ظلت زينة جالسة في مكانها على الأريكة بعد رحيل المأذون والشهود. وقف خالد عند الباب يتأملها بحزن. لم يكن هذا ما توقعه وحلم به عن ليلة زفافهما. أرادها عروس سعيدة تنتظر تودده إليها بلهفة وسعادة لا أن تجلس وكأنها في انتظار حكم بالإعدام. لوى شفتيه بمرارة ثم تمالك نفسه واقترب منها وجلس إلى جوارها.
انتفضت تبتعد عنه فوضع يده على ذراعها يمنعها من الابتعاد وهمس في أذنها بعشق وقلبه يخفق تأثرا وكان هذا غريبا عليه يجربه فقط لأول مرة معها. –أحبك. وضع فمه على شعرها وقبلها برقة فشهقت وكادت أن تبكي ولكنها تمالكت نفسها حتى لا تغضبه فقال بحنان حزين. –لا تخافي.. أنا لن أجبرك على شيء حبيبتي. رفعت وجهها إليه لهفة. –حقا لن تفعل. ربت على وجنتها وعيناه تحوم على ملامحها الرقيقة بنظرة شوق لم يستطع إخفاءها.
–نعم.. سأعطيك كل الوقت الذي تريدين حتى تعتادين علي. ثم طوقها بذراعيه وقال وهو يدفن وجهه في شعرها. ولكنه لن يتوانى عن محاولة إغوائها. واقسم أنه سيجعلها تأتي إليه راغبة وقريبا جدا. فهو في شوق كبير إليها ولن يكفيه العمر كله كي يطفئ نيران شوقه. تابع. –يكفي أن تكوني قربي.. ملكي.. لا يجرؤ أحد على أخذك بعيدا عني. ظل يحتضنها ويهدهدها كطفل صغير. سحب دبابيس شعرها وجعله ينساب على ظهرها وراح يمسح عليه بحب وهو يقول.
–شعرك يعجبني.. إنه عكس شخصيتك.. يبدو ثائرا متمردا ولكن أنت.. أنت كالماء الرائق.. صافية القلب والنية.. والأهم أنك أصبحت لي. غامت عينا زينة وهي قابعة في حضنه. تخشى أن تبتعد فيغضب فكانت شبه مستسلمة لما قد يفعله بها ولكنه وعدها أن لا يجبرها على شيء وهي تصدقه فهو لم يحاول فرض نفسه عليها منذ أن وجدها. صوت جرس الباب أجفلها وجعل ذراعي خالد تشتد عليها وقال بضيق. –من القادم الآن؟
ابتعدت زينة عن ذراعيه ولم يمنعها ووقف ليرى من القادم. **** أنها تتجاهله عمدا.. تختفي من أي مكان يظهر فيه. دخل حميد عابس الوجه إلى غرفة الجلوس الملحقة بحجرة نوم أمه والتي كانت تجلس على الأريكة وبيدها فنجان قهوة تحتسيه بهدوء وسألته. –ماذا بك؟ قال بتشدق. –لا شيء.. أشعر بالملل. –ولماذا لا تخرج أو تذهب للعمل.. لم أعتاد على مكوثك في البيت هكذا. وضع يديه في جيب سرواله وقال. –ما زلت في إجازة ولا أشعر بالرغبة في الخروج.
نظرت إليه أمه بتمعن لبعض الوقت مستغربة من توتره. –أنت وشقيقتك تبدوان في حالة غريبة.. لا أعرف ما الذي حدث بينكما.. أخشى أن تنتكس حالتها مرة أخرى وتكون أنت السبب. قال بحنق. –أعتقد أننا يجب أن نتركها تواجه واقعها وحدها ونكف عن تدليلها.. إنها تلجأ إلى لي أذرعنا باستمرار بسبب ما مرت به وتنسى أنها هي من تسببت بكل هذا لنفسها. سألته أمه بتردد. –وماذا عن آدم.. كانت تأمل في أن يعود إليها و..
