نظرت أسماء للواقفة أمامها لا تصدق ما تراه عيناها. "إيه يا بنتي إنتي اتجمدتي ولا إيه؟! لوحت بيدها أمام وجهها وهي تقول بصوت عالٍ نسبيًا: "يابنتي أسماء إيه مالك يابت؟ هي المفاجأة صدمتك للدرجة دي؟ فاقت أسماء من زهولها وابتسامة مشرقة شقت وجهها تحت بيشة نقابها لتقول بعدم تصديق: "علا!!!! "أنا هنا يا سلامة ههههه" "مش هتتغيري"
"ولا إنتي. طب يا هبلة أنا واقفة على الباب بقالي 6 ساعات وانتي مفيش دم. طب دخليني طاااااايب وكملي صدمتك جوه." اندفعت أسماء تجاهها وهي تلف ذراعيها حولها وتحتضنها بشوق كبير. فابتسمت علا لها وعانقتها هي الأخرى وهي تبكي. حتى انتبهت أسماء على بكائها، فأبعدتها ونظرت إلى عينيها، ثم أخذت يدها ودخلوا الشقة وأغلقت أسماء الباب. عادت إلى علا التي ما زالت تبكي. جلست أسماء بجوارها، ثم رفعت نقابها وأمسكت يدها وهي تقول لها:
"علا متعيطيش، أنا كويسة." "خفت كتير عليكي، كنت هتجنن يا أسماء." وهي تربت على كتفها بحنان قالت لها: "أنا الحمد لله بخير يا علا، نحمد ربنا." "يعني إنتي كويسة صح؟ "الحمد لله والله." "بس إنتي اتنقبتي إيمتى؟ "لسه لابساه امبارح بس." "طيب أنا اطمنت عليكي والحمد لله يارب ألف حمد وشكر لله إنك كويسة." "طيب قولي لي عرفتي العنوان إزاي؟ وانتي جيتي...
قصدي قولتي إيه لأهلك وكده. يعني إنتي تعرفي المنطقة دي ولا سيف هو اللي جابك مش كده؟ "آه قصدك الوسيم ده. هيييييح ده عسل أوي." عقدت أسماء حاجبيها بيأس من تصرفات علا، ثم قالت لها: "وبعدين يا علا معاكي؟ قولي لي عرفتي العنوان إزاي وجيتي هنا كيف؟ أنا مش فاهمة حاجة."
"هقولك ياستي. أهدي بس ياستي. أنا هنا عند بيت عمي ساكن في الشارع اللي وراكم ده في العمارة التانية. وقولتلهم في البيت إني رايحة عند واحدة صحبتي هبارك لها عشان اتجوزت. وإن كان قصدك بقا أنا عرفت عنوانك إزاي فهقولك." "فاكرة آخر مرة اتصلتي عليا؟ هزت أسماء رأسها بإيجاب، فتابعت علا حديثها: "وقتها أنا فضلت أرن عليك كتير لاني خفت أوي من بعد ما كلمتك وانتي سكتي فجأة كده وفجأة الخط اتقفل في وشي. ما علينا بعدها أنا... ***
في منزل علا كانت تجلس والقلق والتوتر يسيطران عليها بعد إغلاق الخط في وجهها هكذا فجأة. "ياربي أسماء تكون بخير. أنا قلقانة جدا." ثم حدثت نفسها: "بس إنتي غلطتي يا علا. مكنش ينفع تقوليلها كل الصدمات دي من وري بعضها كده." "هي إن شاء الله كويسة مفهاش حاجة. أيوة ربنا هيحميها أكيد."
ثم أمسكت الهاتف الخاص بها وبحثت عن الرقم الذي اتصلت منه أسماء عليها وعاودت الاتصال وبلا فائدة. لا أحد يجيب. ازداد خوفها وبكت خوفًا من أن يكون قد أصابها شيء سيء. "يارب احميها يارب." ثم نهضت عن سريرها ودلفت إلى المرحاض. توضأت وخرجت. ارتدت إسدال صلاتها وصَلّت تدعو الله أن يحفظ صديقتها. انتهت من الصلاة وبدلت ملابسها، ثم غطت في نوم عميق وهي ترجو الله أن تكون أسماء بخير ولم يصبها مكروه.
