بإحدي الاحياء الشعبية تحديدا فى إحدي المنازل التي يدل مظهره الخارجي علي مدي فقر سكانها الشديد... كانت صدفة واقفة بالمطبخ تحضر لنفسها شطيرة سريعة حتي تتناولها قبل ذهابها الي العمل.. لكنها تأففت بحنق مطلقة لعنة منخفضة فور سماعها صوت اشجان الزوجة الثانية لزوج والدتها المتوفية يأتي من خلفها =ايه يا منيلة الدوشة اللي انتي عاملها علي الصبح.... الساعة لسه 5 الفجر الله يخربيتك قلقتي منامنا اللهي يقلق منامك يا بعيدة....
اختطفت صدفة الشطيرة الخاصة بها من فوق الطاولة قبل ان تستدير اليها مغمغة بحدة و نفاذ صبر =بعمل ساندوتش اطفحه قبل ما اتهبب انزل اجري علي اكل عيشي..... لتكمل بحده وهي تزجرها بغضب =ايه حـرم و لا حـرم .... اجابتها اشجان و هي ترمق بسخرية الساندوتش الذي في يدها =ياختي براحة علي نفسك انتي ليه محسساني انك موظفة في مصلحة حكومية اومال لو مكنتيش حتة بياعة ساندوتشات فول وطعمية علي الرصيف كنت عملتي ايه...
لتكمل بقسوة مربتة علي صدر صدفة بضربات خفيفة متتالية =بعدين ياختي ابقي ريحينا و ريحي نفسك و اعملي ساندوتشك ده من ضمن الساندوتشات اللي بتعمليها للصنايعة و كليه في الشغل بدل ما كل يوم تقلقي منامنا.... قضمت صدفة الساندوتش الذي بيدها بغل و غضب وهي تغمغم بفم ممتلئ
=انا لو ماكلتش الساندوتش ده هنا مش هعرف ادوق لقمة واحدة طول اليوم..لأني بشتغل من الساعه 6 الصبح لـ12 بليل و مبقعدش ثانية واحدة و بيطلع عين اللي جابوني علشان اجبلك فلوس انتي و المحروس جوزك لتكمل هاتفة بغضب =فارحمني بقي و مطفحنيش اللقمة اللي هاكلها... رفعت اشجان ياقة قميصها البيتي تنفخ بصدرها عدة مرات قبل ان تهتف بنبره يتخللها التهكم =تف تف... ياختي متشخطيش اوي كده اصل بخااااف و بتخض ....
لتكمل بسخرية لاذعة و هي تمرر عينيها من الأعلي للأسفل علي جسد صدفة الذي تخفيه اسفل عبائتها الفضفاضة =و ياختي لما انتي مبتاكليش غير الساندوتش اللي في ايدك ده طول اليوم..اومال جسمك بيفشول وبيتخن من ايه....
احمر وجه صدفة بشده فور سماعها كلماتها تلك و قد ارتجفت شفتيها في قهر دفين فقد ضغطت اشجان جيدا على نقطة ضعفها زفرت بحنق و هي تغمغم بصوت مرتجف بينما تندفع نحوها ضاربة بحدة كتفها و هي تزيح بعيدا جسدها الذي كانت تسد به باب المطبخ =بقولك ايه يا خالتي... روحي نامي احسن اديني نازلة اهو و سيبالك الشقة...... هتفت اشجان بحده وهي تدلك بيدها كتفها الذي اصطدمت به صدفة =انتي بتزوقيني كده ليه... جتك ضربه في ايدك.......
لتكمل بغل وغضب عندما تابعت صدفة طريقها نحو غرفتها دون ان تجيبها او تلتف اليها =صحيح ما انتي بهيـ.ـمة و مفرقتيش حاجة عن الجامـ.ـوسة عاملة زي البغـ.ـلة....... اغلقت صدفة باب غرفتها سريعا و بقوة بوجهها في محاولة منها للهروب من سماع باقي كلماتها السامة التي كانت تحفظها عن ظهر قلب و التي ترددها دائما على مسمعها بكل يوم... فسوف تنعتها بالسمينة و تزدري جسدها كما تفعل بكل مرة
نزعت ملابسها المنزلية و ارتدت عبائتها السوداء الفضفاضة البالية التي ترتديها دائما عند ذهابها للعمل... فقد كانت تتعمد دائما ارتداء ملابس فضفاضة بهذا الشكل حتي تخفي معالم جسدها الانثوي عن الاعين الجائعة... حتي في المنزل ترتدي عباءات منزلية فضفاضة تكاد ان تغرق بها خوفا من زوج و الدتها و اشرف ابن اشجان الذي كان يكبرها بسنتين...
لكنها لم تكن دائما هكذا فعندما كانت والدتها حية كانت ترتدي ملابس انيقة و جميلة كباقي الفتيات لكن بعد وفاتها بدأت في ملاحظة نظرات زوج والدتها الغير بريئه بالمرة لجسدها لذا بدأت تخفي جسدها اسفل تلك الملابس و ايضا كانت تخاف من اشرف ابن اشجان فقد كان سكير فاسد رغم انه دائما يسخر منها و من مظهرها ناعتا اياها بالثمينة القبيحة الا ان هذا لم يهدأ خوفها منه...
لذا لم تكتفي بارتداء تلك الملابس البالية فقد كانت ايضا تتعمد تقبيح وجهها بوضع لون من الكريم الذ كان اغمق كثيرا من لون بشرتها البيضاء الحليبية.. راسمة حاجبيها بلون اسود ثقيل.. تأملت مظهرها بالمرأه بحسرة فقد كانت ملابسها تزيد حجم جسدها الي ثلاثة اضعافه علي الاقل فهي ليست سمينة بهذا الشكل فقد كانت ممتلئة بعض الشئ بامكان محددة من جسدها ...
تناولت حجابها الصغير و عقدته علي رأسها لينسدل من اسفل الحجاب شعرها الاسود الحريري علي كتفيها لكنها تناولت الفرشاة و اخذت تبعثره بقوة حتي اصبح اشعث هائش فقد كانت تتقصد ان تجعله بهذا الشكل الاشعث حتي لا يظن احد انها تتجمل فقد كانت تتعامل مع رجال و عمال طوال اليوم لذا يجب ان تحافظ علي سمعتها و علي نفسها من اعينهم الوقحة.... اختطفت محفظتها من فوق الطاولة و غادرت المنزل سريعا حتي تبدأ بيوم عملها الشاق..
