تحميل رواية «ملاك باخلاق سيئة» PDF
بقلم روزان مصطفى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أسدل الليل ستائرهُ في تمام الساعة الثالثة فجراً، شعرت وقتها جولييت بأن جسدها يفتُك بها من الألم. عظامها تكاد تتفتت من شدة الألم. أغلقت الأضواء وقامت بغلق الباب الرئيسي للمحل. ووضعت المفاتيح داخل حقيبتها وهي تتثائب بخمول. وأخيراً ستحظى بليلة نوم هانئة. تجولت في الشوارع حتى وجدت سيارة أجرة أقلتها إلى منزلها. عندما دلُفت إلى شقتها وأغلقت الباب خلفها، أزاحت الوشاح القُرمزي الذي كانت تلفه حول عُنقها وهي تُنادي بصوت مُرتفع: "ليلى! نمتِ ولا إيه؟" دخلت جولييت إلى غُرفة شقيقتها وأشعلت الأضواء لتتذمر الأخ...
رواية ملاك باخلاق سيئة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم روزان مصطفى
وجدت بكِ أملاً أخيراً للنجاة من تبلد المشاعر وتجنب طرق الحب. بل أنني أصبحت أبحث بشجاعة عن حلول للبقاء بجانبك.
اتسعت عينا جولييت وهي تنظر له برعب شديد وتقول بتعب:
إيه! إيه اللي حصل قدامي دا؟
وضع جبريل إصبعه أسفل أنفها ليتحسس نسبة تنفسها، فوجدها بخير. لذا أطلق تنهيدة عميقة من شدة خوفه عليها.
وضع يده أسفل خصرها ليحملها بين يديه ويضعها على المقعد. التقط زجاجة المياه الموضوعة بجانب حقيبتها، ثم فتحها وقربها من فمها وهو يقول بحنان وقلق:
اشربي حبة من دي، عشان تفوقي.
التقطت منه جولييت زجاجة المياه وبدأت ترتشف منها، ثم التقطت أنفاسها وهي تنظر له برعب. قالت:
عاوزة تفسير لظهورك المفاجئ في نص المتجر.
جبريل تلعثم قليلاً ثم قال:
بيتهيألك عشان دايخة.
جولييت بابتسامة:
وجري الزبونة برا وهي بتصرخ بوجود شبح، دا برضو من وحي خيالي؟ إنت مين بالضبط؟ مين الراجل اللي قضيت معاه ليلة وسلمتله نفسي بدون قيود؟ معرفش عنك شيء غير إنك ثري ووارث جزيرة معزولة عايش حياتك فيها! ولك صديقات وبتاخد القنينة عشان اللعنة.
تنهد جبريل وهو يقول بقلق عليها:
هحكيلك كل حاجة بعدين، بس الأول خليني أتطمن عليكي!
وضع يده فوق المخبوزات التي أحضرتها جولييت، لتقول هي بقرف:
دي شكلها بايظة. ربنا يسامحه اللي باعها ليا.
التقط جبريل واحدة منهم وقربها من فمه، فعقدت جولييت حاجبيها لتقول:
بقولك بايظة، عاوز تدوقها! دا بمجرد ما حطيتها في بوقي رجعت.
ضم جبريل قطعة صغيرة وهو يتذوقها، ثم قال:
بالعكس لذيذة جداً وطازة. يمكن معدتك تعباكي من شيء تاني أو واخدة برد.
كانت جميع الاحتمالات واردة بالنسبة لهم، سوى الاحتمال الأكيد هو أنها حامل!
جولييت بإرهاق:
متقلقش عليا.
اهتز الجرس الصغير المعلق فوق باب المتجر، فقالت جولييت بخفوت لجبريل:
خلاص هقوم أنا أكمل شغلي.
أشار جبريل بيده لها أن تظل جالسة وقام بهدوء للرجل وقال:
هو صاحبة المتجر تعبانة شوية وهنقفل حالاً ناخدها للمستشفى، بس لو حابب تشتري حاجة على السريع أنا معاك.
الزبون بتقدير:
لا ألف سلامة عليها، خلاص هبقى أجي وقت تاني شكراً.
خرج، فالتفت جبريل لجولييت وهو يقول:
قومي معايا.
جولييت بإرهاق:
أقوم فين؟ إنت هتوديني المستشفى بجد؟ لا أنا بخير يمكن بس منمتش كويس.
جبريل بضيق:
مستحيل أسيبك كدا، هنروح المستشفى نطمن.
جولييت بضحكة قصيرة:
لا مش مستاهلة صدقني، هرتاح بس وهبقى كويسة.
داخل سيارة جبريل التي يقودها سريعاً، جلست جولييت بجانبه وهي تضع يدها خلف ظهرها الذي يؤلمها وتقول بتعب:
كبرت الموضوع أوي وصاحب المتجر مش هيسامحني على الأعذار دي كلها وهيرميني في الشارع.
جبريل بغضب:
أنا سايبك تشتغلي هناك عشان القنينة مش عشان إنتي محتاجة لفلوسه! لكن طالما الشغل دا هييجي على صحتك بلاها منه والقنينة أنا هتصرف فيها.
أغلقت جولييت عيناها وقالت:
إنت مش شايف إنك مكبر الموضوع شوية؟ أنا إنسانة طبيعي أتعب ويجيلي حالات زي كدا متقلقش.
لم يجبها جبريل بل استمر في القيادة حتى وصل إلى المشفى. نزل جبريل وفتح باب السيارة لجولييت، ثم أمسك ذراعها وهو يسير بها بهدوء للداخل.
أمام غرفة الكشف ظلوا واقفين في انتظار دورهم، حتى سمح لهم الممرض بالدخول.
دخل جبريل برفقتها وأجلسها على المقعد.
رفع الطبيب رأسه وهو ينظر لهم بابتسامة، خاصة أن جولييت كانت تضع يدها خلف ظهرها قبل أن تجلس.
قال الطبيب:
عرسان جدد ولا إيه؟
نظرت جولييت بصدمة، فسبقها جبريل للإجابة وقال:
لا أنا صديقها بس جايين نشوف مالها لإنها تعبانة من الصبح.
الطبيب:
أصلها حاطة إيدها ورا ظهرها وأنت ساندها، أنا المشهد دا بشوفه كتير. إحم المهم.. إسم حضرتك إيه؟
جولييت بتعب:
إسمي جولييت.
دون الطبيب الاسم في ورقة المراجعة أمامه، ثم قال:
بتشتكي من إيه يا جولييت؟
جولييت بهدوء:
هو أنا صحيت الصبح عندي وجع رهيب في ضهري ومعدتي، وجع المعدة حسبته من الجوع ف رحت اشتريت مخبوزات طرية عشان أفطر، لكن بمجرد ما أكلتها رجعت، وبحس بتعب في ضهري كل ما بحاول أقعد أو أقف كأن في ثقل.. غير كدا دوخة بتخليني لازم أسند على حد أو على الحيطة عشان مقعش.
الطبيب دون كل ما قالته، ثم أفحمها بسؤال:
إنتي متجوزة يا جولييت؟
بهت وجهها واتسعت عينا جبريل وهو يرفع إحدى حاجبيه علامة الصدمة، فأجابت جولييت بخفوت:
لا!
نظر الطبيب نظرة ذات معنى لجبريل، ثم قال وهو يكتب:
التحاليل دي مطلوبة منك يا جولييت، اعمليها وارجعيلي هنتأكد من شيء.
دا تحليل بول والتاني تحليل دم، هيطلعوا في خلال ساعتين لو عملتيهم دلوقتي وتجيلي بيهم.
جبريل بريبة:
تحليل دم ليه؟
الطبيب:
شاكك في حاجة لو طلعت صح هبلغكم بيها. التحاليل في المعمل بتاعنا خارج المشفى.
أوقفها جبريل على قدميها وهو يمسك ذراعها لإسنادها، ثم خرجوا من غرفة الطبيب.
جولييت بضيق:
هو ليه طالب تحليل دم؟ هو شاكك إني بتعاطى حاجة؟
كان جبريل شارد في شيئاً ما، وعلى أثره بدأ قلبه يخفق.
خرجوا من المشفى واتجهوا إلى بوابة المعمل. وضعت جولييت ورقة الطبيب أمام الفتاة التي ترتدي كمامة طبية، لتنظر الفتاة للورقة ثم تنحني. أحضرت علبة بيضاء مستديرة صغيرة وهي تقول:
ادخلي الحمام على شمالك وامليها، وسيبها على الحوض جوا وأنا جاية وراكي.