في الصباح استيقظت علا وبعد ممارسة روتينها اليومي المعتاد عاودت الاتصال مرة أخرى وهي تتمنى أن ترد عليها هذه المرة، ولكن بلا فائدة. وتوالت الأيام وكل مرة علا تحاول الاتصال وعندها أمل أن تسمع صوت أسماء مرة أخرى، ولكن كل مرة يكون الجواب أن لا أحد يجيب عليها. *** "وكنت على الحال ده على طول إنك تردي بس مكنش فيه رد خالص." "ها وبعدين جيتي بردو إزاي مقولتليش؟ مش فاهمة بردو إنتي كده مقولتيش عرفتي العنوان إزاي وسيف هو اللي...
صمتت ثم قالت لها: "شوفي أنا مش فاهمة حاجة خالص من اللي قولتي. يعني إيه علاقة اللي حكتهولي ده بمجيتك هنا؟ أفهم بقى." "مش كنت بحكيلك معاناتي وإني مستسلمتش وحاولت أرن عليك كتير. ثم تابعت بمرح: وإن كان قصدك بقا جيت هنا إزاي ده موضوع طويل. يبقى يقولك عليه الظابط بتاعك ههههه. إنتي بقا دلوقت جيه دورك تقولي لي على كل حاجة." "طيب ما هو أكيد سيف حكالك." "حكالي إيه ياستي مقاليش حاجة." "إزاي؟!
"هو إنتي علقتي على الكلمة كل شوية إزاي؟ إزاي؟ أهدي يا قلبي وقولي لي بقا يلا اتعرفتي على الوسيم ده فين؟ هزت أسماء رأسها بيأس من علا: "مفيش فايدة فيك يا بنتي. طب راعي إني مراته وقاعدة معاكي طااايب." "مش أحسن أما أقول من وراكي يعني." "لا كده عداكي العيب وأزح يا علا." "مش بقولك اوماااااال يابنتي 😂" ابتسمت أسماء وسرحت في ملامح سيف، فعلاً وقد إيه هو وسيم فعلاً. لاحظت علا ونظرت إليها بتضييق لعيينيها ثم هتفت بخبث:
"بت يا أسماء قفشتك. إيه سر الابتسامة اللي على وشك دي ها؟ إنطقي وقولي." "ها بتقولي إيه يا علا؟ "الله ده فيه سرحان كمان. إنطقي يابت سرحانة في مين كده." "بس هبل بقا." "اخش عليك بتخبي على علا صاحبتك؟ ماشي." "وهو فيه إيه عشان أخبي يا هبلة؟ مفيش حاجة." "هعمل نفسي مصدقاكي دلوقتي. بس يلا قولي لي إيه اللي حصل من بعد ما مشيتي من عندي."
تنهدت أسماء بضيق، فهي تود حقًا لو تنسى ذاك اليوم العصيب عليها، فكادت تموت من شدة رعبها وخوفها. لاحظت علا الضيق الذي ارتسم على ملامح أسماء الهادئة فقالت لها وهي تمسك بيدها تحثها على الحديث: "قولي يا أسماء أنا معاكي يا قلبي." تنهدت أسماء براحة، فعلا فتاة مثلها وستكون أشد تفهمًا وتدرك مدى ما عانته بمفردها. ابتسمت أسماء في وجهها ثم قصت عليها كل شيء من وقت ما تركتها حتى دخلت شقة سيف وزواجها منه.
انتهت أسماء من قص كل ما حدث معها لصديقتها الوحيدة "علا" وهي تتنفس الصعداء بعد ما انتهت، في حين أمالت علا رأسها للأرض بحزن وبدت على ملامحها علامات الضيق والامتعاض الشديد مما قصته لها أسماء. لاحظت أسماء أنها تميل رأسها للأرض ويبدو عليها الضيق، فوضعت يدها على كتفها وهي ما تزال تنظر إليها متعجبة من صمتها هكذا ومن ردة فعلها الغريبة قليلاً، ثم هتفت بقلق: "علا مالك؟!
