ما هذا الثقل الجاسم على قلبي، ماذا حل بي؟ أكاد أن اختنق، أنفاسي تعاندني، أصبحت ألتقطها بصعوبة، كأني غريق يحاول النجاة، ولكن أين لي بالنجاة؟ طوق نجاتي هجرني. هل أختلق لك عذراً جديداً، أم أكتفي من كمالها أعذاري؟ لا تنضب، كلما أوجعتني أجد لك ألف عذر، ولكن إلى متى؟ حقاً تعبت. ألا من يومٍ آتٍ أحظى به برحمتك وإشفاقك على قلبٍ صغيرٍ ذاب وتعب من الانتظار والاشتياق أيضاً.
كانت تلك الكلمات تدور داخل مهرة بعد أن قرأت الخطاب مرات عديدة، تحاول استيعاب ما خطه لها بيده، ووقعت في حيرة كبيرة، هل تشفق عليه أم على حالها؟ أم تمقت المسماة بأمها وتحقد عليها لأنها سبب في جزء كبير من المعاناة التي تحياها. ربما لو كانت مثل باقي الأمهات، هي من تولت رعايتها وتربيتها، لكان الوضع اختلف.
ولكن أيضاً بداخلها تكن لها بعض الشكر، لأنه لولا تخليها عنها منذ ولادتها، ما كانت ستحظى بكل الحب والدلال والرعاية التي وهبها لها حبيبها. لا والله، يجب عليها شكرها لأنها أتاحت لها الفرصة لتكبر في كنف رجلٍ لن يتكرر كثيراً. فهي تقسم أن والدها -رحمه الله عليه -لو كان على قيد الحياة، وعاش هو وأمها حياة طبيعية وأنا معهم، مهما قدّموا لي لم يكن مثل ما فعله ويفعله معي هذا البدر. التقطت الخطاب للمرة التي لا تعلم عددها،
وبدأت في قراءته بتركيز: (مهره... سامحيني، أنا بترجاكي تسامحيني. أنا مش عارف عملت كده إزاي، ضعفت، أيوه ضعفت. هعترفلك بحاجة يمكن أقدر أريحك، مع إن اعترافي مش هيغير حاجة، بس انتي الحاجة الوحيدة اللي اتمنيتها في حياتي. وبعد اللي حصل بينا، لو مت هكون خلاص أخدت كل حاجة من الدنيا ومفيش حاجة تانية تستاهل إني أعيش لها.
انتي الذنب اللي بدعي ربنا في كل صلاة إني ما أتوبش منه. بس أنا اتكسرت قدامك، مكنش لازم أضعف وأطاوعك. اوعي تلومي نفسك، أنا السبب في اللي وصلنا له. لو كنت قدرت أخبي اللي جوايا كويس، ما كنتيش انتي أخدتي الخطوة دي... بس للأسف برضه مهما حاولت أخبي، كنتي هتحسي، لأن زي ما بتقوليلي دايماً، إحنا مراية بعض.
أنا مش عارف أبص لنفسي في المراية، ولا هقدر أبص في عينك انتي بالذات، أو أي حد من اللي حوالينا. بقيت أنا بعد ما كنت أمانك وحمايتك أعمل كده؟ طب هقف قصاد أبوكي في الآخرة أقوله إيه؟ أنا طمعت في الأمانة اللي سبتها في رقبتي. آآآه، مش عارف أعبر، بس انتي أكيد فهماني. حقك على قلبي يا بنت قلبي.
أنا سافرت، أو بمعنى أصح هربت، يمكن الكام يوم دول أقدر ألملم قلبي اللي هينفجر جوايا وأرجع لعقلي اللي أصلاً مش قادر يستوعب إنه هيبعد عنك بإرادته. أنا سبتلك فلوس تكفيكي لمصاريف الأيام اللي هغيبها. لو مكفتش، انتي عارفة مكان الفيزا الاحتياطي شايلها فين، خوديها خليها معاكي. اوعي يا فرستي، اياكي تعاقبيني وتاخدي فلوس من حد، لو عملتيها هتكسري اللي باقي فيه، يبقى كده انتي بتقوليلي إنك خرجتيني من حياتك.
وأنا اللي مصبرني على اللي أنا فيه، إنك لسه منورة حياتي. متزعليش من قمركم، ومتعيطيش. سلام يا غلب بدر وعذابه وناره.)
