انحبست الأنفاس وتوقفت عقارب الساعة عن العمل. شعر كما لو أن الزمن توقف وهدأت الرياح عن الحركة، واستكان الكون في هدوء مريب. فهدأت الأصوات وساد صمت عجيب. تبدلت غيوم السماء البيضاء بأخرى سوداء غاضبة تشبه غضبه وحالته الآن. نظر سيف إلى الراكضة على حجره بحزن ودموعه لم تتوقف. صرخ سيف صرخات عالية عنيفة وقلبه يتآكله على من تغرق في دمائها وهي مجثية على قدميه لا تحرك ساكنًا. سيف بقلب متألم: يا رب رحمتك.
مرت ثوانٍ معدودة بعد غلق ذلك الخط فجأة، قبل أن يستلم تسجيلًا صوتيًا يقول بخبث شديد: 10، 9، 8، 7، 6، 5، 4، 3، 2، 1. بووووووووووووووووووم. ثم تعالت أصوات ضحكة خبيثة وهو يقول: Happy journey to hell! فتح عينيه بصدمة، شعر بالعجز يتخلله عندما أدرك محتوى الرسالة الصوتية. توقف عقله عن العمل، أحس بالضياع، شعر بالعجز حرفيًا. نظر إليها فوجدها تمسك يده التي يضعها على مكان النزيف بقوة،
تضغط عليها وكأنها تقول له: تماسك من أجلي. بينما هي كانت في عالم آخر وغائبة عن الوعي. بينما كان يستمع لذاك التسجيل، كان يحاول أن يخرج من تلك السيارة. سيف بدموع وهو يهز رأسه: أغمض عينيه يحاول بث الهدوء قليلاً حتى يهدأ من نوبة الخوف التي سيطرت عليه. فللأسف، عندما يتعلق الأمر بمن هم أغلى من الفؤاد، يعجز العقل عن العمل أو التفكير في شيء. رغم أن الحل يبقى أمام ناظريه، ولكن من صدمته وشدة توتره لم يحسن التفكير.
أهدي يا سيف، فكر فكر بسرعة، أنت مش ضعيف، على طول بتلاقي الحلول. أهدي، فكر فكر عشانها. أهدي، ربنا معانا، فاضل دقيقة والقنبلة هتنفجر. فكر بسرعة، معاك 60 ثانية لازم ألاقي حل.
أنهى كلمته وهو يشرع سريعًا في فك حزام الأمان عنها الذي كان عالقًا، لسوء حظه، بينما أسماء تضع كل حمل جسدها عليه. ثم فتح باب السيارة بتعب من جانبه هو. خرج بهدوء، ثم عاد وحملها على ذراعيه سريعًا وخرج بها. وضعها على الطريق بعيدًا عن السيارة قدر الإمكان، بينما كان الشارع خاليًا تمامًا من أية حركة، ليس به أحد إطلاقًا. ثم رجع إلى السيارة مرة أخرى وهو يعدو الطريق بين قدميه. أخذ منها شيئًا سريعًا.
وبمجرد أن خرج من السيارة، انفجرت وتحولت إلى أشلاء وتصاعدت النيران إلى السماء. ومن شدة الانفجار، اندفع سيف بقوة وارتفع عن الأرض ثم هبط بقوة واصطدم بالإسفلت وجرح مقدمة رأسه. لكنه لم يهتم بآلام جسده ونظرت عيناه للتي تتوسط الطريق بدون حراك، لا تعي ما يجري من حولها. تحامل على ألمه وزحف إليها بإعياء شديد وهو يجر الأرض خلفه حتى يصل إليها، حتى استطاع أخيرًا.
فكان يبعد عن السيارة بمقدار ليس بقليل، وهي على الأرض وهو يعتليها بجسده يحميها رغم كل آلامه وتعبِه ونزيف رأسه. عندما توقف الزمن والمكان وجحظت عيناه بصدمة وهو ينظر إليها بدموع وصرخ عاليًا. سيف بتعب شديد ودموع: لا لاااااااااااااااااااااااااااا. مش هتموتي، مش هتسبيني لوحدي، لاااااااااااااااا. مستحيل.
