الفصل 33 | من 34 فصل

رواية مهرة و بدر الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم فريدة الحلواني

المشاهدات
68
كلمة
3,542
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

بعد مرور أسبوعين على تلك الأحداث الحزينة، وحتى الآن لا يستوعبون ما حدث ولا يصدقه صديقه. بيتهم الذي كانت تشع من جوانبه السعادة وكان يعج بالبهجة، متشح بالسواد. وضُحّي بروحه، وجوده بينهم هو كل شيء حلو في حياتهم. وبعده، تبدأ حياة كئيبة لا روح فيها، لا طاقة لهم لفعل أي شيء، لا عمل... لا طعام... لا حياة. حتى أحمد أصر على الاستقالة من عمله كضابط شرطة لإحساسه بالذنب، فلو كانت تلك الوظيفة نافعة، لكان استطاع حماية أخيه.

وقرر أن يحاول أن يكون بديلاً لأخيه الراحل في العمل، فهو يعلم جيدًا عشق بدر لهذا المصنع الخاص، وأقسم أن يظل عليه لأجله، فهو كان حلمه وسيعمل عليه حتى لا يختفي كما اختفى صاحبه. استيقظ الجد على رنين هاتفه، وقام مزعورًا على صوته، وسرعان ما وجد أن من يهاتفه هو طبيب مهرة. رد سريعًا وقال: "أيوه يا دكتور، خير، مهرة جرالها حاجة؟ قال الطبيب سريعًا:

"لا لا لا اطمن يا حج، أنا بتصل أبشرك إنها فاقت من نص نومها، والحمد لله هي والولاد بخير." أخذ الجد يحمد الله وهو يبكي ويقول: "ربنا يبشرك بالخير يا ابني، ألف حمد وشكر ليك يا رب، أنا جاي حالًا." أغلق سريعًا وخبر الجدة بما قاله الطبيب وهو يجري اتصالًا آخر، وعندما فتح الخط قال سريعًا: "قوم يا عادل، النجمة الغالية فاقت، البس بسرعة خلينا نروح لها." أغلق مع ولده ونظر وجده تبكي فضمها وقال:

"بلاش بكي يا نعمة، الحمد لله ربنا رضانا والبنت فاقت، والعيال كويسين." "كفاية بقا كده وبلاها الرقدة دي، أنتِ من يوم اللي حصل وأنتِ ما قمتيش من فرشتك." بكت الجدة وقالت: "شايلاه يا أحمد، الغالي راح وكسرني، ده أنا حاسة إن حيطان البيت حزينة عليه." "هو ده بيتنا اللي كان مليان ضحك وهزار." الجد:

"قدر ربنا ولازم نصبر ونحتسب، أنا عارف إن اللي راح مش هين، بس أهو ربنا عوضنا وسابلنا ذريته اللي إن شاء الله يوصلوا على خير، يبقوا خلف لأبوهم الله يرحمه ويخلد اسمه في الدنيا." "بعدين أنا شايل هم مهرة لما تعرف إنه خلاص هتعمل إيه وهتستحمل ولا لأ." "يبقى إحنا لازم نيجي على نفسنا ونقوى عشان نقدر نقف بجانبها لما تقدر تستوعب اللي حصل." الجده:

"وده اللي شايلة همه يا حج، زعلنا كلنا كوم وهي كوم تاني، ربنا يربط على قلبها ويلهمها الصبر." أمن النعمان على دعائها، ولكن لم يعد بعد. وهي فترة تلك المواجهة. بعد قليل، وصل النعمان وعادل وأحمد إلى المشفى القاطنة بها مهرة، وبعد أن قابلهم الأطباء وطمأنوهم على منفردها هي وأطفالها، رافقهم إلى إحدى الغرف التي نقلوها إليها بعد الإفاقة.

