عايزكم في موضوع ضروري. سليم: خير يا رب.
بدر: لا مش هينفع دلوقت، أحمد زمانه على وصول إن شاء الله بالليل هنتجمع كلنا على السطح وأقولكم اللي فيها. مصطفى: مادام فيها سهرة على السطح يبقى ربنا يستر. تركهم بدر دون أن يعير حديثهم أدنى اهتمام واتجه إلى سيارته وانطلق بها حتى يتابع أعماله وهو متأكد أنه ما إن يأمرهم بشيء وجب عليهم التنفيذ. يا ترى ماذا يريد هذا البدر منهم؟ سنرى. انتظروني. بقلمي / فريدة
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!