كانت أسماء متسطحة على الأرض بدون حراك، جسدها يتصلب شيئًا فشيئًا، والبرودة تتغلغل لأطراف جسدها. شفتاها زرقاء، وجهها شاحب، يدها باردة كالثلج، تنزف بشدة. سيف وهو ينظر إليها، ثم وضع رأسه على موضع قلبها يستمع لدقاته. صدم بشدة عندما شعر بأن دقات قلبها تكاد تكون منعدمة وبطيئة. أسند رأسه على جبهتها، انهمرت دموعه بشدة وبكى كما لم يبكِ من قبل. فاق من صدمته ليحدث نفسه.
سيف بدموع: لا لا يا سيف، مش وقت ضعف ده. لازم تكون قوي عشانها. أنت عمرك ما كنت ضعيف. قوم وكمل وهتوصل إن شاء الله. هي لسه فيها نفس، وعشان النفس ده لازم أعمل أي حاجة. لسه عندك فرصة تنقذها. ياما مر عليك أسوأ من كده وعمرك ما انهزمت ولا ضعفت. قوم عشانها وعشان غفران بنتنا.
رفع رأسه ينظر حوله فوجد غابة صغيرة على مقربة منه أو هكذا يعتقد. نهض عنها بتعب وحملها بين يديه وسار بها رغم تعبه وألم قدمه وهو يضمها له أكثر يحميها، يدفئها بحرارة جسده. ظل يسير بها بلا كلل أو ملل حتى تعبت قدماه ولكنه لم يستسلم.
وصل بها لمكان يعج بالأشجار والظلام حالك والغيوم تغطي السماء. وضعها أسفل شجرة كثيفة وبصعوبة أخرج من جيب بنطاله مصباحًا يدويًا صغير أشعله ثم جثى أمامها. نزع عنه سترته الجلدية ووضعها جانبًا. ثم أحضر علبة الإسعافات الأولية التي أخرجها بصعوبة شديدة من سيارته قبل أن تنفجر في وقت سابق. فعلى ما يبدو ليس لديه حل غيره. عليه هو إيقاف النزيف وخياطة ذاك الجرح لها. فلتكن مطولة وقد انقشع ضوء النهار وأُنزل الليل ستارته عليهم، بالإضافة إلى هذا المكان الذي يبدو غير مأهول بالسكان.
أمسك بالمقص بين يديه، بيد ترتعش وهو يبكي بعنف. نظر سيف إلى السماء يدعو ربه أن يوفقه. سيف برجاء ودموع: يا رب ساعدني أنقذها، يارب رحمتك. أخفض رأسه ونظر إليها مطولًا ثم قال. سيف بدموع: هنقذك، استحملي علشاني، خليكي قوية.
أنهى كلمته ثم شرع يقص ملابسها من موضع النزيف فقط، ليفسح المكان لذلك الجرح. ثم أخرج بعض المعقمات وخيط وإبرة. أمسك القطن ثم مسح الدماء التي لم تتوقف عن الانهمار. تنفس الصعداء يحاول تهدئة نفسه قليلاً كي يصمد. هو معتاد على مثل تلك الحالات، فل طالما أصيب زملاؤه وكان هو من يضمد جراحهم ويخيطها لهم وكان بارعًا في هذا، ولكنه الآن يشعر كما لو كانت أول مرة يفعلها، يشعر بالخوف، يده ترتعش. لا يقدر على فعلها، فهذه حبيبته، كيف لها أن تتحمل شيئًا كهذا بدون مخدر موضعي، فهي ليست رجل. نظر إلى السماء وهو يدعي بداخله أن يوفقه الله وأن تتحمل محبوبته هذا الألم.
سيف بتعب وهو يمسك الإبرة في يده ويضع الكشاف يسلطه على موضع الجرح قال بصوت مبحوح من البكاء: سهلة، ياما عملتها يا سيف، اهدي وركز، إن شاء الله هتقدر. ثم شرع يخيط لها الجرح. ومع أول وخزة من الإبرة حتى صرخت صرخات تقطع نياط القلوب من شدة الألم. فزع سيف وارتعشت يده ووقع الخيط منه، ونظر إليها ودموعه تغشي عينه وهو يراها تتألم. سيف بنحيب: معلش استحملي... لازم أوقف النزيف...
ساعديني يا أسماء، استحملي يا حبيبتي، أنا مش معايا مخدر، استحملي علشاني، أسماء متسبنيش، خليكي قوية. صدرت عنها تآوهات متألمة، ثم هزت رأسها بتعب.