دلفوا لها الثلاثة محاولين رسم ابتسامة زائفة، ولكنهم حقًا فشلوا، وعندما رأوها ممددة وهي تسند ظهرها على ظهر الفراش وعيونها حالمة بالرجاء أن يطمئنوها على بدرها. دون حديث، اقترب منها الجد وضمها بحنان وهو يربت على ظهرها. وكانت تلك إشارة لها لتنفجر في بكاء مرير، بل كل من بالغرفة يبكي جميعًا. بعد فترة، تمسكت بجدها: "بدر رجع يا جدو." بكى الجد وهو يقول: "أنتِ مؤمنة يا بنتي، وده قضاء ربنا لاز... قاطعته صارخة:

"لاااااااا، لا يا جدو، أبوس إيدك ما تقولهاش، بدر عايش، قلبي بيقولي إنه عايش، أنا صحيت حسيت عليه، صوت وهو بيقومني ويقولي: "قومي يا فرستي، الحقي ولادنا هيقعوا، الحقي ولادك بسرعة"، صحيت مخضوضة لقيت الولاد بيرفسوا جوه بطني، بس هو مش موجود، هاتلي بدر يا جدي، أقسم بالله عايش بس وحشني، هو قالي مش هتأخر، طيب أنا ما زعلتوش في حاجة، أنا مش هعرف أعيش من غيره." "مش حاسة إني بتنفس يا جدي، مش قادرة أتنفس." "هو مش هيخليني يتيمة صح؟

مش هيتمنى أنا وولاده؟ أخذت تهذي بكلمات غير مترابطة بين شهقاتها، وقال أحد الأطباء لطوارئ خاصة بهم: "اهدوا يا جماعة، ما ينفعش كده، أنتوا لازم تكونوا أقوية عشان تقدروا تساندوها في اللي جاي." ثم اقترب من مهرة وقال: "اهدي يا بنتي واسمعيني." ولكن لم تلتفت له إلا حين قال بقوة: "ولادك هيضيعوا." انتفضت مهرة والتفتت له وهي تحاوط بطنها المنتفخ بيديها لحماية أطفالها، تقول برعب: "ااااا، يعني إيه ولادي؟ قال الطبيب

بعد أن تمكن من جذبها: "أيوه يا بنتي، ولادك ممكن يضيعوا لو فضلتي في مؤتمرك ده، أنتِ بقالك ثلاث أسابيع في غيبوبة، وعايشة على المحاليل، ودي طبعًا استحالة تنفع في تغذية الثلاث توائم، ده غير حالتك النفسية اللي برضه ممكن تتأثر عليهم." "أنتِ لو حامل في طفل واحد كان الموضوع هيبقي أسهل." "إنما في حالتك دي أقل مجهود ممكن يخليكِ أنتِ اللي بتضحي بأولادك."

"أنتِ أكثر واحدة شوفتي بدر كان فرحان قد إيه بحملك، وإزاي كان مهتم بيكي، وبيعد الأيام عشان ربنا يكملك على خير ويشوفهم." "يبقى سواء صدقتي اللي حصل ورضيتي بقضاء ربنا، أو حاشا لله اخترتي ده، شيء يرجعلك أنتِ، بس ما يكونش الثمن ولادك اللي أكيد قبل ما يسافر وصاكي عليهم، يبقى أنتِ لازم تكوني قوية وتتغلبي على حزنك عشان تقدري ترتاحي وتنفذي وصيته ليكي."

"أنا عارف إن هيبقي صعب وربنا يعينك، بس كل ما تحسي بحركة ولادك جواكِ، انظري لها إنها رسالة ليكي من بدر إنه موجود جواكِ." "والله يا بنتي من أول يوم دخلتوا فيه عليا وأنا حبيتكم لله في الله كده، وحبيت أكثر حبكم لبعض اللي نادر جدًا في الزمن ده." "أنا ما عنديش حاجة تاني أقولها لك غير إن على قد حبك لبدر، على قد ما هتكون قوتك إنك تعافري وتتغلبي على ألمك، عشان تفرحيه بولاده أيًا كان مكانه فين دلوقت."

أنهى حديثه واستأذن منهم وخرج. صمت مطبق يسيطر عليهم. ولكن كلماته كان لها إسهام كبير على مهرة، فقد نزلت على جمر قلبها كقطرات ماء أطفأت لهيبه، واقتنعت بكل حرف قاله لها، بل أقسمت أن تنفذه بالحرف، حتى متى يعود بدرها لينير جميعها التي أظلمت من بعده، تجده كانت على قدر المسؤولية واستطاعت بنجاح أن تربي أولادها. لا يهم إن كان الفضاء يمكن تجربته أم لا، الأهم هو يقينها الذي ينبئها كذبًا على الكائنات الحية. هكذا

