اخفض راجح الهاتف وكامل جسده متصلبًا. تضيق به الأنفاس كما لو قد مُنع عنه الهواء فجأة. يشعر كأنه وسط جحيم يشعل جسده بنار لا يستطيع تحملها. غمامة من الغضب العاصف أمام عينيه تعميه عن الرؤية. التف بحدة فور أن رأى صوت صدفة يأتي من خلفه تغمغم بفرح: = إيه ده راجح أنت جيت بدري.... دلفت صدفة من باب الشقة وابتسامة واسعة مرسومة على وجهها.
فلم يشعر بنفسه إلا وهو يندفع نحوها، تحركه فورة الغضب المشتعل بصدره والسعير الذي يكوي أعماقه. قبض على شعرها بعنف يكاد أن يقتلعها من جذورها. لا يعير لصرختها المندهشة من تصرفه أكثر منها متألمة. يجذبها من شعرها لداخل الشقة، صافعًا إياها بقوة جعلتها تسقط أرضًا. ليصطدم جسدها بالأرض بعنف جعلها تصرخ متألمة وهي تنفجر باكية. لم تتح لها الفرصة حتى تنهض، حيث أخذ ينهال عليها ضربًا وهو ينعتها بأفظع الشتائم.
منهالًا عليها بقدمه يضربها ضربات متفرقة بأنحاء جسدها غير آبهٍ بصراخها المدوّي الباكي المتألم. فقد كان أشبه بالمجنون المغيب الذي يعميه غضبه، بينما روحه تتلوي على جمر الغضب والاحتراق بالغيرة. ركض كل من مروان ونعمات يصعدون الدرج إلى شقة راجح بخطوات سريعة متعثرة عند سماعهم صوت صراخ صدفة التي كانت تصرخ متألمة بشكل شبه هستيري، ظنًا منهم أنها قد أصيبت بمكروه ما.
لكن فور دخولهم إلى الشقة التي كان بابها مفتوحًا على مصراعيه، تجمدوا بمكانهم بصدمة عند رؤيتهم لما يفعله راجح بزوجته. فقد كان ينهال عليها ضربًا، فقد كان خارجًا عن السيطرة تمامًا. لا يدرك فضاحة ما يفعله، يقوده غضبه الجنوني. اندفع على الفور مروان نحو شقيقه، يعقد ذراعيه من حوله محاولًا جذبه بعيدًا عنها وهو يصرخ به أن يستعيد وعيه ويتوقف عما يفعله.
بينما حاولت والدته دفعه بعيدًا عنها وهي تصرخ به باكية غير مستوعبة ما يحدث له. فبحياتها بأكملها لم تره أبدًا في حالته الجنونية تلك. دفعته بقوة للخلف، لكنه تملص من بين أيديهم معاودًا الهجوم مرة أخرى على صدفة الملقاة على الأرض تنتحب بشهقات ممزقة، بينما تنحني على نفسها تحمي جسدها من ضرباته. مما جعل والدته تلقي بجسدها فوقها تحميها بجسدها وهي تصرخ به أن يتوقف عن جنونه.
ليتوقف أخيرًا، متجمدًا بمكانه، ينهج بعنف ويتصبب العرق من كامل جسده. لا يعير لسؤال أمه أو أخيه عما حدث ليفعل هذا بها. نظراته تنصب فوقها فقط، وقد أجلساتها والدته ببطء وشفقة، تمسح وجهها بيدها محاولة تهدئتها، بينما تضمها إليه. ليعاوده الجنون مرة أخرى، وقد غلت الدماء بعروقه فور تخيله لها في أوضاع حميمية مع عشيقها بصور جعلت الدماء تفور بعروقه.