أمسك سيف بالإبرة مرة أخرى، وأمسك بيدها بقوة ثم أعطاها قطعة قماش قد قصها من ملابسها تضعها في فمها. وشرع يخيط لها الجرح سريعًا. ومع كل وخزة من الإبرة كانت تصرخ بأعلى صوتها وسيف يبكي دمًا على صرخاتها وتألمها. فأخذ يخيط ذاك الجرح سريعًا حتى ينهي عذابها سريعًا تحت صرخاتها المتألمة وأنينها، حتى انتهى أخيرًا. تنفس الصعداء ولفه بالقطن والشاش الطبي ثم ألبسها سترته الجلدية وأسند رأسه لجذع الشجرة وهي في المنتصف تستند على ظهره وهو يحاوطها بذراعيه، فكان يربع قدميه وهي تضع رأسها عليهم ويديه يد على رأسها والأخرى يضعها على قلبها. أما أسماء فبعد أن انتهى سيف حتى أُغشي عليها ولكنها تتنفس، وهذا طمأنه قليلاً.
سيف بتعب: هنكون بخير، ربنا معانا. رغم كل حاجة بس الحمد لله إنك بتتنفسي وقدرت أوقف النزيف. متخافيش أنا معاكي، يا رب لطفك.
بعد مرور بعض الوقت، هبت رياح باردة فشعر سيف بقشعريرة جسدها وارتجافه. فأنزل رأسها على الأرض بهدوء وأخذ ينزع عنه قميصه الذي اهترأ وتقطع ولكنه أفضل من لا شيء. ألبسها إياه ثم وضع رأسها على قدميه مجددًا ووضع سترته عليها وبقي هو عاري الجذع رغم برودة هذه الليلة، ولكن المهم عنده أن حبيبته لا تُصاب بالبرد. نظر إليها فوجد أنفاسها قد انتظمت والجرح لا ينزف، فتنهد سيف براحة.
مرت ساعة ومازال الوضع كما هو عليه، غير أن عينيه غفت قليلاً ولكنه فاق من نومه على هزة يد تربت على كتفه. سيف مزعورًا: إيه؟ في إيه؟ أسماء... ... أهدي يا بني، هي كويسة. نظر سيف حيث كانت تركض أسماء بجانبه فلم يجدها. وجه نظره إلى تلك السيدة التي تقف أمامه. وتحولت نبرة صوته إلى الحدة. سيف بحدة: هي فييييين؟ انطقي! تبسمت السيدة في وجهه، وهذا أشعله غضبًا. تحدثت السيدة مبتسمة: هي أهي هناك.
نظر سيف حيث تشير فوجدها تشير إلى منزل صغير يبعد عنه بضع دقائق ويصل إليه، ولكنه لم يره بسبب شدة الظلام الحالك. فتحولت نظرته للغضب وصرخ عاليًا. سيف بغضب: وانتي مين سمحلك تاخديها من حضني أصلًا؟ انتي مين؟ قولي! ابتسمت
السيدة في وجهه وقالت: أنا ما أخدتهاش يابني، لأني معرفتش. زي ما أنت شايف، أنا ست كبيرة، وهي جنبك، بص كويس. أنا لما شاورتلك على بيتي كنت بقصد أقولك أن بيتي هنا قريب، يعني بدل ما أنت منيمها في الطريق كده وفي قلب غابة، ما تتضمنش يحصل معاك إيه؟ سيف بغضب: وليه تتلاعبي بالكلام؟ مقولتيش ليه من الأول إنها هنا؟ ضحكت السيدة وقالت: مش مراتك هي بيتك الآمن؟ فأنا لما شاورتلك على بيتي كنت بقصد مراتك برضه.
زفر سيف بضيق ثم نظر ببصره ناحيته فوجدها تتسطح جواره من الجهة الأخرى، فتنهد ثم قال. سيف بضيق: طب مين خدها مني بردو؟ انتي؟ هي... تحدثت ببسمة خفيفة: أيوة، أنا عملت كده عشان تعرف تنام كويس. تحدث سيف غاضبًا: ومين قالك إني هعرف أنام وهي مش في حضني؟ ابتسمت له ثم قالت وهي تسير: ألبس قميصك وتعالى وهات مراتك، أنا مستنياكم في البيت، يلا الجو برد ومراتك بتنزف.
