شعر بالضياع والصدمة والخوف. مشاعر مختلطة سيطرت عليه وهو يراها بتلك الحالة، تغرق في دمائها وفي أحضانها سيدة أخرى تجثو فوقها. ليصرخ سيف هاتفا باسمها. سيف بصراخ: أسماء.
فتحت عينيها وتساقطت دموعها عندما استمعت إلى صوته وهو يناديها. تسارعت دقات قلبها بنبضات متتالية عنيفة. شعرت كما لو كانت آخر نبضات ينبضها قلبها. شعرت بالبرودة تسري في كامل جسدها، وهناك قطرات مياه تتساقط على وجهها تغرقه. نظرت إلى تلك المجثية فوقها ودموعها تغرق وجهها لتتساقط كشلالات على وجه أسماء. تقابلت العيون مع بعضها. نظرت إلى عيون والدتها بحزن عميق.
وفي ذات الوقت اشتياق وحنين وعتاب. كلاهما كانا ينظران لبعضهما وكلا منهما تفسر نظرة العيون من زاويتها. هي فنظرات أسماء كلها حزن وعتاب، بينما نظرات والدتها كانت اشتياق وحنين لها وحب كبير. قطع الصمت الذي ساد عليهم بعد تلك المشاحنات العالية صوت عبير الباكي وهي تصرخ بقهر ودموعها تنزل أمام وجهها تغرق وجه أسماء. عبير بدموع: بنتي حبيبتي وقطعة من قلبي. كان يعز عليا فراقك. قومي يابنتي متسبنيش. مش بعد ما لقيتك تسبيني. لا لا.
تحدثت أسماء بصوت متقطع ضعيف: س... ي... بلحظة كانت أسماء في أحضان سيف الذي حملها على ذراعيه واتجه بها خارجاً من تلك المقابر بدون أن ينطق بكلمة لتلك الجاثية أرضاً تبكي حتى كادت تختنق. نظر لعيونها بضعف وبكى. مدت يدها الصغيرة تمسح دموعه بحنان وهي تبتسم له بحب. تساقطت دموعه أكثر وشدد من احتواءها بين يديه. سيف بدموع: متغمضيش عينك. أسماء خليكي معايا.
أسماء سمعاني. متغمضيش عينك. فتحي. هنوصل. هنوصل. هتعيشي. انتي مش هتسبيني لوحدي. أنهى حديثه وهو يضمها له أكثر حتى خرج أخيراً من المكان. هرع إلى سيارته سريعاً وهو يحمل أسماء على ذراعيه. أدخلها برفق وصعد إلى جوارها واعتلى مقعد السائق وهو يضع أسماء على قدميه. يد تمسك بالمقود والأخرى يضعها على مكان الجرح يضغط بيده على مكان النزيف.
كان سيف في حالة يرثى لها. تساقطت العبرات من عينيه وتركت أثرها على ملامح وجهه. مدت أسماء يدها بضعف تمسحها له. أمسكت يده بها وقبلتها بعمق وهو مازال يمسك بها. توقف عن القيادة، وضغط على زر القيادة الآلية وجذب أسماء أكثر إليه إلى صدره. وكلتا يديه تضغط على مكان الجرح ورفع ذلك النقاب لكي تتنفس بأريحية أكثر.
سيف بدموع: خليكي معايا متناميش. فتحي عينك. هنوصل بس اتحملي شوي. متسبنيش يا أسماء. لأ لأ. فتحي فتحي عيونك الحلوين. لأ ارجوكي متسبنيش. تحدثت بصوت متعب وانفاس متقطعة وهي تضع يدها على خده: م..ت.... ع.... ي.... ط.... ش. ا..ا... ن.... ن... ا... ا.... ه.... ه... ك.... و.... ن.... ك.... و.... ي.... س.... ه.... ع.... ع.... ش.... ا.... ن.... ا.... ت.... م.... ع.... ا.... ي....