دفع مروان بعيدًا، متحررًا منه، وهجم عليها ضاربًا إياها بقسوة وهو يزمجر بشراسة، مسببًا لها الأذى، غير آبهٍ بصراخاتها أو بصراخات والدته الفازعة أو شقيقه الذي أخذ يحاول جذبه بعيدًا عنها. لينجح بالنهاية بإبعاده عنها، بينما دفعت والدته صدفة الباكية نحو باب الشقة وهي تصرخ ممتلئًا بالفزع: = اخرجى.... اخرجى دلوقتي و ابعدي عنه.... جن جنون راجح فور رؤيته لها تتجه بخطوات متعثرة نحو الباب.
دفع شقيقه بقوة مما جعله يسقط على الأرض، بينما يلتف ويتناول السكين من فوق صحن الفاكهة وفكرة قتلها تسيطر عليه. اندفع نحو الباب محاولًا أن يلحق بها، لكن تصدت له والدته التي أسرعت بقفل باب الشقة، مغلقة إياه بالمفتاح، وهي تصرخ في هلع، لاطمة وجهها بيديها عندما رأته يندفع نحو الباب محاولًا فتحه والسكين لا يزال بيده. = يالهوي...... عليا و علي سنينى.... لتكمل ببكاء وهي تندفع واقفة أمام الباب، دافعة إياه بصدره.
= انت اتجننت عايز تقتل مراتك... ده انت روحك فيها.. إيه حصلك.... إيه حصلك.... زمجر راجح بشراسة وهو يحاول دفعها بعيدًا عن الباب. = اوعى ياما ابعدي.... ليكمل صارخًا بشراسة عندما أمسك به مروان من الخلف، يعقد ذراعيه من حوله مقيدًا حركته، دافعًا إياه داخل غرفة النوم التي قام بإغلاق بابها سريعًا من الخارج. ليبدأ راجح بضرب قبضته بالباب وهو يصرخ بشراسة وقد أصابته حالة من الجنون. = افتح يا مروان الباب....
افتح و إلا قسما بالله هموتك.... افتح..... ظل يضرب الباب بقوة وعنف، كالمجذوب الذي يحركه الغضب دون تفكير أو حساب. أعمى لا يرى أمامه سوى ستار خيانتها التي تحجب عنه الرؤية. حطم قبضتيه فوق الباب، بينما السكين لا تزال بين يده، مما جعلها تنغرز بها وتقطع لحم يده. لكنه لم يدرك أو حتى يشعر بالألم، فقد كان الألم الذي بقلبه أكبر وأعمق جعله يفقد الشعور بأي شيء آخر.
ظل على حالته تلك حتى خانته قدماه وانهار فجأة راكعًا على الأرض بجسد منهك، واليأس والألم يسيطران عليه. ولأول مرة بحياته ينفجر باكيًا بكاء مرير اهتز له كامل جسده، هامسًا من بين شهقات بكائه التي كانت تمزق صدره. = ليه... ليه يا صدفة.... وصل صوت بكائه هذا إلى نعمات التي كانت تقف مستندة إلى الباب من الخارج، تستمع إلى شهقات بكائه وقلبها يتمزق من أجله، شاعرة كما لو كانت روحها تسحق.
لتنفجر باكية هي الأخرى على ألم ولدها، وهي تدرك أن الأمر بينه وبين زوجته أخطر مما كانت تتوقع. فهي لم تره من قبل يبكي قطًا، حتى عندما كان طفلًا ويعنفه عابد، فقد كان طفلًا هادئًا ذو كبرياء يرفض إظهار آلامه للآخرين. في ذات الوقت.... كانت صدفة جالسة على إحدى أرصفة الشارع، تضم جسدها المتألم بذراعيها وهي تبكي بمرارة وألم. فقد كانت في حالة من الصدمة والذهول، لا تصدق أن راجح قد قام بضربها وسبها بتلك الشتائم البشعة.
فماذا فعلت هي حتى تستحق منه ذلك؟ وكيف أمكنه فعل هذا بها؟ أهذا ذات الشخص الذي كان لا يتحمل رؤيتها تعاني أو تتألم حتى إن كان مجرد ألم بسيط؟ فكيف استطاع إيذاءها وتعنيفها بهذا الشكل؟ فقد كان يضربها كما لو كان يكرهها ويحتقرها، كما لو كانت قد فعلت به شيئًا قبيحًا لا يغتفر. لكن ماذا هي فعلت حتى تستحق ما فعله بها؟ اخفضت رأسها بينما تنتحب على حالتها تلك، شاعرة بألم حاد يعصف بقلبها، يكاد أن يحطم روحها إلى شظايا من شدة الحزن.