قاطعها حميد وقد أزداد حنقه عند ذكرها لآدم. –بالله عليك يا أمي.. لا أعرف كيف تفكرين أنه سيقبل بها بعد ما فعلته به.. وأنت تعرفين جيدا مدى قسوته. اعترضت أمه قائلة. –إنه رجل جيد وصديقك المقرب. –ولكنه لم يعد يحبها وأستطيع أن أؤكد لك أنه وقع في حب فتاة أخرى وجليلة تعلم ذلك.. يجب عليها الآن أن تتخطى حبها القديم وتفيق مما هي فيه. هزت أمه رأسها بأسف. –معك حق. سألها بعد تردد. –جنة ليست هنا؟ ابتسمت أمه وقالت بمكر.
–لم تعد تدعوها بجهنم. –حتى لا تغضب.. فهي.. قاطعه دخولها من الباب باندفاع قائلة. –خالتي.. أنا ذاهبة. استدار حميد إليها ووقف مصعوقا مما رآه وقد ألجم لسانه. كانت ترتدي ثوب أحمر ضيق وقصير جدا أظهر تناسق ورشاقة جسدها الذي كان مختفيا داخل القفاطين التي كانت ترتديها باستمرار. انتبهت جنة لوجوده فشهقت بغضب وهي تضم معطفها لتخفي جسدها عن عينيه الجائعة وهبت في وجهه كالقطة. –إلى ماذا تنظر يا قليل الأدب؟
.. ألا تخجل من التحديق بي هكذا؟ أفاق حميد من صدمته برؤية جمالها و احتقن وجهه بشدة من سبابها له وسألها بحدة وهو لا يتخيل أنها ستخرج هكذا. –إلى أين أنت ذاهبة هكذا؟ أشاحت بوجهها بعيدا عنه متجاهلة سؤاله وقالت لأمه. –إلى اللقاء يا خالتي لن أتأخر. ثم استدارت وخرجت من الغرفة مارة بجواره وكأنه هواء. وقف حميد ينظر في أثرها بذهول للحظات ثم استدار إلى أمه وقال بغيظ. –إلى أين هي ذاهبة بهذه الملابس؟
حاولت أمه إخفاء ابتسامتها ولكن عيناها فضحتها. –وما هو وجه اعتراضك على ملابسها؟ .. جليلة ترتدي مثلها ولا تهتم لذلك. احمر وجهه بشدة وأسرع إلى النافذة ورأى جنة تركب السيارة في المقعد الخلفي. كانت قد أغلقت أزرار معطفها الطويل ولكنه ما زال يعلم أنها ترتدي ذلك الشيء الأحمر الصغير من تحته. تحرك السائق بالسيارة وظل يتابعها بغيظ إلى أن خرجت من البوابة واختفت. استدار إلى أمه وقال بعصبية.
–جليلة كبيرة وناضجة ولكن هذه الفتاة ما زالت صغيرة.. صغيرة جدا لترتدي هكذا. ثم صمت ليبحث عن شيء مقنعا ليقوله وتابع. –بالله عليك.. كيف تسمحين لها بالخروج وحدها وهكذا؟ لم تتمالك أمه نفسها وانطلقت تضحك مقهقهة بصوت عالي وقالت. –لا تقلق.. اليوم حنة ابن خالك وهي ليلة للفتيات فقط. لم يهدئ هذا الكلام مما كان يشعر به. –ولو.. ذلك السائق ما زال شابا كيف تخرج معه بمفردها. –وهل ستغار عليها من السائق؟
بهت وجه حميد وقد صدمه ما قالته أمه وقال معترضا. –أغار؟ .. أغار على تلك السليطة اللسان؟ أنا لا أطيقها.. لا يمكن أن يطيقها أحد. تنهدت أمه وقالت. –لماذا لم تعرض عليها أن توصلها بنفسك؟ رد بضيق شديد. –لم تكن لترضى.. إنها تتجاهلني تماما كما رأيت.. تتجاهلني باستمرار ولا تتذكرني إلا عندما توجه لي السباب فقط. ****
فتح خالد الباب وتحجر وجهه على الفور عندما رأى نبيلة أمامه لم يتوقع أن تتجرأ وتأتي بقدميها إلى عنده ولكنه لم يقف عندها كثيرا وركز انتباهه على الرجل الذي يرافقها ونظر أحدهما إلى الآخر بثبات. شعر خالد بالحذر منه فنظراته وكأنها تكاد تفتك به وتساءل عن السبب. واستبعد أن تكون نبيلة هي السبب فهي ليست بالشخص الذي يقاتل المرء من أجله وهنا دق ناقوس الخطر في رأسه. فتاة واحدة يعرفها قد تدفع الرجل للموت من أجلها.
