وضعها خالد في حجرته الخاصة، وأغلق الباب عليها من الخارج بالمفتاح. كانت قد استسلمت لمصيرها، ولم يعد لديها القدرة على المقاومة. دارت بعينيها تتأمل ما حولها: فراش أسود وأغطيته حريرية سوداء، وسجادة الأرض والستائر أيضًا كانت سوداء، أما الجدران وحدها فكانت شديدة البياض. طلب منها خالد أن تستعد لكتب الكتاب، ولكنها لا تعرف كيف تستعد. انساابت دموعها من جديد وهي تقف في منتصف الغرفة لا حول ولا قوة لها.
فتح الباب ودخل خالد ونظر إليها عابسًا وقال: "هل ما زلت تقفين هكذا؟ اقترب منها وكان يحمل شيئًا مغلفًا بين ذراعيه وعلبة مستطيلة وتابع: "ارتدي هذا. لقد وصل المأذون." تجمدت الدماء في عروقها واتسعت عيناها من الخوف. جز خالد على أسنانه غاضبًا من ردة فعلها وصاح: "لا تختبري صبري يا زينة. حتى الآن أنا أتعامل معك بطريقة جيدة، فلا تدفعيني لكي أغير معاملتي لكِ." ثم ألقى بما في يده على الفراش وقال قبل خروجه:
"أمامك نصف ساعة فقط، بعدها سأعود وإن لم أجدك جاهزة سأضطر إلى مساعدتك بنفسي." انكمش جسدها وارتجفت شفتها السفلى فتابع بنفاذ صبر: "وبالله عليكِ كُفي عن البكاء." *** رن جرس الباب وانتظر، ولكن لم يجبه أحد. انتظر قليلًا وطرق الباب بقوة، وكانت النتيجة واحدة. أصابه اليأس، فأمله الأخير كان في أن تكون قد عادت إلى بيت والديها، ولكن لا يوجد أحد هنا.
جلس آدم على درجة السلم المواجه للباب ودفن وجهه بين كفيه بتعب. أخبره فراس من قبل أن غضبه سوف يفقده، وقد فقد أهم شيء حصل عليه في حياته. لو كان فكر وتريث لأدرك أن زينة ليست فتاة تلقي بنفسها على رجل، وكان من الأولى أن يكون هو ذلك الرجل. لقد أحبته، وكان من السهل عليه أن يكتشف ذلك من شدة تعلقها به وعيناها التي تبحث عنه باستمرار. إنها شفافة كطفل صغير يسهل قراءة مشاعره. أراد أن يحتفظ بها بجواره سعيدًا بامتلاكها. أعجبه شعور
الصفاء الذي يشعر به وهي بجواره. فكرة أن يمتلك امرأة بمواصفاتها كانت تغريه. وعندما شعر بمنافسة أصدقائه له، هب ووقف كجدار عازل بينها وبينهم، وكان على استعداد لخسارتهم من أجلها، وأدرك أخيرًا أن ما يدفعه لذلك لم يكن حب الامتلاك ولكنه حب من نوع آخر.
مشاعر الغيرة الحارقة صدمته وهو يراها بين ذراعي حميد. أعمته الغيرة والغضب إلى حد جعله يفكر بقتلهما في تلك اللحظة. ذهب وقرر تركها وهو يلعن نفسه لأنه أحب بعد أن كان يعتقد بأنه أصبح محصنًا ضد مشاعر الضعف التي تسمى الحب. فقد خانته جليلة، وأحس بالقهر مما فعلته به، ولكن خيانة زينة كادت أن تفقده عقله، وحرقت قلبه، وتقريبًا تمنى الموت عن ذلك الإحساس.
أمر بيدرو بتحضير القارب للإبحار، ولم يجب على أسئلة الشاب عن الآخرين، وصرخ في وجهه أن ينفذ الأمر أو يترك القارب هو الآخر. وظل يدور حول نفسه ككتلة من النار يلعن نفسه ويلعن الجميع. وكان تقريبًا في منتصف الطريق إلى إسبانيا عندما بدأ يفكر. فقط عندما بدأ يشتاق إليها. فقدها كان أكثر قسوة على قلبه من أي شيء آخر.