ظلت جالسة بمكانها عدة دقائق تحاول تهدئة ارتجاف جسدها قبل أن تنهض بتثاقل، تجر قدميها بصعوبة وهي تنوي الذهاب إلى بيت أم محمد. لكن تجمدت خطواتها فور تذكرها أن أم محمد ليست بالمنزل، فقد سافرت بالأمس إلى الصعيد لكي تراعي والدة زوجها المريضة. لتنفجر باكية مرة أخرى فور إدراكها أنه لا يوجد مكان تستطيع الذهاب إليه سوى منزل والدتها حيث تقطن أشجان وولدها أشرف. أشرف الذي حاول الاعتداء عليها من قبل واغتصابها.
بدأت الأرض تميد تحت قدميها، شاعرة بعالمها بأكمله ينهار من حولها فور تذكرها لتلك الحادثة. وما حاول فعله بها وشعورها وقتها مما جعل جسدها يرتجف من شدة الخوف. أخذت تتلفت حولها وهي تضع يدها فوق فمها تكتم شهقات بكائها، بينما تحاول إيجاد مهرب آخر من مأزقها هذا. لكن لم يوجد أمامها خيار آخر سوى الذهاب إلى منزل أشجان، فلا يوجد لديها مكان تذهب إليه.
وضعت يدها فوق قلبها محاولة تخفيف الألم الحاد الذي يعصف به، وهي تهمس دون وعي من بين شهقات بكائها المريرة بكلمات متقطعة غير مترابطة بصوت مكتوم، باكي القهر ينبثق منه. = ليه.. يا راجح حرام عليك... ازاي هونت عليك تعمل فيا كده... ليه تخليني ارجع ليهم من تاني.... مسحت وجهها بيد مرتعشة، قبل أن تجبر قدميها على التحرك والتوجه إلى بيت والدتها حيث توجد أشجان. بعد مرور عدة دقائق...
اتجهت أشجان نحو باب الشقة وهي تتراقص في خطواتها، بينما تدندن بفرح أغنية ما. لكنها صمتت فاغرة الفم فور أن فتحت الباب ورأت أمامها صدفة بمظهرها المدمر الذي كانت عليه. مررت عينيها الممتلئة بالصدمة فوق وجه صدفة الباكي والعلامات الحمراء التي تملأ خديها، قبل أن تتسع شفتيها في ابتسامة واسعة، وقد لمعت عينيها بشماتة واضحة وهي تستوعب ما حدث لها. = إيه ده هو ابن الراوي ضربك و إلا إيه... طيب و نبي تسلم إيده....
دفعتها صدفة في ذراعها مبعدة إياها عن طريقها، بينما تندفع إلى الداخل متجاوزة إياها دون أن تجيبها. لتلحق بها أشجان هاتفة بصوت يملؤه الفرح: = عملتي إيه يا منيلة.... خليتيه يورم لك وشك كده.. أكيد نيلتي حاجة ما أنا عارفاكي لسانك طويل... و مفكيش لا عقل ولا تفكير....... لتكمل بمكر عندما تجاهلتها صدفة ودلفت إلى غرفتها، لتلحق بها. = و لا يمكن تلاقيه هو اللي زهق منك.... و قال يخلص منك بدري بدري.......
ما خلاص خد منك اللي عايزه هيبقى على واحدة زيك ليه لا مال و لا جمال و لا تعليم.... استدارت إليها صدفة صارخة بهستيرية، وقد طفح كيلها من كلماتها السامة تلك التي أشعلت النيران بجرح قلبها. = اطلعي برا... برا ربنا يخدك... دفعتها صدفة لخارج غرفتها، مغلقة الباب بوجهها بقوة، مما جعل أشجان تستشيط غضبًا، هاتفة بقسوة وغل. = بتتشطري عليا أنا... يا أختي روحي اتشطري على اللي مرمطك.. جتك ستين نيلة تاخدك....