هبت علا من جلستها ورفعت رأسها وهي تتطلع إليها بضيق شديد، في حين نظرت أسماء لها بتعجب لا تدري ما الذي أصابها فجأة ولما صديقتها المقربة تتطلع إليها بمثل هذه التطلعات وكأنها تنفر منها ومن فعلها أو تنظر إليها باشمئزاز. وقفت أسماء تنظر إليها بينما علا أشاحت ببصرها عنها وهي توليها ظهرها. "علا فيه إيه؟! مالك ساكتة كده ليه؟ طيب اتكلمي قولي أي حاجة." "كلمة واحدة. إنتي غلطانة وغلط كبير أوي يا أسماء."
وهي تنظر إليها ودموعها بدأت في النزول من عينيها، هوت على الأريكة وهي تبكي. "متزعليش مني بس إنتي غلطانة. أيوة غلطك كبير أوي أوي أوي يا أسماء." "عارفة بس قولي لي كنت أعمل إيه؟ مكنش فيه حل تاني." اقتربت علا منها وجلست على المقعد المقابل للأريكة وهي تقول لها:
"أسماء اسمعيني كويس. أول حاجة إنتي دخلتي شقة شاب بغض النظر بقا متجوز أو لا. والمصيبة إنه طلع أعزب ومفيش معاه حد في البيت عايش لوحده. يعني دي حاجة. تاني حاجة إنتي بيتي هنا معاه في نفس البيت. آه أنا عارفة إنه مكنش عارف بوجودك معاه هنا بس الناس بقا متعرفش الحكاية. متنسيش إحنا في مجتمع شرقي متخلف ومش هيفهم تصرفك ده أو ياخدوا بأسبابك وهيقولوا... صمتت لا تدري ماذا تقول لها. "كنت عايزاني أعمل إيه؟
مكنش قدامي حل غير كده يا علا. لو معملتش كده كنت هضيع. والله ما كنت أعرف إنه عايش لوحده ولا حتى أعرفه هو أصلاً." "ارجوكي إنتي سبيني أكمل كلامي. تالت حاجة بعد فترة قليلة من دخولك هنا اتجوزك. ده معناه إيه بقا؟ ... توقفت علا عن استرسال الحديث ونظرت إلى الأرض وهي تفرك في يديها بشدة من كثرة الخجل. "أنا... زي... ما... أنا يا علا." "ده إزاي يعني مش فاهمة؟!
"مش جواز حقيقي. بعد فترة هنطلق بس لسه أما يمسك دليل ضد خالتي هو هيطلقني. هو قالي كده. هرجعلك حقك وكرامتك ومش هخلي حد يتكلم عليكي بكلمة." "سامحيني يا أسماء بس الخطوة دي غلط أوي والناس مستحيل تفهم تصرفك ده. على طول هيفكروا غلط ومش بعيد يقولوا إن هو ده اللي هربتي معاه و يعني هو بردو إللي... صمتت وهي تشعر بالخجل الشديد فظلت تفرك في يديها بشدة.
"بس بس عمي حمدان عارف إني معملتش حاجة وكمان هو كان وكيلي يا علا وعارف إن بنت أخوه متعملش كده." "عمك يعرف إنك دخلتي شقة سيف؟ توقفت أسماء عن البكاء وهي تهز رأسها: "مش عارفة بس أكيد سيف قاله." "لأ طبعاً يا فالحة. مقالوش لأنه لو قاله كده هيبقي بيأكد المصيبة اللي وقعتك فيها خالتك. فهمتي؟ مفيش حد هيصدق خالص وهو أكيد مقالش ليه وابقي اسأليه. أراهنك إنه مقالوش." "طب أعمل إيه يا علا؟
أنا والله تعبت. سيف معمليش حاجة والله ولا قرب مني حتى. كان دايما في حدود. هو مستحيل يتخطاها حتى بعد جوازنا مطلبش بحقه. هو إنسان كويس." "مهو الناس مش بتفكر كده يا أسماء. مش بيفهموا. كل واحد بيفسر على مزاجه واللي هو مقتنع بيه. وأنا صراحة شايفه إن جوزك إنسان شهم وجدع بس... "بس بس إيه؟ كملي؟! "أنا مفكرتش إنه اتعرف عليكي كده." "كده إزاي؟ مش فاهمة؟! "يعني...