طوت الخطاب وقبلته، ثم قامت من فراشها متوجهة لخزانة ملابسها ووضعته فيه مع النقود، بعد ما أخذت منها بعض الورقات النقدية حتى تشتري بها ما يلزمها كما وصاها بدرها. أغلقت الخزانة والتقطت حقيبتها ووضعت ما بيدها بها، وهي تحاول التماسك. اتجهت إلى باب غرفتها وفتحته حتى تذهب إلى المرحاض، وقبل أن تصل إليه سقطت مغشياً عليها. تزامن هذا مع خروج الجدة من غرفتها، وعندما رأتها ممددة على الأرض صرخت بقوة، مما أدى إلى تجمع أهل المنزل.
في مطار برج العرب الدولي بالإسكندرية، كان يجلس بدر بنصف عقل، يحاول أن ينتبه لحديث مصطفى الذي يحاول أن يفهمه ما بهم. مصطفى: يا ابني فاهمني، بس إيه اللي خلاك تغير رأيك فجأة وتسافر؟ بدر بعصبية: متزهقنيش بقى وبطل زن، قولتلك عشان بيتر صاحبي، والأحسن إني أقابله بنفسي عشان نرتب البلاوي اللي إحنا فيها دي.
كاد أن يرد عليه، ولكن أعلن عن ميعاد الطائرة، فقام مصطفى بتوديعه ووقف حتى اختفى عن أنظاره، فتوجه خارج المطار. استقل سيارته، وقبل أن يبدأ في تشغيلها، أخرج هاتفه واتصل بمعذبته التي لا يعلم ما سبب تبدل حالها معه. انتظر الرد قليلاً، ثم فتح الخط. ردت عليه وهي تبكي، فانخلع قلبه رعباً عليها. مصطفى: زينة، انتي بتعيطي ليه؟ حبيبتي مالك؟ في حاجة تعباكي؟ ردي عليا طمنيني.
زينة وقد زاد بكاؤها بسبب تأنيب ضميرها مما كانت تفعله معه بمنتهى الغباء. لامت نفسها بعد ما سمعت صوته الملهوف عليها، وأقسمت أن تفعل ما بوسعها لكي تعوضه وتعتذر له عما بدر منها في الأيام السابقة. حاولت تمالك نفسها وأجابت: زينة: أنا كويسة، متقلقش، بس مهرة اللي تعبانة. مصطفى بخضة: ليه مالها؟ وانتي فين دلوقتي؟
زينة: أنا اتصلت بيها من شوية عشان نروح المدرسة مع بعض، مردتش عليا. اتصلت بلميس، قالتلي إن تيتا لقيتها واقعة على الأرض مغمى عليها وسخنة مولعة. وليد كشف عليها، لقي حرارتها معدية الأربعين. ركبلها محلول وأداها حقنة تخفض الحرارة، بس لحد دلوقتي بقالها أكتر من ساعتين ولا فاقت ولا الحرارة نزلت. وأنا أول ما عرفت روحت أنا وماما عندكم، وادينا كلنا حواليها مستنينها تفوق. ثم أكملت ببكاء: أنا خايفة عليها وزعلانة أوي يا مصطفى.
مصطفى: لا حول ولا قوة إلا بالله. أكيد عرفت بسفر بدر، لأن الحالة دي بتجيلها لما بتزعل جامد. أيوه يا جدعان، ده لسه راكب الطيارة من خمس دقايق بس، يعني لو كلمتك بدري شوية كان عرف ولغى سفره ورجعله. بس خلاص كده، مش هينفع حد يقوله وهو مسافر عشان لو عرف هيتججن. زينة: لا، الأحسن إنه ما يعرفش، وربنا يشفيها. بس شكلهم هنا في البيت مكنوش يعرفوا بسفره بدري، غير لما جدو النعمان قال لهم.