تحدثت مهرة بنفسها ثم قالت: "أنا أريد أن أرجع بيتي يا جدو." الجد: "حاضر يا قلب جدك، أنا هكلم الدكتور يسمح لك بالخروج ونروح على طول، ده ستك فرحت قوي إن ربنا يرجعك لينا بالسلامة، وقامت تجهز لك أوضتك كمان." مهرة: "بعد إذنك يا جدو، أنا مش هسيب بيتي لو سمحت." أثر عادل في الحديث: "يا بنتي ما ينفعش تقعدي لوحدك، وحتى لو البنات قعدوا معاكِ، دخولك الشقة وهو مش فيها مش هتستحمليه وهيتعبك زيادة." قال هذا بحزن. مهرة

وهي تعود للبكاء وتقول: "يعني أنتِ مش مصدقين إنه لسا عايش؟ ده براحتكم وحاجة تخصني، ما قلتش حاجة، إنما كمان تريدون تحرموني من المكان اللي كان بيجمعنا سوى، وتبعدوني عن ذكرياتي معاه، حرام عليكم." اقترب منها عادل واحتضنها وهو يقول بلهفة: "لا لا لا، والله ما أقصد يا الغالية، أنا بس خايف عليكِ ما تستحمليش." مهرة:

"وحياة بدر يا عمي، سيبني براحتي، وأنا والله العظيم هستحمل أي حاجة عشان ولاده، وبالعكس وجودي في بيتي مش هيتعبني، على الأقل هشم ريحته فيه." قبل أعلى رأسها وقال: "حاضر يا نن عين عمك، كل اللي يريحك هعملهولك، بس ليا طلب عندك." نظرت له بتساؤل فقال:

"خليكِ ماشية بالنظام اللي كنتم عليه، يعني كام يوم كده اقعدي فيهم في بيتك لحد ما حالتك تستقر بالكامل، تنزلي الصبح تقضي اليوم معانا وبالليل تطلعي تنامي في شقتك، والبنات يبقوا معاكِ ماشي يا حبيبتي؟ مهرة باستسلام: "حاضر يا عمو." أحضر أحمد الطبيب الذي وافق على خروجها مع تعليمات مشددة بالالتزام بمواعيد الأدوية والتغذية مع الراحة.

وبالفعل بعد فترة كانت تجلس في منزل النعمان وسط جميع العائلة الذين فرحوا أخيرًا بخروجها هي وأطفالها سالمين، ولكن ما بقلبها ينقبض هو وحاح النساء بالسواد. اختنقت كثيرًا ولم تعد تحتمل هذا المشهد أكثر من ذلك. مهرة: "معلش يا جماعة، هستأذنكم، هطلع أرتاح شوية." الجدة بلهفة: "ليه يا حبيبتي؟ أنا وضبتلك أوضتك القديمة تقعدي فيها، ولو عايزة تقعدي في أوضة الغالي الله يرحمه براحتك."

نزل دعاء الجدة على قلبها كخنجر مسموم أدمى روحها، ولكن لا بأس، مهرة اعتادت على سماعها منهم، ورحمة الله تجوز على الحي... والميت. مهرة: "معلش يا تيتا، أنا مش هرتاح إلا في بيتي، وهبقى أنزل أقضي اليوم معاكم زي ما كنا متعودين." اعترض الجميع على قولها ولكنهم أذعنوا لرغبتها حتى لا يزيدوا الضغط عليها، ففي كل الأحوال ستكون الفتيات معها لرعايتها. نوال:

"خلاص يا قلب أمك، اطلعي خدي دش وارتاحي، وأنا هعملك الأكل وأطلعهولك لحد عندك." أعقب كلام العمة صعود مهرة والفتيات إلى الأعلى حيث بيتها وحياتها وذكريات مهما طال الزمن لم ولن تمحى. بمجرد ما دلفت إلى بيتها وقفت في مكانها وأغمضت عينيها تشتم رائحة المكان الذي كل جزء فيه يحمل ذكرى لهما معًا، فحبيبها كان يحرص على صنع ذكرى جميلة في كل ركن من أركان بيتهم، سواء هنا أو في منزلهم السري.