يعني إنك تدخلي شقته كده. أنا اتوقعت حاجة غير كده. هو أصلاً مقاليش هو اتعرف عليكي إزاي أو شافك فين. بس بس أنا يعني اتوقعت إنه مثلاً شافك وانتي بتجري وفي شباب بيجروا وراكي فهو كتصرف واحد مصري جدع حاول ينقذك وبعد كده اخدك على بيته اللي هو فيه أهله وكده يعني وبس وعرض عليكي الجواز وانتي وافقتي عشان يحميكي."
"إحنا مش جوه رواية يا علا اللي إنتي بتقوليه ده شغل روايات. ارجوكي ماتزودهاش عليا. أنا والله تعبت ومش محتاجة حد يقولي غلطانة لاني عارفة والله عارفة." ثم أجهشت في البكاء. اقتربت علا منها ونهضت عن مقعدها وجلست بجوارها وقبل أن تنطق أسماء بكلمة كانت علا تحتضنها بقوة وهي تربت على ظهرها بحنان وتبكي على حال صديقتها الوحيدة. في حين تعالت شهقات بكائها الحاد وهي تبكي بقهر على ما حدث لها.
"عيطي يا أسماء. طلعي كل القهر اللي جواكي. عيطي اصرخي هترتاحي. أنا هنا معاكي مش هسيبك." ثم أخرجتها من أحضانها وهي تمسك بوجهها وتمسح دموعها بحنان وهي تقول لها: "متزعليش مني يا أسماء على كلامي اللي قولته. أنا عارفة يا صاحبة الدرب إنك مش كده أبداً وإن دخولك شقته ده أمر خارج عن إرادتك. محدش يقدر يقف قصاد القدر. بس لأني صاحبتك كان لازم أوعيكي وأنصحك وعاتبك كمان لأن ده حقك عليا. فهمتيني؟ "فاهمة يا علا. ربنا يخليكي ليا."
"ويخليكي ليا يا قلبي. إنتي يلا روّقي كده ومحدش عارف الخير فين. مش دي كلمتك يا أسماء؟ "الحمد لله على كل حال وزي ما قولتي محدش يعرف الخير فين." "طب فكي بقا كده وقولي لي الواد اللي اسمه جوزك ده بيعاملك إزاي؟ أنا أسمع إن ظباط المخابرات معقدين وخلقهم قد السمسمة ودايما متعصبين. خلقه أسوأ من بتوع الزمالك. آه والله زي ما بقولك كده يا سوسو." وضحت أسماء ضحكة خفيفة وهي تبتسم بألم من داخلها: "إنتي مش معقولة يابنتي."
"والله ما عارفة يابت يا أسماء إنتي إزاي عايشة مع واحد من بتوع اللي بقولك ده بيتخانق في دبان وشه ده وعلي طول قالبين خلقتهم." "بس بقا راعي إن ده جوزي." "اها أوعي تكوني يابت حبت... "إنتي إيه؟! "امممممممممم." "اخرسي خالص." "أصلها عجبتني ههههه. طعمها حلو كده يا حلو أنت." "مستفزة." "يلا يابت غوري اعملي لي أكل أي حاجة. إيه البيت الفقر ده مفهوش أكل ولا إيه؟ أنا أعرف إن ظباط المخابرات مش بخلاء ولا إنتي جوزك استثناء بقا."
"لا يا ختي قومي معايا طيب ندخل المطبخ وابقي كلي على السفرة هناك. يلا مش هنوسخ الأوضة بتاع الأكل أنا لسه مروقاها دلوقتي. يلا قدامي. وبعد ما تاكلي هتغسلي المواعين. آه مهو إنتي صحبتي بقا والمفروض تساعديني." "نعم نعم أساعدك؟ لا بجد يعني هتخليني أعمل زي المثل اللي بيقول أعمل بلقمتك صح. وبعدين صاحبة مين؟ أنا معرفكيش وهو ده كرم الضيافة. أسفخس عليك يا أسماء." "طب افصلي شوية إيه ده كله بالعة راديو؟
قومي يلا خلصيني يلا عشان العصر على آذان." "يلا يا شاااابة إحنا هنحصلوكي. اسبقي انتي." وهكذا قضت أسماء اليوم مع علا في جو مرح بعد ما تحدثوا في شتى المواضيع حتى استأذنت علا وغادرت إلى بيت عمها الذي يسكن في العمارة التي تقع على الجهة الأخرى من العمارة التي يقطن فيها سيف.