مصطفى: ماشي حبيبتي، اقفلي وأنا اتحركت، مسافة الطريق هكون عندك بإذن الله. لو أي جديد كلميني. زينة: حاضر، على مهلك وأنت سايق يا حبيبي، سلام. أغلقت الخط وجلست بجانب الفتيات مرة أخرى في انتظار استيقاظ الأميرة النائمة. هكذا شبهتها زينة بداخلها. إذاً، كل هذا المرض الذي أصاب أميرتنا بسبب غياب وحشها اللطيف عنها؟
فهم دائماً يشبهونها بالأميرة والوحش لفرق الحجم الواضح جداً بينهم، ولكنه وحش وسيم وهمجي أيضاً. لهذا الحد بلغ عشقه داخلها ما يجعلها تغيب عن الدنيا بغيابه عنها؟ وأنا التي ظلمتها وأهنتها واتهمتها بإهدار كرامتها لأجل شخص لا يشعر بها؟
ولكني أقسم أني كنت غبية. فما يظهره بدر لها من دلال أمام العالم أجمع، دون الاهتمام بشكله أمام الناس، يدل على عشقه هو الآخر لها، ولكن نجهل سبب اعترافه به. حتى أنها تذكرت موقفاً ما استغربت وقتها مما حدث.
في العام الماضي، كانوا يقضون بعض أيام من عطلة الصيف في الشاليه الخاص بعائلة النعمان، القاطن داخل إحدى القرى السياحية الموجودة بالساحل الشمالي. كان الشباب والفتيات يتنزهون ليلاً داخل أحد المولات المتواجدة داخل القرية. وفجأة وقفت مهرة، فنظر لها بدر لمعرفة سبب وقوفها، وبالتالي توقف الجميع. مهرة: ثواني بس، هقف على جنب أربط الكوتشي اتفك مني. بدر: انتي هبلة يا بت، تتوطي كده قدام الناس؟
ولم يعطها فرصة للرد، ونزل سريعاً، جلس على إحدى ركبتيه وثنى الأخرى، ثم أمسك بقدم مهرة ووضعها فوق ركبته المثنية، وقام بربط حذائها. الوضع كان ملفتاً لدرجة أن بعض رواد المكان وقفوا يشاهدون هذا الموقف بإعجاب من بعض الفتيات والحقد من أخريات على مهرة، أنها تحظى برجل كهذا. وأطلق بعض الشباب الصافرات تحية له على ما فعل.
ظلت زينة تتقاذف على عقلها ذكريات ومواقف كثيرة جعلت ضميرها يؤنبها أكثر على ما اقترفته في حق هذه المخلوقة الجميلة من الداخل قبل الخارج، خاصة آخر شيء فعلته لأجلها في المدرسة. فبرغم كل ما فعلته معها، إلا أنها دافعت عني وأرجعتني إلى الطريق السليم. واحدة غيرها بعد الذي فعلته معها، كانت اكتفت بالمشاهدة والشماتة أيضاً فيما سيحدث لي. أفاقت من شرودها على لكزة لوجي في كتفها. زينة بخضة: إيه؟ إيه؟ في إيه؟
لوجي باستهزاء: أبداً يا روحي، بقالنا ساعة بنكلمك وانتي ولا هنا. زينة: اللي أخد عقلك يا زوزو. زينة ببكاء: انتو اللي واخدين عقلي، أنا إزاي كنت غبية كده وكنت هبيع أخواتي وعشرة عمري عشان حبة كلام من واحدة زي دي؟ أنا إزاي كنت عامية ومش شايفة اختلافها عننا؟ وبرغم كده مهرة اللي مسكت إيدي ورجعتني غصب عني عشان تنقذني. واللي قاهرني أكتر من نفسي، إنكم بتتعاملوا معايا عادي، حتى ما عاتبتونيش. أخذتها لوجي بأحضانها وهي تهدئها:
لوجي: بطلي هبل يا بت، انتي حد يشوف أخته بتغرق ويسيبها؟ وبعدين إحنا عارفينك هبلة وبيضحك عليكي بكلمتين، وكان ممكن نقولك من الأول، بس قولنا نسيبك شوية وندخل في الوقت المناسب عشان بس تتعلمي الدرس كويس. وبعدين حوشي شوية من دموعك دي لحد ما مهرة بس تفوق، عشان ناوينلك على علقة محترمة تخليكي متنسيش اللي حصل طول عمرك، وتعرفي تختاري الناس اللي تصاحبيهم بعد كده. خرجت زينة من حضنها وهي تمسح دموعها وتقول بإصرار:
زينة: لالالالا، خلاص توبة أصاحب حد تاني. وبعدين أنا عندي أربع أخوات مش أصحاب، ومش هلاقي ولا أجدع ولا أحسن منهم، يبقى أعرف حد جديد ليه؟ ردت مها بمزاح: طفاسة وفراغة عين يا قلب أختك. ضحكت الفتيات بخفوت وهن يحاولن إلهاء أنفسهن عن القلق الذي ينهش قلوبهن على رفيقة دربهم. في الخارج، كان يجلس الجد مع أولاده وهو يسأل وليد عن حالة حفيدته الغالية.