قالت كلمتها ثم دخلت إلى منزلها. أما سيف فبعد كلمتها تلك حتى شعر بالذعر والخوف. ونظر إلى أسماء بلهفة وخوف شديد. نظر إلى الجرح فوجد كلام تلك السيدة صحيحًا وعاد الجرح ينزف مرة أخرى. حملها بين يديه سريعًا وذهب حيث تلك السيدة الغريبة التي ظهرت له من العدم. ما إن رأته السيدة حتى ابتسمت وفتحت لهم الباب. فدخل سيف وهو يحملها. فأشارت له السيدة أن يضعها على تلك الأريكة. وضعها سيف ثم جثى بعقبيه أمامها على الأرض وامسك بيدها.
سيف بقلق: حرارتها مرتفعة! اقتربت السيدة منه وتحدثت بهدوء: ده الطبيعي لأنها نزفت كتير. سيف بقلق: أنا وقفت النزيف بس رجع تاني، شكل الغرز... قاطعته وهي تقول: أهدي، خير إن شاء الله. سيف بدموع: ساعديها! ربتت السيدة على كتفه وقالت: متقلقش، هتكون كويسة. سيف بدموع: يا رب! نظرت السيدة له بحزن على حاله، فالكدمات تغطي وجهه ومقدمة رأسه تنزف. فقالت له: طب يا بني، البس هدومك وتعالى أضمد لك جروحك دي، رأسك بتنزف.
هز سيف رأسه بحزن وهو يقول بصوت مبحوح من أثر البكاء: لأ، ساعديها الأول! كادت تتحدث لتقنعه ولكنه أوقفها بإشارة من يده وهو يقول بإصرار. سيف بإصرار: لأ، ساعديها الأول، وقفي النزيف ده، اعملي أي حاجة وساعديها. هزت رأسها إيجابًا ثم اقتربت من أسماء، وضعت راحة يدها على جبهتها تستشعر حرارة جسدها فوجدتها مرتفعة جدًا. أبعدت يدها سريعًا ثم غادرت الغرفة واتجهت إلى غرفة أخرى، غابت لدقائق معدودة ثم عادت وهي تحمل معها شيئًا.
سيف وهو يضع يده على جبهتها بينما أسماء غافية لا تدري بما يجول حولها تحدث بصوت مهزوز خائف من القادم: أسماء، سمعاني حبيبتي، هتكوني كويسة، اتماسكي علشاني، خليكي قوية. أتت السيدة عليهم وهي تقول: طب أبعد كده شوية خليني أشوف شغلي. وعلى فكرة أنا ممرضة متقاعدة يا سيادة المقدم.
رفع رأسه ونظر إليها لثوان ولم يعقب، ثم ابتعد قليلاً وهو يسند ظهره لجدار الغرفة بتعب شديد. بينما اقتربت السيدة من أسماء التي تتصبب عرقًا رغم برودة الجو من حولهم. نظرت إلى الجرح فوجدت أنه موضع جيد وببراعة، ولكنها عادت تنزف مرة أخرى لأن العقدة لم تكن محكمة الإغلاق واللفافة غير محكمة. فشرعت في فك اللفافة وقامت بتعقيم الجرح جيدًا وقامت بعقد العقدة بشكل صحيح، ثم لفته بشاش طبي آخر وأحكمت لفه حول جسدها.
تحدثت السيدة بروية كي تطمئن قلب ذاك الجالس بإعياء شديد: الحمد لله، الجرح مش عميق أوي، يدوب سطحي، يعني الحمد لله اطمن، مفيش خطر على حياتها. وأنت ما شاء الله خيطته ببراعة، تبقى مشكلة الحرارة بس، ودي أمرها سهل، شوية كمادات وهتتحسن إن شاء الله، وأنا هعملها شوية شربة عشان تعوض الدم اللي نزفته. سيف بإرهاق: شكراً، أنتي مين بقا؟ قالت مبتسمة: أنا مامت... تحدث سيف بتعب: زين الله يرحمه! تبسمت في وجهه وقالت: اللهم آمين...