انهارت صدفة جالسة على أرضية الغرفة، تدفن وجهها بين ساقيها، ابتلت كانت تضمها إلى صدرها، بينما تحيط أذنيها بيديها رافضة سماع صراخ أشجان بالخارج، حيث كانت مستمرة بإلقاء كلماتها السامة عليها. خرج نشيج ممزق من بين شفتيها، بينما تنفجر منتحبة على كل ما أصابها وما أصبحت عليه. بعد مرور يومين... كانت صدفة جالسة على الأريكة التي تقع بغرفتها، تسند رأسها إلى إطار النافذة التي كانت تنظر إلى خارجها بأعين غائمة.
بينما كان وجهها شاحبًا كشحوب الأموات، لا يزال يرتسم عليه الحزن والألم. فمنذ أن أتت إلى هنا وهي على حالتها تلك، غارقة في عالم من الحزن والبؤس، لا تستطيع الخروج منه. فركت بيدها برفق فوق بطنها التي كانت تؤلمها منذ الأمس. فقد كانت دائمًا مصابة بمرض القولون العصبي، فعند اضطرابها أو حزنها يشتد المرض عليها مثل الآن. لكنها بالماضي كانت تتناول الدواء المخصص لها وتصبح أفضل على الفور.
لكن الآن هي لا تملك حتى ثمن حبة واحدة من ذلك الدواء الذي قد يخفف من توعكها. انحدرت الدموع فوق وجنتيها، لكنها قامت بإزالتها سريعًا بيدها المرتجفة، مرفرفة بعينيها بقوة حتى تبعد الدموع المحتقنة بداخلها، عندما رأت باب غرفتها يفتح وتدلف أشجان وهي تتغنج في مشيتها بقميصها المنزلي العاري ووجهها المغطى بالعديد من الألوان الفاقعة. ألقت بطبق صغير أمام صدفة قائلة وهي تمضغ العلكة التي بفمها: = امسكي، اطْفَحي...
انتي من ساعة ما اتنيلتي جيتي هنا ما أكلتيش حاجة، مقضيها عياط ونواح. بس... لتكمل وهي تدفع بالطبق نحوها: = كلي يا أختي، أحسن تموتي ولا يحصلك حاجة، ويحسبوكي عليا بن آدمة ولا حاجة. اخفضت صدفة عينيها إلى الطبق الذي أتت به، والذي كان به كمية قليلة من الملح ونصف قطعة من الخبز الجاف. اعترضت معدتها رافضة الطعام، لتدير وجهها نحو النافذة دون أن تجيبها. لتهتف أشجان بسخرية لاذعة: = إيه يا أختي بتبصي للأكل بقرف كده ليه مش عاجبك؟
إيه ابن الراوي أخدك على المحمر والمشمر؟ اقتربت منها ممسكة بذراعها تديرها نحوها، وهي تتابع بغل دافعة الصحن أمام وجهها: = لأ يا حبيبتي عودي نفسك على الأكل ده، خلاص ابن الراوي رماكي وقريب أوي هيطلقك، وترجعي تاني للقشف والجوع. نفضت صدفة يدها الممسكة بذراعها بعيدًا، هاتفة بها بشراسة وقد أخرجتها كلماتها القاسية تلك من قوقعة صمتها التي كانت تختبئ بها طوال اليومين المنصرمين: = مش عايزة حاجة من خلقتك. لتكمل دافعة إياها بقوة:
= وابعدي عني بقى وارحميني. تراجعت أشجان بتعثر عدة خطوات للخلف بسبب دفعتها تلك، مما جعلها تهتف بغضب: = بتزقيني كده ليه يا حالـ.وفة انتي؟ الحق عليا إني بقطع من أُوتي وبديكي تطْفَحي، مش كفاية قاعدة لي زي الحِمى في البيت، لا شغلة ولا مشغلة وجاية لنا ببلاويكِ. قاطعتها صدفة بصوت مرتجف، بينما تحاول السيطرة على نوبة البكاء المتصاعدة بداخلها، وقد مزقتها كلماتها تلك:
= وأنا ياما صرفت عليكوا من وأنا عيلة، كنت بشتغل وبصرف عليكوا. بعدين أنا مش عايزة منكم حاجة، ارحميني بقى وسيبيني في حالي. ربتت أشجان على ظهرها بحدة بضربات قاسية متتالية، مغمغمة بتهكم حاد: = انزلي يا أختي شوفي لكِ شغلانة اشتغليها تصرفي بها على نفسك، ولا حاولي رجعي الفرشة بتاعتك اللي بعتيها لما جيتي تتجوزي الشملول اللي رماكي بعد 5 شهور، رمية الكلاب ولا كأنك تسوى.
