إعتدلت جولييت على فراشها عندما شعرت بأن جسدها دافئ وكأنها تتلحف بغطاء. نظرت حولها وعيناها دامعتين إثر بكائها على ذلك اليوم السيء الذي مرت به، لتعود مرة أخرى وهي تتمدد على الفراش وتحتضن وسادتها. قام جبريل من خلفها وهو ينظر لها بملامحه الصادقة ويشعر أنه يود أن يحطم ذلك العالم القاسي الذي يجعل تلك الجميلة حزينة. تسلل بهدوء وهو يخرج من غرفتها ذات الباب المتوارب ونظر حوله وهو يبحث عن غرفة شقيقتها المتمردة.
سار بهدوء حتى فتح باب الغرفة، فتململت ليلى في فراشها وهي تقول: "تؤ تؤ تؤ! اقفلي الباب واخرجي! لم يجب جبريل عليها لكنه كان ينظر لها بسخط على معاملتها السيئة تلك لشقيقتها وعلى حياتها الفوضوية واتكالها على الغير. أمسك جبريل بمقبض الباب ليصفعه بقوة، فانتفضت ليلى في الفراش وهي تجلس على ركبتيها وتصرخ بصوت مرتفع. سمع جبريل خطوات أقدام تركض باتجاه الغرفة، لتفتح جولييت الباب وهي تنظر لشقيقتها بخوف وتقول: "مالك بتصرخي ليه؟
ليلى قامت مفزوعة وهي تقترب من جولييت وتحتضنها وتقول: "نامي جنبي انهاردة، الباب اتزرع وخوفت! ملست جولييت على شعر شقيقتها وهي تنظر حولها وتقول بهدوء: "أنا برضو وأنا نايمة حسيت بجسمي سخن فجأة ومرتحتش، تعالي هنام جنبك متخافيش." عدلت جولييت الملاءة والغطاء وهي تدخل شقيقتها للداخل وتنام هي على الطرف الخارجي للفراش. أغمضت عيناها، فنظر لها جبريل وهي
نائمة ثم قال داخل عقله: "مش عاوز أأذيها لأنها أختك، وأنا مستحيل أعمل شيء يضايق ملامحك الجميلة." *** صباح اليوم التالي. كانت ليلى لا تزال نائمة وجولييت جالسة بإرهاق على الأريكة وهي ترتدي حذارها استعداداً للذهاب إلى العمل. بدون إفطار كعادتها، ستتناول شيئاً ما خفيفاً كقطعة من الكعك أو رقائق البطاطا. التقطت حقيبتها المكتظة بأشياء عشوائية ثم أغلقت أضواء المنزل وأغلقت الباب.
وقفت كعادتها في منتصف الشارع تنتظر سيارة أجرة تقلّها إلى عملها. مرت بضع دقائق حتى وجدت سيارة أجرة تقترب من مكان وقوفها، سائقها يرتدي قبعة تخفي عيناه ولا يظهر منه سوى شفتيه. فتحت جولييت باب السيارة لتقول بإرهاق: "عاوزة أروح ***." أغلقت باب السيارة ليتحرك السائق بهدوء وهو ينظر لها بين الحين والآخر في المرآة الأمامية.
أخرجت من حقيبتها أحمر الشفاه ولطخت به شفتيها ثم وضعته في حقيبتها مرة أخرى وهي تنظر لذلك السائق غريب الأطوار. فـ رائحة سيارة الأجرة من الداخل نظيفة للغاية، وملابسه مهندمة ورائحته شخصياً رائعة، تذكرها برائحة زائر منتصف الليل (جبريل) شردت قليلاً به قبل أن تقول: "هو أنت وصلت لحد قبلي مش كدا؟ مرت ثوان قبل أن يرفع إصبعه ويشير بلا. تعجبت جولييت أنه لا يتحدث، وقبل أن تقحمه بسؤال آخر كان قد أوقف السيارة أمام المتجر.