بعد مرور عدة ساعات..... كانت صدفة جالسة بمكان عملها الذي كان عبارة عن فرشة صغيرة علي الرصيف الجانبي للشارع تصنع الساندوتشات و الشاي للعمال بالمحلات التجارية التي تملئ الشارع... هتفت ام محمد الجالسة بجانبها علي فرشتها الخاصه لبيع الخضروات كما كانت تعمل مع صدفة في ذات الوقت.. = مالك يابت قالبة وشك علي الصبح ليه كده... اجابتها صدفة و هي تقوم بوضع الطعمية بالمقلاة الممتلئة بالزيت الساخن و علي وجهها تعبير مقتطب
=هيكون ايه يعني..غير اشجان الحيزبونة زي العادة.. غمغمت ام محمد بحنق وهي تقوم برش المياه علي الخضار المرصوص علي الفرشة التي امامها.. =يا دي اشجان..و سنينها السودا هي الوليه الارشانة دي مش ناوية بقي تتهد عنك... غمغمت صدفة وهي مستمرة في تقليب الطعمية بالزيت حتي لا تحترق =زهقت... زهقت و نفسي امشي من وشهم و اشوفلي شقة صغيرة ان شالله اوضة و صالة صغيرة بس ابعد عنهم و عن قرفهم.... قاطعتها ام محمد شاهقة بصدمة
=انتي اتجننتي يا بت عايزة تعيشي لوحدك.... ده انتي كنت تبقي حته لحمه واترمت للكلاب ينهشو فيها. الناس ما هتصدق يا بنتي مش هيرحموكي. ثم نهضت من مكانها لتجلس بجانب صدفة وهي تكمل بجدية:
= انتي بتخلصي شغل على 12 بليل وعقبال ما بتروحي بيبقى فيها لـ 12 ونص. عارفة لولا إنك عايشة مع النطع جوز أمك ده كان زمان سيرتك على كل لسان الناس وحشة وما بترحمشي. واديكي شوفتي بيقولوا إيه على ليلي بنت أم منير عشان اطلقت وخدت شقة فوق شقة أبوها مش رحمانها. ده لو رجعت من برا 9 بليل بيتكلموا في عرضها. أطلقت صدفة زفرة حارقة وهي تهز رأسها: = عارفة... وده اللي مصبرني على الغلب اللي أنا فيه. لتكمل بعجز وهي تضغط يدها على خدها:
= بس في نفس الوقت مش قادرة أستحمل قلة أدب أشجان دي. بتتعامل معايا كأنها بتتصدق عليا هي وجوزها. قاطعتها أم محمد قائلة بحدة وهي تساعدها في فتح الخبز حتى تبدأ بصنع الشطائر: = ليه بقى؟ ده انتي ليكي نص الشقة. ولولا إن متولي ضحك على أمك الله يرحمها في آخر أيامها وخلاها تكتب نص الشقة له، كان هتبقى كلها ليكي. أمك كانت قايلالي إنها هتكتبها ليكي بيع وشرا. تنهدت صدفة مغمغمة بتثاقل:
= يلا ربنا يرحمها ويسامحها بقى. كان واكل بعقلها حلاوة. حتى لما اتجوز عليها وجابها تعيش معاها في قلب شقتها منطقتش معاه واتقبلت الوضع. ربتت أم محمد على كتفها بحنان: = أمك كانت طيبة وغلبانة. هزت صدفة رأسها بصمت وعينيها شاردة، لكنها أفاقت من شرودها هذا على رنة هاتفها المحمول البسيط الذي كانت تحمله، حيث كانت تتلقى طلبات الطعام من المحلات التي حولها من خلاله. ضغطت على إحدى الأزرار قبل أن تضع الهاتف الصغير على أذنها:
= أيوه... يا توفيق باشا حاضر. يعني تلاتة طعمية واتنين بتنجان. تؤمر بحاجة تانية؟ طيب عشر دقايق والساندوتشات تكون عندك يا باشا. أغلقت الهاتف واضعة إياه بجيب عباءتها قبل أن تتناول الخبز وتبدأ بصنع الشطائر. وفور انتهائها وضعتها فوق إحدى الصحون ونهضت قائلة سريعًا: = خدي بالك من الفرشة يا أم محمد عقبال ما أوصل الساندوتشات دي لوكالة الراوي. أومأت أم محمد برأسها قائلة: = عينيا ياختي.
انطلقت صدفة في طريقها شبه راكضة حتى تصل سريعًا إلى وكالة عابد الراوي، والتي كانت تعد أكبر وكالة لبيع الأجهزة الكهربائية بالمنطقة بأكملها، حتى توصل الطعام لتوفيق الحلاوني الذي كان الصديق المقرب لراجح الراوي. هرعت سريعًا حتى تنتهي وتعود إلى مكان عملها، فأمامها يوم طويل مليء بصنع الشطائر وتوصيلها للعمال بمحلات عملهم. = بت يا صدفة.
سمعت إحدى الأشخاص يهتف باسمها مما جعلها تتوقف وتلتف خلفها لتجد أم عبير الجالسة أمام بسطتها الخاصة ببيع الفواكهه. = خير يا أم عبير في إيه؟ أشارت أم عبير بيدها لكي تقترب منها قائلة بصوت منخفض بعض الشئ: = خدي يا بت أقولك. تأففت صدفة قائلة بينما تقترب منها: = عايزة إيه يا أم عبير؟ اخلصي أنا سايبة الفرشة لوحدها. همست أم عبير بينما تضع يدها بصدرها مخرجة إحدى الحافظات المصنوعة من القماش الرديء:
= ياختي خدي هاكلك ولا هاكلك. جتك نيلة بت هم. لتكمل وهي تخرج عدة أوراق من المال من تلك الحافظة وتمدها نحو صدفة بينما تتلفت برأسها يمينًا وشمالًا. = خدي. دول 4 آلاف جنيه بتوع دورك في الجمعية. كده يتبقى لك 4 زيهم آخر الأسبوع هكون لميتهم من الناس وهجبهملك.
أخذتهم منها صدفة ووضعتهم سريعًا بصدرها وهي تتلفت حولها حتى تطمئن أن أحدًا لم يراها، خاصة زوج والدتها الذي إذا ما علم عن هذه الأموال سوف يأخذها منها كما يأخذ جميع الأموال التي تحصل عليها من عملها. غمغمت وهي تبتسم بفرح: = تسلميلي يا حبيبتي. بس زي ما فهمتك محدش ياخد خبر إني معاكي في الجمعية دي. قاطعتها أم عبير قائلة بتأكيد محاولة طمئنتها: = متخفيش. هو أنا عيلة صغيرة؟ ما أنا فاهمة اللي فيها.
ابتسمت صدفة باشراق شاعرة بالسعادة تغمرها، فقد كانت تجلب بتلك الأموال التي تحصل عليها من تلك الجمعيات جهاز عرسها وتخبئه بشقة أم محمد حتى لا يعلم زوج والدتها شيئًا عنها. غمغمت وهي تهرع مسرعة نحو وكالة الراوي التي لم تكن تبعد كثيرًا: = يالهوي اتأخرت. ما أروح بسرعة أودي الساندوتشات لتوفيق بيه.