قاطعتها صدفة صارخة بهستيرية فور سماعها كلماتها المؤذية تلك التي كانت تضغط على أعصابها وجرح قلبها: = اطلعِ برا، اطلعِ برا.
وقفت أشجان تتطلع إليها بصمت عدة لحظات، تراقب الألم والعذاب المرتسم على وجهها بعينين تلتمع بالرضا، وابتسامة شامتة ترتسم على شفتيها، قبل أن تلتف وتغادر الغرفة، تاركة صدفة شبه منهارة تبكي بكاءً مريرًا. فقد كان الألم الذي يعصف بداخلها يكاد يمزق قلبها. ازدادت شهقات بكائها، مما جعلها تضع يدها فوق فمها تحاول كتم شهقات بكائها التي أخذت تتعالى بقوة. ظلت منحنية الرأس تنتحب بصوت يقطع أنياط قلب من يسمعه،
وهي تردد بداخلها: لما فعل بها راجح هذا؟ لما تخلى عنها وجعل الجميع يشمت ويسخر من آلامها؟ فهي لم يكن لها في هذه الحياة سواه. حاولت أن توقف بكاءها هذا وأن تهدئ من حالتها تلك، فقد أمضت اليومين الماضيين في البكاء والغرق في شعورها بالشفقة على نفسها. مسحت وجهها بيديها المرتجفتين. = أماااا أنا جيت.
انتفض جسد صدفة بفزع فور سماعها صوت أشرف يأتي من الردهة بالخارج، مما جعل الدماء تجف بعروقها من شدة الخوف. انتفضت واقفة متجهة نحو باب الغرفة تغلقه على الفور. بحثت عن المفتاح تقوم بغلقه، لكنها لم تجده، مما جعل رعبها يزداد أكثر وأكثر. فقد أمضت اليومين الماضيين مطمئنة بعض الشيء عندما علمت من أشجان بأنه قد سافر لمحافظة أخرى للعمل بها، لكنه الآن قد عاد. فكيف ستمكث معه في منزل واحد بعد أن حاول التعدي عليها؟
انهارت جالسة على الأرض تسند ظهرها إلى باب الغرفة محاولة إحكام غلقه بجسدها. أحاطت بذراعيها جسدها الذي كان ينتفض بشدة بسبب الرعب الذي يعصف بها. وذكريات تلك الليلة التي حاول الاعتداء عليها بها تعاودها، والخوف والفزع الذي شعرت بهم وقتها يسيطران عليها من جديد. فمنذ تلك الليلة لم تقع عينيها عليه. رفعت عينيها إلى الأعلى وهي تهمس بعجز وخوف، بينما الدموع تغرق وجهها الشاحب: = اعمل إيه يا رب... أروح فين؟
أسندت رأسها إلى الباب بتعب، ليصل إليها صوت أشجان وهي ترحب به. فقد كان مسافرًا كما أخبرتها منذ أن فك جبيرة يده، لكنه عاد الآن على حظها العاثر. ظلت جالسة بمكانها عدة دقائق حتى اطمأنت من أنه قد دخل غرفته، لتسرع ناهضة تبحث في أنحاء الغرفة عن مفتاح الباب. ولحسن حظها وجدته ملقيًا بجانب الفراش الخاص بها.