إنها فتاته هو.. زوجته. قال ببرود ومن داخله متحفز للقتال. –نعم. تحرك الرجل بعصبية وظلت عينا خالد تراقب تحركاته بتأهب وكان قد سد الباب بجسده. كانت نبيلة تقف مصفرة الوجه وهي تقول بتلعثم سببه الخوف. –زينة.. هل هي معك؟ ضاقت عيناه ولمعت بشراسة. –وما شأنك بها؟ .. أشكري ربك أنك نجوت من بين يدي وكان هذا من أجل خاطرها فقط. انتفض الرجل خلفها وتقدم مزيحا نبيلة من أمامه قائلا بحدة. –أين هي؟ .. هل هي معك؟
أوقفه خالد بأن دفعه في صدره قائلا ببرود قاتل. –ومن أنت؟ .. وما الذي تريده من زوجتي؟ لم يعرف خالد من منهما أصبح أكثر شحوبا من الآخر وهو يرى الصدمة على وجهيهما. –زوجتك؟ لم يعد لدى خالد شك بأن هذا الرجل جاء من أجل امرأته ولكن ما جعل أعصابه تثور هو تساؤله عن من هو بالنسبة لها وما مدى ما وصلت إليه علاقته بها وتذكر ذلك الرجل الذي قابلهم في الميناء. –نعم زوجتي. قالها بشراسة وتابع. –والليلة هي ليلة زفافنا.
دفعه الرجل بقوة إلى الداخل وكاد أن يسقطه على ظهره وراح يتقدم منه مهددا. –أنا لن أتركها تحت رحمة حقير مثلك. هب خالد متقدما نحوه ولكن صوت زينة سمره في مكانه. –آدم. اللهفة والشوق في صوتها قتله تقريبا. التفت إليها ورآها تنظر إلى ذلك الرجل وكأنها تنظر إلى روحها فتوقف النفس في حلقه وارتعب. تقدمت زينة وهي تتعثر في مشيتها وتمد يدها أمامها فاندفع الرجل ليلاقيها ولكنه لم يستطع أن يبقى متفرجا وأسرع يجذبها إلى ما بين ذراعيه.
اختطفها قبل أن تصل إليه وللحظة ظن أنها ستقاومه ولكنها عادت واستكانت بتخاذل ووقف الرجل مذهولا. يحدق بهما مصدوما وهو يقول بعدم تصديق. –هل تزوجته حقا؟ .. تزوجت من ذلك السافل؟ هزت رأسها بعجز فشعر خالد بالنار تنهش جسده وقال بغضب مخيف جعل جسد زينة يرتجف بين ذراعيه ولكن ليس لهذا الرجل الذي لم تهتز له شعرة وظل يحدق بزينة. –خذ هذه الحقيرة وأخرجا من هنا حالا وإلا فعلت ذلك بنفسي.