أما في مكان آخر فكانت الأعصاب مشدودة وتكاد تنفلت منهم جميعاً. فقد تأخر الأطباء كثيراً ولم يخرج أحد منهم حتى الآن ليطمئنوا أولئك الواقفين والقلق والتوتر يتأكلهم بالخارج.
فكان جاسر يقف بجوار سيف الذي يستند على الجدار بتعب شديد. كانا هذان في جهة، أما على الجهة الأخرى فكان أسر يقف بجوار زوجته تحت رفض دينا بأنها لا تريد، ولكن أسر أصر عليها أن تقف معه ليس غيظًا في سيف، وإنما لكي يتقبل الأمر ويخبره أنهم لن يهربوا من مواجهته ومستعدين للمواجهة. فهم لم يفعلوا شيئًا خطأ، هكذا يعتقد هو وزوجته. قطع ذاك الصمت المخيم على أرجاء الممر الموصل لغرفة العمليات صوت يهتف بتعب شديد: "لسه مفيش أخبار عنه؟!
التفت الجميع ليروا من؟ فتفاجأ الجميع عندما رأوا سوريانة تستند على عصا طبية وبرفقتها إحدى الممرضات التي تساعدها.
اقترب جاسر منها بقلق عليها فهي مصابة في قدمها وذراعها. في حين كانت سوريانة تتحامل على نفسها وألا تظهر ضعفها أمام أحد كما اعتادت دوماً، ولكن هذه المرة تكاد تصرخ من كثرة البكاء الذي تكتمه في داخلها. فأصعب شيء مر عليها عاد مجدداً ورأته من جديد مشهد مقتل أسرتها وجميع أصدقائها وخاطبها أيضاً، والآن ترى مشهد مهاب وهو جوارها يصارع الموت. امتلأت عينيها بالعبرات عندما مر ببالها مشهد مهاب الذي كان ممدد على الأرض والدماء تسيل منه بغزارة.
ثم اقتربت دينا منها تساعدها مع الممرضة التي تستند عليها وهي تقول لها بقلق: "ليه يا سوريانة قومتي من مكانك بس كده غلط على رجلك. متتحامليش عليها والرصاصة كانت مضرة العظام مينفعش كده." سوريانة لم تنتبه ولا على كلمة مما قالتها دينا لها، فقد تحدق بمظهرهم وهم صامتون هكذا كأن على رؤوسهم الطير وعلامات القلق والتوتر تسيطر على الجميع. حتى صرخت سوريانة بهم في حدة: "متنطقوا مفيش حد خرج منهم."
أمال جاسر رأسه للأرض بحزن، بينما سيف كان يولي ظهره للجميع وهو مستند على جدار بتعب. "حد يرد عليا أنتوا ساكتين ليه كده؟! دينا تربت على كتفها بحنان وهي تقول لها: "أهدي لسه محدش طلع من جوه. يلا تعالي معايا أوديك أوضتك ترتاحي فيها." هزت سوريانة رأسها بنفي، في حين قال لها جاسر بصوت متعب: "المدام دينا معاها حق يا سوريانة. يلا روحي معاها لسه مفيش أخبار عنه. يلا ارتاحي ولما نعرف حاجة هاجي بنفسي وهقولك." "لأ مش متحركة من هنا."
التفتت لها الممرضة بتوتر: "يا آنسة رجلك هتتعبي أكتر كده تعالي معايا." دينا لأنها تعلم أن صديقتها عنيدة ولن تستمع لأحد وستنفذ ما في رأسها قالت للممرضة: "هاتي كرسي متحرك هنا بسرعة هخليها تقعد عليه. هي مش هتروح لمكان." أومأت الممرضة بإيجاب وذهبت لتحضر الكرسي لها وتعود. مضت دقائق ثم أتت الممرضة تهرول سريعًا ومعها الكرسي، ساعدت دينا مع الممرضة في أن تجلس سوريانة عليه. ثم عاد الصمت يخيم من جديد عليهم جميعاً.