لتسرع بغلق الباب عليها بالمفتاح من الداخل، لكن رغم ذلك لم يهدئ خوفها، مما جعلها تجذب المنضدة الثقيلة التي بجانب الفراش وتضعها أمام الباب كحاجز. لترتمي بعدها على الفراش تتنفس الصعداء. في ذات الوقت... غمغم أشرف الذي كان مستلقيًا على الأريكة التي بالبهو الشقة، منتفضًا في مكانه فور سماعه صوتًا يأتي من غرفة صدفة: = إيه ده؟ إيه الصوت ده يا أمي؟ حرامي ولا إيه؟ أجابته أشجان وهي تدفعه في صدره، مجلسته
إياه على الأريكة مرة أخرى: = اقعد يا أخويا، متخفش. حرامي إيه اللي هيجيبه هنا، إيش ياخد الريح من البلاط. لتكمل وهي تلوي فمها بنفور: = ده المنيلة صدفة. انتفض أشرف واقفًا مرة أخرى فور سماعه ذلك، هاتفا وعيناه تلتمع بلهفة: = إيه... صدفة؟ ليكمل بلهفة واضحة وهو يتجه نحو الغرفة الخاصة بها: = بجد يا أمي، صدفة هنا؟ أسرعت أشجان واقفة أمامه تسد عليه الطريق قائلة بحدة: = أها يا روح أمك، هنا. لتكمل بحدة وهي تدفعه للخلف:
= واتنيل اقعد، رايح فين؟ تنحنح أشرف بحرج قبل أن يعاود الجلوس مرة أخرى على الأريكة، وهو يحاول رسم اللامبالاة على وجهه: = وهي بتعمل إيه هنا؟ أجابته أشجان قائلة وهي تجلس بجانبه قائلة بشماتة واضحة: = راجح الراوي، طردها من قلب البيت، وشكله كده خلاص هيطلقها. لتكمل بغل وهي تهز رأسها باستحسان: = كنت عارفة إن ده هيحصل من زمان، هياخد منها اللي عايزه ويرميها رمية الكلاب. صمتت قليلاً قبل أن تتابع بحدة وعيناها تلتمع بالحقد:
= يلا أهي بنت المحظوظة عاشت لها يومين في العز واتدندنت. لوت فمها قائلة بحسرة وهي تحدث نفسها، بينما تضرب بيدها فوق صدرها: = مش زي حالاتي، غرقانة طول عمري في الفقر والهم. قاطعها أشرف وهو يبدأ بتناول الطعام الذي وضعته له بوقت سابق: = ما خلاص يا أمي بتحسديها على إيه، ما هي أُطلقت ورجعتلك من تاني ومتلقحة جوا أهها. ضربت بيدها فوق ساقها قائلة بحدة:
= أها يا أخويا رجعتلي من تاني بهمها وقرفها ده، من يومها قافلة على نفسها وشغالة عياط ومش راضية تاكل، لحد ما هتلبسني مصيبة. تنحنح أشرف قائلاً، بينما يتناول من أمامه الصحن الملئ بالدجاج: = طيب ما أدخل أنا كده وأحاول أخليها تاكل. هتفت به أشجان بشراسة: = اتنيل اقعد مكانك يالا انت. لتكمل بحدة وعيناها تشتعل بالغضب مشيرة إلى الصحن الذي لا يزال بيده: = تأكلها إيه يا أخويا فراخ؟ ليه مال أبوها هو؟
آخرها شوية ملح ونص رغيف عيش، ويبقى كتر خيري أوي، أنا هصرف عليها من جيبي. كمان. جلس أشرف واضعًا الصحن من يده، مغمغمًا بحدة: = خلاص يا أمي، اقفلي البوتجاز اللي هب من بوقك ده. أنا بس البت صعبت عليا. قاطعته أشجان بسخرية لاذعة وهي تضرب بيدها فوق صدره بقسوة: = بقولك إيه يا أمك، شغل الحنية والنحنحة ده مش عليا أنا، فاهمة دماغك كويس. لتكمل وابتسامة ماكرة ترتسم على شفتيها: = وهنولك اللي في بالك، بس اهدي كده ومتبقاش خايب.