تراجعت نبيلة إلى الخلف حتى أصبحت عند الباب ولكن آدم ثبت في مكانه رافضا التزحزح وقال بشراسة مماثلة. –لن أذهب من دونها.. بالتأكيد أنت أجبرتها على الزواج منك رغما عنها.. أعرف أنها ما كانت لتقبل بالزواج منك لولا ذلك. كان محقا وزاد قوله من غضب خالد. –وإن يكن.. هذا لا يخصك ولا يعنيك في شيء. –بل يعنيني.. كنا سنتزوج. اشتدت ذراعي خالد حولها وقال ببرود قاتل. –إنها لي الآن.. أنا من فزت بها.
شاط عقل آدم ونظر إلى وجه زينة بمزيج من الألم والغضب. –كيف وافقت على الزواج منه وأنت تعرفين عنه كل شيء. همست بضعف. –من أجل والدي. شهق آدم. هذا ما ابتزها به. لم تكن تعلم بموت والدها وذلك الشيطان استغل جهلها. –لقد مات أبي يا زينة.. مات بسبب ما فعلته بك وبنفسي. صاحت نبيلة بتلك الكلمات بصوت معذب وكأنه يقتطع من نياط قلبها.
تراخى جسد زينة بين ذراعي خالد ورمشت بعينيها غير مصدقة لما سمعته من نبيلة والتي كانت ترفض النظر إلى وجهها إلى أن نطقت بتلك الكلمات التي حطمت قلبها. مات أبوها؟ .. مات وهي بعيدة عنه؟ .. مات الرجل الذي ألقت بنفسها في النار من أجله مرتين.. مات وهو مقهور عليهما؟ نظرت إلى آدم باتهام وقالت. –أخبرتني أنه بخير.. أخبرتني أنه أجرى الجراحة وأنه يعرف أنني سالمة.. فهل كذبت علي؟ شعر آدم بالحزن مشفقا عليها.
أسود العالم في نظر زينة فللمرة الثانية تصبح تضحيتها بلا جدوى. أقترب آدم منها وقال. –نبيلة حامل. فكر يائسا إن هي عرفت بأن أختها حامل من الرجل الذي تزوجت منه سوف تتركه وتذهب معه. نظرت إليه مشوشة الذهن وقلبها الحزين الملكوم لم يعد فيه مكان للمزيد. قال خالد صارخا بغضب في نبيلة. –ألم أطلب منك أن تتخلصي من ذلك الشيء. التفتت إليه زينة والدموع تنساب من عينيها غزيرة. –عن أي شيء تتحدث؟
صاحت نبيلة بمرارة وهي تتقدم منهم وقد واتتها بعض الشجاعة. –عن طفلي.. طفلة… يريدني أن أقتله. شهقت زينة بالبكاء وقالت وهي تهز رأسها. –لا.. لا مزيد من القتل.. لا مزيد من الموت.. لا أريد. حاول خالد احتوائها وتهدئتها ولكنها صاحت بهستيريا وهي تنتقض بعيدة عنه وأمام دهشتهم أسرعت إلى نبيلة تعانقها بقوة وهي تقول. –لا.. لا تخافي.. لن أتركك أبدا.. ولن أسمح لأحد بأن يؤذيك أبدا. ضمتها نبيلة بقوة في المقابل وقالت وهي تشهق بالبكاء.