نزلت جولييت ووقفت بجانب باب سيارته وهي تبحث في حقيبتها عن النقود لتحاسبه، لكنه كان قد انطلق بالسيارة بعدما أوصلها ولم يأخذ أجرته! نظرت هي باستغراب لذلك السائق وهي تقول: "مجنون دا ولا إيه! وفرت." أما في السيارة، خلع جبريل قبعته وهو يعدل من خصلات شعره المموجة وينظر بعينيه العميقين في المرآة ويقول: "مش هعرضك أبداً ليوم سيء زي يوم امبارح!
فتحت جولييت المتجر وهي تتناول علكة على معدة فارغة، تمضغها محاولة الهاء نفسها عن الجوع الصباحي. وضعت حقيبتها على المكتب المستدير ووقفت خلفه في انتظار أحد الزبائن. مرت عشر دقائق قبل أن تدخل المتجر فتاة بخصلات شعر طويلة للغاية، بشرتها بيضاء وترتدي نظارة شمسية. تمسك بيدها حقيبة ورقية كحقائب الطعام، ورائحتها جميلة للغاية. لا تعلم لما يمر جبريل على عقلها كلما استنشقت رائحة جميلة.
قالت الفتاة بهدوء: "صباح الخير، من فضلك عاوزة تمثال الملاك الحزين.. هشتريه." جولييت بسعادة: "صباح النور، حاضر." التقطت جولييت التمثال وهي تنظفه جيداً من الغبار، ثم وضعته في الحقيبة الورقية وهي تسلمه للفتاة وتقول: "دا حسابه ٣٠." أخرجت الفتاة من حقيبتها ورقة من فئة المائة وهي تقول: "خلي الباقي عشانك." نظرت جولييت للورقة وهي تقول: "لا طبعاً، ميرسي بس مش بقبل بقشيش."
الفتاة بغموض: "أنا مصرة إنك تخلي الباقي ليك، أنا سعيدة اليوم وحابة كل اللي حواليا يكونوا سُعداء زيي." جولييت باعتراض: "أوك بس مش هينفع أصل.." قاطعتها الفتاة وهي تضع الحقيبة الورقية على المكتب وتقول: "وياريت تاكلي دا، هتحبيه." نظرت لها جولييت بذهول، فخرجت الفتاة من المتجر قبل أن تعترض جولييت. ركضت جولييت وراؤها وهي تفتح الباب وتقول: "يا آنسة!! يا مدام، خدي بقية فلوسك والأكل!
لكن الفتاة الغريبة قد اختفت وكأنها ذابت في الهواء! *** بعد مرور نصف ساعة. كانت جولييت تحدث سارة على الهاتف وتقول: "بقولك تمثال الملاك الصغير بـ ٣٠ وهي سابت ليا ورقة بـ ١٠٠ يعني ضعف تمنه مرتين! وغير كدا سابتلي شنطة فيها أكل عصير فريش وخبز فرنسي ومربى وجبن." ضحكت سارة وهي تقول: "شكل في حد مهتم بيكِ أوي وموصيها توصلك الحاجات دي." نظرت جولييت أمامها باستغراب لتقول: "حد مين هو أنا أعرف حد؟
سارة بهدوء: "كل ما بتحفظي السر، وبتلتزمي بتسليم القنينة كل ما هتحسي باهتمام محدش حس بيه غيرك.. أنا لازم أقفل ورايا حاجات في البيت." أغلقت سارة الهاتف، فظلت جولييت تحدثها: "ألوو! تقصدي إيه؟؟ .. قفلت." وضعت جولييت الهاتف بملل على المكتب المستدير وهي تنظر لحقيبة الطعام. رائحة الخبز الطازج أغرتها كثيراً أن تبدأ في تناول الطعام. مع القضمة الأولى تذكرت رائحة جبريل في الفتاة غريبة الأطوار وفي سيارة الأجرة، أيُعقل!