بعد عدة لحظات دلفت صدفة إلى الوكالة المكتظة بالعمال والأدوات الكهربائية الحديثة بمختلف أنواعها واتجهت مباشرة إلى المكتب الخاص براجح الراوي، فقد كانت تعلم بأن توفيق صديقه يجلس معه بالطبع. لكن وقبل وصولها إلى الباب وقف أشرف ابن أشجان أمامها قائلاً بصوته الغليظ الحاد: = بتعملي إيه هنا يا بت؟ أجابته صدفة بحدة مماثلة: = جاية أرقص. لوى أشرف شفتيه قائلاً بسخرية لاذعة:
= جتك ستين نيلة. وهو انتي بمنظرك اللي شبه الجاموسة ده ولا وشك العكر ده ينفع حتى ترقصي للميتين في الترب. هتفت صدفة بحدة وغيظ وقد بدأ الغضب يشتعل بداخلها بسبب إهانته المستمرة لها: = بقولك إيه بطل تلبيخ. وأنجز عايز إيه؟ الأكل هيبرد. حك رأسه بأصابعه قبل أن يغمغم سريعًا: = هاتي 50 جنيه. شهقت صدفة بصوت مرتفع قائلة بغضب: = 50 إيه يا خويا منين. قاطعها أشرف بقسوة وقد بدأ وجهه يتشدد بالغضب:
= من الفلوس اللي موكشاها على قلبك من الشغل بتاعك. هو انتي بتهمدي؟ هتفت صدفة كاذبة: = شغل إيه يا خويا ده إحنا لسه على الصبح وبنقول يا هادي. اقترب منها مزمجرًا بشراسة قابضًا على ذراعها لويًا إياه خلف ظهرها: = بقولك إيه يا بت انتي. انتي هتعمليهم عليا؟ هتجيبي 50 جنيه ولا أكسرلك دراعك. أسرعت قائلة بذعر وهي تدرك أنه قادر على تنفيذ تهديده: = هديك. هديك. حرر ذراعها لتنتفض مبتعدة عنه واضعة يدها بجيب عباءتها مخرجة ورقة
مالية ملقية إياها بوجهه: = خد. حار و نار في جتتك يا بعيد. التقط أشرف المال من فوق الأرض سريعًا مغمغمًا بحدة واشمئزاز: = جتك نيلة. عيلة تسد النفس. تركته ودلفت إلى داخل المكتب وهي تهمهم بصوت منخفض: = اللهي مصيبة تاخدك يا بعيد وأخلص منك انت وأمك. لكنها ابتلعت باقي جملتها عندما صوت راجح الراوي الغاضب أتى من خلفها بينما تغلق باب الغرفة: = انتي يا بت انتي مش هتبطلي كل ما تدخلي الوكالة تعملي مشاكل وقلق وصوتك يعلي في المكان.
استدارت صدفة تتطلع بأعين متسعة إلى ذلك الجالس خلف مكتبه بطوله الفارع. شعرت بالارتباك عدة لحظات فور رؤيتها له ولوسامته التي تذيب قلوب جميع فتيات المنطقة، لكنها أبعدت أفكارها تلك مجيبة إياه بحدة: = وأنا عملت إيه دلوقتي يا راجح باشا. قاطعها راجح بقسوة بينما يرمقها بنظرات مشتعلة بالغضب: = صوتك لو علي تاني هنا. هتبقى دي آخر مرة تخطي فيها الوكالة.
اشتعلت نيران الغضب بداخلها فور سماعها كلماته تلك وعندما همت تجيبه قاطعها توفيق الذي دلَف إلى الغرفة وهو يهتف بحماس فور رؤيته لها: = أخيراً يا صدفة. ده أنا كنت لسه هبعتلك حد من العمال. تناول منها الصحن الممتلئ بالشطائر ثم جلس على المقعد الذي بجانب مكتب صديقه وشرع في تناول طعامه بجوع. زمجر راجح بها بغضب: = واقفة عندك متنحة ليه. مش سلمتي الساندوتشات؟ يلا غوري.
ظلت صدفة واقفة بمكانها تتطلع نحوه بنظرات عاصفة محترقة معتصرة قبضتيها بجانبها بقوة حتى لا تندفع نحوه وتمزق وجهه بأظافرها، فقد سأمت من معاملته لها بتلك الطريقة الفظة، فما إن يراها أمامه يبدأ بالصراخ بها وتعنيفها بدون سبب. التفتت خارجة من الغرفة بغضب وهي تهمهم بصوت منخفض تلعنه وتشتمه. قضم توفيق من الشطيرة التي بيده وهو يغمغم: = يا عم أهدي على البت شوية مش كده. زفر راجح بحدة بينما يتراجع في مقعده للخلف:
= دي بت لسانها طويل ودايمًا صوتها عالي. قاطعه توفيق وهو لا يزال يتناول طعامه: = يا عم دي بت غلبانة مش قدك. مرر راجح يده على وجهه قائلاً بحيرة: = عارف إنها غلبانة وبضايق من نفسي لما بعاملها كده، بس معرفش إيه اللي بيحصلي لما بشوفها بحس إن عفاريت الدنيا كلها بتتنطط في وشي. اتّكأ صديقه على المكتب قائلاً بمرح بينما يلاعب حاجبيه بطريقة موحية: = لتكون واقع فيها يا عم راجح. ليكمل سريعًا وهو يعاود الجلوس على مقعده مجيبًا
نفسه: = بس لأ حب إيه؟ بشكلها الغريب ده. لأ شكلها ولا مستواها يشجعوا إنك تحبها أو حتى تفكر فيها. أومال إيه حكايتك يا عم. قاطعه راجح بغضب قائلاً وهو يضع يده فوق الأوراق التي أمامه: = لا حكاية ولا رواية. انت هتألف فيلم وهتصدقه. وخلص أكل يلا خلينا نشوف حل لمصيبتك خليك ترجع محلك مش كل شوية تتنططلي هنا. أومأ توفيق برأسه قائلاً وهو يمسح يده بإحدى المناديل:
= أديني خلصت بس قولي الأول. لسه مصر متأمنش نفسك وتعملك حاجة للزمن بعد كلام الحاج عابد معاك. هز راجح رأسه قائلاً بجمود: = أعمل كده ليه؟ أبويا أكدلي إننا شركا وأن أنا ليا نص المحلات والوكالة. قاطعه ناجي قائلاً بحدة:
= بس يا راجح لازم تكتب عقد بده. وبصراحة ده ميرضيش ربنا. الشغل ده انت اللي شيله على كتافك طول الـ 13 سنة اللي فاتوا والمحل اليتيم اللي كان أبوك يملكه خليته بتعبك وعقلك 10 محلات ومش أي محلات. لأ دي أكبر محلات في مصر كلها. زفر راجح بغضب وهو يرفع الأوراق التي أمامه: = خلصنا يا توفيق مش كل ما هتقعد معايا هتتكلم في نفس الحوار. انت عارف إن كلمة أبويا سيف ولا يمكن يقول كلمة ومينفذهاش. أشار توفيق بيده على رأسه قائلاً:
= يا عم راجح كلمة الحاج عابد على عيني وعلى راسي بس اعمل زي ما أنا عملت. مضيت أبويا على بيع أجنس العربيات وضمنت حقي. قاطعه حديثه طرق الباب ودخول حكيم رئيس العمال لديه: = آسف على الإزعاج يا راجح باشا. بس حبيت أعرفك إن البضاعة هتوصل بكرة الصبح مش بليل زي العادة. أومأ راجح برأسه قائلاً بهدوء:
= تمام يا عم حكيم. عرف بقى العمال على الميعاد وبلغهم إنهم أول ما يخلصوا نقل البضاعة للمخزن الكل يروح مش لازم يسهروا. واليوم محسوب لهم. ابتسم حكيم بفرح قائلاً: = ربنا يجبر بخاطرك يا بني دايماً يارب زي ما كل مرة بتجبر بخاطرنا. ليكمل سريعًا وهو يتجه نحو الباب: = استأذن أنا بقى. ثم خرج سريعًا تاركًا كلا من راجح وتوفيق يتناقشون حول إيجاد حل للديون المتراكمة على المحل الخاص ببيع السيارات الذي يملكه توفيق. بعد عدة ساعات.