صمتت قليلاً ثم تابعت... طب هروح أجيب لها الكمادات. هز سيف رأسه وعاد ببصره ناحية أسماء. غادرت السيدة لبضع دقائق وعادت وأحضرت معها الكمادات المياه الباردة وكادت تضع قطعة القماش على رأسها. فنزعها سيف من يدها وأشار إليها أن تبتعد وجلس هو مكانها ثم بدأ يعمل لها الكمادات رغم إرهاقه وتعبه ونزيف رأسه. كانت تقف تنظر له بذهول، فهل حقًا يوجد كهذا حب وخوف على شخص آخر؟ لا يفكر براحته ويهتم بغيره؟ هل يوجد هذا في الواقع؟
هل يحب أحدًا شخصًا بهذه الطريقة ويفضله على راحته؟ إلا أنها تنهدت بهدوء وابتسمت على اهتمامه بزوجته وقلقه عليها. كادت تغادر عندما سمعت صوت سيف
وهو يتكلم بصوت ضعيف حزين: دي حياتي ومش ببالغ لما أقول كده، أنا بحبها، هي الأكسجين بالنسبة لي، من غيرها أموت. مقدرش أتخيل إني أتنفس لحظة وهي ما تكونش موجودة معايا وحواليا. دي مراتي ومنبع المودة والرحمة والسكن ليا. هي القلب الطيب اللي بجيله آخر الليل بعد يوم شغل متعب وألاقيها فاتحة لي دراعاتها وبتقولي تعالي ارمي همومك عليا، أنا هسمعك، أنا معاك، أنا هشيل عنك. هي كل حاجة حلوة في حياتي، خوفها وقلقها عليّ وحبها الكبير ليا،
طيبة قلبها، حنيتها، بساطتها في كل حاجة. أنا لو هخسر كل حاجة أملكها عندي أنها تكون معايا بالدنيا كلها. هي كنزي، هي عمري، هي قلبي، هي سيف وسيف أسماء. هي اللي لو حصل وزعقت لها أرجع ألاقي على وشها ابتسامة عريضة وكأن ما فيش حاجة حصلت وزعقت لها. هي اللي مش بتشيل مني ومش بتزعل. هي الحضن الدافي ليا في ليلة باردة زي دي. هي القلب، هي دنيتي، مش متخيل إني أتحرم منها. حياتي من غيرها مش حياة!
بكت عيناها جراء كلماته التي أصابت قلبها، فعاودت الجلوس تستمع له باصغاء بينما يحكي عن زوجته بحب صادق. لاااااااا لاااااااااااااااااا. كده كتير. صرخ بهذه الكلمات جاسر بعد أن نفذ صبره. سيادة المقدم، أهدي. صرخ جاسر به في حدة بعد أن طفح الكيل. جاسر بحدة: إزاي بس، بقاله أكتر من ثلاث ساعات من وقت ما كلمته ولسه ما جاش. أكيد حصل معاه حاجة، لا والمصيبة بقى تليفونه مقفول. يبقى أهدي إزاي؟ قولي ها؟
بقالنا كتير مستنيين هنا. أنا واثق صاحبي حصل له حاجة. ... كاد يكمل عندما ارتفع صوت هاتفه منبهًا له عن استقبال مكالمة هاتفية. زفر جاسر بضيق ثم أخرج هاتفه من جيب بنطاله ونظر للرقم بدهشة ثم ابتعد عن الجميع وذهب في آخر الرواق. جاسر بصوت خفيض: فيه إيه؟ عليه بذات الصوت فهمس له: سيف في خطر! تسارعت دقات قلبه بعنف وتعالت أنفاسه، فاستند بجذعه على الحائط خلفه قبل أن يقول بصوت مرتعش. جاسر بقلق: ف... في خ... خطر... أجابه
المتصل بتأكيد وهو يقول: أيوه. ... ثم قص له ما سمعه بالتفصيل. جاسر وقلبه يخفق بشدة: سيف! رد عليه بحزن: ربنا معاه، ربنا دايما مع الحق وهيساعدوا، متقلقش. ربنا بيقول: "مَا ظَنُّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ". إن شاء الله خير، رب الخير مبيجبش إلا كل خير، ثق في ربك! جاسر بقلق بالغ: يا رب يا حمزة، يا رب. المهم خلي بالك من نفسك كويس، متخليهم يشكوا فيك.
