كان مُمدداً بجسده على فراشها، وهي تنظُر له بعد ما فتح عينيه عندما شعر أنها تُمرر إصبعها على وجهه. جولييت بهدوء: إنت بخير؟ نظر جبريل حوله ليجد نفسه في غرفة بسيطة ولكنها نظيفة ومُنظمة. بينما كان يتفحص الغرفة بعينيه دخلت ليلى وهي تحمل كوب الماء وتقول: أدي اللي بيجيلنا من تحت راسك يا... نظرت ليلى لتجد جبريل ينظر لها بتعب. ابتسم جبريل لليلى فوقفت مكانها وهي تنظر له بإعجاب واضح. جبريل بنبرة متعبة لجولييت: دي.. أختك؟ نظرت
جولييت لشقيقتها وقالت: آه دي ليلى أصغر مني. وضعت ليلى كوب الماء على المنضدة وهي تقول: حمدالله على سلامتك. إنت كنت فاقد الوعي وأنا وجولي سندناك ودخلناك هنا. جلس جبريل في الفراش وهو يقول بأسف: بعتذر عن اللي حصل، لكن أنا لازم أرجع للجزيرة. ليلى بإستغراب: جزيرة إيه؟ تنهدت جولييت وقالت بتعب: ليلى من فضلك اطلعي ثواني. ليلى بإعتراض: مينفعش أطلع وأسيبكم لوحدكم في الأوضة دا... قاطعتها جولييت بإمتعاض وهي تقول: ليلى!!
عقدت ليلى حاجبيها وهي تخرج من الغرفة، بل وأغلقت الباب خلفها. نظرت جولييت إلى جبريل وهي تقول: مقدرش أسيبك تخرج من البيت وإنت تعبان، لازم أطمن إنك بقيت بخير. جبريل بتعب: البنات في الجزيرة هياخدوا بالهم مني. أختك بتفهم في الأصول وعندها حق، ميصحش أقعد في بيت مع بنتين لوحدي. جولييت بضيق: يعني البنات في الجزيرة أصدقائك وأنا لأ؟ أنا ههتم بيك وأخد بالي منك بنفسي.
جبريل بإعتراض: الجزيرة مكاني وأرضي، هناك مفيش عيون بتترصد الشخص وبتلومه على أي شيء. تعالي إنتي معايا للجزيرة يا جولييت. نبرة صوته كانت تحمل بين طياتها مزيج من الحنان والرجاء. خفق قلبها مرة أخرى وهي لا تعلم ما الذي يحدث بها. لم تعد تلك الفتاة التي تحمل أعباء الحياة على عاتقها وتنغمر داخل عمل ليلي طويل حتى تعود للمنزل ببضع قروش تعينها على المعيشة مع شقيقتها.
أما جبريل كان يتأملها وهي شاردة، مزيج من الحزن والجمال.. مثله تماماً! على عكس الفتيات الأخريات اللاتي يراهن في الشوارع والأزقة، كانت جولييت مختلفة وبها الكثير من الصفات التي يمتلكها هو. قطع صمتهم ردها وهي تقول بنبرة المغلوبة على أمرها: مش كل الناس تقدر تنعزل في جزيرة زيك يا جبريل، بنضطر نعيش ونتعايش سوا رغم فضولهم وعيونهم، بس إحنا معانا مفتاح بسيط اسمه التجاهل طالما إحنا عارفين في نفسنا إننا مبنعملش شيء غلط.
أراح ظهره على الفراش مجدداً وهو يقول: ولكن أختك عن... قاطعته جولييت بصرامة وهي تقول: مين ليلى؟ هي كدا بطبعها جبانة عشان مخرجتش وشافت العالم برا عامل إزاي. الناس حتى لو إنت مبتعملش شيء هينتقدوك إنك مهمش وفاشل. تنهد جبريل وقال: طب لو إنتي شايفة نفسك إنك مؤذية.. ممكن تأذي أقرب الناس ليكي في لحظة غضب؟ تلاقت عيناها بعينيه.. عيناها تحمل نظرات الاستغراب والتساؤل وعيناه يحملان من خيبة الأمل أقصاها.. ومن الحزن مبلغه.
لم تعد قادرة على كبت فضولها أكثر من ذلك فقالت له: أنا حابة إنك تصارحني، حابة أعرف مالك ليه حزين؟ وليه عندك لوم للنفس كدا! جبريل أدار وجهه وأغمض عينيه وهو يتذكر.. كيف اقتحم حياة تلك الفتاة وأحبها، وفي النهاية انقلب كل شيء رأساً على عقب. كانت ذات خصلات شعر حمراء اللون، وتمتلك حول عينيها وأنفها بعضاً من النمش البني يضفي جمالاً على بشرتها البيضاء. كان الرجال في تلك البلدة يتصارعون لجذب انتباهها.. أما هي!