كانت صدفة لازالت جالسة تصنع الشطائر وتقوم ببيعها للعمال وغيرهم من الأشخاص المارة عندما رن هاتفها. ترددت قليلاً قبل أن تجيب عندما رأت رقم وكالة عابد الراوي، فور تذكرها لطريقة تعامل راجح الراوي معها بالصباح، لكنها بالنهاية أجابت، فوكالة الراوي من أكبر الوكالات الممتلئة بالعمال والتي لا ترغب أن تخسرهم بالطبع. أجابت على مضض لتجد إحدى العمال يمليها إحدى الطلبات لتردد خلفه محاولة حفظ الطلب: = أيوه.
2 طعمية و 2 بطاطس و 2 شاي تقيل.. حاضر.. حاضر توقفت قليلاً قائلة بتردد: = بقولك إيه يا عم صقر، هي الطلبات دي لمين يعني؟ لراجح باشا ولا لمين؟ أجابها صقر بنفاذ صبر: = للحاج عابد.. و انجزي يا صدفة، انتي عارفة إنه مش بيحب التأخير. غمغمت سريعاً وهي تشعر بالراحة بأن الشطائر ليست لراجح الراوي، فقد كانت لا ترغب بمقابلته. = حاضر يا عم صقر.. ثواني و هيكون الأكل عنده. في ذات الوقت..
كان عابد الراوي جالساً على المكتب، بينما والده الأكبر راجح يجلس في المقعد الذي أمامه. غمغم عابد بحدة وغضب: = يعني إيه تدي العمال إجازة نص يوم و بأجر كامل؟ ليه إن شاء الله فاتحينها تكية لأهلهم ولا إيه؟ أجابه راجح بهدوء بينما يفحص إحدى الأوراق التي بيده: = يا حاج، العمال لازم ترتاح.. بعدين مفيش شغل لهم، أقعدهم في المخازن ليه؟ مش تعذيب هو. هتف عابد بحدة بينما يرمق والده بغضب:
= لا مش تعذيب.. بس هو مش مال سايب.. علشان تتحكم وتتأمر فيه على كيفك.. الإجازة دي تتلغي، فاهم؟ التقط راجح نفساً طويلاً محاولاً السيطرة على غضبه، وحتى لا يجيبه بطريقة تناسب طريقته المتعجرفة معه. لينجح بالنهاية بالسيطرة على غضبه مجيباً إياه بهدوء: = الإجازة مش هتتلغي يا حاج.. مش هطلع نفسي صغير قدام العمال بدي قرار الصبح و أرجع فيه بليل.. ليكـمل وهو يضغط بقوة على ملف الأوراق الذي بيده حتى ابيضت مفاصله:
= ولو أنت عايز تلغيه.. اتفضل روح بلغهم أنت بقرارك ده. ارتبك عابد فور سماعه ذلك، غمغم سريعاً بحنق: = لا قايل ولا عايد.. إجازة.. إجازة. أومأ راجح برأسه بصمت، فقد كان يعلم أن والده لن يجازف بإخبار العمال بإلغائه للإجازة ويجازف بتدمير صورته أمامهم التي يتباهى بها كثيراً. بعد مرور عدة دقائق..
طرقت صدفة باب المكتب ودلفت إلى الداخل، وعلى وجهها ترتسم ابتسامة، لكن سرعان ما ذبلت ابتسامتها تلك فور رؤيتها لراجح الجالس مع والده بالمكتب، فقد كانت تعتقد أن الحاج عابد بمفرده. وضعت صحن الطعام أمام الحاج عابد الذي كان منشغلاً بالتحدث بهاتفه. بينما غمغم راجح بصرامة وهو لا يزال يتفحص بتركيز الأوراق التي بين يده، غافلاً عن تلك الواقفة بتجمد تتطلع إليه بأعين متسعة بالارتباك: = ناوليني الشاي.
وقفت مترددة عدة لحظات قبل أن تتناول إحدى أكواب الشاي وتضعه على المكتب أمام الحاج عابد.
ثم تناولت الآخر واتجهت نحو راجح واضعة إياه بين يده الممدودة لها، لكن تصلب جسدها بخوف وذعر فور أن أطبقت يده على يدها بدلاً من الكوب الزجاجي نفسه، مما جعلها تنتفض متراجعة للخلف وهي تصرخ بفزع، ليسقط الكوب من يدها وتهشم على الأرض بعد أن انسكب بعضاً من محتوياته على ساق راجح، الذي انتفض واقفاً يلعن بعنف وهو ينفض السائل الساخن عن ساقه، صارخاً بها بعنف اهتزت له أرجاء المكان: = إيه اللي انتي عملتيه ده يا بهيمة؟
انتي مجنونة ولا إيه حكايتك بالظبط؟ هتفت بحدة بينما تتراجع إلى الخلف: = تستاهل علشان إيدك طويلة. لتكمل بحدة وهي ترمقه بنظرات مشتعلة بالغضب والازدراء: = إيه فاكراني لقمة سهلة هتقعد تحسس وتلمس براحتك ولا إيه؟ لا ده أنا هفضحك و أخـ.... قاطعها عابد الذي وقف هاتفا بحدة وهو يضع هاتفه بعيداً، ممرراً نظراته بينهم: = إيه ده يا بت؟ انتي إيه الهيصة اللي انتي عاملها دي؟ أجابته صدفة وهي ترمق راجح بنظرات تملؤها الاشمئزاز:
= اسأل ابنك يا حاج عابد وهو يقولك.. ولا يقولك ليه؟ ما أقولك أنا، راجح باشا حاول يمسك إيديا، بيتحرش بيا ومش عامل حتى احترام لك. اندفع راجح نحوها قابضاً على ذراعها يهزها بقوة هاتفا بغضب وعينيه تلمع بوحشية قاتلة، مما جعل الرعب يعصف بداخلها: = انتي بتقولي إيه يا بت؟ اتحرش بمين؟ ليكمل مزمجراً بشراسة وهو يهزها بقوة أكبر جعلت أسنانها تصطك ببعضها البعض: = قسماً بالله إن ما لميتي نفسك لأدفنك حية وما هتسوي عندي جنية.
