مد جبريل يده تجاهها ونظراته تحمل كل الطمأنينة في العالم، ليقول بنبرة صوته العميقة: ثقي فيا! إلتقطت جولييت حقيبتها متجاهلة يده وهي تسير وراه كالمغيبة. أغلقت المتجر على غير عادتها مبكراً، غير عابئة بكلمات المسؤول عن خسارتها لزبائن ساعتين. وقف جبريل بجانبها وهي تُغلق، ثم قال: العربية بتاعتي أهي، هنتحرك لحد الطيارة ولما الرحلة تخلص هرجعك بنفسي. بعثر الهواء خصلات شعرها البنية
الداكنة وهي تنظر له وتقول: أنت إيه هالة الغموض اللي حواليك دي؟ مش ناوي تقولي القنينة اللي بتاخدها كل أول شهر دي عبارة عن إيه وليه مهمة عندك أوي كدا؟ لم يُجبها جبريل بل ظل ينظر لها بذات نظرات الحزن التي تكتسي ملامحه الجميلة. تأففت هي أنها لن تحصل منه على أجوبة أبداً، لتتحرك باتجاه سيارته السوداء وتجلس بجانب السائق (هو)
استدار وجلس في مقعد السائق وبدأ ينطلق بسيارته بين شوارع المدينة الملوثة جدرانها بعبارات عن الحب والحرية. نظرت جولييت من نافذة السيارة للشوارع المضاءة بمصابيح صفراء عالية، ونسيم الهواء البارد يضمها. مر وقت طويل وجبريل صامت لا يتحدث، فقط ينظر أمامه. حاولت جولييت محادثته، فبدأت سؤالها عن شيئاً ما يجول بخاطرها وعقلها لتقول: هو أنت كنت بتهتم بسارة نفس اهتمامك بيا؟
ظهرت ابتسامة صغيرة على جانب وجهه ليقول ويُريح فضولها الثائر تجاهه وأخيراً: أيوة، ولكن أتمنى إنك متعمليش زيها في النهاية. عقدت حاجبيها علامة عدم الفهم لينظر هو أمامه مرة أخرى بدون توضيح لجملته المبهمة. أرجعت ظهرها للخلف حتى صف سيارته في منطقة شاسعة مرصوفة جيداً وبعناية لهبوط طائرة، وطائرة مروحية خاصة صغيرة تقف في انتظارهم. فتحت جولييت باب السيارة وتحركت بجسدها للخارج وهي تنظر للطائرة بذهول وتقول: دا في طيارة بجد!!
وكأن علامات الانبهار والدهشة على وجهها شيئاً معتاد بالنسبة لجبريل. لم يُحرك ساكناً بل مد يده باتجاه باب الطائرة ليقول بهدوء: اتفضلي عشان نركب، لأننا هنقطع بحر. نظرت له بعدم تصديق وهي تتقدم باتجاه باب الطائرة بسعادة، وتُمسك بيدها الدرج الحديدي الصغير. دخلت إلى الطائرة وهي تنظر للفتاة الواقفة داخلها ومبتسمة. أشارت لها الفتاة بيدها أن تجلس على مقعد الطائرة، فقالت لها جولييت بذهول: معقولة!
مش أنتِ البنوتة اللي جت الصبح أخدت تمثال الملاك بـ ورقة 100؟ لم تُجبها الفتاة لكن احمرت وجنتيها خجلاً. دخل جبريل الطائرة وشعره يتطاير من حوله ثم قال ببحة صوته المميزة: دي صديقتي يا جولييت، اسمها مارلينا. ابتسمت جولييت وهي تنظر للفتاة وتقول: مارلينا، اسمك جميل.
جلست جولييت على المقعد فاقترب منها جبريل وهو يحيط خصرها بحزام الأمان حتى يبدأوا في الإقلاع، بينما كان قريبًا منها لتلك الدرجة. أغمضت عينيها باستمتاع وهي تستنشق رائحته المميزة للغاية. انتهى جبريل من ربط حزام مقعدها ليجلس بجانبها وهو يشير بيده إلى مارلينا أن ترفع المصعد الحديدي الصغير للداخل وتغلق باب الطائرة. كان هناك رجل غريب الأطوار مثلهم يجلس على مقعد الطيار ينتظر إشارة لبدء الإقلاع وقد حصل عليها.
رفعت الطائرة عجلاتها عن الأرض وبدأت تحلق للأعلى. أرجعت جولييت ظهرها للخلف وهي تغمض عينيها وتتمتم بأدعية مما أثار ضحك جبريل ودفعه لسؤالها: هو أنتِ مركبتيش طيارة قبل كدا؟ فتحت جولييت عينيها نصف فتحة وهي تقول: بصراحة لا وحاسة إني راكبة مرجيحة قلبي هيوقف. ضحك جبريل وهو ينظر لمارلينا التي أحضرت زجاجة عصير طازج ومدت يدها له بها. فتحها جبريل وقربها
من جولييت وهو يقول بحنان: اشربي من دا هتروقي، الانتعاش اللي هتحسي بيه هيهدي توترك والسكر هيرفعلك هرمون السعادة. وضعت جولييت يدها على فمها وهي تقول: لا هرجع أشرب إيه بس. أزاح جبريل علبة العصير وقام بفتح حزام الأمان الخاص بمقعده. نظرت له جولييت باتساع عين وهي تقول بتحذير: أنت بتعمل إيه! هتوقع أقعد وألبسه بس بسرعة!! كان مبتسمًا على غير عادته. اقترب من مقعدها وقام بفتح حزام الأمان
الخاص بها فصرخت قائلة: لا لا عشان خاطري حاسة أني هطير في الهوا. أمسك جبريل كلتا يديها بين يديه وهو يقول: متخافيش، تعالي معايا. جولييت بضيق: يا جبريل من فضلك أنا دايخة أجي معاك فين بس! اقتربا من باب الطيارة لتقول جولييت بصراخ: أنت عاوز ترميني من فوق أرجوك لا. نظر لها جبريل وهو يقول بهدوء: هوريكِ مشهد عمرك ما هتنسيه في حياتك، بس أنتِ بطلي تترعشي.