جذبها إليه أكثر يحتويها بين ذراعيه بحماية. فكانت تتوسط صدره وزراعيه تلتف حول خصرها ويده على يدها يضغط على بطنها. ثم جذب رأسها إليه أكثر وهو يقبل أعلى رأسها بحنان ودموعه تنهمر على وجهها. سيف بدموع: هتكوني بخير صح! قالها برجاء كبير. ابتسمت له وهزت رأسها بتعب. ثم فجأة أحست بدوار شديد وزاغت عينيها بغمامة سوداء وأصبحت الرؤية أمامها مشوشة وغير واضحة. رآها سيف ففزع بشدة وهو يقول لها بدموع.
سيف بدموع: لأ لأ يا أسماء متغمضيش عينك. فتحي. هنوصل. فتحي. متسبنيش. ياررررررب. ولكن أسماء كانت قد فقدت الوعي. فقد نزفت كثيراً ليغشى عليها بين أحضانه. صرخ سيف عالياً وهو يدعو الله أن يحميها ويحفظها له. في حين كان السائق الآلي يسير بالسيارة بالسرعة المعقولة فصرخ سيف ينفس عن غضبه وخوفه عليها. سيف بضيق: اتحرك بسرعه أكبر. أجابه السائق الآلي بعملية أن هذا ضد النظام وهو لن ينفذ طلبه.
ضغط سيف على زر الإيقاف وشرع هو يقود سيارته بسرعة البرق وهو مازال يبكي.
مر بخاطره أول مرة رآها بها. تذكر ضحكاتها معه وخجلها منه. تذكر ارتباكها أمامه وتلعثمها في الكلام معه. تذكر كيف كانا يجلسان يقرأن القرآن مع بعضهم. تذكر خوفها وقلقها عليه. تذكر أول مرة عانقها فيها عندما كانت تبكي في المطبخ معتقدة أنه اتصل بعمها لكي يأخذها. تذكر أول مرة قبلته هي على خده كمكافأة لحفظه القرآن معها. وكلما تذكر شيئاً انهمرت دموعه بحزن عميق. فتزاحمت تلك الذكريات على عقله لتقتحمه مذكرة إياه بأحلى أوقات عمره
قضاها معها. كان يتابع قيادة السيارة وعينيه تنظران إليها بين الحين والآخر بدموع. ساد صمت مريب لم يقطعه سوى صوت تنفس سيف العالي والذي يعبر عن مدى انفعاله وقلقه عليها. سيطر عليه هاجس واحد وهو الخوف، الخوف من فقدانها بأنه لن يراها بعد الآن. تسارعت دقات قلبه وأصبح تنفسه عالياً بشكل مرعب يثير القلق وسيطر عليه نوبة خوف مروعة. شعر سيف بالاختناق. ضاق نفسه كثيراً يشعر كما لو أن روحه ستخرج لتفارق جسده. انهمرت الدموع من عينيه
وهو يوزع نظراته مابين الطريق وبين محبوبة الفؤاد الغارقة في دمائها والغائبة عن الوعي. أخرج هاتفه بصعوبة شديدة فتحه بيد ترتعش حتى وصل للرقم المطلوب ضغط عليه ووصله بسيارته سماعة بلوتوث حديثة. وانتظر. ثوانٍ مرت عليه كأنها الدهر كله حتى أتاه الرد أخيراً.
سيف بصوت مرتفع مجهد: جاااااسر. رد عليه من الطرف الآخر من الهاتف وقد انتابه القلق والخوف عندما وصل إلى مسامعه صوت صديقه المرتعش. جاسر بقلق: سيف في إيه مال صوتك؟ أجابه بتعب شديد وهو يقود سيارته ومازال يضع أسماء على صدره ويده تلتف حولها بحماية. سيف بدموع: جاسر اسبقني على المستشفى. خليهم يجهزوا أوضة العمليات بسرعة وعايز دكتورة فااااهم. دكتورة. جاسر بقلق: في إيه طيب أنت كويس؟ رد عليه سيف وهو يصرخ عالياً بغضب ودموعه
تنهمر بشدة على خدها: لأ أنا مش كويس خالص وأنا شايفها كدة. جاسر بغباء: هي مين؟ رووووووووووووحي يا جااااااااسر. أنااااااااااااا بمووووووت لو حصلها حاااااااااجهههه !!!! صرخ بهذه الكلمات سيف بعد أن فاض به الكيل ولم يعد يتحمل وتشكلت غصة بحلقه عقبها دموعه التي لم تتوقف عن الهطول.