الجد: ما تشوف حاجة يا ابني تديها للبت تفوقها، هنقعد نتفرج عليها كده وهي مش دريانة بالدنيا. وليد: مينفعش يا جدي، أديها حاجة تاني. الحقن اللي أداها لها مفعولها قوي، وبعدين انت عارف الحالة دي بتجيلها لما بتزعل وبتفوق لوحدها. الجدة بحزن: طب يكون إيه بس اللي زعلها؟ ما إحنا لحد بدر ما دخلها تنام كانت كويسة وبتتهزر معانا.
ريهام: يمكن أمها كلمتها، تلاقيها حرقت دمها زي عوايدها، منها لله. مش عايزة تسيب البت في حالها، ولا هي عايشة معاها تراعيها، ولا حتى عاجبها عيشة البت معانا. مش عارفة عايزة إيه. نوال بغيظ: آآآه يا ناري، اللي يسبني عليها أكلها بسناني الصفرا دي. أكيد وراها حاجة. دي بتقعد بالشهور مبترنش رنة عالبت، إنما اليومين دول شغالة كل شوية، إيشي اتصال، إيشي هدايا بتبعتها لها من تركيا. وأنا أقطع دراعي إن كل ده وراه هدف في دماغها.
ياسر: مهما كان اللي في دماغها، تفتكري إننا هنسمحلها تعمل حاجة؟ ما تحطيهاش في دماغك، سيبيها لما تجيب آخرها. الجد: لله الأمر من قبل ومن بعد. يلا يا ولاد، كل واحد يروح يشوف اللي وراه، وكده كده البنات قالوا هيقعدوا مع مهرة، مش هيروحوا في حتة، وأنا كمان قاعد النهارده. عادل وهو يقوم من مجلسه: ماشي يا حج، هنتوكل على الله إحنا. وأي حاجة تحتاجها اتصل بينا على طول. أحمد: طب مش هتقولوا لبدر؟ لو عرف إن خبينا عليه هيزعل.
الجد بخضة: لالالا يا ابني، أوعى حد يبلغه. إنت عارف هو رايح في إيه، بلاش نشغل دماغه، سيبه يبقى فايق ومركز. الله يعينه على الجاي، وإحنا كلنا حواليها أهوال. الجدة وقد أصابها القلق مما قاله الجد: ليه يا حج؟ إيه؟ هو مش مسافر شغل برده؟ ولا في حاجة تانية يا خويا؟ طمني الله لا يسيءك. الجد بحدة من الضغط الواقع عليه: ولا تانية ولا تالتة، جري إيه يا نعمة؟ مالك مسكتي في الكلام ليه؟ إيش عرفك انتي في شغلنا؟
الجدة وقد التمست لرفيق دربها العذر وتأكدت أنه يوجد أمر جلل وراء سفر حفيدها المفاجئ، مما جعل الجد في تلك الحالة العصبية التي تنتابه فقط في المواقف العصيبة، فقالت: الجدة: حقك عليا يا حج، أنا بس بطمن. روق كده وقول يا رب. أنا هقوم أعملك كوباية قهوة محوجة من إيديا تعدل دماغك، وأدخل أصلي ركعتين لله، لعله يخفف عنا ويسترها معانا إن شاء الله.
نظر لها الجد بأسف وامتنان، فهي من كافحت وصبرت معه وساندته في أصعب الظروف، ولولا وقوفها بجانبه ما كان استطاع أن يصل لما هو عليه الآن.