جذبه والده للخلف بعيداً عنها هاتفا بحدة: = اهدي يا راجح مش كده. ليكمل ملتفتاً إلى صدفة التي التصقت بباب المكتب ووجهها شاحب من شدة الخوف: = أكيد ميقصدش اللي فهمتيه ده. قاطعه راجح هاتفا بحدة اهتزت لها أرجاء: = جرى إيه يابا؟ انت هتبرر لها ولا إيه؟ دي عيلة قليلة الأدب ودماغها تعبانة. ربت عابد على صدره محاولاً تهدئته: = اهدي مش كده. ليكمل ملتفتاً نحو صدفة: = وانتِ يا صدفة، روحي على شغلك يلا.
ظلت صدفة واقفة في مكانها بتصلب تتطلع بأعين متسعة بالخوف نحو راجح الذي كان أشبه بأسد ثائر على وشك الهجوم عليها بأي لحظة، مما جعلها تسرع بفتح الباب والهرب من أمامه سريعاً. راقب راجح هروبها هذا بأعين عاصفة محاولاً التحكم في نفسه وعدم اللحاق بها، فهو لا يصدق أنها اتهمته تلك التهمة الحقيرة، فقد لمس يدها بالخطأ حيث كان منشغلاً بقراءة الأوراق التي كانت بين يده ولم ينتبه إلى موضع يدها، وبدلاً من إمساكه لكوب الشاي، أمسك يدها.
ابتعد عن والده وجلس بتثاقل على المقعد وهو يتنفس بعنف، لكنه رفع رأسه بحدة فور سماعه كلمات والده الساخرة والقاسية في ذات الوقت: = خلاص.. الـ.ـوسـ.ـاخة اتملكت منك، مش عارف تمسك نفسك حتى قدام أبوك.. لا ومع مين؟ مع بياعة الطعمية. قاطعه راجح بحدة وصدمة في ذات الوقت: = وسـ.ـاخة!! ليه هو أنت مصدق إني ممكن أعمل حاجة زي دي؟ التف عابد حول المكتب وجلس على مقعده قائلاً بنبرة غليظة حادة يتخللها التهكم: = ومصدقش ليه؟
مش بيقولك ابن الوز عوام، وانت أبوك كان أيـ...... ثم توقف عن تكملة باقي جملته قائلاً بنبرة ذات مغزى، هو يتطلع بحدة نحو راجح الذي تصلب جسده بقسوة فور سماعه كلماته: = ولا مالوش لزوم. انتفض راجح واقفاً، بينما اخذ جسده يهتز من شدة الغضب الذي كان يعصف بداخله، هاتفا بنبرة شرسة: = ومالوش لزوم ليه؟ ما تكمل كلامك.. زي ما أبويا اغتصب أمي مش كده؟
بس انت عارف كويس إني معرفوش ولا عمري شفته، وإنك أنت اللي مربيني على إيدك، يعني المفروض تبقى عارف كويس أنا على إيه. ليكمل بصوت يملؤه الغضب والحسرة: = بس الظاهر إنك عمرك ما اعتبرتني ابنك.. ولا عمرك عرفتني. أنهى راجح كلماته تلك مندفعاً نحو باب الغرفة ينوي المغادرة قبل أن يفقد أعصابه ويفعل شيئاً قد يندم عليه.
لكن أسرع عابد خلفه ممسكاً بذراعه قائلاً بلهفة فور إدراكه فضاحة ما تفوه به، فهو لا يرغب في إغضابه أو خسارته، فقد كان بالنسبة إليه الدجاجة التي تبيض له كل يوم بيضة من الذهب. = متزعلش مني يا بني.. أنت عارف إني مقصدش، أنا بس اتضايقت لما البت دي قالت كده عليك. ليكمل وهو يربت على ظهره بقوة: = بعدين إزاي تقول إن عمري ما اعتبرتك ابني؟ ده أنا واخدك في حضني من وأنت لسه حتة لحمة صغيرة مكنتش كملت يوم على وش الدنيا.
ضغط على كتفه قائلاً بارتباك وتوتر محاولاً استمالته وامتصاص غضبه: = ده أنت ابني ونور عيني، أول فرحة ليا، ومسلمك مالي وحالي كله. ضغط راجح على فكيه بقوة وهو يحاول التماسك حتى لا ينفجر ما في صدره من كلمات قد تؤذي والده وتدمر علاقته به إلى الأبد. ربت عابد على ظهر راجح عندما ظل الأخير صامتاً، قائلاً وعلى وجهه ترتسم ابتسامة، بينما يوجهه نحو المكتب: = يلا.. يلا يا حبيب أبوك.. كمل أنت شغلك.. الشغل كتير وهيأخد منك طول الليل.
ليكمل وهو يتجه نحو باب الغرفة يستعد للمغادرة: = وأنا هطلع البيت أريحلي شوية. أومأ راجح برأسه بصمت مراقباً إياه وهو يغادر المكان، ليرتمي بتثاقل فوق المقعد فاركاً وجهه بغضب وحدة، وفكرة المغادرة وترك كل شيء تسيطر عليه من جديد. يرغب بترك هذا المكان والذهاب لمكان يمكنه البدء فيه من جديد، لكنه لا يستطيع ترك عائلته هكذا، خاصة والديه الذين تولوا تربيته ومنحه اسمهما عندما كان طفل لقيط عاجز.
فقد ظل طوال طفولته معتقداً بأن عابد وإنعام والديه كما كان كل الناس تعتقد ذلك، لكن عند بلوغه سن الحادية عشر أخبره والده في إحدى نوبات غضبه المعتادة أنهم ليس والديه. ثم عرف منه القصة بأكملها بأن والده الحقيقي اسمه مأمون كان صديقه المقرب، وكان صديقه هذا وحيداً بهذه الحياة لا يوجد له عائلة، فلم يكن له سوى عابد الذي كان يعده عائلته الوحيدة. بينما كانت والدته خادمة التي كانت أيضاً بدون عائلة، حيث كانت خرجت من دار الأيتام
حديثاً عندما عملت بمنزل والده كخادمة، وفي يوم كان والده كعادته سكيراً حيث كان مدمناً للكحول، قام باغتصاب والدته وبهذا اليوم حملت به والدته، وعندما أخبرت مأمون عن نتيجة فعلته أنكر فعلته ورفض الزواج بها طاردها، مما جعلها تلجأ إلى عابد الذي فشل في إقناع صديقه بالزواج منها. لكن بعد فترة قليلة توفي مأمون بمرض السرطان الذي كان مصاباً به منذ فترة طويلة ولم يكتشفه إلا بوقت متأخر بعد أن انتشر بكامل جسده.
ثم توفيت والدته هي الأخرى أثناء ولادتها إياه، فأخذه عابد الذي كان قد مر على زواجه أكثر من 7 سنوات بدون أطفال. أخذه عابد وزوجته نعمات وغادروا بيتهم حتى لا يعلم أحد بأنه ليس طفله، حيث ظلوا مسافرين بإحدى دول الخليج لمدة 5 سنوات ليعودوا بعدها إلى حيهم الذي به أقاربهم وجيرانهم الذين صدقوا أن راجح طفلهم بالفعل. ومن وقتها أصبح راجح أمام الناس ابن عابد الراوي البكر.