عند سيف كان ما زال يولي ظهره للجميع وهو يزفر بضيق لا يطيق أن يبقى في مكان بصحبة هؤلاء. تنهد سيف بضيق ونظر إلى ساعة يده، فكانت تشير إلى السادسة وعشر دقائق. فخرج من الممر واتجه للخارج. رآه جاسر ثم ذهب خلفه. في الخارج كان سيف يجلس على إحدى المقاعد في حديقة المستشفى. وجد يد تربت على كتفه. التفت سيف ورآه جاسر. ابتسم في وجهه ووضع يده على يده التي يضعها على كتفه وهو ينظر إليه بعينيه يخبره بأن كل شيء سيكون بخير بإذن الله.
ابتسم جاسر له ثم التف وجلس بجواره. مضت دقائق ولم يتحدث منهم أحد حتى قطع الصمت جاسر يهتف بقلق: "سيف أنت كويس يا صاحبي." نظر سيف له ثم قال بهدوء عكس ما يعتريه من غضب جحيمي في داخله: "تمام يا صاحبي." "أنا مقدر شعورك ده ب... "مفيش داعي تكمل. أنا عادي يا جاسر." "طيب هو أصلاً الموضوع مش وقته بس أنا هقولك وخلاص." نظر سيف له وهو يضيق عينيه، فازدرق الأخير ريقه وتابع كلامه:
"شوف من الآخر لازمكم قعدة كده يا صاحبي عشان نقفل على أم الموضوع ده بقا نهائي." "هو اللي قالك كده." "شوف من غير ما يقولي أنا شايف كده. يعني لازم بقا الموضوع ده يتقفل عليه." "مش وقته. نخلص من موضوع مهاب ونبقى نشوف هنعمل إيه." ثم نهض سيف عن مقعده وذهب إلى الخارج وهو يتمشى بعيدًا عن المستشفى. ثم أخرج هاتفه ونظر إلى الاسم في هاتفه مطولاً ثم ابتسم. "مقتحمة ❤️😉" ثم ضغط عليه. لم تمر ثوانٍ معدودة واتاه صوتها تهتف بقلق بالغ:
"سيف." شعر سيف بقلقها عليه من نبرة صوتها فابتسم في داخله بألم ثم رد عليها: "أيوة يا أسماء. صاحبتك مشت." "آه قبل ساعة كده. هو أنت فين وأنت كويس؟ أنا قلقت عليك أوي." "متقلقيش." صمت قليلاً. ثم رد عليها: "أسماء متستنانيش النهاردة لأني هتأخر. نامي تمام." "ليه هو فيه إيه؟ مال صوتك كده؟ أنت تعبان يا سيف." عبرة صغيرة ترقرت من عينيه فأزالها سريعاً ثم تابع حديثه معها: "مرهق بس شوية. مفيش حاجة متقلقيش كده." "طيب صليت المغرب."
"الحمد لله." ابتسمت أسماء ثم أجابته: "ربنا يتقبل." "منا ومنك يا رب." "خلي بالك من نفسك." "سيبيها على الله. المهم إنتي خلي بالك من نفسك كويس ومتخرجيش من الشقة مهما حصل. فاهمة؟ بدأت عيونها تدمع والقلق والتوتر تمكن منها، فأجابته وقد شعرت في صوته بالاختناق والضيق وغير ذلك كله هو الحزن. نبرة صوته حزينة جدًا لتقول أسماء بدون وعي منها: "تعبك ده وصوتك الحزين ليه علاقة بدينا مش كده؟
"أسماء أنا مبحبش السيرة دي. بلاش تذكري اسمها قدامي تاني مرة." وبضيق ولا تدري السبب وتشعر بنار تتأجج في صدرها تكاد تحرقها لتقول له بنفاذ صبر: "يبقى هو زي ما قولتلك صح؟ هي عملت إيه؟ إيمتى بقا هتقولي. وقبل ما تتعصب عليا أنا بس دلوقتي عرفت إنت هتتأخر ليه عشان تفرغ غضبك في مكان تاني عشان متجيش البيت وتزعقلي وده كله بسببها لأني بشبهها صح." عند هذه الكلمة وفقد سيف كل ذرة من ثباته ليصرخ بها في حدة:
"إياكي أسمعك تقولي كده تاني. إنتي مستحيل تشبهيها فاهمة؟ ولو بتشبهيها هقتلك. سامعة؟ بكت أسماء فقد تأكدت من أن الأمر له علاقة بتلك الفتاة. ومن يدري لعلها معه في نفس المكان الآن لتقول له: "حتى لو مقولتش يا سيف إنت دايما شايفها فيا." "أسماء بالله عليكي أنا مش ناقص. روّقي كده وسبيني أنا عايز أقعد لوحدي ومش عايز أعصب عليك. إنتي بنفسك شوفتيني لما بتعصب مش بشوف قدامي."