جولييت بقرف:
لا طبعاً أملاها إيه القرف دا.
الفتاة بضيق:
لازم يافندم ماهو دا تحليل البول!
جبريل بهدوء وهو يربت على يد جولييت:
خلاص متخافيش أنا معاكي، سهلة وبسيطة.
اتجهوا للحمام فوقف جبريل خارجاً مستنداً على الحائط ودخلت جولييت. مرت خمس دقائق، فقال جبريل بهدوء:
خلاص ولا إيه؟
جولييت بضيق من الداخل:
مش جايلي نفس أعمل!
جبريل بهدوء:
أجيبلك عصير تشربيه طيب أو مياه تساعدك؟
جولييت بنبرة باكية:
إيه اللي بتقوله دا بتحرجني بس بقى.
جبريل بهدوء:
آسف طيب خدي وقتك.
مرت عشر دقائق أخرى وفجأة استمع جبريل لصوت جولييت تبكي.
جبريل بخوف:
مالك؟؟ في إيه؟
جولييت:
بهدلت نفسي والأرض الله يخرب بيوتهم.
لم يستطع جبريل كبت الضحكة، فخرجت منه. لتقول جولييت ببكاء:
بتضحك على إيه؟ إهيء.
جبريل بحنان:
خلاص معلش اغسلي إيدك وسيبيلها العلبة والعاملة هتنظف الأرضية مكانك.
العاملة بتدخل بينهم وهي تقف بجانب جبريل:
متخافيش يا ماما اخرجي همسح أنا.
أخرج جبريل من جيب بنطاله ورقة بخمسين ووضعها في يد العاملة، التي ظلت تدعو له. خرجت جولييت ووجهها أحمر من الإحراج. دخلت بعدها الممرضة وهي تلتقط العلبة بقفاز بلاستيكي.
جبريل وهو يزيح خصلات شعر جولييت عن وجهها:
إيه القمر دا؟ هو كل اللي بيتعبوا بيبقى شكلهم حلو كدا؟
جولييت بابتسامة باهتة:
أنا عارفة إنك بتحاول ترفع معنوياتي بعد العملة السودا اللي أنا عملتها.
ضحك جبريل وهو يربت على كتفها بحنان وقال:
إطلاقاً أنا فعلاً مش بجاملك، وبحب الملامح الأنثوية الطبيعية اللي من غير نقطة ميك أب.
خرجت الممرضة وهي تقول:
يلا عشان ناخد منك دم للتحليل.
تشبثت جولييت بخوف بيد جبريل، الذي قال:
هقف جنبك متقلقيش.
الممرضة وكأنها تسخر من جولييت قالت:
مش مستاهلة الخوف دا، دي شكة إبرة وأنا إيدي خفيفة.
جلست جولييت على المقعد وأمسكت الطبيبة يدها وهي ترفع لها كم قميصها للأعلى. وضعت رباط أسود حول ذراعها وبدأت بشك الإبرة طولياً.
عضت جولييت يد جبريل، الذي أغلق عينه بألم ولكنه لم يشكو.
ظلت تعض في يده حتى قالت الممرضة:
خلاص خلصت، تعالوا بالليل تاخدوا التحاليل.
جبريل بضيق:
بالليل ليه؟ الدكتور قال المعمل بتاعكم هيخلصها خلال ساعتين!
الممرضة بمهنية:
خلاص لو عاوزها بعد ساعتين هتدفع زيادة كـ نتيجة مستعجلة.
جبريل بسخط:
ماشي.
وضع لها النقود وخرج برفقة جولييت. نسمات الهواء الباردة بدأت تحرك خصلات شعرها وتطاير.
جبريل بحنان:
هنروح نقعد في مكان تاكلي حاجة وكمان تشربي عصير يعوض الدم.
جولييت بتعب:
لا ماليش نفس حقيقي.
جبريل:
أنا معاكي متخافيش، هجبلك حاجات خفيفة مش زيوت تتعب معدتك.
جولييت بقرف:
هي ريحة الشارع عاملة كدا ليه؟
مالت على جانب الشارع لتستفرغ، فوقف جبريل خلفها حتى لا ينظر لها أحد نظرة شهوانية لأنها منحنية بجسدها.
ما أن انتهت حتى اعتدلت وهي تستند عليه. أخرج منديل من جيب بنطاله ومسح لها فمها، فقالت:
حتى المنديل ريحته حلوة زيك ♡
رواية ملاك باخلاق سيئة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم روزان مصطفى
ما دُمت أنا خصنك المنيع تجاه ذلك العالم المأساوي، مادامت يدي تشد على يدك بطمأنينة وهدوء، سننجو سوياً.
إلتقط جبريل منها المنديل الملوث ليُلقيه في القُمامة وهو يقول:
إنتي محتاجة شوربة سُخنة بالليمون تفوقك وتهدي معدتك الحساسة دي، تعالي معايا.
أسندها على ذراعه لتقول بنبرة مُفاجئة:
مُمكن منركبش العربية ونتمشاها؟
نظر لها جبريل بحنان وهو يضُم جسدها الهزيل لجسده ويسير بها قائلاً:
معنديش أي مانع، بس إنتي دايخة وتعبانة خايف تتعبي متقدريش تكملي.
إستنشقت جولييت الهواء وهي تقول براحة تامة:
لا متقلقش، الهواء النقي دا هيساعدني.
سارت بجانبه ويده تسند خصرها، لتنظُر لسماء المدينة بسعادة وتُدندن أُغنية إنجليزية قديمة.
إبتسم جبريل ليقول:
بتحبيها؟
لفت جولييت وبصتله وقالت:
جداً، ألحانها هادية.. لذلك بحثت عن كلماتها وحفظتها، زي ما تحب حد ف تدور بنفسك وراه على كُل شيء يخُصه.
توقف جبريل عن السير ف نظرت له جولييت بإستغراب قائلة:
وقفت ليه؟
جبريل بهدوء:
المطعم دا كويس وأضواءه خافته مش هتسببلك صُداع، تحبي ندخُل؟
أومأت برأسها علامة نعم ف سحبها جبريل بلُطف للداخل. سحب لها مقعدها ليُجلسها عليه ثُم جلس أمامها.
إقترب منهُم النادل ليطلُب جبريل وجبات خفيفة حِرصاً على صِحة جولييت.
عندما ذهب قالت جولييت بتساؤل:
لحد ما الطلب يجهز مُمكن تجاوبني على السؤال اللي بيدور في راسي؟
نظر لها بعينيه العميقتين ليقول:
تقصُدي عشان ظهرت مرة واحدة في المتجر؟
وضعت يدها على قلبها توجساً من آجابته القادمة ليقول وكأنه يُزيح غبار الحواجز بينهم:
دا بفضل القنينة، لما صابتني اللعنة بحثوا أصدقائي في بلاد كتير عن حد يساعدنا نظراً لإني بعاني ومش بنام من الألم. تحول الوضع لصُراخ مُستمر شق أرجاء الجزيرة، حتى أخيراً لقينا ساحرة بصعوبة ورفضت في البداية تساعد أصدقائي وتساعدني.. ولكنهم أقنعوها بالمال الكتير.
إرتشف جبريل من كوب الماء الموضوع أمامه ثُم قال:
قامت بجمع عِدة مواد بإمكانهم مُساعدتي في سطل كبير وواسع، وهي بتعمل كدا وقعت مادة وسط مواد عِلاجي.. دي تحديداً اللي بتساعد على الإختفاء والظهور، وهي صارحت أصدقائي بكدا ف بقت ميزة.. كُنت باخُد حق سارة من أي حد يضايقها. نرجع لموضوعنا لما والدة حبيبتي الراحلة اللي هي بالأصل ساحرة وصابتني باللعنة عرفت آني لقيت ترياق لألمي، قررت تقتل الساحرة التانية.. ف سفرناها بعيد عشان متوصلهاش، وبقى المسؤول عن تعبئة القنينة ووضعها في المتجر هي سارة.
صُدمت جولييت مما ينهمر على مسامعها ثُم قالت بإستغراب:
طب.. طب بعد ما سارة مشيت إزاي القنينة بتوصلي؟
تنهد جبريل قائلاً:
سارة حتى بعد جوازها لسه بتودي القنينة بنفسها وسط الباقي.. وعشان كدا أنا قلقان تكتشف إن حصل بيني وبينك حاجة، لإنها لو عرفت هتمنعها بنفسها إنتقاماً مني ومنك.