حمزة بابتسامة: متقلقش يا ابن العم، كله تمام. بس في حاجة كنت هنسى أقولك عليها، سيادة اللواء ده اسمه الحقيقي رفائيلو، ده إسرائيلي يا جاسر. جاسر بضيق: الـ... حبله اتملت أوي ونهايته قربت. كان مستغفلنا بقاله سنين معانا في الداخلية زي الحية. حمزة بهدوء: بلاش شتيمة يا جاسر! جاسر بضيق: حمزة، مش وقتك خالص. تصدق يااض أنا دلوقتي بس عرفت ليه سيف أصر إنه يختارك أنت! أبو غتاتك دي. أنا في إيه ولا إيه؟
قال بلاش شتيمة يا جاسر. ناقصك أنا. يلا يااض روح شوف شغلك. حمزة بتذمر: بقا كده؟ مش كفاية سايب مذاكرتي ووافقت أبقى جاسوس لكم في وسطيهم؟ جاسر بضيق: مهو أنت الوحيد اللي بصراحة مش هيشكوا فيك. واقفل بقى عشان أنا على آخري. ولو على مذاكرتك فأنت حافظ الكتاب. يلا بقى أقفل. حمزة بهدوء: طيب.
ثم أغلق معه وعاد إلى من يسمون أنفسهم مسلمون وهم يتحالفون مع عدو الله وعدو المسلمين ويستبيحون دماءنا ويضعون الدين ستارا لأفعالهم القذرة والدنيئة التي تتنافى مع عقيدتنا وديننا دين السلام والتسامح. كان جاسر في وضع لا يحسد عليه، فبعد ما أخبره به حمزة تضاعف خوفه وقلقه على رفيق الدرب. جاسر بقلق بالغ: يا ترى أنت فين يا سيف؟ قالها بحزن شديد، ثم عبث بهاتفه قليلاً ورفعه على أذنه ينتظر الإجابة. مرت لحظات حتى أتاه الرد.
جاسر بقلق: مروان، اسمع عايزك تتعقب تليفون سيف، شوف آخر مرة كان تليفونه مفتوح فيها وعايزك تتعقب العربية برضه، بس بسرعة. مروان بقلق: ................. جاسر بضيق: مش وقت أشرح لك حاجة، نفذ وبس. مروان بقلق: .................
صرخ جاسر بانفعال: معرفش يا مروان، معرفش إذا كان كويس ولا لأ. أنا على أعصابي والله. بسرعة الله يبارك لك تشوف لي آخر مكان اتواجد فيه عربيته أو تليفونه بس تستعجل بالله عشان شكل مراته فيها حاجة. أنا معرفش والله مقاليش حاجة. مروان بتوتر: طيب، طيب، ربنا يستر! تنهد جاسر بتعب ثم أغلق معه الخط وانتظر ردًا منه في أقرب وقت لكي يعلم أية معلومات عن صديق عمره. كانت الدقائق تمر وكأنها ساعات وهو لا يزال يقف والتوتر والقلق بادي عليه.
بينما هو واقف يستند إلى الجدار خلفه وجد يدًا تربت على كتفه. فتح جاسر عينيه ونظر إلى الواقفة أمامه باستغراب. جاسر باستغراب: نعم حضرتك، فيه حاجة؟ تحدثت عبير ودموعها تسبقها: ب... بنتي! ه... هنا. جاسر بتضييق عينيه وعقد حاجبيه باستغراب: بنتك؟ بنتك مين وبتعمل إيه هنا؟ عبير بنحيب: أسماء، أسماء يا ابني هنا، مش كده؟ جاسر بضيق: أسماء مين؟ عبير بدموع: الظابط سيف صاحبك! تحفزت أذنيه لما تفوهت به وتسارعت دقات قلبه.
جاسر بلهفة: سيف؟ انتي تعرفي هو فين؟ عبير بدموع: هو، هو لسه ما وصلش ببنتي. بنتي تعبانة. جاسر بقلق: بنتك؟ إزاي؟ مرات سيف أمها متوف... عبير بدموع وهي تصرخ: لا لا، أمها عايشة! أنا أمها. بنتي فين؟ قولي! جاسر بعدم فهم: لسه محدش منهم وصل. طب ممكن تقعدي كده وتفهمني إيه اللي حصل؟ عبير بدموع: بنتي حبيبتي اتعذبت كتير في حياتها وأنا السبب. أنا اللي رميتها بأيدي. انهارت عبير وجثت على الأرض وهي تنتحب بقوة وتشهق بصوت مرتفع.