داخل شركة السيوفي للاستيراد والتصدير، التي تعد من أكبر الشركات في الشرق الأوسط، والتي يتخذها مالكها عابد السيوفي كستار له لتهريب الآثار، فهو يعد الذراع الأيمن والواجهة للمهربين الكبار الذين يتقلدون مناصب كبيرة في الدولة، تخاف فقط أن تذكر أسماؤهم. وأيضاً يعتبر وكيل أعمال المافيا الإيطالية داخل مصر وبعض الدول العربية.
داخل مكتب عابد، نجده يجلس هو وممدوح، رجله وزراعه الأيمن وكاتم أسراره، يتباحثون فيما سيفعلونه مع بدر إذا رفض التعامل معهم، وهو المتوقع. عابد: ها يا ممدوح، إيه الأخبار؟ ممدوح: كل حاجة تمام يا باشا. وقفنا ورق المينا، وبكده البضاعة هتفضل مركونة لحد ما نشوف رده إيه علينا. سكت قليلاً ثم أردف: بس في حاجة مش فاهمها يا باشا ومحيراني. عابد: حاجة إيه؟ ماتنطق على طول.
ممدوح: إنهرده كان ميعاد سفر مصطفى لألمانيا، ورجالتنا اللي مراقبينهم 24 ساعة شافوه نازل هو وبدر. فضلوا وراه لحد المطار، واستنوا لحد ما بدر طلع عشان يكملوا مراقبة. بس اللي حصل إن بدر هو اللي سافر، ومصطفى هو اللي خرج من المطار، ركب عربيته وقعد ربع ساعة يتكلم في التليفون، بعد كده طلع عالبيت طوالي. وبعدها بشوية كل واحد راح شغله عادي، بس النعمان منزلش ولا هو ولا حد من البنات، حتى زينة بنت المحامي بتاعهم وخطيبة مصطفى راحتلهم الصبح بدري هي وأمها، ولحد دلوقتي منزلش.
عابد باستغراب: يعني إيه الكلام ده؟ ممكن يكونوا حسوا بالمراقبة فاشتغلونا، وبدر بدل ما يكون مع مصطفى في آخر لحظة؟ وإيه حكاية قعاد النعمان والبنات في البيت ده كمان؟ مش غريب. ممدوح بعقلانية: لا مفتكرش إنهم حسوا بحاجة. وبعدين ده سفر بطيارة بره مصر، مش معقول هيبدلوا في المطار، هو سوبر جيت ولا إيه؟
هو الأكيد إنهم واخدين القرار من الأول، بس مقالوش، وإلا كان الراجل بتاعنا بلغنا. بس قعاد الراجل الكبير ده هو اللي مش قادرين نعرف سببه. الاحتمال الأكبر إنه يكون تعبان، والبنات قلقانة عليه، وانت عارف هما بيحبوه قد إيه. عابد: آه يا خويا عارف. بس لو كلامك عن السفر ده صح، يبقى بدر بدأ يشغل دماغه علينا وياخد حذره، وده دماغه سم، لو اشتغلت ممكن يضيعنا كلنا. ممدوح: طب والحل؟
عابد: هبدأ الضرب من تحت الحزام، مش هخليه يعرف الضربة هتجيله من أنهي ناحية عشان أشته، ومايعرفش يفكر، ويضطر في الآخر ينخ لي. ممدوح: طب هنبدأ بإيه؟ ودلوقتي ولا هتستنى لما يرجع؟ عابد: لاااا، استنى إيه؟ ده أنا هخليه يرجع على مِلي وشه. اتصل بعبدالحميد النجار، خليه يجيلي بكرة الصبح الساعة 10 يكون قدامي في المكتب. بس يارب قعدة البنات متطولش جنب جدهم عشان نعرف نضرب أول ضربة صح. آه صحيح، برضه مش لاقي سكة مع حد جوه المصنع.
ممدوح: للأسف لا، كلهم ولاؤهم ليه، وكل عامل وموظف عنده استعداد يفديه بروحه. المعلم بدر اختار الناس اللي حواليه صح، دا غير إن جمايله مغرقاهم، دا غير معاملته الحلوة ليهم...... قاطعه عابد بغيظ: خلاص يا ممدوح، انت عايز تنقطني؟ دانت فاضل ترشحه للانتخابات، ما تروح تشتغل معاه أحسن! أدام عجبك أوي كده. ممدوح: مش قصدي يا باشا، أنا بس بوضح لك الصورة. عابد: خلاص خلصنا، قوم يلا شوف وراك إيه، وبلغني بالجديد أول بأول.