فهم جاسر الأمر وأن الموضوع يتعلق بزوجته وليس هناك وقت حتى يعلم منه ما حدث وخاصة أن سيف في وضع لا يحسد عليه ولن يكون هناك وقت للإجابة. فقال جاسر مواسياً. جاسر بمواساة: طيب أنا رايح على المستشفى هجهز عقبال ما تيجي. سيف ببكاء: جاااااي جاااااي على طول. شعر جاسر بالحزن على رفيق عمره وصوته الذي يبكي فانهمرت دموعه وقال.
جاسر بدموع: هتوصل متقلقش هتنقذها. يلا يا سيف تعالي بسرعة. أنت قوي. ربنا معاك. اوعي تضعف يا سيف. اتماسك عشانها. قوي نفسك عشانها. سيف بدموع: هااااجي يا جاسر. هااااجي إن شاء الله. صمت قليلاً ثم تابع وهو ينظر إليها ويقول: اتماسكى. هنوصل إن شاء الله.
ثم أغلق معه وانتبه للقيادة. كانت الدقائق تمر وكأنها ساعات وهو لا يزال يقود. بينما أسماء غافية ولا تدري ما يحصل لهذا المسكين من عذاب وألم وهو يراها على حالتها تلك. فلو رأته لعلمت مقدار حبه لها. فالرجل الذي يبكي على امرأة يكون قلبه بها شغوفاً ومحباً لها. سيف بدموع وهو يقود سيارته بسرعة هائلة حتى كاد يصطدم بأكثر من سيارة أخرى نتيجة قيادته المتهورة كان يحدثها بدموع وهو يقول لها
بحب شديد حتى يجعلها معه: هتعيشي. مش هتسبيني. مش هأتاخر عليكي. قربت أوصل. هتعيشي. مش هضايقك. مش هكسفك تاني. مش هخليكي تتحرجي مني. ولا هقولك بطلي خجل شوي. لا أنا عايزك زي ما انتي. أنا... أنا عايزك بس تكوني... معايا. أسماء متسبنيش بالله عليكي. خليكي معايا. لسه مالحقتش أعيش معاك. لسه فيه حاجات كتيرة معملنهاش سوا. لسه محفظناش. مش كنتي عايزانا نختم القرآن؟ إيه هتخلفي بوعدك ليا؟
مش قولتي لي هخليك تختم القرآن يا سيف وتحفظه كمان. لسه مصلناش مع بعض قيام الليل. لسه الطريق طويل عشان تاخدي أيدي معاكي للجنه. إيه؟ هتسيبي أيدي في نص الطريق؟ لأ. يا أسماء مش هسمحلك. قومي. قومي. انتي مش ضعيفة. انتي قوية بربك ودينك والتزامك وبيا. مش أنا مصدر الأمان ليكي؟ قومي. متسبنيش. خليكي معايا. مش انتي بتستمدي الأمان لما أكون معاكي؟ طب أنا محتاجك. محتاجك معايا أوي عشان آخد قوتي منك.
صمت قليلاً يبتلع تلك الغصة التي تشكلت في حلقه. صدر عنها صوت ضعيف خافت لا يكاد يسمع وانهمرت دموعها بشدة. فكانت إشارة له بأنها ما زالت على قيد الحياة وأنها استمعت له ولكل كلمة صدرت منه. انحنى سيف برأسه وقبلها بحب شديد على رأسها وجذبها له أكثر وهو يقول لها بصوت مبحوح من أثر بكائه. سيف بدموع وصوت خافت: اتماسكى عشان غفران وعلشاني!