انحنى جاسر لموضعها وهو يربت على كتفها. جاسر بقلق: احكي لي إيه اللي حصل معاهم طيب. عبير بدموع: أختي قتلت بنتي قدام عيني. طعنت أسماء في بطنها. نزفت كتير، بنتي بنتي نزفت كتير. مقدرتش أساعدها. أنا أم سيئة، أنا معرفتش أحميها منها. شعر جاسر بالحزن لأجلها فقال. جاسر بحزن: أهدي، هنلاقيهم. سيف مش هيسمح يحصل حاجة لبنتك، دي روحه وهو مش هيتخلى عنها. عبير بدموع وهي تمسك بيده: بجد يا ابني؟ هو هينقذها؟
جاسر بتوتر: أكيد. ادعي بس واقعدي ارتاحي. جلست عبير ودموعها تنهمر بشدة على خدها، بينما رحل جاسر ليرى ماذا فعل مروان وإلى أين وصلت. عبير بدموع: أكيد هتكون كويسة معاها جوزها وهو هينقذها أكيد. حبيبتي يا بنتي... صمتت قليلاً وهي تتذكر كيف عرفت أسماء بالحقيقة... لتعود للبكاء من جديد وهي تقول لنفسها.
عبير بدموع: حبيبتي، مكنتش عايزة لكِ تعرفي الحقيقة بالطريقة دي والصدمة اللي شفتها على معالم وشك. كان نفسي أقابلك من زمان وأحكيلك، لكن أنتِ دلوقتي عرفتي نص الحقيقة. نص الحقيقة المُرّة، حقيقة إني اتخليت عنك يا ضنايا. قطع شرودها مع نفسها عندما جال بخاطرها شيء لتنتفض واقفة. عبير بتذكر: يا نهار! سيف في البيت لوحده ودينا بنتي من امبارح وهي مختفية من وقت ما جيت المستشفى وعرفت الحقيقة دي. حتى مستنتش أما أخرج. يا ترى رحتي فين؟
أنا سألت قدرية وانكرت. أنا مش ناقصة عذاب تاني. يا رب رحمتك، طمنيني على ولادي واحميهم. أخرجت هاتفها وضغطت على بعض الأرقام حتى أتاها الرد أخيرًا. عبير بلهفة: أم ملك، سيف في البيت لوحده، شوفيه بالله عليكي. أم ملك بضيق وعتاب: لأ، قاعد هنا مع ملك بيلعبوا. هو فيه إيه؟ انتي فين لغاية دلوقتي ودينا فين؟ سايبين الولد لوحده في البيت كده. عبير بدموع وتعب: أنا ممكن أطلب منك طلب! أم ملك باستغراب: آه طبعاً!
عبير بحزن: خلي سيف عندك الليلة دي، معلش ومتسألنيش عن حاجة. أم ملك باستغراب: ماشي. عبير بدموع: تسلمي يا غالية. ثم أغلقت معها وعادت للجلوس مرة أخرى في انتظار أية أخبار عن ابنتها الصغيرة. بينما خارج المشفى كان يهرول سريعًا حتى يصل إلى سيارته وهو يحادث أحدهم، فتحدث بتوتر. جاسر بقلق: متأكد يا مروان؟ أجابه مروان من الجانب الآخر من الهاتف: أيوه يا جاسر، أنا بعت دورية على هناك ومستنيك نتطلع سوا.
جاسر بقلق: أنا ثواني وهكون عندك، أنت فين؟ مروان بتوتر: أنا في *******. جاسر بقلق: طب طب ثواني وجيلك. مروان بتوتر: تمام. ثم أغلق معه وهو يدعو الله أن يحفظ صديقه. بعد مرور دقائق معدودة وصل جاسر إلى مروان الذي كان يقف والتوتر يسيطر عليه، وعلي ما يبدو لديه أخبار ليست سارة بالمرة. فازدرق جاسر ريقه بقلق بالغ من هيئته. جاسر بقلق ونبضات قلبه سريعة: فيه إيه؟ مال وشك كده؟ تحدث مروان بحزن شديد: عربية سيف لقوها...