هتف أشرف بفرح فور سماعه كلماتها تلك: = بجد يا أمي؟ ضحكت مغمغمة: = أها بجد يا أبو ريالة. لتكمل وهي تلوي شفتيها بعدم رضا: = أنا عارفة هتموت عليها، على إيه جتك نيلة. غمغم بينما عيناه تلتمع بشهوة واضحة: = البت صاروخ أرض جو يا أمي. أصدرت صوتًا من بين شفتيها ينم عن السخط، قبل أن تدفع بفمه قطعة من لحم الفراخ قائلة بعصبية: = طيب اطْفَح، ونقطني بسكاتك، وأول ما تطلق هجوزهالك.
ارتسمت ابتسامة واسعة راضية على وجه أشرف، قبل أن يستدير ويبدأ بتناول طعامه، وبداخله يرقص فرحًا لاقترابه من الحصول على مراده. في منزل الراوي. دَلفت نعمات إلى شقة راجح التي كان يسودها الظلام الدامس، لتقوم بإشعال ضوء الردهة، قبل أن تتجه إلى غرفة الاستقبال التي يوجد بها راجح. فمنذ ذلك اليوم الذي فقد به السيطرة وقام بضرب زوجته، وهو لم يغادر تلك الغرفة، حتى عمله لم يذهب إليه، رافضًا التحدث إلى أي شخص، حتى هي.
دَلفت إلى الغرفة لينفطر قلبها ألمًا عليه، عندما وجدته نائمًا على الأريكة بوجهه الشاحب وذقنه التي نمت خلال الأيام الماضية. وقعت عيناها على صينية الطعام التي على الطاولة، والتي كانت كما هي، فيبدو أنه لم يتناول الطعام التي وضعته له، فقد كان يرفض تناول الطعام في كثير من الأحيان. لكنه كان لا يكف عن تناول السجائر والقهوة.
اقتربت منه جالسة بجانبه على الأريكة، مغمغة اسمه برفق، ليستيقظ على الفور وينتفض جالسًا يتطلع إليها بأعين غائمة. مرت يدها فوق رأسه بحنان وهي تتفحص بحسرة وجهه الشاحب الذي أصبح أنحف من قبل: = لما أنت بتحبها أوي كده، ليه يا ابني تعمل فيها وفي نفسك كده. لتكمل وهي تربت على كتفه عندما ظل صامتًا: = فهمني يا ابني إيه حصل، يمكن أقدر أساعدك. أحنى راجح رأسه رافضًا التحدث، فكيف يستطيع إخبارها بأن زوجته قد قامت بخيانته.