فتحت عينيها ببطء شديد ونظرت له بإعياء ثم ابتسمت. فضمها سيف له وتابع قيادة السيارة بسرعة كبيرة. جثت على الأرض تنتحب بقوة. تضع كلتا يديها على الأرض وهي تمسك في يديها التراب وتعتصره في يدها. ودموعها تنهمر بشدة. صرخت صرخات تقطع نياط القلوب. قدرية بقهر ودموع: مكنتش عايزة ده كله يحصل. كنت هخف عشان بنتي. ليه عملتوا فيا كده؟ ليه ولدتوا نار الحقد والكره في قلبي؟ ليه دمرتوا حياتي؟ مبسوطين دلوقتي لما خليتوا قلبي بقى أسود؟
كان ذنبها بنتي إيه؟ كنتوا سيبتوها تعيش ليه؟ اخدتوها مني ليه؟ ليه ليه ليه؟ ليه يا أختي؟ ليه ليه لييييييييه؟ أخذت تضم ركبتيها إليها وظلت تتراجع للخلف حتى التصق ظهرها بالحائط. رفعت يديها لترى عليهم قطرات دماء. لم تستغرق كثيراً من الوقت لتعلم ماهية هذه الدماء ولمن هيَ؟
للحظة شعرت بالحزن لصاحبة تلك الدماء ولكنها نفضت ذلك الشعور من رأسها سريعاً عندما عادت إليها ذكريات ذلك اليوم الذي فقدت فيه أعز ما تملك. ارتجف جسدها كلما عادت لها ذكريات تلك الليلة. عودة إلى الوراء.
شعرت بالبرودة تجتاح أوصالها. تململت في نومتها وفتحت جفونها بتثاقل ثم وضعت يدها على فمها، وهي تتثاءب. بللت أطراف شفاهها ثم نهضت عن فراشها لتذهب لكي تروي عطشها. خرجت من غرفتها بتعب وهي تستند على الحائط حتى نزلت للدور السفلي أو بمعني آخر الطابق الأول في ذلك المنزل. توجهت إلى غرفة المطبخ وأخرجت زجاجة مياه من الثلاجة سكبت القليل منها ثم ارتشفت القليل منه. ووضعت الكوب على قطعة الرخام وأخذت تستند على الحائط بتمهل شديد فقد كانت تشعر بالارهاق والتعب. كادت تصعد الدرج عندما وصل إلى مسامعها صوت ينتحب بقوة فعاودت أدراجها سريعاً وهي تهبط عن الدرج بخطوات متمهلة لترى من يبكي في هذا الوقت المتأخر من الليل.
خرجت قدرية إلى الباب الخلفي للحديقة المتواضعة في منزلها لتري أختها تجلس على الأرجوحة وتبكي بشدة. اقتربت منها بهدوء لترى ما بها؟ وهي تشعر بالقلق يحتاجها لرؤيتها تبكي هكذا. وضعت يدها على كتفها بحنان فالتفتت عبير لها بغضب شديد وازاحت يدها عنها وهي تقول ولكن من دون وعي. عبير بحدة: ابعدي عني. انتي اللي حرمتيني منها. قدرية بعدم فهم: هي مين يا عبير؟ عبير بعد أن أدركت ما تفوهت به قالت مصححة
وهي تمسح دموعها بسرعة: ها ابدا مش حد. بهزر معاكي. نظرت لها قدرية بشك وعدم تصديق ولكنها تغاضت عن ذلك وسألتها باستغراب من جلوسها خارج المنزل في هذا الوقت وأيضاً بكاءها. قدرية بتساؤل: طيب إيه اللي مصحيكي لغاية دلوقتي وكنتي بتعيطي ليه؟ عبير بارتباك: أنا... آه أصل افتكرت ماما. قدرية بحزن: ربنا يرحمها يا حبيبتي. عبير بتوتر: آمين. قدرية بهدوء: هي دينا نايمة مش كده؟ عبير بهدوء مصطنع: أها نايمة. قدرية بهدوء: طيب هروح أشوفها.