جاسر برعب: كمل! مروان بحزن: لقوها متفجرة، كلها قطع صغيرة، شكل حصل انفجار رهيب. وضع جاسر يديه خلف رأسه بحزن شديد ثم صرخ فجأة. جاسر بحدة وصراخ: لاااااااا! أكيد مكنش جواها، أكيد! مروان بحزن: يا رب يكون كلامك صحيح. على العموم هنروح وهنشوف، يلا بس. جاسر بدموع: أكيد مكنش فيها، أنا واثق، هو بخير. مروان وهو يصعد سيارته: يلا يا جاسر، مفيش وقت نضيعه. مش بتقول مراته مصابة؟ استعجل يلا واركب عربيتي يلا بسرعة. جاسر بدموع: يلا!
ثم صعد إلى جواره، فانطلق مروان بالسيارة إلى حيث توجد سيارة سيف المحطمة. راسي اااااااه دماغي وجعاني أوي ااااه. نطقت بتلك الكلمات دينا بإعياء شديد وهي مربوطة بالحبال على كرسي محكم الربط حول جسدها وقدميها. دينا بدموع: يا قدرية تعالي هنا وواجهيني بتهربي ليه؟ هرجع أختي وهعرف مكانها، مش هتفضلي مخبياها. انتتتتتتتي فييييييييين تعالي فكيني يلاااااااا!
يا مامااااااااا يا سييييييف اسرررررررررررر. مفيش حد هنا ياااااااااااااارررررررب سااااااااعدني يااااااااااااا اسمااااااااااااااااااء ياااااااختي. باااااااس! إيه الإزعاج ده؟ وطي صوتك. نطقت قدرية بتلك الكلمات وهي تدلف إلى الغرفة. دينا بدموع وكره: فكيني يلاااااااا! لازم ألاقي أختي. قدرية بضيق: اتأخرتي كتير. دينا بدموع: عارفة بس هلاقيها. قدرية بضيق: مفهمتيش، مع إنك زمان كنتي بتفهمي عليا بسرعة. دينا بدموع: قصدك إيه؟
أختي فين؟ قدرية بضيق: ماتت! قتلتها بإيدي دي. شوفي حتى لسه آثار دمها على إيدي بعد ما عرفت الحقيقة وإن أمك اتخلت عنها عشانك انتي. دينا بدموع وهي تهز الكرسي وتصرخ: لاااااااااااااااااااااااااااا! أكيد ماتت. قدرية بضيق: معدش فيه فايدة الصراخ، خلاص ماتت وزمان جوزها قاعد يعيط عليها زي حالاتك. دينا بدموع: هي متجوزة؟ قدرية وهي تلوي شفتيها بتهكم: آه، واحد ظابط كده زي جوزك، بس هتفرق في إيه بقى؟ تعرفي إذا كانت متجوزة ولا لأ؟
دينا بدموع: انتي قتلتيها فعلاً! قدرية بضيق: مقولنا أيوة، بس تعرفي فرحانة في جوزها أوي. دينا بنحيب: ليه كده قلبك قاسي كده؟ بتفرحي في مصاب الناس؟ انتي إزاي في يوم كنت بقولك فيه يا ماما؟ قدرية بضيق: انتوا السبب، أمك أبوكي، هما السبب في سواد قلبي ده. دينا بدموع: اااااااخ يا أسماء.
قدرية بضيق: اهو تلاقيه برضه بينوح زيك كده. كانت بنت هبلة وعلى نياتها. تعرفي عمرها ما اشتكت لأبوها إني بضربها، كانت غلبانة وفي حالها، الله يرحمها بقى. دينا بدموع: انتي إزاي كده؟ قدرية بضيق: اسكتي خالص، مسمعش صوتك لحد أما أشوفلك صرفة. الـ... قولي لي سبع البرمبة، جوزك فين؟ دينا بدموع: أسر، وانتي بتسألي ليه؟
قدرية بضيق: عادي، بس هو بيفكرني بجوز أسماء، أصله باين ظابط في المخابرات، باين أيوة، هو قالي كده لما جه مرة وكان جايب معاه أسماء بس كانت منقبة ومعرفتهاش. دينا بصدمة: واسمه قالك اسمه صح؟ قدرية باستغراب: باين سامر، حاجة زي كده. دينا بدموع: سيف! قدرية بضيق: تويتك أما افتكرتي ابنك! دينا بدموع: لا، سيف جوز أسماء، مش كده؟ قدرية بضيق: أيوة، اسمه سيف على اسم ابنك.
دينا بدموع وصدمة: أختي كانت قدام عيني من البداية، معقول أسماء أختي تبقى مرات خطيبي السابق!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!