تذكر عندما هجروها وحدها في ميلانو. عندما اختفت وكاد يفقد الأمل في العثور عليها، ثم رآها وهي تعبر الطريق شاردة وجسدها النحيف منكمش بخوف، وكادت سيارة أن تصدمها، فتوقف قلبه لحظتها عن الخفقان. صورتها وهي تحدق في وجهه بلهفة وعدم تصديق، ثم إلقاءها بنفسها بين ذراعيه تحتضنه بقوة وتتهمه باكية بأنه تركها وحدها وذهب. كل ذلك جعله يفكر بعيدًا عن الغضب المدمر الذي كان يلغي عقله،
وجملة واحدة ظلت تتردد: مستحيل أن تكون زينة خائنة، ولا يمكن أن تتحول لفتاة مستهترة.
لذلك أمر بيدرو بأن يدور بالقارب والعودة به إلى مونت كارلو، وهو يدعو أن لا يكون تأخر كثيرًا، وأن لا تكون قد سقطت بين أيدي مطارديها. لقد فعل الكثير كي يمنعهم عنها ويخفيها. وفي الفندق وجد الجميع قد رحل، وكانت حجرتها الوحيدة التي لم يتم تسليمها، ووجد ملابسها القليلة ما زالت هناك، ولكن هي كانت قد اختفت. بحث عنها في كل المدينة ولم يعثر لها على أثر، وقد قابل أحد أصحاب القوارب التي كانت ترسو جوارهم وأخبره أن فتاة كانت تبحث عن قاربه وبدت قلقة وخائفة. وكانت تبكي. بكى قلبه وتقريبًا دمعت عيناه التي لم تعرف البكاء يومًا، وكان أمله الأخير والواهي أن يجدها قد عادت إلى بيت والديها.
رفع وجهه ونظر إلى الباب الموصد والذي يعتليه الغبار. في المرة السابقة التي جاء فيها إلى هنا، لم يكن يكسوه الغبار وفتحت له الباب فتاة جميلة شاحبة الوجه بدت خائفة ومضطربة، فعرف على الفور من تكون. إنها أخت زينة، فشعر بالاشمئزاز وسألها بقسوة: "هل السيد مختار موجود؟
كان هنا في مهمة مقابلة والد زينة وطمأنته عليها قبل أن يباشر بتغيير هويتها لإخفائها عن من يطاردها بعد أن جاءته التحريات التي طلبها بأن أصحاب ذاك اليخت يبحثون عنها. دمعت عينا الفتاة وقالت بصوت يرتجف: "لقد مات أبي." عبس آدم شدة وشعر بالتعاطف مع زينة وليس مع تلك الفتاة وقال: "البقاء لله. وزوجته هنا؟ سألته بريبة: "من أنت؟ ابتسم ساخرًا وقال بلهجة آمرة جعلت الفتاة تقفز فزعًا دون سبب حقيقي لذلك: "أريد مقابلتها من فضلك."
"تبدو مثله. هل هو من أرسلك؟ ضاقت عيناه: "من هو؟ تراجعت إلى الخلف فتبعها إلى الداخل، وسمع صوتًا مرهقًا يقول: "من بالباب؟ التفت برأسه إلى اتجاه مصدر الصوت: "هل هذه والدتك؟ لم تجب وظلت تحدق به بخوف، خروج والدتها شتت انتباهه بعيدًا عنها وسألت: "من الأستاذ يا نبيلة؟ ولدهشته ظهر الخوف عليها هي أيضًا، وتساءل عن السبب وإن كان هناك من يرهبهما: "أنا هنا بخصوص زينة." كادت المرأة أن تفقد وعيها، فأسرع يمسك بيدها فقالت له بتوسل:
"هل تعرف أين هي زينة؟ هل هي بخير؟ طمني عليها." ثم انخرطت في البكاء وأخذها إلى أحد المقاعد وأجلسها عليها وقال يطمئنها: "زينة بخير. إنها تعمل عندي ولكن خارج مصر. لا تقلقي عليها، جئت لكي أطمئنكم عليها فهي كانت قلقة من أجلكم. وآسف بشأن وفاة والدها فقد كانت متعلقة به جدًا كما فهمت منها." "حمدًا لله. حمدًا لله. إنها فتاة طيبة ويتيمة وتستحق الخير. مات أبوها حزينًا ومقهورًا عليها." جاء صوت نبيلة ضعيفًا ومترددًا من خلفه:
"هل هي بخير حقًا؟ لم تمت أليس كذلك؟ استدار إليها ووجد الدموع تغرق وجهها وتتابع: "لا تجعله يجدها. إنه يبحث عنها ولن يرتاح إلا إذا وجدها." سألها بحدة: "من هذا؟ "إنه الشيطان الذي فعل بنا كل هذا." وكانت قد وضعت يدها على بطنها بطريقة جعلت عينا آدم تتسع بإدراك. إنها حامل ومن ذاك القواد. فهزت له رأسها: "نعم. وهو يريدها كذلك وأكثر مما أراد أي شيء في حياته." قالت أمها بتوسل:
"ولا تخبرها بأن والدها قد مات يا بني. ليس في غربتها هذه." خرج يومها من عندهم وهو مصر أكثر على حمايتها وبأي شكل. *** في الحديقة كان فراس يحمل ابنه حمدان على كتفيه ويدور به، والآخر يضحك بمرح، ثم أنزله أخيرًا وقال: "هذا يكفي لقد أتعبتني."