"حاضر. أنا مش هتكلم ولا هجبلك الموضوع ده تاني بس كان في سؤال عايزة أسأله." "اسألي." "احم... أنت يعني بتحبها." عقد سيف حاجبيه باستغراب ثم قال لها: "هي مين دي؟! "لا لا مش حد." علم سيف من تقصد بسؤالها فقال لها: "كنت... ابتسامة لطيفة رسمت على شفتيها وتنهدت براحة وكأن أسدًا يركض ورائها. وأخيرًا استطاعت أن تلتقط أنفاسها وتهدأ. فقالت له: "طيب أنا لسه مش هنام دلوقتي هستنى العشاء."
"ماشي. أنا عارف إنك عندك أسئلة كتيرة عن صاحبتك وازاي جبتها بس هقولك كل حاجة في وقتها." "ممكن نكمل كلامنا." فتحت عينيها على آخرهما وهي تستمع لذاك الصوت الأنثوي على الجانب الآخر من الهاتف الخاص بزوجها. حدثت نفسها: "طلعت معاه فعلاً بس بس بتعمل إيه معاه." بينما عند سيف التفت لها وصرخ في وجهها بغضب: "إنتي إيه مبتفهميش؟ مش عايز أسمعك. إيه أغنيلك أنا بقا ولا إيه؟! "أرجوك لازم تسمعنا."
تجاهل سيف كلامها وابتعد عنها قليلاً ثم عاد يحدث أسماء ولكن وجدها قد أغلقت الخط. زفر بغضب من تلك التي دائمًا ما تنغص معيشتهم. بينما على الناحية الأخرى كانت تجهش في البكاء بعد أن أغلقت الخط. لا تعلم لما شعرت بالضيق لما سمعت صوتها وهي تقول له "ممكن نكمل كلامنا". معنى هذا أنها حدثته قبلًا وكانت معه منذ البداية. لهذا السبب لا يريد أن يرجع للمنزل، ولكن كان يصرخ بها توا. إذن لما يرفض العودة إلى الشقة؟
ظلت تبكي وهي لا تدري لماذا حتى تبكي. صدر صوت هامس من داخلها سمعته يهمس لها: "بتحبيه يا أسماء. أنتي بتحبيه." وهي تبكي وتهز رأسها من هذه الأفكار ثم قالت: "أنا محبتوش أكيد. لا لا أكيد مش بحبه. عادي ده مجرد تعلق. لا لا أكيد محبتوش." صمتت ثم تابعت بنحيب: "ولا حتى تعلق. معرفش أنا معرفش. حتى أنا قاعدة بعيط ليه؟ و ليه قلبي وجعني كده." عاد الصوت يهمس مرة أخرى:
"تنكري إنك غيرتي لما سمعتي صوتها مع جوزك ده. غير فيه إنك اضايقتي لما عرفتي سبب الحزن اللي في صوته." نهضت أسماء عن المقعد وزفرت بضيق وهي تنفض هذه الأفكار من رأسها تمامًا وذهبت إلى غرفتها. تسطحت على سريرها تنتظر أذان العشاء لتصلي وتنام. أفضل شيء. عند سيف: "قفلتي يا أسماء ازاي تعملي كده." ثم كاد يعاود الاتصال بها عندما سمع: "حضرت الرائد المريض اللي في العمليات."
تحفزت أذنيه لاستماع باقي الكلام بترقب شديد وفي ذات الوقت توتر أيضًا. "ما تخلصي قولي. إنتي هتقعدي تنقطيني بالكلام." بتوتر من صوته الحاد أجابته برعب: "حضرتك المريض دخل في غيبوبة." قالت كلمتها ثم فرت هاربة من أمامه كأن الشياطين تلاحقها. "مهاب!!! ثم نسي أمر أسماء وهرع سريعًا ليرى ماذا حدث.