وعندما أصبح راجح بسن السابعة حدثت المعجزة وحملت نعمات زوجت عابد وجلبت له شهد، ثم حملت أخرى، ثم أكرم الله عليها مرة أخرى مروان، ثم أنجبت أخيراً هاجر التي الآن بالسنة الأخيرة بالثانوية العامة، ومنذ هذا وبدأت معاملة عابد له تتغير، حيث أصبح جافاً في تعامله معه، يرمي له بالكلمات عن والده مقارناً إياه به كثيراً.
لكن رغم هذا لم يشتكي راجح أبداً، فهو سيظل مديناً له طوال حياته بما فعله معه، فلولا عطفه عليه لكان لقيطاً ملقى بالشوارع لا مأوى له. وسيظل هذا الدين في رقبته مدى الحياة يدين به لوالديه. خاصة والدته نعمات، التي كانت تعشقه حد الجنون، مغدقة إياه دائمًا بحنانها. خرج راجح من أفكاره تلك على صوت رنين الهاتف الذي على مكتبه، أجاب بهدوء ليصل إليه صوت والدته: = إيه يا نور عين أمك، مجتش تتعشا ليه؟ تنحنح راجح محاولًا تصفية
صوته حتى لا تلاحظ الضيق: = معلش يا ماما، عندي شغل وهسهر في المكتب النهاردة. قاطعته نعمات بحزم وحدة: = شغل؟ شغل إيه؟ ما يتحرق الشغل. لتكمل بصوت يتخلله الحنان: = صحتك يا ضنايا مش كده؟ أنت من صبحية ربنا شغال، هتشتغل كمان الساعتين بتوع بليل اللي بتريح فيهم؟ لتكمل هامسة، محاولة إغراءه وحثه على القدوم: = طيب عارف أنا عاملالك إيه على العشا؟ صنية البطاطس باللحمة اللي بتحبها وحمام محشي كمان.
غمغم راجح وهو يمرر عينيه بيأس على الأوراق المنتشرة على مكتبه: = والله يا ماما ما هينفع. لكن قاطعته نعمات بصوت صارم: = والله يا راجح ما هحط حاجة في بوقي إلا لما تيجي، وأنت حر بقى، خلي سكري يعلى عليا وأتعب أنت. قاطعها راجح على الفور، وقد أدفا قلبه حنانها هذا: = خلاص يا ماما، خلاص، أنا طالع أهو، هقفل المكان بس مع العمال وطالع. غمغمت نعمات بحماس: = ماشي يا نور عيني، وأنا هقوم أجهز العشا تكون خلصت.
أغلق راجح مع والدته، ثم نهض يجمع الأوراق ليأخذها معه المنزل ويسهر عليها هناك. مر بعض الوقت. فبعد غلقه الهاتف مع والدته، فما إن قرر الذهاب، جاءه اتصال هام خاص بالعمل جعله يعاود فتح بعض الأوراق ومناقشتها مع الطرف الآخر. رفع رأسه عن الأوراق التي أمامه عندما سمع الصوت الصاخب لشقيقته الصغرى هاجر: = جري إيه؟ يا راجح كل ده شغل؟ ماما قاعدة مستنياك. أخفض راجح سماعة الهاتف، يتطلع إليها بصدمة قائلًا بحدة:
= إيه اللي جابك في الوقت المتأخر ده؟ وأبويا إزاي سمحلك تنزلي لوحدك؟ قاطعته سريعًا وهي تجلس على المقعد الذي أمامه: = متخافش، ماما وقفتلي في البلكونة، أصلها عمالة تتصل بيك وأنت مشغول. أشار بيده للهاتف الذي بيده قائلًا: = جالي تليفون مهم، خليكي قاعدة لحد ما أخلص ونطلع سوا.
أومأت برأسها بصمت، بينما تشاهده يعاود الحديث على الهاتف ويولي اهتمامه إليه. جلست تعبث ببعض الأشياء الموضوعة على المكتب، عندما رأت مبلغًا من المال موضوعًا بين الأوراق التي فوق المكتب، مما جعل عينيها تلمعان بحماس.
أخذت تحاول عدة مرات أن تمد يدها بهدوء، محاولة الوصول لها وأخذها، لكنها كانت تتراجع بآخر لحظة خوفًا من أن يراها شقيقها. لكنها عندما وجدته ينهض ويتجه نحو خازنة الأوراق يبحث بين الملفات، مولياً ظهره لها، نهضت سريعًا خاطفة تلك الأموال وتدسها بجيب بنطالها سريعًا قبل أن تعاود الجلوس بهدوء مرة أخرى. ظلت جالسة بهدوء حتى أنهى المكالمة قائلًا: = معلش يا جوجو، ذنبك معايا، وزمانك جوعتي، هلم الورق ده ونطلع على طول. هتفت هاجر
تتدلل على شقيقها كالمعتاد: = آه ونبي يا راجح، بطني خلاص مش قادرة. ضحك راجح بخفة وهو ينهض على قدميه، جامعًا الأوراق المتناثرة بعشوائية على المكتب. لكنه تذكر بأنه قد أخرج من جيبه ألف جنيه حتى يعطيها بالغد لحكيم لكي يقوم بسداد فاتورة الكهرباء الخاصة بالمخزن. فقد أخرجها ووضعها على المكتب قبل قدوم والده مباشرة. أخذ يبحث عنها بين الأوراق لكنه لم يجدها. بحث على الأرض وبجيبه، لكنه عجز عن إيجادها.
راقبت هاجر بتوتر شقيقها وهو يبحث بين الأوراق، تصنعت عدم الفهم قائلة: = بتدور على حاجة؟ أجابها راجح وهو يبحث بدرج المكتب: = فلوس فاتورة الكهربا، كنت حاططها على المكتب هنا، مش عارف راحت فين. لكنه قاطع باقي جملته فور تذكره لصدفة وما فعلته من اتهامها له بالتحرش بها. فبالطبع سرقت تلك الأموال وقامت بصنع هذا المشهد حتى تداري على فعلتها. همس بقسوة من بين أسنانه المطبقة بغضب: = آه يا بنت الكـ... لب يا حرامـ... ية.
غمغمت هاجر بارتباك وهي تتصنع البحث أسفل المكتب: = بتقول حاجة يا راجح؟ هز رأسه نافيًا، قائلًا بهدوء: = بقولك مش مهم، وبكرة هبقى أشوفهم. ليكمل وهو يضع الأوراق بخازنة الملفات قبل أن يلتف حول المكتب ويقف بجانبها: = يلا بينا نطلع، عشان اتأخرنا عليهم.