حرمت جولييت رأسها يميناً ويساراً ثُم قالت برفض للتصديق:
مُستحيل سارة تعمل كدا.
جبريل بسُرعة وثقة:
صدقيني! حتى لو مش عاوزة غصب عنها هتعمل دا عشان الحُب بيعمي.
حضر النادل وأخيراً ثُم وضع أمامهم الأطباق. بدأ جبريل في إطعام جولييت وهو يقول:
يلا كُلي كويس عشان نروح نجيب التحاليل.
جولييت ب رد مُفاجيء:
أنا لازم أخد الترياق كُله من سارة وأعبيه بنفسي، بس في سؤال برضو، ليه سارة مش بتسلمهولك بنفسها ولازم تستلمه من المتجر؟
جبريل بهدوء:
عشان منلفتش الأنظار بتقابل ليه مع واحدة كُل شوية وخاصةً آن سارة بدأت تتعلق بيا ف حبيت أخلي مسافة بيني وبينها، أصلاً لو الساحرة شكت إن في بيني وبين سارة شيء هتأذيها.
تنهد بأسى وتعمق الحُزن عينيه مُجدداً ثُم قال:
وإحتمال تأذيكي بسببي!
وضع يده فوق يدها ليقول بمشاعر عجز أن يُخفيها وأخيراً:
بس الفرق إن في مشاعر غصب عني إتولدت جوايا من ناحيتك يا جولييت، حبيت كُل شيء فيكي.. حبيت شفايفك المنفوخة اللي بتبقى عبارة عن خطين رفيعين من وِسع ضحكتك، حبيت عينيكي وهي بتلاحق عينيا عشان تسمعي إجابتي في حاجة مُعينة.. والأهم من دا إني حابب جداً.. تكوني في حُضني في الجزيرة مش مُجرد ليلة عابرة.
كانت مذهولة بحق مما تسمعهُ! هل هذا جبريل؟ الصامت الحزين الخائف دائماً أن يقع في شباك الحُب؟ يعترف لها وبكُل بساطة الأن أنهُ يُحبها بل ويصف أدق التفاصيل بها بطريقة تُثير إعجابه، والأجمل من كُل ذلك أنه لا يعتبر ما حدث بينهم علاقة عابرة.
ضغطت بيدها بقوة على يده وهي تقول بلمعة أعيُن:
أنا قلبي بيوجعني من كُتر فرحته إنه شافك، وأول واحدة بترفع راسها مُتوقعة حضورك قبلها ف بتيجي بالفعل، وريحتك.. فضلت في جسمي ليومين كاملين، وأنا معتبرتهاش علاقة عابرة وحابة أكون معاك دايماً، لإن حنيتك دي غرقتني وأرخت جسمي المشدود من تعب الشُغل وقلة الإهتمام.
ظهرت إبتسامة على وجه جبريل وهو ينظُر بعيداً.
إبتسمت جولييت وهي تأكُل بشهية وتنظُر له بتعمُق.
ما أن إنتهت حتى خرجوا سوياً لأخذ التحاليل. عندما أخذوها وأخيراً وإتجهوا بعدها للمشفى.
جلسوا أمام الطبيب وهو ينظُر للتحاليل بأعيُن لا تُريح المريض.
ف قال جبريل بقلق:
كُل شيء بخير؟
إعتدل الطبيب في جلسته وهو يقول:
لما جولييت حكتلي الأعراض أنا توقعت لإن دا شيء طبيعي بس لما قالت مش متجوزة! قولت إعملي تحاليل يمكن في شيء غلط.
بغباء قالت جولييت:
مش فاهمة في إيه؟
الطبيب بملل:
حامل هيكون إيه! مبروك.. او كان الله في عونك.
إصفر وجه جبريل تماماً وكأنه وضع في دوامة لا تتوقف من الدوران حول ذاته، وأول ما أصاب قلبه من قلق كان لأجل جولييت المسكينة، التي سيطالها من العناء أبشعه بسبب تلك اللعنة وإن علمت الساحرة وإن علمت سارة وخبئت العلاج!
أما جولييت شعرت بسعادة خفية.. وخوف! ما مصير ذلك الطفل إذا رفض جبريل الإعتراف به خوفاً عليها!
عندما خرجوا من غُرفة الطبيب نظرت جولييت بخوف لجبريل الذي إحتضنها وقال:
جواكي جزء مني، مُستحيل أتخلى عنكم أو أعرضكم للخطر.
شعور الأمان تخلل أطرافها وهي تضمه بذارعيها بقوة وتستند برأسها فوق كتفه. همس في أُذنها أنه سيتزوجها اليوم.. ترسيماً لتلك العلاقة، وتصحيحاً لخطأ أخذها بطريقة لا تليق بفتاة مثلها.
تنهدت براحة عظيمة، لقد أخطأت وهي تعلم ذلك.
لكنها تحمدالله أن الشخص الذي أخطأت معه لم يتخلى عنها.
إلتقط يدها بين يديه وهو يسحبها معه حتى سيارته. ركبوا سوياً ليقول جبريل وهو يقود:
لازم تتنقلي معايا للجزيرة، مقدرش أسيبك هنا لوحدك.
جولييت وهي تُرجع رأسها للخلف:
طب ما تفضل معايا هنا، ونعيش سوا في الشقة.
جبريل بسُرعة:
مينفعش، الجزيرة الساحرة متقدرش توصلها عشان كدا أنا مُنعزل فيها ومقدرش أعيش بعيد عنها.
تننهدت جولييت وقالت:
خلاص هخلي ليلى تلم هدومي انا وه عشان نيجي معاك.
جبريل بهدوء:
مينفعش ليلى تفضل هنا عشان تشتغل مكانك عشان القنينة؟
جولييت بنبرة سريعة:
لا مينفعش! عشان ليلى متقدرش تتصرف من غيري في أي شيء.. غير كدا إنت عملت لفة طويلة أوي على مفيش معرفش على إيه! طالما الجزيرة أمان كُنت حطيت فيها العلاج اللي في القنينة وخلصنا من الأول.
جبريل:
مينفعش أخاطر برضو ممكن يحصل أي شيء ف كدا أمن ليا أكتر.
جولييت بتعب:
وديني لشقتي طيب عشان نلحق أنا وليلى نلم حاجتنا.
إلتقط جبريل يدها وقبلها وهو يقول:
وعاوزين نروح نتجوز.. وناخد عقود الجواز قبل السفر.
ضغطت على يده وهي تقول:
بحبك أوي.
رواية ملاك باخلاق سيئة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم روزان مصطفى
وصلت سيارة جبريل أسفل بناية جولييت.
نزلت بحذر من السيارة لأن ظهرها مازال يؤلمها، بالإضافة إلى أنها على حافة المواجهة مع شقيقتها وإخبارها بالحمل.
نظرت لجبريل وخصلات شعرها تطاير حول وجهها المستدير ليقول هو بتشجيع:
"تحبين أجي معاكِ؟"
ابتسمت بهدوء وروية وقالت:
"ما في داعي عشان أقدر أتفاهم معاها، بس أنت استناني!"
جبريل بنبرة صوت تغلغلت داخل قلبها وطمأنتها قال:
"أنا على طول هنا عشانك."
صعدت بتوجس وجبريل استند على سيارته في انتظارهم.
اقتربت من باب الشقة لتفتحه بهدوء وتدخل.
أغلقت الباب خلفها وهي تنظر لشقيقتها الجالسة أمام التلفاز.
ليلى بملل قالت:
"ها خلصتي شغل بدري عن ميعادك؟"
تقدمت جولييت للأمام وجلست أمام شقيقتها على الأريكة وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة وعيناها ترمش بخوف.
عقدت ليلى حاجبيها وحركت رأسها يميناً وهي تقول باستفسار:
"حصل حاجة ولا إيه؟"
جولييت بنبرة صوت تكاد تكون واضحة قالت:
"محتاجة أكلمك في موضوع بما إني بعتبرك صاحبتي مش بس أختي، يعني أتمنى تتفهميني."
اعتدلت ليلى في جلستها وهي تقول بقلق:
"في إيه بجد فهميني!"