حاوط خصرها بطلتا يديه ووضع ظهرها على صدره. احتضنها من الخلف ف قامت مارلينا بفتح باب الطائرة. شدت جولييت على يدا جبريل وهي مغمضة العينين، ليميل هو على أذنها ويقول بهدوء: فتحي عينك، متخافيش. فتحت جولييت عينيها وهي تنظر للعالم من بين السحاب. كانت خصلات شعرها تطاير للخلف وجبريل يضم خصرها بيديه. جولييت بسعادة: المنظر يجنن! كل شيء حلو أوي. جبريل بذات الهمس في أذنها: مش قولتلك هيعجبك؟
استندت برأسها على صدره وكان هو مبتسم بهدوء. يحب رؤية أصدقاؤه سعداء ولكنهم لا يتفهمونه! دائماً ما يقعون في عشقه! عند هذه النقطة بهتت ابتسامته واعترى الحزن ملامحه مجدداً، ولكن قطع تفكيره صوت جولييت وهي تقول متشائلة والهواء يصفعهم: هو فاضل كتير لحد ما نوصل؟ نظر لها بطرف عينه وهو يقول بشرود: لا، خلاص قربنا.
هبطت الطائرة على الجزيرة وأخيراً. ترجل جبريل منها وخلفه مارلينا وبجانبه جولييت وهي تنظر للجزيرة. الطريق أمامهم كان مضاء كمدينة صغيرة هادئة وحزينة محاطة بمصابيح سوداء قديمة ولكنها نظيفة ولامعة. الأشجار كانت تمتلئ بالزهور البيضاء والنخيل كان يتطاير مع الهواء. يحيطهم البحر من كل اتجاه. وهناك مرتفع استقرت عينا جولييت عليه فلاحظ جبريل ذلك ليخبرها قائلاً: دا مكاني المفضل للجلوس والتأمل، هتحبي المنظر من هناك جداً.
استدارت جولييت بجسدها ونظرت له وهي تقول بهدوء: دا زي الحلم! بشرته كانت سمراء كأصالة الرجال ولكنها لامعة من نظافتها، وذقنه الخفيفة ناعمة وعيناه البنيتان العميقان المرسومتان بخطوط الحزن قد لمعتا. والجو، كانت رائحته عنبر! كل ما يحيط بذلك المكان رائع. جبريل بلباقة: حابب أخدك ل قمة المرتفع. نظر لقدميها وهو يقول: بس مش هينفع تطلعي بحذائك العالي. ابتسمت جولييت وهي تقول: ممكن أقلعه ونطلع. حرك رأسه يميناً ويساراً
ليقول: رجليكِ الناعمة هتتجرح، لو تسمحيلي أشيلك وأطلع بيكِ. احمرت وجنتاها وهي تخفض رأسها خجلاً ليقول: صدقيني لو في حل تاني كنت عملته. فتحت ذراعيها ليحملها جبريل بين ذراعيه وهي تتشبث بعنقه. قالت جولييت خشية أن ترهقه: ضهرك هيوجعك. ابتسم بهدوء وهو يقول: صدقيني أنتِ في خف الريشة. شعرت بنبضات قلبها تتسارع ولا علم لماذا.
ظل جبريل يصعد بها حتى وصلوا أخيراً. أنزلها وهو يريها المصابيح السوداء القديمة المضيئة في الأسفل وقد تشكلت على هيئة قلب، فوضعت يدها على فمها في انبهار وهي تقول: دا! .. دا شيء جميل، جميل أوي. جبريل بنبرة حزينة وهو ينظر بحزن أمامه ويقول بينما شعره الكستنائي المجعد يتطاير على شفتيه الكرزيتين: هنا تحديداً.. كل ذكرياتي السيئة قبل الحلوة، بتمر قُصادي. جولييت! التفتت له إثر مناداته لها
ونظرت داخل عينيه ليقول هو: متتخليش عني عشان مشاعر أو شيء، أنتِ متعرفيش أهمية القنينة عندي. ثم انحنى ليُقبل يديها في هدوء. كان كل ما يحدث لا يتحمله قلبها الصغير الذي حُرم الاهتمام والدلال منذ وفاة والديها. أما جبريل كان يفعل ذلك لإنه يحترم المرأة بشكل عام، يحترم ذلك المخلوق الأضعف منه جسدياً الأقوى منه في القدرة على تحمل الألم. وهذا ما كان يوقعه دائماً في المتاعب.
أن تبكي أنثى تمد يد العون لجبريل، يعني أن ليلة بكاؤها لن تمر بسلام على من تسبب في نزول تلك اللآليء اللامعة من مقلتيها الناعمتين. هكذا هو ولن يتغير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!