وقفت عبير وهي تقول لها بتوتر شديد لاحظته قدرية عليها ليزداد الشك داخلها ولكنها نفته محدثة نفسها بأنها أختها ولن تفعل شيئاً يؤذيها. عبير بدون تفكير: لأ. قدرية باستغراب: لأ ليه؟ عبير بتصحيح: أقصد إنها نايمة يعني ومصدقت إنها نامت فبلاها بقى وابقي شوفيها الصبح. هو جوزك هيرجع إمتى؟ قالت ذلك كمحاولة لتغيير الموضوع. فردت عليها قدرية بهدوء.
قدرية بهدوء: لسه على أول الشهر اللي جاي واحنا خلاص في آخر الشهر ده أهو. هيجنن ويشوف دينا. عبير بحزن مالت رأسها للأرض ثم ما لبثت أن رفعتها من جديد عندما لاحظت نظرات أختها فقالت. عبير ببسمة: إن شاء الله يرجع بالسلامة وهيلاقي ملاك معانا يا أختي. قدرية بحب: الله لا يحرمني منك يا عبير.
عبير بدموع اقتربت منها وعانقتها وبكت في حضنها. تفاجأت قدرية ولكنها ابتسمت وبادلتها العناق. وبعد وقت أخرجتها من حضنها وهي تمسح دموعها بحنان وقالت. قدرية ببسمة وهي تزيل دموع أختها: متعيطيش بقى عشان خاطري. ولا ملييش خاطر عندك. ولو مش علشاني فعشان... صمتت وهي تشير إلى بطن أختها المسطحة وتضع يدها برفق عليها. مكملة باقي حديثها: طب عشان خاطر النونو ده. ابتسمت عبير لها بسمة امتزجت بالحزن الشديد على حال أختها الوحيدة.
فقالت قدرية بهدوء: طب أنا هطلع أكمل نوم بقى ماشي. لاني جعانة نووووم. عبير بحزن: ماشي. روحي وأنا شوية وهطلع وراكي. ابتسمت لها وصعدت إلى غرفتها. بينما الأخرى بقت في الخارج تبكي وتشهق بقهر. عبير بدموع وهي تنظر إلى السماء: يارب صعب عليا والله مش هقدر. ياريتها ما ولدتها. ياريت. حرام لو موتها. وهيبقى حرام لو خليتها تعيش. أعمل إيه. البنت كده كده هتموت. عقلها مش كامل النمو ده غير...
صمتت فجأة عندما أحست بخطوات أقدام تأتي من خلفها. _لسه بتفكري بردو؟ التفتت له بحزن وتحدثت بقهر. عبير بحزن: اعمل إيه يا عبد الله. صعب والله دي أختي وفرحانة ببنتها أوي. طب ما نسيبها تعيش. مش يمكن تتعالج؟ أجابها عبد الله بحزن: الدكاترة أكدوا إن مينفعش. وبعدين انتي عارفة إن ده هيحصل. لازم تموت قبل ما أختك تتعلق فيها أكتر. وبعدين منضمنش الظروف. مش يمكن أختك هي اللي تقتلها؟
البنت عندها نقص في نمو العقل يعني عقلها متوقف. ده غير بردو الكانسر اللي عندها في الدم واللي كان هيموت أختك لو مشيلناش ليها الرحم لأنه كان جزء منه متضرر وكان بداية لورم سرطاني كان هيقضي عليها. فإحنا دي طفلة صغيرة مش هتستحمل الألم ده. فراحة ليها. لازم تموت. عبير بحزن: عندك حق. بس...