وضعه على الأرض وبحث بعينيه عن أروى ولم يجدها. كانت تجلس تراقبهما وتضحك ولكنها اختفت، وهذا أشعره بنوع من الحرمان. فكر بمكر، ربما تكون قد صعدت إلى غرفة نومهما، وهذا هو المكان الذي يتمنى أن يجدها فيه. أسرع يعتلي الدرج وهو يُمني نفسه بساعة من الراحة بين أحضانها. وجدها هناك بالفعل تجلس على حافة الفراش وظهرها إليه. صعد إلى الفراش وطوقها بذراعيه من الخلف دافنًا وجهه في عنقها يتنشق رائحتها التي لا تشبه غيرها: "أين ذهبتِ؟
لم تجبه، وبعد لحظات أدرك أنها لا تتجاوب معه كما اعتاد خلال الأيام القليلة الماضية منذ عودته، والخجل الذي أصبح يثيره أكثر من الإغراء الوقح. سألها: "هل أنتِ بخير؟ رفع وجهه ونظر إلى جانب وجهها ولاحظ أنها شاحبة وشاردة وكأنها لا تشعر بوجوده، فاعتدل جالسًا إلى جوارها وأدار جسدها إليه، ورأى نظرة الخواء في عينيها فقال بقلق شديد: "حبيبتي؟ ماذا بكِ؟ تنظر إلى عينيه فهزها برفق: "أروى؟
ودون سابق إنذار انساابت الدموع غزيرة من عينيها ونظرت إلى عينيه. حزن ولوم وعتاب. مرارة وخيبة أمل. رسائل وصلت إليه من خلالهما فقال بضعف وغصة بحلقه: "أروى. أنا... مدت له يدها التي تحمل هاتفها فأخذه منها وهو يحاول ابتلاع ريقه. العديد من الصور له مع كاميليا ومنها صور لهما أُخذت في غرفة نومهما. شعر بالبرودة تجتاح جسده وغار قلبه: "من أرسلهم؟ وقفت ببطء وابتعدت عن الفراش تحدق به. للحظات ثم قالت بصوت متحشرج:
"وهل من المهم أن تعرف من أرسلهم؟ عجز عن الرد فتابعت بصوت أقوى قليلًا: "المهم هو هل هذه الصور حقيقية أم لا." وعندما لم يقل شيئًا وأطرق برأسه صاحت: "صحيحة؟ تتركني هنا بالأيام والأسابيع وحدي أشتاق إليك بحجة الأعمال وأنت تقضي أوقاتك بين ذراعي النساء. كم مرة خنتني؟ "كنت متزوجًا منها." قالها بخجل شديد غير قادر على النظر إلى وجهها فقالت بمرارة: "تزوجتها؟ وكم امرأة تزوجتها دون علمي؟
الشرع حلل لك الزواج ولكن حرمه إن لم تعلم زوجتك به. فهل أعلمتني؟ هل خيرتني بين الموافقة عليه أو تركي لك؟ رفع إليها وجهه متفاجئًا فتابعت بمرارة: "هذا حقيقي. من حقي أن أرفض وأطلب الطلاق إن لم يناسبني زواجك بأخرى علي. هذا هو شرع الله الذي ذهبت وخالفته. لقد خنتني وأهنتني وبسبب امرأة يستطيع أي رجل الحصول عليها." وقف فراس وقد شحب وجهه بشدة. حتى أروى تعرف عن كاميليا ما لم يكن يريد أن يصدقه عنها. مد يده محاولًا لمسها فانتفضت
تبتعد عنه وهذا آلمه بشدة: "لقد أخطأت ولكني عرفت خطأي وتعلمت منه، وجئتك نادمًا تائبًا، وأريد أن أكرس بقية عمري لك ولأولادنا." ضحكت بمرارة ساخرة: "وهل علي أن أصدقك؟ وهل يجب علي أن أسامحك بهذه البساطة؟ قال يترجاها: "أعرف أن مسامحتك لي لن تكون سهلة ولكن... قاطعته بغضب وعنف شديد أذهله أن يراه منها:
"لن يكون هناك سماح من الأصل. لقد انتهى كل شيء. تحملت أنانيتك وجفاءك على أمل أن يأتي يوم وتراني فيه كما أراك. كنت أصبر نفسي بأنك نوع من الرجال يأتي عمله في المرتبة الأولى قبل زوجته، وقدرت تعبك من أجلنا وقمت بدور الزوجة الوفية العاقلة، ولكن اتضح لي أنني مجرد زوجة غبية. هل تعرف ما الذي ضحيت به من أجلك؟ يرد لأنه لا يعرف فتابعت:
"كنت قد بدأت بتحضير أوراقي للسفر إلى أوروبا لعمل دراسات عليا، وكان هذا حلمي وأمل أبي ورغبته، وكان يشجعني. أراد أن يراني أستاذة جامعية يفتخر بها. وعندما تقدمت لخطبتي تركت حلمي وحلم عائلتي من أجلك، ورضيت أن أصبح فقط زوجة وأم، وكنت فخورة بذلك. وهل تعرف بماذا أشعر الآن؟ أشعر بأنني ضيعت سنين عمري هدرًا على رجل لا يستحق مجرد التفكير به. ابتئست نظرات فراس وانقبض قلبه وهو ينتظر ما هو آت.
أريد الطلاق، سوف أعود إلى بيت أبي وأرجو أن تتم إجراءات الطلاق دون مشاكل. تركته وانصرفت برأس شامخ ووقف هو مطرق الرأس يتجرع مرارة الهجر. **** خرجت زينة من الغرفة ترتدي ثوب زفاف أبيض وحذاء أبيض عالي الكعبين. وقف خالد أمامها ببذلة سهرة وكان رائعًا، يخطف أنفاس أية امرأة بوسامته المدمرة وشخصيته الطاغية وابتسم لها بحب ورقة وقال وعيناه تلمعان: رائعة كما تخيلتك دائمًا. أمسك بيدها فارتجفت فقال وهو يحتضن يدها إلى صدره:
أحبك، أستطيع أن أبادل العالم كله بك. ثم وضع ذراعها بذراعه وسار بها إلى الصالون حيث يوجد المأذون واثنين من الرجال. تم كتب الكتاب ومرت الإجراءات كالحلم على زينة وانهالت المباركات من الشيخ والشهود وبعد لحظات كانوا قد رحلوا وأصبحت وحدها مع خالد، مع زوجها. **** تفاجأت نبيلة بذلك الرجل يجلس على درجة السلم أمام باب بيتهم. أنت؟ رفع آدم نظره بلهفة ورأى أخت زينة تقف أمامه وكان الإرهاق جليًا على وجهها فسألها على الفور بلهفة:
هل عادت زينة؟ قالت بحدة: ألم تقل أنها معك؟ لقد أضعتها ولا أستطيع العثور عليها. شحب وجهها أكثر وقالت: قد يكون خالد وجدها. هب واقفًا وقال: هل تعرفين أين يمكن أن أجده؟ أعرف بيته، نعم. سحبها من يدها إلى السلم بعنف: خذيني إليه. تراجعت برعب وهزت رأسها بذعر: لا، لا، أنت لا تعرف ماذا يمكن أن يفعل بي، سوف يقتلني. غلى صدره وسرى الخوف في أوصاله، زينة، قد تكون الآن تحت رحمة ذلك الشيطان. جذبها بشدة:
كفري عن ذنبك في حقها، يجب أن أجدها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!