كانت عيناها العسليتين تتفحص ذلك الشاب المنعزل عن الجميع الذي يأتي إلى البلدة في نهاية كل أسبوع. كان جبريل، المتيم حبًا بجمالها الأخاذ، والذي يستمع يومياً إلى خطوات قدميها الناعمتين عندما تسير فوق العشب الجاف. ديرلا.. فتاة التاسعة عشر فاتنة الجمال. تقرب منها شيئاً فشيئاً حتى تعرف عليها وبدأ بينهم الحديث. لتشتعل قصة حبهما ويندمج جسدها في جسده وهو يطرحها الغرام.. دون زواج، كإثبات لملكيته لها دون حق.
ك توثيق لقصة حبهما الجامحة تلك. حتى أصبحت ديرلا حديث المدينة، نعتها الجميع بالعاهرة على الرغم من أنها لم يمسها جان أو إنس.. عدا جبريل وحده فقط تملكها، ونظراً لنار الغيرة التي كانت تشعل قلوب الرجال أنه وحده من استطاع الوصول لقلبها أطلقوا عليها ذلك اللقب ولم يكتفوا بذلك حتى ذهبوا لوالدتها ليخبروها أنه عليها أن تأخذ ابنتها وتغادر البلدة، لإنهم جلبوا لها العار.
في المرة الأخيرة التي كانت ديرلا في فراش الغرام مع جبريل، خدشت جزء من ظهره بأظافرها وهي تقول بحب (أحبك جبريل) قالتها وكأن كيوبيد إله الحب في الإغريقية عزفها كمقطوعة رائعة الجمال. لذلك فهو يتذكر تلك الجملة تحديداً.. يتذكر نبرة الصوت وكأنها تحلق فوق الغيوم. والدة ديرلا كانت مشعوذة في الخفاء، يذهب لها اليائسون من كل شيء حتى تساعدهم (ناكرين فضل الله عليهم)
اقتحمت والدتها غرفتها ذات مساء، في الطابق العلوي لتجدها داخل أحضان جبريل، والخدش في ظهره يسيل منه الدم*اء من قسوته. نظرت لهم بغضب شديد حتى قامت ديرلا وارتدت ملابسها وهي ترتجف. ومن شدة غضبها أن أهالي البلدة قد حكموا عليها وعلى ابنتها بالنفي، قامت بإلقاء ماء ملعون على خدش جبريل في ظهره. لتحترق الد*ماء السائلة منه كجمرة من النار. حتى بدأ يتلوى من شدة الألم.
ركضت ديرلا عليه وهي تبكي وتنظر لوالدتها بعتاب لكن الأخرى نظراتها على الجرح الذي أحرقته بماؤها الملعون. ومذ ذلك اليوم أخذت ديرلا بعيداً.. وحكمت عليهم أنه في ذات اليوم التي وجدتهم به في الفراش سيحترق ذلك الخدش ليؤلمه. وأخذت ديرلا بعيداً بعد ما عاقبتها بأن زوجتها لأحد الرجال الأغنياء في بلدة أخرى. علم جبريل فيما بعد أن ديرلا قامت بالانتحار.
وفي ذات اليوم، الذي هو بداية كل شهر.. يح*ترق خدش ظهره حتى يذهب لمتجر سارة، لتُعطيه زجاجة الترياق.. الذي عندما يضعه على جسده يلتئم الجرح.. لكنه يعود في بداية كل شهر لينفتح مرة أخرى ويؤلمه لذلك يستبق ويذهب لمتجر سارة ليحصُلى على القنينة. أنا ملعون.. تسببت في انطفاء روح تلك الجميلة، وحُكم علي للأبد أن أعيش مع تلك اللعنة. خطين من الدموع انسدلا على وجه جولييت وهي تستمع لقصته المأساوية، كان يحدثها وهو موليها ظهره.
بيد مر تجفة قامت برفع قميصه لترى الخدش.. لا يلتئم بل بدأ في الانفتاح. قال جبريل كسهم أخير استقر في قلب جولييت الحزين على حاله: ممنوع من الحب، أنا لو حبيت بنت هتشاركني الألم نفسه دا جزء من اللعنة.. وكُل ما أتكلم عن ديرلا أو أفتكرها بيختل توازني.. عشان كدا فقدت وعيي. آآآه. خرجت من فم جبريل بألم، يتلوى. لترتجف جولييت وهي تقوم من الفراش وتقول: هجيبلك القنينة، استناني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!