قاطعها بصرامة وهو يقول: مفيش بس. لازم ننفذ الصبح. خديها وتعالي على المبنى اللي على أول الشارع ده اللي لسه مش كامل. وأنا هروح دلوقتي. خلي بالك من نفسك. عبير بحزن: خليها على الله.
في صباح اليوم التالي فتحت عبير باب غرفتها بهدوء وحذر شديد وكانت تحمل الصغيرة على يدها. أغلقت الباب ورائها سريعاً وأخذت تنزل الدرج بخطوات حذرة وهي تلتفت بين الحين والآخر. خوفاً من استيقاظ قدرية في أية لحظة حتى خرجت من المنزل وهي تعتقد أن لا أحد رآها. مخطئة فقد كانت تراها من نافذة غرفتها وهي تحاول أن تنفي تلك الشكوك من عقلها تجاه أختها ولكن تأكدت شكوكها عندما رأتها تتسحب في خفية وهي تحمل الصغيرة على يدها في هذا الوقت
المبكر من الصباح. أخذ الشك يتضاعف بداخلها فتحاملت على نفسها وارتدت ملابسها على عجل وخرجت سريعاً ورائها وهي تتبعها بحذر شديد حتى وصلت إلى مبنى قيد الإنشاء فرأتها تدخل والتوتر بادي عليها. حتى صعدت إلى الطابق الأخير وأول ما خطت قدمها حتى صرخت بقهر ودموعها تنهمر بشدة وهي تمسك الصغيرة تضمها إليها أكثر وتبكي بعنف.
عبير بحزن ودموع: لأ مش هنفذ. عبد الله بحزن: هو إحنا بنهزر هنا؟ يوم تقولي أيوة ويوم لأ. افهمي. صعب تعيش مع أختك. أختك في أي لحظة ممكن تقتلها. ده غير الكانسر اللي عند البنت. فهي كده كده هتموت. تدخل طرف ثالث في هذا الحوار بعد أن كان يراقب بصمت فقال بحدة: إحنا هنا مش بنهزر. هاااتي البنت. تحدثت عبير بدموع ومازالت تتمسك بالصغيرة: لأ دي بنت أختي. مش هديهالك. لأ.
قال لها بصوت عالي: اخرسي. هاااتي البنت. بنتي. ملكيش دعوة. أنا أبوها ومش عايز يبقى عندي بنت معاقة. ده لو عاشت أصلاً بمرضها ده. ده غير عقلها. هي ناقصة. عبير بدموع: انت لا يمكن تكون أب. أجابها بفظاظة: ملكيش فيه. وهاااتي البنت هنا. مش كفاية مستحمل أختك وجنانها ده. أنا ببقى نايم جنبها وخايف الحالة تيجي لها تقوم تقتلني. عبد الله بحزن: خلاص يا عبير. إحنا ملناش دعوة. دي بنته. اديهاله.
صرخت عبير بدموع: لأ دي بنت أختي ومش هسيبها. صرخ بها عالياً بغضب: وأنا مش عايز أشوف بنتي مذلولة بنقص عقلها وإن الناس مترحمهاش من كلامهم. أنا صعب عليا أشوف بنتي كده والناس كلها هتيجي عليها. عمرها ما هتفرح زي بقيت البنات. عمرها ما هتكون سعيدة في حياتها. معنديش استعداد لده. ولا عمري هقبل أبداً. صمت قليلاً وتشكلت غصة بحلقه ليقول بدموع: مش كفاية حرمت أمها من الخلفه تاني؟
مش بسببها انتشر جزء من الخلايا السرطانية في رحم أمها. فاضطرينا نشيله. عبير بدموع: اااااااخ يا أختي. عبد الله بحزن: طيب روح دلوقتي يا مصطفى. وأنا ههدي عبير ونجيبها في وقت تاني. يلا امشي. في البداية رفض الذهاب ولكن تحت إصراره ذهب من باب آخر. بينما كانت قدرية لا تزال تصعد على درجات السلم ببطء نتيجة تعبها حتى وصلت إلى السطح حيث أختها وزوجها عبد الله. وعند ذلك سمعت الحوار التالي. عبير
بحزن وهي تنظر إلى الصغيرة: لازم تموتي! عبد الله بحزن: كفاية قدرية واحدة بس. كانت تستند على الحائط وهي تنظر نحوهما بصدمة كبيرة لا تصدق ما تسمعه أذنها وتراه عينيها. أحقاً ما سمعته؟ هل تنوي أختي قتل ابنتي؟ هذا ما حدثت نفسها به. قدرية بصدمة: كفاية قدرية واحدة بس يا عبد الله.