نظرت الفتيات إلى بعضهن بحيرة ووجع، فهم يشعرون بحزنها، فهن لا يعلمن ما يتوجب عليهن فعله للتخفيف عنها، ولكن سيحاولن. اقتربت منها مها تمسك مرفقها لتحثها على التحرك وهي تقول: "تعالي يا ميمو، اقعدي ارتاحي حبيبتي، بلاش تقفي كتير." فاقت مهرة من حالتها وقالت: "أنا هدخل أوضتي أريح شوية." زينة: "تعالي حبيبتي نو... قاطعتها مهرة: "معلش، مش عايزة حد معايا، سيبوني على راحتي."

أعقبت قولها بدلوفها غرفتها وأغلقت الباب عليها، وهنا سمحت لنفسها بالانهيار. جلست على فراشهم تتحسس عليه وتميل عليه علها تجد رائحته ما زالت عالقة في المكان، وقالت من بين شهقاتها: "أنا زعلانة منك يا قمري، كده هنت عليك تغيب عني كل ده؟ والله لما ترجع هخاصمك، بس ارجع أرجوك حبيبي ارجع." في تلك الأثناء شعرت بركلة من أحد أطفالها فاعتدلت وابتسمت من بين دموعها وقالت وهي تمسد على بطنها بحنان: "أنت مش عايزني أعيط يا حبيبي؟

حاضر خلاص أنا سكت، هههه، هو قمري قالك تعمل كده عشان ما أعيطش؟ "خلاص أنا هسمع الكلام بس قوله ما يتأخرش عشان وحشني." مسحت دموعها المنهمرة في وسط حديثها وقامت أخرجت عباءة بيتية مريحة وبعض الأغراض ثم خرجت لتنعم بحمام دافئ لعله يريح تيبس عظامها بسبب نومتها الطويلة. وجدت الفتيات يرتبن المنزل ويزيلن بعض الأتربة التي تراكمت فترة غلقه. حاولت أن تمزح معهم قليلًا لتشعرهم أنها بخير:

"أنا شايفة إنكم واخدين راحتكم ومنتشرين في البيت ما شاء الله كأنه بيت أبوكم هو." جاريتها لميس في المزاح: "براحتنا، بيت أختنا وأخونا نع... قطعت حديثها حينما دمعت عين مهرة بذكر كلمة (أخونا) اقتربت منها الفتيات واحتضنوا بعضهم وانخرطوا في البكاء. انفصلت عنهم مها وهي تسحب مهرة لتجلس على الأريكة قائلة: "بقول لكم إيه، بلاش عياط بقى، إحنا طالعين نهون عليها ولا ننكدها زيادة؟ جلسن الفتيات دون حديث. قطعت مهرة الصمت وهي تقول:

"ما فيش نكد ولا حاجة يا موها." ثم نظرت للأرض تستجمع نفسها وبعد لحظات أكملت: "أنا عايزة أطلب منكم طلب ولو سمحتوا توافقوا." لوجي: "إيه يا بنت الأدب اللي نزل عليكي فجأة ده؟ بتستأذني عشان تطلبي طلب مننا؟ الله يرحم أيام الافتراء علينا وتخلينا نعمل اللي أنتِ عايزاه بالعافية." قالت هذا لتمزح معها ولكن أتى حديثها بأثر عكسي. حيث بكت مهرة وهي تقول: "اللي كان مقويني غايب عني." ثم مسحت دموعها وأردفت:

"أنا بس بترجاكم بلاش تلبسوا أسود، بلاش تحسسوني بغيابه بالطريقة البشعة دي، إحساسي إنه عايش هو اللي مخليني قاعدة معاكم دلوقت وبحاول أقاوم، بس بكل السواد اللي هنا ده صدقوني هنهار، وأنا لازم أحاول أبقى قوية وأحمل أمانة ولاده." انخرطت في البكاء وأكملت: "أرجوكم بالله عليكم ساعدوني." بكت الفتيات وهم لا يعرفون ماذا يفعلون.