تذكرت جملة سارة الأخيرة عن الاهتمام، فابتسمت وهي تتذكر سيارة الأجرة تتخطاها قبل أن تحاسب. بعد ما انتهت من تناول طعامها، ظلت واقفة تؤدي عملها بنشاط وسعادة غير معتاد. وجبريل يراقبها وهو سعيد، مثلها تماماً، لكن ابتسامته باهتة، وكأن هناك شيئاً ما ينقصه. *** في تمام الساعة العاشرة مساءً. رفعت جولييت هاتفها تطمئن على شقيقتها ليلى. ردت الأخيرة على الهاتف
بسعادة وامتنان وهي تقول: "من إمتى الدلع دا يا جولي، هما زودولك مرتبك ولا أخدتي بقشيش؟ عقدت جولييت حاجبيها في استغراب ثم قالت: "دلع إيه؟ بتتكلمي عن إيه! ليلى وصوت مضغ الطعام كاد يخترق الهاتف: "هو مش انتي بعتيلي أكل دليفري على البيت؟ دا متحاسب فلوسه وكله تمام، دا أنا خلصت نصه وسيبتلك نصه في الثلاجة، يا سلام لو من وقت للتاني تجيبيلنا أكل من برا." جولييت بسرعة: "استني بس! مين سلمك الأكل دا؟
ليلى بإستمتاع بالطعام: "هيكون مين يعني، الدليفري سلمهولي! جولييت بفضول: "شكله إيه يعني؟ ليلى بضيق: "إيه الأسئلة بتاعتك دي، خلصي شغلك وتعالي نحكي ونتكلم سوا." جولييت بإرهاق: "على أساس لو خلصت وجيت هلاقيكِ صاحية؟ المهم هقفل عشان شكل في زبون جاي.." أغلقت الهاتف مع شقيقتها ورأسها يدور يميناً ويساراً بحثاً عن أجوبة. من الذي يفعل كل ذلك وما هذا اليوم العجيب!
منذ وفاة والديهم وجولييت تحملت المسؤولية على عاتقها حتى تدلل شقيقتها الصغيرة ولا تشعرها بالفقدان المفاجيء لوالديها، رغم أنها كانت تتألم أيضاً ولكنها آثرت شقيقتها على ذاتها وظلت تتنقل من عمل إلى آخر حتى لا تمد يديها لأقاربهم. لم تحظى جولييت بالاهتمام أبداً، لذا تشعر اليوم بشعور مميز، ولكنها خائفة من ذلك الاهتمام المفاجيء. مرت ساعتين وتحركت عقارب الساعة باتجاه الثانية عشر منتصف الليل.
تحرك الجرس الصغير المعلق فوق الباب، فرفعت جولييت رأسها، لترى جبريل يدخل المتجر برائحته الرائعة وملابسه السوداء المهندمة، وخصلات شعره الكستنائية المجعدة. ينظر لها بذات الحزن الذي يحتل ملامحه الجميلة. مال برأسه يميناً وهو يقول: "مساء الخير." نظرت له جولييت وصدرها يرتفع ويهبط. مرت دقيقة قبل أن تقول: "هو، انت.. يعني أقصد مين جاب الأكل لأختي ووصلني و.." قاطعها جبريل بصوته العميق: "أنا." فتحت فمها من الصدمة ثم قالت: "انت!
رفع رأسه ونظر لها بعينيه. كانت عينيه تتفحص كل قطعة في وجهها، ثم قال بصوتاً ساحر: "تسمحيلي آخدك معايا رحلة صغيرة؟ أوعدك قبل شروق الشمس هرجعك بيتك." جولييت مازالت الصدمة تعتلي وجهها وهي تنظر له فـ قالت: "بعتذر مش هقدر، أختي هتكون.." قاطعها جبريل بنبرة هادئة: "هتكون نايمة." اتسعت عينا جولييت من الصدمة وهي تقول: "انت تعرف منين! ظل جبريل
ينظر داخل عينيها ثم قال: "قبل شروق الشمس هتكوني في بيتك، أوعدك.. وافقي عشان الطيارة مستنيانا." اتسعت عيناها بصدمة وهي تقول: "طيارة إيه!! هنسافر؟ ظل ينظر إليها وهو يقول: "بما إنك بقيتي مسؤولة عن تسليمي القنينة بداية كل شهر، فـ حابب تشوفي شيء.. رحلة صغيرة، مش هتنسيها طول حياتك، حتى لو أنا اختفيت." وضعت جولييت يدها على قلبها تلقائياً ثم قالت: "أنا خايفة." جبريل بهدوء: "مستحيل أأذيكي." مد يده وهو يقول: "ثقي فيا!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!