فهمت قدرية كلام زوج أختها خطأ. فهو كان يقصد بكلامه أنه يكفي قدرية واحدة تعاني من مرضها وهو الشيزوفرينيا وأنها لا تستطيع أن تحيا كبقية الناس. ولم يقصد ذلك المعنى الذي وصل إليها وفهمته من كلامه. تقدمت عبير ودموعها تنهمر بشدة على خدها وهي تقترب نحو زوجها عبد الله. عبير بدموع: شوف ملاك إزاي قمر والله. عبد الله بحزن: فعلاً.
مدت عبير يدها بالصغيرة نحو زوجها. عند ذلك الحد ولم تستطع قدرية أن تستحمل أكثر فقد تأكدت شكوكها وظنونها بأختها وبهم جميعاً. فقد كانوا غير موافقين على إتمامها لذلك الحمل متعللين بمرضها الذي أخبرتهم أنها تود العلاج وتريده وبأنها ستشفي ولكن فليتركوا لها طفلها ولا يقتلوه.
فاقت من شرودها واتجهت نحوهم بغضب شديد والحقد يعمي بصيرتها وتبدلت نبرة صوتها ونظرة عينيها لتكون مرعبة بحق. ولكي أصدق في الوصف كانت عينيها تدق شرراً يحرق الأخضر واليابس. كانت عبير تمد يدها بالصغيرة نحو زوجها عندما رأت قدرية تندفع نحوهم بغضب شديد. ما كادت تتحدث عبير حتى قاطعها صوت قدرية الغاضب. قدرية بغضب: بتختطفي بنتي مني وعايزة تقتليها؟
فتحت عينيها بصدمة كبيرة عندما رأت ملامح وجهها المرعبة ونظرة عينيها واستمعت لنبرة صوتها الغاضب لتتعرف سريعاً مع من تتحدث. عبير بدموع وهي تمسك بالصغيرة جيداً قالت وهي توجه حديثها إلى زوجها: بسرعة هات المخدر يا عبد الله. فهم عبد الله ما ترمي إليه زوجته فقال وهو يعدو: طيب هاتي البنت ليا. جي.
كانت تقف قريبة منهم وعينيها تقذف شرراً. وعندما مدت عبير يدها بالصغيرة لعبد الله اندفعت قدرية تجاهها بغضب شديد ودفعتها للخلف فترنحت عبير واهتزت قدمها لتتراجع لحافة السطح. توازنت قليلاً وهي تمسك بالصغيرة ولكن صرخة قدرية العالية أجفلتها لتقع الصغيرة من يدها دون إرادتها لتلقي حتفها.