زفرت جولييت بضيق ثم أغلقت عينيها وهي تقول بهدوء:
"هتبقي خالة ليلى."
صمتت ليلى قليلاً وهي عاقدة حاجبيها، ثم انفرجت أساريرها عن ضحكة صاخبة وهي تقول:
"ودا حصل وأنا نايمة ولا إيه؟"
فتحت جولييت عينيها الدامعتين وهي تقول بصدق ناظرة داخل عيني شقيقتها:
"أيوة."
بهتت ضحكة ليلى لتنظر لجولييت باقتضاب مرة أخرى وتقول:
"أيوة إيه؟ مالك إنتي بتقولي إيه؟"
رفعت جولييت كتفيها وهي تقول باستسلام للعشق الخالص المنغرز داخل روحها:
"حبيته."
وقفت ليلى على قدميها وهي تنظر لشقيقتها بصدمة وتقول:
"يا نهار أسود، يا نهار أسود عليا وعليكي وعلى أيامنا الهباب، زنيتي يا جولييت!"
وقفت جولييت أمامها وهي تقول:
"اتجوزنا قبل ما أجيلك يعني هو حالياً جوزي، ومتخلاش عني ولا عن ابنه، بالعكس طلب مني ألم هدومي وهدومك ونروح معاه للجزيرة."
ليلى ببكاء قالت:
"متهزريش، الهزار دا قولي إنك بتهزري لو بتحبي بابا."
جولييت انهارت منها العبرة وهي تقول بألم:
"أنا بحب بابا أوي بس مبهزرش، مستخسرة فيا السعادة يا ليلى بعد تعبي ومعافرتي في الحياة عشانك؟"
اتسعت عينا ليلى بغضب وهي تقول بارتجاف:
"البداية نفسها غلط، ووقت ما دخل بيتنا كان تعبان، إنتي إزاي تعملي كدا بجد وفي نفس الشقة اللي أنا عايشة معاكي فيها وفي الأوضة اللي جنب أوضتي على طول؟"
جولييت من بين أسنانها قالت:
"قلت لك حبيته، ادخلي لمي هدومك هنسافر معاه."
رجعت ليلى خطوتين للخلف وهي تقول بوجه مبتل بالدموع:
"أنا مش هتحرك من هنا، سافري إنتي معاه وربي ابنك هناك، ملكيش دعوة بيا نهائي."
وضعت جولييت يدها خلف ظهرها بألم وهي تقول ببكاء:
"ما نقدرش نسيبك لوحدك، مش هتقدري تتصرفي ولا هطمن على أكلك، أخاف يحصلك حاجة قلبي ما يطاوعنيش أسافر وأسيبك."
ليلى بحزن وقهر قالت:
"أنا مصدومة فيكي، وعاوزانا نسيب كل حاجة ورانا ببساطة كدا، مين دا أصلاً عشان يدخل حياتنا يخربها!"
جولييت بتنهيدة متعبة قالت:
"جبريل دا طعم السعادة اللي كنت مفتقداه من سنين، ولمسة الحب اللي رجعت الدموية لقلبي الميت من تاني، بحبه يا ليلى وبحب أي حاجة بتربطني بيه. بقولك متخلاش عني وشاريني، هيريحني في جزيرته من زباين المتجر بتوع نص الليل اللي نظراتهم ليا تقرف، ومن رجليا اللي بفضل واقفة عليها اللي حتى المية السخنة مش بتخفف ألمها، عاوزة أرتاح الباقي من حياتي عشان تعبت."
ليلى ببكاء قالت:
"بتعايريني؟"
جولييت بتفهم قالت:
"والله أبداً، أنا بس بحكيلك هو بالنسبالي إيه، عشان خاطري يا ليلى، عشان خاطري لمي حاجتك وأنا هلم حاجتي ونروح، لو فضلنا هنا الساحرة هتأذينا."
ليلى بفضول قالت:
"ساحرة إيه؟"
***
أمام سيارة جبريل.
كان يقف في انتظارهم حتى رآهم وأخيراً.
ركض باتجاه جولييت وهو يلتقط الحقيبة من يدها ثم التقط حقيبة ليلى وهو يقول:
"كان المفروض أطلع آخد منكم الشنط التقيلة."
جولييت بإرهاق قالت:
"مش تقيلة أوي يا حبيبي متشغلش بالك، هنتحرك؟"
توقف جبريل وهو ينظر لليلى الحزينة ثم قال بأسف:
"أوعدك هتحبي الجزيرة أكتر من أي مكان تاني يا آنسة ليلى."
لم تجبه ليلى ف أخذ الحقائب ووضعها في خلفية سيارته وفتح لهم أبواب سيارته.
جاء ليجلس في مقعده ليجد سارة تقف أمامه ونظرات الحزن تملأ ثقوب وجهها.
جبريل بهدوء قال:
"سارة."
سارة بنظرات قهر لجولييت وشقيقتها قالت:
"واخدهم بشُنطهم على فين يا جبريل؟"
فتحت جولييت باب السيارة تستعد للنزول ف أشار لها جبريل أن تجلس مكانها ف أغلقت الباب مرة أخرى.
جبريل بهدوء قال:
"أنا حبيتك يا سارة."
لتظهر عبرة الألم على ملامحها ليُكمل هو ويقول:
"حبيت صديقتي سارة، إنتي دلوقتي متجوزة ووجودك هنا هيضرك إنتي بس، سامحيني."
سارة ببكاء قالت:
"أسمحك عشان مخلتنيش أحبك وحبيتها هي؟ فيها إيه زيادة عني!"
صمت جبريل قليلاً، ثم أجاب بنبرة صوت مبحوحة مترددة:
"فيها ابني."
شهقة صدرت من فم سارة وهي تضع يدها فوق فمها بذهول.
سهم الخذلان استقر في منتصف قلبها.
أنهى ذلك الحديث العقيم وهذا العتاب الذي لن يجنوا منه سوى الألم لكليهما.
جاء جبريل ليضع يده فوق كتف سارة ف رجعت خطوتين للخلف وهي تقول:
"حامل… منك؟"
جبريل محاولاً تهدئتها قال:
"سارة."
سارة بقهر قالت:
"ويا ترى بقى هتقدر توفرلك الدوا اللي في القنينة؟"
عند هذه النقطة ترجلت جولييت من السيارة وهي تقترب من جبريل وتقف بجانبه وتقول بنبرة غاضبة كأن هرمونات الحمل قد لعبت دوراً أساسياً في حالتها تلك:
"أنا عاوزة أسألك سؤال يا سارة، هو الحب بالعافية؟ والمطلوب من جبريل يفضل طول العمر عازب وإنتي عايشة مع جوزك؟ هو حبني وأنا حبيته، تقبلي الحقيقة دي؟ ولو مش هتسلميه القنينة وحصله حاجة مش هيغير حقيقة إنه حبني أنا وإن جوايا ابنه من دمه! بس هيثبت حقيقة واحدة بس وهو إنك الشخصية المريضة الشريرة في قصتنا."
جبريل للمرة الأولى يحدث جولييت بحزم ليقول:
"جولييت!"
بهت وجه سارة واصفر، ثم نظرت تجاه جولييت وقالت بنبرة حزينة:
"دايماً اللي بتحب من طرف واحد بيطلعوها في الأفلام والروايات إنها الشيطان اللي بيعكر صفو العاشقين، محدش بيحس بألمها لإن محدش بيحب النهايات الحزينة، ف بيميلوا للي بيحبها البطل حتى لو متستاهلش."
جولييت بنبرة غاضبة قالت:
"والله؟ طالما حضرتك بتحبيه بإخلاص كدا روحتِ اتجوزتي ليه؟ عارفة يا سارة عشان تكتمل خيبتك وتكوني مثيرة للشفقة أكتر أنا وجبريل اتجوزنا عشان ابننا… خليكي إنتي واقفة هنا تعاتبيه على حبك البائس لحد ما يتخرب بيتك وتبقي خسرتي من جميع النواحي."
جبريل بحزم قال:
"جولييت على العربية فوراً!"
جولييت بضيق قالت:
"جبريل؟"
جبريل بذات الحزم قال:
"لو سمحتي روحي العربية."
ذهبت جولييت للسيارة على مضض وهي تجلس في مقعدها وتنظُر لهم بغيرة واضحة على جبريل.