تفحصت نعمات وجهه الحزين، قبل أن تضم رأسه إلى صدرها تحتضنه بحنان، هامسة بصوت باكي: = اتكلم يا ضنايا، اتكلم وفضفض، أنا أمك، وسرك ووجعك هو وجعي. دفن راجح وجهه بحضن والدته، يشعر ببعض السلام يستقر بداخله بعد معاناته والألم الذي لم يفارقه طوال الأيام الماضية. همس بصوت مجهد مهتز: = دبحتيني يا أمي. ليكمل بصوت مختنق يملؤه الحسرة والألم: = باين مكتوب عليا أن أفضل موجوع طول عمري. صمت قليلاً قبل أن يتابع بصوت مرتجف ممزق، بينما
غصة من الألم تسد حلقه: = بعد ما قلت خلاص ربنا عوضني بها، وبقي ليا بيت وواحدة تخاف عليا وتحبني وأحبها، كل ده طلع كدب وأنا في الآخر طلعت أهبل، أهبل مضحوك عليا. ربتت والدته على رأسه بحنان: = والله يا ابني دي بت غلبانة، شوف على قد ما كنت مش طايقاها في الأول، لكن بعد ما شفت حبها وخوفها عليك حبيتها. رفع رأسه من حضن والدته قائلاً بصوت مرهق، وهو يحاول تغيير الحديث يعاكس الألم الذي يمزقه من الداخل:
= معلش يا أمي انزلي وسيبيني، أنا عايز أنام. علشان هنزل الوكالة بكرة بدري كانت نعمات تهم بالاعتراض، لكن فور أنها رأته يشيح بوجهه بعيدًا حتى لا ترى عيناه الغارقتين بالدموع، أومأت برأسها. = حاضر... حاضر يا ضنايا... نهضت واقفة على قدميها تتطلع إليه بحسرة قبل أن تربت على رأسه بحنان، مجبرة ذاتها على المغادرة وتركه، فقد كانت تعلم أنه لا يرغب برؤيته وهو ينهار. في اليوم التالي...
في منتصف الليل، استيقظت صدفة على ألم بطنها ورغبتها بدخول الحمام، حيث ظلت طوال اليوم حبيسة غرفتها خوفًا من مقابلة أشرف. لكنها غادرت غرفتها مرة واحدة عندما سمعته يخبر والدته أنه ذاهب لمقابلة أصدقائه على القهوة، وقتها ذهبت لملء زجاجتها بالماء واستعملت الحمام، ثم عادت إلى غرفتها وأغلقت عليها مرة أخرى.
نهضت من الفراش وارتدت عباءتها السوداء القديمة التي تركتها خلفها عند زواجها، وعقدت طرحة حول رأسها جيدًا قبل أن تتجه نحو الباب وتفتحه قليلًا، تطل برأسها منه للخارج حتى تتأكد أن أشرف ليس موجودًا. وعندما وجدت المكان خاليًا، خرجت ودلفت إلى الحمام الذي أغلقت خلفها جيدًا.
بعد عدة دقائق، خرجت من الحمام بعد تأكدها من خلو الردهة، لكن ما أن اقتربت من باب غرفتها حتى شعرت بيدين تقبضان على ذراعيها من الخلف، مما جعلها تصرخ فازعة عندما دفعها أشرف، الذي لا تعلم من أين ظهر، نحو الحائط محاصرًا إياها بجسده وهو يسرع بتكميم فمها بيده. اتسعت عيناها بالذعر بينما كامل جسدها يرتجف من شدة الخوف عندما سمعته يهمس بالقرب من أذنها. = شوفتي... لفيتي لفتك... ورجعتيلي...
ليكمل وعيناه تلتمعان بالشهوة وهو يمرر يده الجشعة على جانب جسدها. = واللي مكملش في المخزن هيكمل هنا.... ودلوقتي... أنهى جملته وهو يحاول دفن وجهه في عنقها وتقبيله، مما جعلها تدفعه في صدره بيديها المرتجفتين، لكنه لم يتزحزح انشًا واحدًا، فقد كان كالصخر، مما جعلها ترجع رأسها للخلف بعيدًا وهي تقاومه بشراسة رغم ضعفها وشعورها بالإعياء.
أخذت تحاول الصراخ وطلب المساعدة، لكن خرجت صرختها تلك كالزمجرة المكتومة بفعل يده التي كانت تغلق فمها بقوة. أخذت تتملص بهستيرية بين يديه محاولة التحرر من بين قبضته، لكن ما أصابها من ذلك إلا أن ازداد ضغط جسده على جسدها، مما جعلها تنفجر في بكاء هستيري عندما شعرت بشفتيه تقبلان جانب عنقها.
ابتعد عنها قليلًا، يتطلع إلى وجهها المحتقن كالدماء بسبب محاولتها الفاشلة في الصراخ بسبب يده التي كانت تكمم فمها، قبل أن يقرب شفتيه من أذنها ويهمس بصوت أج
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!