لكن ما إن أنهى جملته حتى عاد الهاتف للرنين، وعندما أجاب وجده اتصالًا هامًا، مما جعله ينادي على أحد العمال، آمرًا إياه بتوصيل شقيقته للمنزل، واعدًا إياها بأن ينهي العمل ويعود للمنزل سريعًا. هتفت أم محمد بحدة بينما تراقب صدفة، التي كانت منشغلة بصنع شطائر الفلافل للزبائن بوجه متجهم والغضب يرتسم عليه، فمنذ قدومها من وكالة الراوي وهي على حالتها تلك: = يا بت ريحيني وقوليلي مالك في إيه؟
أنتي على الحال ده من وقت ما رجعتي من وكالة الراوي، في إيه حصل هناك خالكِ قالبة وشك كده؟ لتكمل بقلق عندما استمرت في صنع الشطائر بصمت دون أن تجيبها والتجهم لا يزال مرتسمًا على وجهها: = طيب الحاج عابد زعقلك أو قالك حاجة؟ طيب راجح باشا عملك حا... التفت إليها صدفة فور سماعها اسمه، هاتفة بحدة ونفاذ صبر: = بقولك إيه يا أم محمد، متجبليش سيرته، أنا عفاريت الدنيا كلها بتتنطط في وشي ومش طايقة نفسي، أحسن أقسم بالله أقو...
لكنها قطعت باقي جملتها شاهقة بصدمة عندما قام أحد الأطفال باختطاف مصفاة الزيت التي كانت موضوعة على الطاولة أمامها، ثم فر هارباً راكضاً بأقصى سرعة لديه وهو يهتف مغيظاً إياها: = عشان تبقي تاخدي الكورة اللي بنلعب بيها وتقطعيها كويس، ابقي شوفي هتطلعي الطعمية بتاعتك على إيه. صرخت صدفة بغضب وهي تنتفض واقفة على قدميها: = أنت ياض يا ابن الحرامية! رجع المصفى وإلا وديني هاجي آكلك الجزمة.
لكنه تجاهلها وركض بسرعة أكبر ومصفاة الزيت لازالت بيده، مما جعلها تصرخ بشراسة وهي تمسك بطرف عباءتها السوداء وتركض خلفه سريعًا وهي تصرخ: = طيب وحياة أمك لأطلع فيك قرفي وغلي كله، أنت اللي جبته لنفسك يا ابن الرفدي. ظل الطفل الذي كان يدعى أحمد يركض وهو يضحك، فقد كان معتادًا هو وأصدقاؤه على إغاظتها بهذا الشكل. بينما ظلت صدفة تركض خلفه، تتبعه بأنفاس لاهثة منقطعة، يقودها غضبها المشتعل.
توقف أحمد عن الركض أخيرًا حتى يلتقط أنفاسه التي انقطعت، مراقبًا بتسلية صدفة وهي تتقدم نحوه راكضة. لكن تباطأت خطواتها عندما أصبحت لا تبعد عنه سوى عدة خطوات بسيطة، تتقدم نحوه ببطء حتى لا يفر هارباً مرة أخرى.
لكن وقبل أن تصل إليه، قام بضرب المصفاة بالأرض بعنف عدة ضربات حتى تدمرت تمامًا، ثم ألقاها نحو صدفة، التي توقفت متجمدة بصدمة في مكانها عند رؤيتها لما فعله، وقد تسلطت عينيها العاصفة بالغضب على مصفاتها المدمرة أسفل قدميها.
لكن زاد اشتعال نيران الغضب بداخلها أكثر وأكثر ليصبح كالبركان الثائر، عندما وقف أمامها يرقص بحركات بهلوانية وهو يخرج لها لسانه مغيظًا إياها. فلم تشعر بنفسها إلا وهي تنحني وتلتقط إحدى الأحجار الكبيرة من الأرض وتلقيه به وهي تصرخ سابّة إياها بعنف.
لكنها ابتلعت باقي سبابها هذا، مطلقة صرخة فازعة فور أن رأت أحمد يقفز مبتعدًا سريعًا عن مسار الحجر، الذي سرعان ما أصاب واخترق الجدار الزجاجي للمحل الذي كان يقف خلفه، ليتهشم على الفور وتتناثر شظايا زجاجه على الأرض. شاهدت صدفة هذا المشهد بأنفاس محبوسة وقلبها يقفز داخل صدرها بعنف وجنون. رفعت عينيها المتسعتين بالخوف تتفحص المحل الذي تسببت في تدمير وجهته. لتشهق وهي تلطم وجهها بيديها صارخة بفزع فور إدراكها أنه
المحل الخاص براجح الراوي: = يا نهار أسود ومنيل عليا وعلي حظي الأسود. شاهدت برعب أحد عمال المحل، والذي كان يدعى سيد، يخرج من المحل وهو يهتف بغضب بينما يتجه نحوها مشيرًا نحو شظايا الزجاج المتناثرة على الأرض: = إيه اللي هببتيه ده يا بت؟ أنتِ ليلة أمك سودا النهارده. تراجعت صدفة إلى الخلف عدة خطوات، هاتفة بارتباك وقد أرعبها ضخامة مظهره، فقد كان ذا طول فارع وجسم ضخم للغاية: = عملت إيه يا خويا؟
لتكمل وهي تتصنع البراءة حتى تهرب من تلك المصيبة التي أوقعت نفسها بها: = وأنا مالي؟ أنت هتلبسني مصيبة ولا إيه؟ ده أنا كنت معدية لقيت الواد أحمد ابن سيد العطار ماسك قالب طوب وعايز يحدفه على إزاز المحل، حاولت أمنعه بس مقدرتش عليه، عيل قليل الأدب، روح بقى شوف شغلك معاه، هتتشطر عليا ولا إيه؟ لكنها ابتلعت باقي كلماتها بفزع عندما رأته يتقدم نحوها وعلامات الغضب مرتسمة على وجهه، لتكمل سريعًا متصنعة الغضب: = أييييه؟ في إيه؟
انتوا؟ انتوا هترموا بلاكم على الخلق ولا إيه؟ بعدين يعني هو ده جزاتي إني حاولت أمنع الواد ده حتى؟ قاطعها سيد هاتفا بصوت قاسٍ جهور وهو يقبض على كتف عباءتها من الخلف يجذبها منه وهو يهزها بقوة: = أنتِ هتستعبطي يا روح أمك؟ أنا شايفك في الكاميرا وأنتِ بتحدفي الطوبة في إزاز المحل ده، أنتِ يوم أهلك أسود النهارده. استولى عليها الخوف فور سماعها كلماته تلك، لتدرك أنه تم الإمساك بها متلبسة ولا يمكنها الإنكار أكثر من ذلك.
انتفضت للخلف نازعة نفسها من قبضته، متخذة عدة خطوات للخلف بعيدًا عنه، لتسرع بنزع نعلها من قدمها وتمسك به بين يديها ملوحة إياه بتهديد أمام وجهه الذي كان يرتسم عليه معالم الشر والغضب، وهي تهتف بصوت مرتفع: = وحياة أمك إن قربت مني خطوة كمان لأكون منسلة الشبشب ده على جتك وأصوت وألم عليك الحي كله. لتكمل وهي تشير بالنعل إلى جسده الضخم: = إيه مستتخن نفسك؟ ولا إيه، وانت شبه الطور كده.