اتسعت أعينهم بصدمة كبيرة لما حدث. وقبل أن تنطق عبير بكلمة، تفاجأت بأختها التي جثت على الأرض ودموعها تتساقط وهي ترى فلذة كبدها تتهاوى أرضاً لتلقي مصيرها. فصرخت صرخات تقطع نياط القلوب وهي تبكي بعنف. قدرية بدموع: لأ بنتيييييييييييييييييييي! عودة إلى الواقع. أزالت دموعها بسرعة ونهضت عن الأرض تنفض الغبار
عنها وهي تتمتم بضيق: زمانها ماتت زي ما قتلت بنتي قدام عيني. أنا كمان حرمتها من بنتها وقتلتها قدام عينيها. واحدة بواحدة والبادي أظلم. بينما على صعيد آخر كان يبتسم بخبث شديد وهم ملتفون حوله. _سيادتك بتضحك على إيه دلوقتي؟ رد عليه ببرود: وهو الضحك بقى حرام؟ والآه؟ _مش حرام بس واحد في موقفك ده يخاف. وضع يده على مقدمة ذقنه يصطنع التفكير. أممممممم يخاف! _ده المفروض يعني تخاف على منصبك. كاد يجيبه
ولكن قاطعه صوت يهتف بهدوء: أبو عاصم وصل يا شباب! تهللت أساريرهم فرحاً بهذا الخبر ليرفعوا أسلحتهم عالياً وتتعالى أصوات إطلاق الرصاص تعبيراً عن فرحتهم برجوع رئيس الجماعة. سيادة اللواء بخبث: ودلوقتي جه دور الخطة التانية يا أبا ماهر. ماهر بخبث: أنت لسه مصمم بردو؟ مش حققنا اللي عايزينه؟
سيادة اللواء بشر: لأ طبعاً. قولهم نفذوا. التنظيم ده مش إرهاب وبس. لأ ده تنظيم كبير لشركة أسلحة الدمار الشامل وفيه تعاقد مع إسرائيل يا خبيبي. ولا أنت ناسي؟ ماهر بخبث: منستش يا رفائيلو. ولا نقول لك يا سيادة اللواء مجدي عطية. سيادة اللواء بضحك: ههههههههه. ماهر بخبث: علم وينفذ يا سعادة اللواء. هههههه. فتح عينه بصدمة عندما استمع إلى حديثهم ليخرج من الغرفة بهدوء.
على صعيد آخر كان ما زال يقود السيارة بأسرع ما يمكن عندما سمعها تتمتم بكلمات غير مفهومة. أسماء بتخدير وانفاس متقطعة: بابا... ما... ما. مكن... تش... عايز... ني. مش... بتحب... ني! كان يستمع إلى كلماتها وهو يشعر بالحزن من أجلها ولكنه كان سعيداً في ذات الوقت بأنها معه ولم تفقد قدرتها على التحمل. سيف وهو ينظر إليها: هي بتحبك. بتحبك أوي. اتحملي يا حبيبتي. هنوصل. هو ماله الطريق طول كده؟
أنهى كلمته ليصله صوت استقبال مكالمة هاتفية وكان ما زال موصل الهاتف بسيارته. المجهول: أتمنى المدام تكون لسه فيها الروح. رد سيف بغضب: انت مين يا حقير انت؟ المجهول: ههههه بلاش شتيمة عشان هتندم. ولا أقولك مش هتلحق تندم أصلاً. أنهى كلمته ثم تعالت أصوات ضحكه وانقطع الاتصال فجأة. سيف بقلق: يقصد إيه ده؟ لا لا أكيد مش اللي في بالي.
توتر كثيراً لينظر إلى أسماء التي نزفت كثيراً وغابت مرة أخرى عن الوعي. لحظات مرت وهو يفكر في معنى كلمات ذلك المجهول. ليفتح عينيه بصدمة عندما استمع إلى ذلك الصوت الذي صدر من سيارته. تيك تيك تيك تيك تيك تيك تيك تيك تيك تيك تيك. جحظت عينه ونظر إليها بخوف شديد. ثم أخذ يفك حزام الأمان عنها سريعاً وهو يقول. سيف بخوف: مش هتموتي. لا. مش هتموتي. هنعيش!
أخيراً استطاع فك الحزام عنها. تلفت حوله ليرى من أين يأتي الصوت ولكن لم يكن لديه الوقت الكافي ليبحث. عندما وصله تسجيل صوتي يقول بخبث شديد. 10، 9، 8، 7، 6، 5، 4، 3، 2، 1. بووووووووووووووووووم. انتهى المسجل و انفجرت السيارة محدثة انفجاراً هائلاً مدوياً دوى صوته في جميع الأرجاء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!