مر يوم بطيء على النعمان، وقد أفاقت مهرة بعد وقت طويل. أهل قضايا المنزل قلق الكبار عليها، ولكن بعد أن استعاد وعيها وانخفضت حرارتها ببساطة، طمأنتهم عليها أنها بخير، ولا يجوز لهم حضورهم حولها وتعطيل شؤونهم أكثر من ذلك. أكلت قليلاً من الطعام واستراحت، والدواء الذي أحضره وليد لها بعد أن انتزع عنها المحلول المعلق. وقد استأذنت منهم حتى تنام قليلاً ولم تشعر بالوهن بعد، فخرج الجميع وتركوه ليرتاح، ولكن كل الوقت أثر على إحدى الفتيات للاطمئنان إذا ما لاحظتها وشعرت برحيلها مراراً وتكراراً.
كان الجد يجلس على أريكة داخل غرفته يسبح بمسبحته الفضية وهو يناجي ربه أن يحفظ أحفاده ويقف بجانبهم فيما مقبلين عليه. قاطع تسبيحه رنين هاتفه برقم نابولي، كان ينتظره بفارغ الصبر، التقطه وفتح الخط سريعاً وقال: الجد: بدر يا ابني، وصلت بالسلامة؟ طمني. بدر: على مهلك يا جدي، أنا لسه واصل حالا، يدوب عربية تاكسي توصلني الفندق. مردتش أستنى لما أوصل واتصلت بيك على طول. الجد: طب الحمد لله يا ابني، طمنتني. هي يريح قلبك.
بدر بتردد: اااا جدي، إنت شفت مهرة النهارده ولا لأ؟ هي النهاردة يومها مليان، هتطلع مدرسة على درسين أو بعض، يعني مش قدامها جواد على ما تخلص، بس مش عارف قلبي مقبوض عليها ليه. الجد: اطمن يابني، هي بخير، حتى أنا خليت أحمد اللي يوصلهم. بدر: بص يا جدي، بعد إذنك، أنا بعد ما أقفل معاك هكلم مدير المدرسة ياخد لها هي والبنات إجازة الكام يوم دول، وأخيراً ما رجع، وبلاش لوجين ومها يروحوا الجامعة برد. الجد: طب ليه كده؟
إنت ليه غيرت اللي خفيته عليه؟ بدر: معلش يا جدي، كده أحسن، عشان أبقى مطمن أكتر. أنا مكنتش عامل حسابي عالسفر بس حصل. الجد: طب ودروسهم يابني؟ ده الامتحانات عالأبواب، وبعدين قعدتهم مرة واحدة هيلفت النظر. بدر: لا، هيروحوا الشعر بشكل عادي، ولكن بعد ذلك، أربع كلمات، شركة حراس خاصة بتاعة ظابط صاحبي، استقالتها، هيعين لهم حراسة سرية من غير حتى ما يحسوا بيها، لذلك منضمنش الثاني في الدرس إيه اللي ممكن لازم يعين لهم مؤقتاً.
الجد: لحقت تفكر في ده كله وتنفذه إمتى يا ابني؟ بدر: وأنا في الطيارة يا جدي، الوقت كان لفترة طويلة، قدرت أفكر بهدوء وأخد القرار ده بعد ما استأذنك طبعاً. الجد: اللي تشوفه صح اعمله، أنا بثق فيك يا خليفة النعمان. بدر: ربنا يخليك لينا يا جدي، أنا هقفل معاك، وأول ما أوصل الفندق هعمل اللي تقول لي عليه، وأبلغك بالنتيجة. الجد: ربنا معاك يا ابني، في حفظ الله. قبل أن يغلق، أوقفه بدر. الجد: إيه يا حبيبي؟
بدر بخجل: خد بالك من مهرة يا جدي، حاسس إن فيها حاجة، قلبي واجعني عليها أوي، يمكن لذلك أول مرة أبعد عنها من يوم ما اتولدت. الجد: أمانتك في عنيه، متخافش عليها. ويمكن من هنا لما ترجع بالسلامة، يكون ربنا هداك و تريح قلبك من وجعه. رد بدر بعد فترة وقال: ...... ترى ماذا سيرد على جده؟ سنرى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!