مر شهر وشهران على تلك الأحداث، لا جديد، استمر عدم اهتمام مهرة بصحتها من أجل صغارها، والتزمت بالأدوية في مواعيدها، وأكلت بشراهة بسبب بلوغها نصف الشهر السابع. وقد بدأت الدراسة وذهبت الفتيات إلى جامعتهم، وعندما طلب منها الجد أن تنضم إليهم حتى ولو يوم في الأسبوع لإثبات حضورها. ردت عليه ردًا أفحمه:

"يا جدو، حتى لو السنة راحت عليا مش هقدر أنزل من البيت من غير إذن بدر، أنا رحت للدكتور للي هو قبل ما يسافر شدد عليا إني أروح ميعاد المتابعة." لم ينطق الجد، فهو لم يجد ما يقوله، وترك لها الحرية فيما تفعل، فإذا كان إيهام لنفسها أن حبيبها يكذب عليها هو سبيلها في تخطي الحزن والتأقلم على غيابه، فلتفعل ما تشاء ما دامت بخير أمامه هي وروحها.

حتى أنها كل تلك الفترة لم تخرج من المنزل إلا مرتين لزيارة الطبيب الذي طمأنها كثيرًا على حالتها الصحية، وكان فرحًا وفخورًا بها رغم سنها الصغيرة وقوة الصدمة التي مرت بها إلا أنها اجتازتها. وعندما أصرت مهرة على اصطحاب عمها عادل والد حبيبها ليكون معها هو ما دام ولده غائبًا. ولكن كل هذا الادعاء كان أمامهم فقط، ولكن حين تدلف شقتها لتبيت فيها هي وإحدى الفتيات أو جميعهن، ولكن بشرط أن تنام وحدها في غرفتها وهن في غرفة الأطفال.

وعندما زاد استغراب الفتيات لما رأوه من استثناءات غريبة منها، وعليها، خبروا أن لسبب كبير ليكتشفوا وتوصلوا إلى ما ينقذوها مما هي فيه. نوال: "يا بنتي ماهي كويسة وبدأت تضحك تاني، أنتِ هتخوفيني ليه؟ مها: "يا ماما أنا مش بخوفك، أنا بقولك على اللي بيحصل، أنتِ عارفة ساعات نبقى قاعدين نلاقيها قامت تعمل كوبايتين نسكافيه، ولما نسألها لمين التاني تقولنا لبدر، بس ولاده هيشربوه بداله ما يرجع."

"لو جاعت وحطت أكل على السفرة برضه تحط طبقين، واحد قدامها وواحد قدام الكرسي اللي كان بيقعد عليه بدر، تاكل شوية من طبقها وبعدين تقوم تقعد مكان بدر وتاكل اللي في طبقه كله." "ده غير برفانات اللي طول اليوم ترش منها في الشقة كلها، مجرد ما تحس إن الريحة بدأت تروح ترش تاني، هي بتمثل قدامكم إنها بقت كويسة، إنما من جواها ربنا اللي يعلم بيها." وهكذا مرت تلك الأيام.

حتى جاء يوم كان يجلس فيه جميعهم في المحل الخاص به هو وعادل والجد حسين. وجدوا آخر شخص يمكنهم الدخول. صهيب: "السلام عليكم." وقف الجميع وردوا السلام تحت اندهاشهم، ولكن في الأخير رحبوا به. الجد: "اتفضل يا ابني، خير إن شاء الله." بعد أن جلس صهيب قال: "أولًا البقاء لله، أنا آسف إني ما قدرتش آجي أعزي من بدري." الجد: "ولا يهمك، الملك والدوام لله." صهيب بتوتر لكن تمالك نفسه وقال:

"أنا الحقيقة جاي لك في طلب يا حج، أنا عارف إنه مش وقته بس أنا حبيت أعرفك." الجد بتوجس: "قول، لو في إيدي هنفذه." سكت قليلًا ثم قال: "أنا جاي أطلب إيد مهرة قبل ما حد يت... قاطعه عادل صارخًا بعد أن انتفض وعليه ممسكًا في تلابيبه وقال: "أنت جاي تطلب أرملة ابني يا ابن الكلب؟ صهيب بقوة وهو يبعده عنه: "قصدك أرملة... أرملة ابنك يا حج." صاح الجد ولكن بصوت يقطر حزنًا: "عاااادل، اقعد مكانك، من امتى ابننا يعتدي على ضيف عندنا."