انحنت شقيقتها عليها وهي تقول باستفسار:
"هو في إيه بالظبط أنا مش فاهمة حاجة؟"
جولييت بضيق قالت:
"أنا معدتي بتوجعني وظهري ودايخة، هفهمك بعدين يا ليلى."
كان جبريل يحاول تهدئة سارة لكنها ركضت من أمامه وهي تبكي.
عاد جبريل للسيارة وهو يجلس في مقعده بضيق.
انحنى براسه على المقود وهو يخبط رأسه مراراً وتكراراً بغضب.
شعرت جولييت بالخوف عليه وهي تسحبه داخل أحضانها وهي تقول:
"بس يا حبيبي اهدى، اهدى عشان خاطري."
جبريل بحزن من داخل حضن جولييت قال:
"أنا السبب، أنا لعنة في حياة الجميع."
قبلت جولييت رأسه وهي تغمر أصابعها داخل خصلات شعره الناعمة ذات الرائحة العذبة لتقول بشغف واضح:
"إنت أحلى لعنة سعادة صابتني، هي الغلطانة يا جبريل هي متجوزة ميحصش تكلمك في الحب وكمان أنانية مش عاوزاك تحب ولا تتحب."
جبريل بتأنيب ذات قال:
"بس أنا جرحتها!"
جولييت وهي تضمه لصدرها أكثر قالت:
"إنت قلت الحقيقة ودا الأفضل للجميع، متحسش بالذنب والقنينة هناخدها غصب عنها."
ليلى بحنحة قالت:
"إحم، طب إيه."
اعتدل جبريل في مقعده وهو يدير السيارة وبدأ في التحرك.
أسندت جولييت ظهرها على المقعد وذراعيها كلاهما مفتوحين على مصراعيهما لتقول بسعادة وحماس:
"بداية جديدة."
جبريل في منتصف الطريق قال:
"تحبوا تسمعوا موسيقى؟"
جولييت قالت:
"لو على ذوقك ماشي."
قام جبريل بتشغيل موسيقى داخل سيارته (City of stars are you shining just for me).
أغمضت جولييت عيناها بإستمتاع حتى وصلوا لمقر الطائرة التي ستقلهم للجزيرة.
انبهرت ليلى بالامتيازات الملكية لزوج شقيقتها وكم هو جميل ومهندم وغني! ف بدأ قلبها يرتاح قليلاً من الحزن التي كانت تشعر به.
استقلوا الطائرة وبدأت بالطيران باتجاه الجزيرة.
جبريل بهدوء وابتسامة قال:
"بنات الجزيرة هيكونوا في انتظارنا، هيهتموا بيكم على أكمل وجه."
وضعت جولييت يدها على فمها وهي تقول بقرف:
"جبريل مش قادرة."
قام جبريل بحركة سريعة وبيده الحقيبة الورقية التي توضع في ظهر المقعد حتى يتقيأ الراكبين بها.
وبالفعل تقيأت جولييت ثم استندت برأسها على المقعد بإرهاق.
كانت ليلى قد غفت ف اقترب جبريل من جولييت التي تشعر بالدوار لتقول هي:
"تؤ ابعد عني ريحتك سيئة مش زي ريحتك."
اقترب جبريل أكثر وهو يطبع قبلة دافئة على شفتيها ليقول بحب وهو يشبك أصابعه بأصابعها:
"مبأرفش."
وصلت الطائرة للجزيرة أخيراً.
ترجل جبريل أولاً وخلفه ليلى النصف نائمة وجولييت المتعبة.
كان في انتظارهم فتيات الجزيرة كما قال جبريل واستقبلوهم بهائل الترحيب.
إحداهن أسندت جولييت على كتفها حتى أجلستها في مقعد مريح وهي تقول:
"الرحلة كانت متعبة؟"
جولييت بإرهاق وابتسامة قالت:
"جبريل هيفهمكم كل حاجة."
فقرات التعارف تلك لم يعيروها اهتمام قط ف هم بحاجة للنوم على فراش دافئ ومريح.
لكن ليلى أفاقت وهي تنظر للبحر الساكن ذو الرائحة المنعشة وقلبها يخفق من جمال الجزيرة.
وجدت شاب يرتدي قميص بنصف أكمام أبيض اللون يجلس أمام البحر ويلقي به حجر.
ليلى والهواء يحرك خصلات شعرها المجعدة قالت:
"هو مين دا؟"
تقدم جبريل خطوتين منها ثم نظر إلى حيث تنظر ليقول بهدوء:
"رضوان، صديق ليا."
ابتسمت ليلى وهي تنظر لشروده الحزين ثم قالت بسخرية:
"هو كلكم كدا عندكم اكتئاب؟"
ضحك جبريل بخفة أذابت قلب جولييت ليقول:
"جزيرة للمنعزلين عن العالم مستنية منها إيه؟ تصبحي على خير."
سحب جولييت من يدها برقة معه حتى ذهبوا تجاه سلم خشبي.
رفعها جبريل بين ذراعيه لتضحك هي بسعادة وهي تحاوط عنقه وتنظُر له.
جبريل وهو يتأمل عيناها ويصعد بها فوق الدرج قال:
"كنت دايماً بقعد على التلة وأبص للسماء والنجوم، كان نفسي أمد إيدي وآخد نجمة أمتلكها."
نظرت له جولييت وقلبها يقرع مثل الطبل الشرقي ليُكمل جبريل قائلاً برومانسية بالغة أذابت صلابتها الخارجية:
"ومسكت أجمل نجمة فيهم بين إيديا."
احتضنت جولييت عنقه وهي تقول:
"نفسي أعرف إيه سر جمال ريحتك، منقوع في أنهي مياه ورد!"
مال جبريل على عنقها وهو يستنشقه ثم قال:
"وإنتي خلايا جلدك ساكنها عناقيد من الجنة ولا بيتهيألي؟"
وصل بها للغرفة، سرير واسع مريح للغاية وأرضية خشبية باردة.
التفتت حتى أصبح بينها وبين جبريل سنتيمتراً واحداً ليقول وهو يستند برأسه على رأسها:
"دي مملكتك… مكانك، وساكنها اللي هو أنا، ملكك إنهاردة وكل يوم."
التقطت جولييت أنفاسها وهي تقول:
"أنا اللي ملكك… شعري وأيديا وعينيا وكل جزء فيا ملكك… وجوايا جزء منك."
اقترب أكثر منها ثم…
رواية ملاك باخلاق سيئة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم روزان مصطفى
صباح اليوم التالي استيقظت جولييت براحة تامة وهي تتثاءب وتُحرك ذراعيها لتفيق.
تحسست مكان جبريل لتجده فارغاً، فمالت برأسها للجانب الآخر لتُصادفها نسمة هواء عذبة وصوت الطيور ورائحة البحر.
لمست بقدميها العاريتين الأرضية الخشبية وقامت لترتدي ملابسها.
ما أن انتهت حتى خرجت للدرج وهي تنظر حولها بإنبهار تام.
الجزيرة صباحاً هادئة والمناظر الطبيعية بها ساحرة لأبعد الحدود.
أشجار النخيل تمايلت من تلك النسمات العذبة لتُظهر السماء بصورة أوضح.
انتهت جولييت أخيراً من نزول الدرج لتنظر حولها وتجد أن فتاتين من فتيات الجزيرة خرجوا من طائرة جبريل للتو وهن يحملن بيدهن صندوقاً خشبياً مربعاً.
اقتربت منهن جولييت وهي تقول بنبرة هادئة:
صباح الخير، مشفتوش جبريل؟
إحدى الفتيات وهي تضع الصندوق أرضاً قالت برقة:
صباح النور.. مع رضوان من الجهة التانية للبحر.
نظرت جولييت بفضول للصندوق وقالت:
هو إيه دا؟
تنهدت الفتاة بتعب من حمل الصندوق لتقول:
دا ترياق جبريل ضد اللعنة.
اتسعت حدقتا عين جولييت وهي تجلس على ركبتيها وتتلمس سطح الصندوق.
فتحته بهدوء لتجد مجموعة كاملة من القنينات التي تحتوي على الترياق.
ابتسمت بسعادة وهي تقول بلهفة:
دي قنينات جبريل بالفعل! جبتوها منين؟
أحنت الفتاة رأسها وقالت بحزن:
من سارة.. هي محبتش تكون سيئة وتعذب جبريل لما روحنا ليها اكتشفنا إنها جمعت القنينات في صندوق خشبي وسلمته لينا. لكن ملامحها كانت مكسورة! وعلى ما أظن هتفضل كدا للأبد.