دخل سيف إلى الطابق المتواجدين به وهو يهرول سريعًا. وكاد يدخل فوجد جسدًا يرتمي بثقله عليه فتراجع سيف بضع خطوات للوراء. ثم نظر سيف بدهشة فوجد أسر هو من يرتمي عليه وقد فقد الوعي. زهل سيف من ما حدث وهو لا يعرف ماذا يفعل. أيتركه أرضًا أم ماذا يفعل؟ "وده وقتك أنت كمان. ملقتش غيري تقع عليه. أووووف بقا." تردد كثيرًا قبل أن يضع يده عليه يسنده. ثم لاحظ تلك الممرضة التي أخبرته بشأن غيبوبة مهاب فنادى عليها فأتت سريعًا
وهي تقول له: "أغمي عليه." "لا بيدلع بس." "مقصدش بس أنا قولتلوا إنه عايز راحة. ده اتبرع بكمية دم كبيرة أوي ومرضيش يرتاح." "طيب شوفي مراته فين ونادي عليها وقولي لي أدخله فين؟ ولا عاجبك المنظر أوي كده؟ انجزي ده رامي تقله كله عليا." هزت الممرضة رأسها ودلته على إحدى الغرف يضعه فيها ريثما تحضر الطبيب. وضعه سيف بضيق ثم تركه وغادر. أكمل صعود الدرج ووصل إلى غرفة العمليات فوجد جاسر يخرج له يوقفه.
"خلاص يا صاحبي ممنوش فايدة قعدتنا كده. يلا روح لمراتك مينفعش تقعد في الشقة كده لوحدها. يلا." "هو دخل في غيبوبة والله أعلم بقا هيفوق منها إيمتى. يلا يا صاحبي روح." "طيب وأنت كمان يا صاحبي يلا أمشي معايا. هوصلك في طريقي أنت كمان تعبت يلا." هز جاسر رأسه بإيجاب. في حين تابع سيف وقال له بأن ينتظره في الخارج. ثم أكمل سيف طريقه حتى وصل للغرفة التي يقصدها. دق الباب وسمع الإذن فدخل وقال وهو لا يتطلع إلى وجهها:
"جوزك تعبان تحت." هبت دينا من جلستها وهي تنظر إليه لا تستوعب ما قاله: "أسر أسر ماله؟ "معرفش. أغمي عليه." ثم نظر إلى سوريانة التي تحاول حبس دموعها فقال لها مطمئنًا: "سوريانة مهاب هيبقي كويس. وحمد الله على سلامتك."
ثم غادر سيف المستشفى واتجه إلى سيارته فوجد جاسر يجلس في الخلف وهو يغمض عينيه بتعب شديد. نظر له سيف ثم صعد سيارته وانطلق إلى منزل صديقه جاسر. أوصله ثم ذهب سريعًا إلى منزله ليرتاح. ولكن قبل ذلك كله أوقف سيارته قليلاً وهو يتطلع إلى هاتفه وينظر إلى اسمها ثم عاد يقود سيارته دون أن ينتبه أنه اتصل بالخطأ عليها.
عند أسماء كانت ما تزال متسطحة على فراشها وآثار البكاء تركت بصمتها على وجهها وهي شاردة بأمر سيف وتلك الفتاة. قطع عليها شرودها صوت نغمة هاتفها فنهضت عن سريرها وخرجت إلى غرفة المعيشة لتحضره. أمسكت أسماء به ونظرت إلى المتصل بضيق ومن غيره سيف هو من يرن. ترددت كثيرًا قبل أن تفتح وترد عليه حتى حسمت أمرها وفتحت عليه. تزامن ذلك مع دقات عنيفة على باب شقتها ففزعت أسماء بشدة من تلك الضربات العنيفة. فعلى الفور ردت على سيف الذي كان مشغولًا بالقيادة ولم ينتبه على هاتفه مطلقًا. أما عند أسماء فظلت واقفة
مكانها برعب شديد وهي تقول: "سيف يا سيف أنا خايفة." عادت تلك الضربات العنيفة مرة أخرى فاقتربت أسماء برعب وخطوات بطيئة من الباب تنظر من العين السحرية. جحظت عينيها بشدة وتصلبت جميع أطرافها لتقع على الأرض فاقدة للوعي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!