اندفع سيد نحوها يهم بضربها فور سماعه كلماتها المهينة تلك، لكنه توقف في مكانه مرة أخرى محاولًا السيطرة على غضبه فور تذكره ما سيحدث له من راجح الراوي إذا علم بأنه قام بضرب امرأة فسوف يقتله. هتف بها بحده وهو يشير نحو الزجاج: = هتتدفعي تمن الإزاز ده ولا آخدك وأطلع بيكي على القسم وهم هناك يربوكي بمعرفتهم. قاطعته صدفة بغضب وهي لازالت ممسكة بنعلها بيدها كما لو كان طوق نجاتها:
= هدفع.. هدفع، جيتك ستين نيلة عليك وعلى اللي مشغلك، صحيح تنح زيه. لتكمل بتأفف وحدة: = تمنه كام الهباب ده؟ أجابها سيد وهو يعقد ذراعيه أسفل صدره بتحدي: = ألف جنيه.. ولمي لسانك بدل ما أجيب لك اللي مشغلني يعرفك مقامك. شهقت بحده وهي تهتف بفزع ضاربة بيدها على صدرها: = ألف إيه.. ألف عفريت لما ينططوك يا حرامي يا نصاب، ألف جنيه ليه، كان إزاز البيت الأبيض؟ وهات اللي مشغلك ووريني هيعمل إيه. قاطعها سيد بغضب ووجه متصلب
بقسوة وقد بدأ صبره ينفذ: = ما تلمي نفسك بقى يا بت انتي، أنا ساكت لك من الصبح وماسك نفسي بالعافية، وإنجزي، هتدفعي ولا آخدك على القسم ونخلص. غمغمت بحنق وهي تدير ظهرها له حتى تخرج حافظة الأموال التي تخبئها بصدرها مخرجة فلوس الجمعية التي أعطتها إياها أم كريم بالصباح: = هدفع.. هدفع، حسبي الله ونعم الوكيل فيكوا، عالم مفترية. ثم مدت يدها إليه بالمال وهي تغمغم بغضب:
= امسك، حار ونار في جثتكوا يا بع* تصرفوهم على علاجكوا إن شاء الله. ولكن عندما تحرك ليأخذ المال منها تصلب مكانه فجأة عندما أتى صوت راجح الراوي العاصف من خلفه: = أنت بتعمل إيه عندك؟ اهتز جسد سيد بعنف كما لو ضربته صاعقة وقد ارتسمت معالم الارتعاب على وجهه الذي احتقن بشدة مدركًا أنه تم الإمساك به متلبسًا. غمغم بارتباك بينما يلتف خلفه ليجد راجح الراوي يقف خلفه مباشرة بوجه مشتد بالقسوة والغضب: = ابدا يا راجح باشا.
ليكمل سريعا بارتباك محاولًا تبرير ما يفعله: = ده البت صدفة كسرت إزاز المحل وكنت باخد منها تمنه علشان نصلحـ. قاطعه راجح بقسوة وحدة بينما يقبض على مقدمة قميصه يهز جسده بعنف: = وإحنا من امتى بنقبل العوض يالا، علشان تاخد منها فلوس. اخفض سيد وجهه عالمًا بأن راجح الراوي لن يمر هذا الأمر مرور الكرام، فقد كان يعلم بأنه لن يقبل بهذا المال لذا كان ينوي بأخذه لنفسه. انتفض في مكانه في فزع فور أن عصف راجح بغضب وهو يدفعه للخلف
بقوة جعلته يسقط على الأرض: = غور من وشي.. وحسابنا بعدين. نهض سيد على قدميه المرتجفة ليفر هارباً من أمامه سريعًا مختفيًا داخل المحل، بينما اقتربت صدفة من راجح وهي لا تزال تدفع المال نحوه مغمغمة بحدة رغم الخوف الذي يعصف بداخلها منه، فهذه حالتها كلما رأته أمامها خاصة بعد ما فعله معها بالصباح: = بتقبلوا عوض ولا مبتقبلوش، ماليش فيه، أنا كسرت حاجة وهدفع تمنها، امسك فلوسكوا أهها.
تسلطت عينين راجح بقسوة على المال الذي بيدها قبل أن تستقر على وجهها مرمقًا إياها بنظرة جعلت الدماء تجف بعروقها: = خدي يا بت الملاليم اللي في إيدك دي وغوري من هنا. شهقت صارخة بغضب واضعة يديها حول خصرها: = ملاااا.. إيه يا عينيا. لتكمل وهي تشير أمام وجهه بالمال الذي بيدها: = دي ألف جنيه.. يعني جنيه ينطح جنيه، قال ملاليم قال.
قاطعها راجح وهو يجز على أسنانه بقسوة محاولًا السيطرة على الغضب الذي يشتعل بداخله بكل مرة يراها بها والذي لا يعلم سببه حتى الآن: = قولتلك خدي فلوسك وغوري من وشي، واقصري الشر أحسن لك. حاولت صدفة عدم إظهار خوفها من الغضب الذي يلتمع بعينيه متصنعة الجراءة: = مش قبل ما تاخد الفلوس. زمجر راجح من بين أسنانه وقد أوشك على أن يفقد السيطرة على غضبه: = قولت مبنقبلش العوض، خصوصًا من واحدة ست.
ليكمل بنبرة يتخللها الإهانة ونظراته تمر ببطء عليها من أعلى لأسفل بنظرات تملؤها الاحتقار: = وخصوصًا لو الواحدة دي زيك. وقفت صدفة تطلع إليه بصدمة من إهانته تلك وجسدها يهتز بقوة وقد تحول الخوف الذي كان بداخلها إلى غضب أعمى. تنفست بقوة محاولة السيطرة على رغبتها في الاندفاع نحوه وتمزيق وجهه المتغطرس هذا بأظافرها.
لتنجح بالنهاية برسم ابتسامة واسعة على شفتيها بينما تتخذ عدة خطوات إلى الخلف بعيدًا عنه حتى تضع مسافة آمنة بينهم وهي تومئ برأسها ببطء: = قولتلي.. مبتقبلش العوض. خصوصًا لو من واحدة زيي، مش كده. لتكمل وهي تنحني سريعًا ملتقطة من الأرض حجرًا كبيرًا وهي تهتف بصوت حاد لازع: = طيب متقبلش العوض على ده كمان.
أنهت جملتها تلك ملقية الحجر نحو الجدار الزجاجي الآخر للمحل ليتهشم على الفور ويتناثر على الأرض محدثًا ضجة مرتفعة. وقفت تتطلع إلى الزجاج المتهشم وهي تبتسم برضا، لكن ماتت ابتسامتها تلك ليحل مكانها الرعب فور رؤيتها لراجح الراوي يندفع نحوها وهو يزمجر بشراسة وعلى وجهه تعبير مظلم بث الرعب بداخلها مما جعلها تفر راكضة من أمامه وهي تصرخ فازعة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!