جولييت!
كان صوت جبريل العميق الذي يزلزل كيانها.
رفعت رأسها ونظرت له بابتسامة دافئة وهي تنطق أحرف اسمه كالحلوى بين شفتيه قائلة:
جبريل ♡
مد يده تجاهها وهو يرفعها من ذراعيها بحرص ويقول:
إزاي تقعدي على ركبتك كدا؟ إنتي ناسيه الحمل!
وضعت رأسها على كتفه وهي تنظر للصندوق.
نظر جبريل له وخصلات شعره الكستنائية تتطاير حول وجهه ليقول بتساؤل لصديقته الواقفة أمامه هو وزوجته:
قدرتوا تجيبوا كمية كبيرة من الترياق! إزاي؟
جولييت بتنهيدة:
دا كان المفروض يحصل من البداية بدل حرصك اللي مكانش له داعي وتعاملُك مع المتجر.
نظر جبريل لتلك النائمة على كتفه تحدثه برقة ثم قال:
مش يمكن دا قدر عشان أقابلك؟ مش يمكن كل شيء كان بيترتب عشان نجتمع أنا وإنتي سوا؟
نظرت له بعشق ليُقبل مقدمة رأسها بعمق وهو يقول:
فتاة المتجر خاصتي ♡
من فصلك!
كان ذلك صوت ليلى التي تحاول لفت انتباه رضوان لها وهي تقول:
هو أنا المفروض أقعد فين ومع مين لحد ما أختي وجوزها يصحوا؟ أنا معرفش حد هنا ومحدش بيتكلم معايا، كله بيرد على قد السؤال. كمان أنا جعانة أوي يعني المفروض اللي صحي بدري ملوش نصيب؟
ثرثرة بشكل أصاب رأس رضوان بالألم.
لكنه جمل وجهه بابتسامة رائعة قائلاً بنبرة هادئة:
صباح النور.
دفئت ذراعها بيدها وهي تقول بإحراج:
مقصديش أغلط يعني بس من ساعة ما صحيت وأنا قاعدة كدا لا أكل ولا شرب وكمان محدش بيحاول يلطف معايا الجو ويكلمني ونتصاحب مثلاً.
جمع الأصداف ووضعها جانباً على صخرة يرتطم بها ماء البحر مُصدراً صوتاً جعلها تعود للوراء خطوة بخوف.
ضحك هو وقال:
بعيداً عن جزيرة جبريل.. إنتي أول مرة تيجي جزيرة عامة؟
كتفت يديها وهي تقول:
مش كل الناس عندها رفاهية الخروج والسفر للإجازات. إحنا في المدينة كنا مبناكُلش فواكه وحلويات إلا نادراً عشان دايماً أختي جولييت تقول في أولويات أهم من الرفاهية.
شعر براحة لتلك الفتاة التي تقص عليه بأريحية أمور عائلية خاصة كهذه.
فنَظر لها بجسده ذو البنيان القوي وبشرته المائلة للاسمرار من أشعة الشمس في الأنحاء الأخرى وقال:
كملي.
رفعت كتفيها وهي تقول:
أكمل إيه؟ بس هي دي قصتي البائسة.
رضوان بعرض مغرٍ:
تحبي تتمشي شوية في الجزيرة أعرفك عليها؟
تهلهل وجهها بابتسامة حماسية ثم قالت:
لو مشغول بلاش ونستنى جبريل يصحى.
ضحك رضوان ثم قال:
جبريل كان معايا من شوية يعني صاحي.. لكن متعتمديش عليه في إنه يعرفك على حاجة لإن معظم أوقاته هيقضيها مع أختك اللي هي مراته.
نظرت له ليلى.
فَقال هو:
هاا فكري أنا مبعرضش كدا كتير على حد ومُعظم اللي هنا يحلموا إنهم يمشوا معايا في الجزيرة.
نظرت له بإستهجان وقالت:
وأنا المفروض أتنطط من السعادة عشان نلت الشرف يعني؟
رضوان برفعة حاجب وهو مبتسم:
بحمسك مش أكتر إهدي.. واضح إن أجواء الجزيرة مش مأثرة مع شخصيتك دي.
ولاها ظهره ليذهب.
فسارت وراءه وهي تقول:
قصدك إيه؟ اوقف كلمني.
رضوان:
معنديش وقت أضيعه معاكي.. رأيي تستني جبريل بالفعل يوريكي الجزيرة كويس بنفسه.
ليلى بغضب:
إيه الأسلوب بتاعك دا؟ اوقف بقولك.
توقف رضوان عن السير ووقف ينظر لها.
فاكملت حديثها وقالت:
بتبصلي كدا ليه!!
رضوان بتنهيدة:
هو أي خناق وخلاص! أسلوبي ناتج عن أسلوبك. أنا أول ما شفتك عاملتك بطبيعتي نقلتي ليا طاقة سلبية في أقل من دقيقة.
ليلى بتجاهل لحديثه:
فتقوم سايبني كدا وماشي، هي دي الجدعنة يعني؟
رضوان بملل:
إنتي عاوزة إيه حالياً؟
ليلى بابتسامة:
فرجني على الجزيرة.. يعني زي ما قولت إن جبريل هيكون مشغول بأختي وكمان أنا زهقانة.
ظل ينظر لها دون أن ينطق.
ثم أشار لها بيده لتسير أمامه.
تقدمت ليلى خطوتين.
فنظر رضوان لقدميها وقال:
إستني!
وقفت وهي تنظر لقدميها مثلما ينظر هو وقالت بذعر:
في إيه؟ في حاجة ولا إييه؟
رضوان:
أكيد هتكوني زهقانة وإنتي لابسة جزمة في الجزيرة! لازم تمشي حافية عشان تحسي بحلاوة الرمل ونفسيتك تتغير خالص.
ظلت تنظر له.
ثم فجأة انفجرت ضاحكة.
لم يتعجب.
فشخصيتها بالنسبة له مضطربة تماماً.
ليلى بضحك:
إنت بتقول أي كلام والله.
رضوان وهو يقول بإقناع لها:
طب جربي هتخسري حاجة؟ الناس بتروح البحر تستمتع بالرمل والهوا والمياه وإنتي ماشية بجزمة.. أقولك إيه!
ليلى بهدوء:
أنا مبحبش رجليا تتوسخ.
رضوان بإقناع مرة أخرى:
طب جربي!
انحنت ليلى بتردد وهي تخلع حذاءها.
ثم قالت:
لو رجليا اتوسخت هغسلها في البحر بتاعكم.
رضوان بمجاراة لها:
ماشي إعملي اللي يريحك.
وقفت حافية القدمين على الرمال.
وفجأة بدأت بالضحك وهي تقول:
رجلي بتنغرز في الرمل وبتزغزغني.
رضوان بابتسامة:
عرفتي ليه بيغير مودك وبيخليكي أحسن؟ أي حاجة بتكبت حرية الشخص زي الجزم والهدوم بتاثر على نفسيته.
وجد يدها ترتفع في حاجة للاستقرار على وجهه.
فأمسك يدها وعلقها في الهواء قائلاً:
إنتي اتجننتي؟
ليلى بغضب:
إنت بتجبهالي واحدة واحدة عشان أقلع هدومي؟ إنت اتجننت!
زفر بملل ثم قال:
أقصد إن الإنسان لما بيكون مخنوق بيدخل مثلاً ياخد شاور أو ينزل البحر وطبعاً مش هينزل بهدومه.. الحاجات دي ليها تأثير كبير إيجابي في نفسية الشخص.
سار هو لتسير وراءه وهي تنظر حولها.
فَقال:
قولتي مبتجيبوش فواكه ولا حلويات صح؟
ليلى:
آه.
ضرب بقدمه نخلة عملاقة لتُسقط جوزة من الهند وقال:
دوقي جوز الهند قبل كدا؟
حركت ليلى رأسها يميناً ويساراً بمعنى لا.
فأخرج من جيبه مطرقة صغيرة وثبت الجوزة على صخرة ثم كسرها.
نظرت له ليلى بتعجب.
ثم قالت:
يا سلام وإنت على طول ماشي بالبتاعة دي في جيبك!
رضوان:
أيوة ومعايا كبريت دايماً كمان.. الحاجات دي مهمة عشان لو حصل حاجة.