الجد حسين: "والله يستاهل الدبح ما دام ما عندوش دم ومش مراعي لا الوقت ولا الظروف، دي لسه في عدتها." النعمان: "خلاااااص انتهينا، ما أسمعش صوت حد فيكم." ثم نظر إلى صهيب وقال: "أنت مش شايف إن بدري قوي على كده، وناسي كمان إن هي حامل؟ صهيب:

"أنا عارف إنه مش وقته يا حج، بس أنا حبيت أسبق وأتقدم لها، أكيد هيجيلها ناس كتير لسه، وتعتبر ما دخلتش دنيا، وأنا هستني المدة اللي هتولد فيها بعد ما تولد عشان تفكروا في طلبي اللي أنا عليه مصر، وأتمنى توافقوا." عادل بغضب: "بس البنت ما هتوافق، دي بسبب الوقت مفكرة إن جوزها عايش." صهيب:

"الوقت كفيل ينسي الإنسان أي حاجة، وبراء لو كان في حد جنبها بيحبها وبيتمناها ويقدر يعمل أي حاجة ليها، مش معقول هتلاقي كل ده وترفض لمجرد إنها تعيش على ذكرى إنسان مات وهي لسه ما كملتش 19 سنة... أنا كده خلصت كلامي، وفي انتظار ردكم، وأكيد هيكون لي زيارة تانية في وقت أفضل من كده عنكم." أعقب كلامه وهو يخرج من المكان، ترك عبق كلماته المسمومة تخنق صدورهم. وما كان أمامهم إلا حقيقة واحدة، بدرهم مات حقًا.

بكى عادل، ذلك الأب المكلوم على فلذة كبده، فهدأه الجد وقال: "اهدأ يا ابني، ما تزعلش نفسك، بعدين هو أول واحد ولا آخر واحد هيتقدم لها، البنت لسه صغيرة وحلوة ومين يتمناها حتى لو معاها عشر عيال." عادل بقهر: "يعني إيه يا أبا؟ هتوافق تدي حبيبة الغالي لراجل تاني؟ هنفرط في أمانته لينا يا أبا؟ طب وعياله هنسيبهم لراجل تاني يربيهم؟ الجد:

"لا يا ابني أنا ما أعملش كده ولا أفرط في ضفر عيل من عيال الغالي، بس يا ابني دي سنة الحياة، وأنا ما أقدرش أظلمها وآخد وضع في الموضوع ده من غير ما أرجع لها." حسين: "يعني إيه يا حج؟ هتقولها إنه اتقدملها؟ النعمان: "آه هقولها، وهي ليها الحق تقبل وتكمل حياتها مع راجل تاني، أو ترفض وتعيش وسطينا تربي ولادها وهي مخلصة لذكرى جوزها."

في فيلا صهيب، دلف إليها بعد أن رجع من زيارته للنعمان، وجد زوجة أبيه تجلس في انتظاره، فهي لا تعلم إلى أين ذهب وحينما هاتفته لم يرد عليها. بيري: "أنت فين يا صهيب من الصبح وبتتصل بيا مش بترد." حكى لها صهيب كل ما حدث معه. انتفضت بيري تنهره:

"طبعًا ما ده المتوقع منهم، لازم يرفضوا عشان الملايين اللي هتورثها من أبوها وجوزها، ما تروح بره، ده مش بعيد يجوزوها لواحد من ولاد عمامها على مراته عشان يضمنوا ورثها، أنت كان لازم تقولي عشان أروح معاك وأعرف أقنع بنتي." صهيب: "بنتك إيه بس اللي أنتِ ما جيتيش تعزيها في جوزها وتقفي معاها في محنتها؟ تفتكري لو روحتلها دلوقت هترضى تسمعك أصلًا؟ بيري: "آه هتسمعني غصب عنها، ولو ما وافقتش بالذوق، أنا عندي طرق تانية تخليها توافق."

صهيب: "يعني إيه مش فاهم؟ بيري: "مش مهم تفهم دلوقت، أنت لك النتيجة، المهم خلي السواق يحضرلي العربية على ما أغير هدومي عشان ألحق أروحلها قبل ما العقارب دول يطلعولها ويسمموا أفكارها، عشان الرفض يبقى منها هي وهما يا حرام مش هيقدروا يغصبوا عليها." أعقبت حديثها بصعودها إلى الأعلى لتفعل ما قالته. صعد النعمان إلى منزله قبل ميعاده ليحادث مهرة على انفراد، فهو يعلم أن تلك اللعينة بيري لن تصمت وبالتأكيد ستأتي لتحادث ابنتها.