مد يده لها بقطعة من قشرة جوز الهند وهو يقول:
كُلي الجزء الأبيض منها.
التقطتها منه وهي تنظر لها.
ثم وضعت شفتيها عليها وقضمت قضمة منها وهي تتذوقها.
رضوان بانتظار لردها:
ها طعمها عامل إزاي؟
رفعت كتفيها وهي تقول:
ملهاش طعم.. بس كويسة بتلهي الواحد عن الجوع.
أكملت السير معه.
فَقالَت:
وإنت بقى لما بتزهق بتنزل البحر؟
رضوان وهو يفرد ذراعيه باستمتاع:
طبعاً! أنا معنديش قيود حتى لو قيود نفسية زيك.
ليلى بصدمة:
نفسية!!
بالقرب من جبريل وجولييت.
جبريل بحزن:
أنا المتسبب ليها في الألم دا.
ملست جولييت على ظهره بحنية وهي تقول:
أنا قولتلك قبل كدا إننا مليناش سلطة على قلوبنا ومشاعرنا.. أنا حبيتك رغم إظهارك لعلاقة الصداقة اللي بينا بشكل مستمر.. دي حاجة عملها جمالك وحنيتك مش عن قصد.
أمسك جبريل بكف يده مؤخرة رأسها وأسند رأسه على مقدمة رأسها قائلاً:
لكنك مش هتحسي بالألم دا.. عشان أنا كمان حبيتك! ♡
رواية ملاك باخلاق سيئة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم روزان مصطفى
سهم الحُب لم يكُن مسمومًا يا جبريل.
رُبما خوفك من أن تُجازف لتقع بحُب فتاة ما أُخرى ليصابها الأذى من تحت رأسك هو من سيُزيح عنك لقب الملاك ذو الأخلاق السيئة.
الملائكة لا تُخطيء.
يُمكنك الأن أن تحيا براحة مع من خفق قلبك لها.
مع من أعادت دماء الحياة لوتينك.
لتُنعش قلبك مرة أخرى.
أنت بأمان ف لا تحزن!
قبلت جولييت كف يدهُ وهي تنظُر له وتقول:
يمكن دا جزاء كُل صعب مريت بيه.
لو الجزاء كان إنت ف أنا نسيت التعب.
زيل عن عاتقك عُقدة تأنيب الذات.
اللي كتبه القدر هيحصل.
قبل نزولنا الدُنيا لما كُنا لسه بنتخلق وقبل ما تنبعث فينا روح الحياة..
إتكتب كُل شيء هيحصلنا.
ميعاد موتها كان كدا.
جبريل ببحة حزينة وبالفِعل قلقة:
أنا خايف عليكي.
مش حابب أكون المُتسبب في أي شيء وحش يطولك.
وقوعي بعدك مش هيكون ليه قومة!
إحتضنته من خصره، وهي تستند برأسها على ظهره وتُغلق عينيها بأمان.
على الجهة الأخرى كانت ليلى تجلس على الرمال بالقُرب من رضوان الذي كان يعقد من الأصداف عُقد في خيط صِنارة الصيد.
نظرت لهُ بسُخرية لتقول:
هو في حد بجد هيلبس اللي إنت بتعمله دا!
رضوان بنبرة واثقة للغاية:
بنات الجزيرة كُلهُم يتمنوا.
تحبي تشوفي؟
نظرت له بتحدي لتقول:
عشان بيحبوك يعني ف بيجاملوك؟
رضوان ضحك ضحكة صغيرة ليقول:
لا عشان هيكون معاهُم حاجة أنا اللي عاملها بنفسي.
نظرت له ليلى، والإبتسامة ظهرت على محياها دون قصد أو تكلُف منها.
إستندت بوجهها على يدها وهو يقوم بصُنع العُقد ونسيم الهواء في الجزيرة يُنعشهُم.
أما جبريل وجولييت كانوا في عالمهم الخاص.
لا حواجز ولا قيود ولا شيء يقف في طريقهُم بعد الأن.
لا شيء يؤرقهم سوى إنتظار ذلك الطفل داخل أحشاء جولييت.
ومرت الأيام والأشهُر.
وتصاعد الحُب بين ليلى ورضوان.
وإزداد تعب جولييت من الحمل.
حتى جائت إحدى فتيات الجزيرة بالطائرة الخاصة بجبريل.
وهي محنية الرأس.
خائفة من شيئًا ما.
إقتربت من جبريل الذي كان يجلس على المُرتفع الخاص به وقالت بصوت مُتردد:
قابلتني الساحرة.
وقالتلي إنها هتقولك الحقيقة لما إنت ترجع.
وبقلك كدا لإني عارفة إنك مش هترجع وإنك مُستمر في حياتك مع زوجتك داخل الجزيرة.
عقد جبريل حاجبيه وقال بنبرة هادئة:
دا شيء متوقع.
معتقدش هتسيبني كتير دون البحث عني.
أنا هروحلها بنفسي.
صعب أعيش هربان من شيء طول المُدة دي.
بس حابب أودع جولييت الأول.
تحسُبًا لأي شيء.
قام جبريل ف أمسكت بيده الفتاة وهي تقول بتأثُر:
إنت مش مُضطر تروح.
زوجتك على وشك الولادة.
سحب جبريل يده وقال بعزيمة:
عشان كدا تحديدًا لازم أروح.
نزل عن المُرتفع الخاص به وذهب لغُرفته مع جولييت.
صوت طيور النورس وأمواج البحر التي ترتطم ببعضها البعض.
جلس جبريل على حافة الفِراش.
وهو ينظُر لوجه جولييت النائمة التي فقدت من وزنها الكثير إثر ذلك الحمل.
وأشعة الشمس مّتعامدة على وجهها وشعرها لترسمها ك لوحة عتيقة.
إنحنى ببُطء وهو يُقبلها على شفتيها الرطبتين.
حتى إستيقظت على أنفاسه الدافئة وهي تلمس وجهه بكف يدها وتقول بحُب:
جبريل.
نظر لها بإبتسامة زائغة ثُم قال وهو يُبعد خُصلات شعرها المُزعجة التي تجعلها تُغلق عيونها من آن لأخر:
صباح الخير.
لسه التعب؟
جولييت بصوت ضعيف:
صباح النور.
هو زايد الحقيقة لكني وأخيرًا نمت.
إقترب لها بجسدُه وهي تُتابعه بعينيها حُب حتى أصبح مُلتصقًا بها.
إستند بذراعُه على وسادتها من فوق وهو يتأمل عيناها بحُب ويقول:
في مشوار مُهم لازم أعملُه.
لازم يكون عندك علم بيه.
بدأ القلق يتسرب لعقلها وملامحها وهي تقول:
مشوار إيه؟
ظهرت علامات التردُد على وجهه خوفًا عليها من الإجهاد.
لكنه إضطر أن يُخبرها وقال:
هروح للمدينة.
قبضت على يده فجأة وهي تعتدل ك من جمعت رمادها وعادت من الموت.
إتسعت عيناها وهي تقول بتحذير خائف:
إوعى تروح!
من المؤكد إنها بتدور عليك في كُل مكان.
جبريل بتأثُر:
القنينات على وشك أن تخلص!
والجرح العميق في ظهري هيتعبني تاني.
لازم أروح يا جولييت.
آمتلأت عيناها بالدموع وهي تُحرك رأسها يمينًا ويسارًا برفض.
قبل رأسها وهو ينظُر لها بعينين دامعتين.
وبمُجرد خروجه من الغُرفة حتى إنهارت جولييت ببُكاء بصوت واضح.
ألم قلب جبريل ف هم للعودة لها لكن يد الفتاه أمسكت به وهي تقول:
متضعفش.
روحلها هي.
قالت في كلام مُهم.
عاد جبريل برفقة الفتاة إلى داخل طائرتُه.
وحلق بها عودة لمدينة لقاؤه بجولييت زوجته الحالية.
كانت العودة للمدينة لها أثار سيئة على قلبه ك من إرتدى ثيابه المتسخة بعد دقائق إستحمام.
ولكن الأمر إستحق العناء.
عادت لرأسه الذكريات السيئة مرة أخرى.
لحبيبته الغائبة عند الرب.
لكن كُل تلك الذكريات تلاشت بمُجرد أن لمست الأرض طائرته الخاصة.
وخرج من الطائرة ناظرًا للجو العام حوله.
لم ينوي التجول داخل طُرقات المدينة بل أصر على الذهاب فورًا إلى منزل الساحرة.
إنتظرته فتاة الجزيرة في الخارج.
ليدخُل هو بهدوء وهو يفتح باب منزلها الخشبي الذي أصدر صوتًا ك تلك المنازل المُلبدى بغُبار الزمن العتيق.
لتُغلق الرياح العاتية الباب خلفهُ.
ويقف هو في مُنتصف المنزل باحثًا بعينيه عنها.
حتى وجدها تجلس بالقُرب من المافذة المُغطاة بقش خشب غُرزت بمسامير حديدية.
إقترب خطوتين وقبل أن يخطو الثالثة قاطعت الساحرة تقدمه وقالت:
كفاية عليك كدا.
أنا خلاص خدت حق بنتي.
عقد جبريل حاجبيه قبل أن يقول بإستفهام:
عُذرًا.
مفهمتش قصدك؟
إستدارت لتنظُر له ثُم قالت:
إنت مش ملعون.
الندبة اللي في ظهرك بتزيد.
لما بتستخدم الترياق.
لكن مجرد ما تحطه على جسدك، بتحس براحة إن الألم خف.
في الحقيقة الترياق اللي في القنينة بيزود الندبة وفي بداية كل أول شهر الألم بيكون أقوى.
لكن الألم دا عشان الندبة تخف تمامًا.
أنا أوهمتك إنك هتموت لو مخظتش الترياق اللي في القنينة.
لكن الحقيقة إن الترياق دا بيزود الجرح مش بيخففه.
وإنت هتخف خالص منها.
لما تتألم يوم كامل وليلة كاملة.
والبنت اللي معاك مش هتموت.
دي أوهام ومخاوف عيشتك فيها.
زي ما كُنت السبب في فقدي لبنتي.
وقف جبريل مشدوهًا.
غير قادر على الرد.
الصدمة شلت حواسه وهو ينظُر لتلك الشمطاء التي قلبت حياته لأيام!
وجعلته يبحث من تلقاء نفسه عن ذلك السُم الذي سيُجدد ألامه بداية كُل شهر.
كور يده بغضب ثُم قال:
مش أنا المُتسبب في وفاة بنتك العزيزة.
دا إنتي!
لإنك من البشر المُتحكمين فيما يخصهم لدرجة تدمير حياتهُم!
إنتي موثقتيش فيها ولا أمنتي بالحُب.
وقفت الساحرة وهي تستدير وتنظُر له ثُم قالت بنبرة بها الكثير من الأسى:
أمنت بالفضيحة.
وبسيرة الحُب الملوث بالخطيئة اللي كانت على لسان كُل أهل البلدة.
ولإخراسهُم كان لابُد من نفيك وإنت هزيل.
وزواج بنتي من رجُل أخر.
وبالفعل حصل.
لكن كان الغير متوقع إن حياتها تنتهي.
جبريل بعتاب قاس:
لإن كبت المشاعر هو دفن الشخص وهو حي.
وإجبارك ليها تعيش مع شخص عمر قلبها ما دق ناحيته.
ودفنك ليا بتُراب مخاوفي طول الوقت دا.
لفكرة الإنتقام السخيفة اللي ترسخت في عقلك رغم إنك إنتي القاتلة!
ليه قولتيلي؟
رفعت هي رأيها وقالت بأعيُن سوداء لمعت بدموع الندم:
لإني حلمت بيها.
بتتعذب لعذابك.
ومكونتش قادرة أكون سبب وجعها لحد يومنا هذا.
متوقعتش إنها حبتك الحُب دا.
لذلك قررت إني أفصح لك عن خطتي في القضاء عليك بتمهُل.
من الواضح إن أرواح العالم الأخر رفضت عذابك.
جبريل بنبرة أخيرة:
فوق كُل خطاياكِ وذنوبك اللس إنتي غفلتي عنهم لتُحاكميني أنا وبنتك على خطيئة واحدة بإسم الحُب.
ف أنا مش مسامحك.
خرج جبريل من منزلها.
يلوذ بقدميه بعيدًا عن تلك الدار المُدنسة بأفكار الشيطان.
يُحيطه من كُل إتجاه الحُزن والتخبُط.
يعُض على أصابعه ندم لإنه لم يستطع حماية عشيقته التي ماتت.
وقلبه ينبُض الأن لجولييت فقط ولطفلهُم القادم.
عاد لطائرته وظل يستمع لفتاة الجزيرة التي رافقته الرحلة.
وهي تنهال عليه بأسئلتها الفضولية لكنه لم يكُن بحالة جيدة ليُجيب.
عاد للجزيرة وظل طوال الليل فوق تلك القمة.
حتى جاء الصبح.
بداية لشهر جديد.
دلف جبريل لغُرفة وأغلق الباب عليه وظل يتألم طوال اليوم.
مُتجاهلًا الطرق على باب غُرفته في محاولة منهم لإعطاؤه الترياق.
حتى سقطت جولييت بين أيادي فتيات الجزيرة وسقط منها ماء الولادة.
ليحملها رضوان بين ذراعيه ويضعها في فراشها.
ومن هُنا قُمن الفتيات بمُساعدتها لإخراج الطفل بأمان.
هي تصرُخ من شدة الألم وجبريل كذلك في مقاومة منه لتلك الندبة.
خارت قواه وفقدت جولييت الوعي بعدما خرج الطفل.
قام الفتيات بمُداعبته ونظروا له بحُب وسعادة وهُم يدثرونه بالملاءة الصغيرة ويضعوه بين يدي خالته ليلى.
كان جبريل يتألم في غِرفته ولكنه يبتسم بين الحين والأخر وهو يستمع لبُكاء الطفل.
كانت ليلة قاسية ومُرهقة على الجميع.
صباح يوم أخر.
إستيقظت جولييت على شيئًا ما رطب يلمس شفتيها.
لتفتح عيناها وتجد جبريل يُقبلها بحُب ويظهر عليه علامات الإرهاق.
لمست وجهه بأطراف أصابعها وهي تقول بتعب:
إنت بخير؟
ليه مخدتش الترياق؟
قبل أصابع يدها بشفتيه وهو يقول:
هشرحلك بعدين.
شوفتي إبننا؟
إبتسمت جولييت إبتسامة واسعة وهي تقول:
تؤ لسه.
هو فين؟
ضحك جبريل وهو يرتدي قميصه بلون السماء.
مُتناسب تمامًا مع خُصلات شعره الشقراء.
وحمل ملاءة صغيرة مت فوق الفراش ووضعها على حُضن جولييت التي نظرت بحُب عميق للطفل الذي يُشبه ملامح والده كثيرًا وقالت:
يا حبيب ماما.
وحشتني ووحشني أشوفك.
تسع شهور مستنياك.
عقد جبريل حاجبيه وهو ينظُر بحُب لجولييت وقال:
وأنا سنين مستنيكي.
لولا ظهورك في حياتي كان زماني مُستسلم لحُزن القدر.
كان في مُكرب نا قال مقطع من أغنيته.
ليالي كُنت مش عايش ومستنيكي تحييني.
وجودك أحياني يا جولييت.
الصُدفة اللي جمعتني بيكي في المتجر.
كانت طوق نجاتي.
إعتدلت بصعوبة نظرًا لتعبها من الولادة ووضعت جبهتها فوق جبهته وهي تقول:
أنا بحبك.
إنت عرفتني يعني إيه عوض عن أيام سيئة.
ويعني إيه سعادة بعد شقاء.
إديتني أكتر ما أنا إديتك.
أصدر طفلهم صوت ليُخبرهم أن هنا.
فضحكوا.
قالت جولييت وهي تحتضن طفلها وتضع راسها فوق صدر جبريل الذي ضمها له:
هي ليلى شافت البيبي؟
هي فين!
أشار جبريل بعينيه إلى النافذة.
وقال:
بتبتدي قصتها هي.
نظرت جولييت من خارج النافذة لتجد رضوان قد جلس على رُكبتيه وهو يقُدم لها خاتم قد صنعه بنفسه بنية الزواج.
وليلى تقف سعيدة أمام البحر وتمد يدها ليضع لها الخاتم.
إبتسمت جولييت براحة وهي تُغلق عيناها.
قبل جبريل رأسها وهو ينظُر للسماء شاكرًا القدر لتلك السعادة.