بعد أن دلف شقته وجد النساء تجلس مع مهرة يتسامرن معًا إلى وقت عودة الفتيات من جامعتهم الذي اقترب وها هن في طريق العودة. نظرت له الجدة وقالت: "خير يا أحمد، أنت تعبان ولا إيه؟ راجع بدري عن ميعادك." الجد: "ما تخافيش يا نعمة، أنا كويس الحمد لله، بس عايز مهرة في موضوع بيني وبينها." ثم نظر إليها وهو يتحرك للداخل: "تعالي يا مهرة ورايا." قامت مهرة خلف الجد وسط اندهاش الجميع وهي أولهم.

أغلقت باب غرفة جدها بعد أن دلفت وراءه وطلب منها ذلك، ثم توجهت وجلست بجانبه على الأريكة. ساد صمت مقلق لكلاهما، هي لا تعرف ماهية ما يريده منها الجد، وهو لا يعرف من أين يبدأ، ولكنه في الأخير قرر الحديث. الجد: "أنتِ عارفة إنك أنتِ والغالي أغلى أحفادي عندي، وكل اللي يهمني راحتكم صح؟ هزت مهرة رأسها علامة الموافقة ليكمل:

"طب أنتِ دلوقتِ يا بنتي لسه صغيرة واللي قدك لسه ما اتخطبوش حتى، والحي أبقى من الميت، وأنا مش هقدر أظلمك معانا بقعدتك جنبي." مهرة ببوادر بكاء وقد فهمت مغزى كلام الجد ولكنها سألته: "يعني إيه كلامك ده يا جدو؟ مش فاهمة تقصد إيه؟ تنهد الجد بهم وقال: "يعني صهيب اتقدملك تاني أنهارده." وحينما كادت أن تتحدث أوقفها الجد بإشارة من يده وأكمل:

"استني يا بنتي اسمعي كلامي للآخر، أنا ما وافقتش ومش من حقي أقرر عنك، بس يا بنتي هو ولا هيكون أول ولا آخر واحد هيتقدم لك، أنتِ لسه صغيرة، ومحدش هيفهم ولا يحس باللي جواكِ غير اللي عارف أنتِ وبدر بتحبوا بعض قد إيه، أنا قلتلك عشان أخلص ضميري قدام ربنا ومهما كان قرارك أنا هدعمك فيه وهبقى في ضهرك." مهرة وهي تحاول أن تهدأ:

"طب يا جدو أنا مش هتكلم كتير ولا هقول إني متجوزة عشان ما تقولوش عليا مجنونة، بس مش أنت حكتلنا عن ستات قرايبك في الصعيد أزواجهم ماتوا وهما صغيرين وهما ما اتجوزوش وقعدوا يربوا أولادهم؟ الجد: "أيوه كتير منهم أم عبد الرحمن جوز عمتك." مهرة: "طب ده حرام شرعًا يعني إني أفضل أربي ولادي من غير جواز؟ ده ربنا حرمه يعني؟ الجد: "لا طبعًا، اللي بتعمل كده بيكون ثوابها كبير عند ربنا وأجرها بيبقى مضاعف." مهرة:

"طب بعيدًا عن أي شيء تاني أو إحساسي اللي جوايا، أنا هقعد أربي ولادي وآخد الأجر مضاعف يا جدي ممكن؟ احتضنها الجد وقال: "ممكن طبعًا يا عيون جدك، وأنا هكون فخور بيكي وهساعدك كمان." في تلك الأثناء سمعوا أصواتًا عالية بالخارج فهرولوا سريعًا. وجدوا بيري تريد مقابلتها ونوال تنهرها ولا تريد أن تدخلها. اقتربت منهم مهرة وقالت موجهة حديثها لنوال: "في إيه يا ماما، مالك واقفة كده ليه؟ قبل أن ترد نوال، كانت بيري تزيحها

لتدخل عنوة وهي تقول: "في إنها مش عايزة تدخلني أشوف بنتي." ابتسمت مهرة باستهزاء وقالت: "لا إزاي يا بيري هانم، اتفضلي، إكرام الضيف واجب، بس يا ترى إيه سر الزيارة دي وأنتِ كنتِ بترفضي كل اتصالاتي؟ بيري: "عايزة أتكلم معاكي لوحدنا في موضوع مهم." مهرة: "ما فيش بينا أسرار، اللي عايزة تقوليه قوليه قدام أهلي." بيري بعصبية: "اسمعي كلامي يا بنت، أنا أمك." دلف في هذا الوقت أحمد ومصطفى والفتيات فقال أحمد بعصبية:

"الست دي إيه اللي جابها هنا؟ نهرها الجد: "اااااحمد، دي ضيفة وتبقي أم مرات الغالي، تكرم لأجل خاطرها، محدش يدخل بينهم سااااامعين." بيري باستخفاف: "قصدك أرملته يا حج." مهرة بضيق: "مهما كانت المسميات مش موضوعنا، أنتِ عايزة إيه دلوقت؟ بيري: "جاية أفتح عينك على اللي عايزين ينهبوا فلوسك ويحرموكي إنك تعيشي حياتك ويدفنوكي بالحياة بحجة تربية العيل اللي هتخلفيه، صهيب عايز يتجوزك وهيتكفل بابنك و... صرخت بها مهرة بقوة:

"ااااانتي اتجننتي؟ عايزاني اتجوز وأنا متجوزة؟ في لحظة خاطفة لطمتها بيري على وجهها بصفعة قوية وهي تقول: "بتغلطي في أمك يا عديمة التربية؟ ساد صمت وصدمة حلت على الجميع. وضعت مهرة يدها مكان الصفعة وقالت بقهر: "لو بدر كان موجود عمرك ما كنتِ تقدري تعمليها." وتلك كانت بداية الجنون. انطلقت نوال بغل وأمسكت بيري من شعرها وأوقعتها أرضًا وانهالت عليها بضرب مبرح ساعدتها فيه ريهام وفاطمة، والتفت الفتيات حول مهرة.

أما الرجال فكانوا ينظرون بتشفٍ وفضلوا عدم التدخل. في تلك الأثناء استمع الحرس الخاص ببيري صوت استغاثتها فهرولوا إلى الأعلى، وبقي واحد منهم يتصل بصهيب الذي كان ينتظر بيري في عربته خارج شارع النعمان بعد أن صمم أن يأتي معها ولكنها أقنعته أن ينتظرها بالخارج حتى تقنع ابنتها أن تأتي معها. أغلق الاتصال وهرول سريعًا وحينما وصل وجد أحمد ومصطفى وسليم وعادل وياسر يبرحون الثلاثة حراس ضربًا بعد أن صعدوا لإنقاذ بيري من أيدي النساء.

دلف سريعًا يحاول تهدئة الموقف ونجح أخيرًا بمساعدة الجد الذي أمر أولاده والنساء بالكف عن الضرب. وكذلك صرخة مهرة التي أسكتت الجميع. مهرة: "بااااااس، بس كفاااايه، حرام عليكم، أنا تعبت." ثم وجهت حديثها إلى بيري: "وأنتِ من هنا ورايح أنتِ موتِ بالنسبالي، أنتِ أصلًا عمرك ما كنتِ عايشة في حياتي، واللي أنتِ جاية تاخدي مراته لواحد تاني هو اللي كان بيتحايل عليا عشان أكلمك." تدخل صهيب قائلًا: "بس هو مات يا مهرة وأنا مستعد إن...

قاطعته مهرة صارخة: "ااااانت تخرس خالص، سااااامع، اسمي ما تنطقهوش على لسانك الوسخ ده، أنا مش شايفاك أصلًا، ولا في راجل يملي عيني وقلبي غير جوزي وأبو ولادي، ولا هعترف بوجود راجل أصلًا غيره، وأنا بقولكم كلكم أناااااا مرااااات بددددر النعمااااان، وسواء صدقتوني إنه عايش أو لأ ما يهمنيش برضه، أنا مراته وهفضل مراته لآخر يوم في عمري، وحتى لو إنه...

زي ما بتقولوا، اللي عشته معاه يكفيني أعيش عليه باقي عمري، ده بدر يا ناااااس، عارفين يعني إيه بدر؟ وفجأة سمعوا صوتًا لم يتوقعوه حتى أنهم ظنوا أنه حلم. بدر بعد أن استمع لما قالته دخل سريعًا وهو يقول: "وبدر رجعلك يا قلب وعمر بدر." وانقض على صهيب يبرحه ضربًا حتى الجميع من أثر الصدمة لم يستطيعوا الحراك. مهرة: "بدددددددر! بدر: "...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...