–آه يا زينة.. سامحيني أرجوك.. أنا آسفة.. وليت أبي يسامحني. وقف خالد وآدم عاجزين عن فعل شيء وكلا منهما في حالة انتظار لما ستقرره زينة وكلاهما مصر على الفوز بها. **** خرجت جنة من بيت عروس ابن خالها لتجد سيارة مختلفة عن التي جاءت بها بانتظارها فاقتربت قليلا واكتشفت أن السائق أيضا مختلف وجزت على أسنانها غيظا عند رؤيتها لحميد. صعدت إلى المقعد المجاور له وسألته بغلظة. –ماذا جاء بك إلى هنا؟ .. وأين السائق؟
أدار المحرك وبدأ بالتحرك بالسيارة وهو يقول. –فضلت أمي أن آتي بنفسي لأخذك من أن يفعل ذلك شاب غريب. ابتسمت جنة باستهزاء وقالت. –حقا؟ .. خالتي قالت ذلك.. عجبا. سألها عابسا. –ماذا تعنين؟ –لا شيء. ثم أشاحت بوجهها بعيدا وبدأت في تجاهله ومرت نصف ساعة كان ينتظر منها أن تقول شيئا ولكنها استمرت على صمتها فكاد أن يصرخ في وجهها فتصرفها معه بتلك الطريقة يستفزه. قال أول شيء خطر بباله ليفتح معها حوار. –كيف كانت الحنة؟
–تقصد الفتيات؟ .. كن جميلات.. ليتك كنت معنا حتى تنتقي منهن ما تريد ولكني أشك في أن تقبل أي منهن بك فجميعهن فتيات فضليات من عائلات محترمة وأنت معتاد على انتقاء القاذورات أمثالك. فاض به الكيل وفكر بأن يوقف السيارة ويصفعها ولكن بدلا من ذلك أوقف السيارة واستدار إليها ومال نحوها وفتح الباب المجاور لها وأمرها بغضب. –أنزلي من السيارة. تراجعت إلى الخلف على مقعدها وقالت باستنكار وهي تنظر إلى الشارع المقطوع والغارق في الظلام.
–هل أنت مجنون؟ تريدني أن أنزل هنا. دفعها بفظاظة وكان قد وصل إلى قمة غضبه. –نعم أنزلي. هيا، سقطت جنة من السيارة بسبب دفعه لها على الأسفلت ولم تصدق نفسها، وقد أغلق الباب وانطلق بالسيارة بسرعة غير آبه بنِداءها عليه.
ظل حميد منطلقًا في طريقه وهو يلعن نفسه لأنه قرر أن يجيء لِأصْطِحَابِهَا بِنَفْسِهِ، وكان يفكر في التودُّد إليها بعد أن لفتْ أمُّهُ نَظَرَهُ بِأَنَّهُ يَغَارُ عَلَى جَنَّةٍ، وأدْرَكَ أَنَّهُ خِلَالَ الأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ بَدَأَ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقًّا وَيَعْتَادُ عَلَى وُجُودِهَا بِشَكْلٍ شَغَلَ عَقْلَهُ عَنِ الأَشْيَاءِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي حَدَثَتْ مَعَهُ خِلَالَ الْفَتْرَةِ الْمَاضِيَةِ، وَالْيَوْمَ عِنْدَمَا رَآْهَا بِذَلِكَ الثَّوْبِ خَطَفَتْ أَنْفَاسَهُ وَعَقْلَهُ وَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ إِنْ كَانَتْ سَتَخْطَفُ قَلْبَهُ أَيْضًا.
توقف بالسيارة بغتة فأصدرت صريرًا مزعجًا ووبَّخَ نَفْسَهُ قَائِلًا: –ما هذا الجنان الذي فعلته؟ كيف تركها في طريق مهجور وحدها؟ وعاد بالسيارة إلى الخلف بسرعة وتقريبًا وصل إلى المكان الذي تركها فيه، ولكنه لم يجدها. خرج من السيارة وقد تملَّكَهُ الرَّعْبُ وَصَاحَ يُنَادِيهَا: –جنة .. جنة أين أنت؟ أبتعد عن السيارة وهو يَتَلَفَّتُ حَوْلَهُ: –أين ذهبت هذه الفتاة؟
أقترب من أجمة الأشجار على جانب الطريق وصاح مناديًا من جديد، ولكن لم يَأْتِهِ رَدٌّ، ثم سمع صوت باب السيارة يُغْلَقُ وَصَرِيرَ عَجَلَاتِهَا يَرْتَفِعُ وَهِيَ تَنْطَلِقُ بَعِيدًا، وَآخِرُ شَيْءٍ سَمِعَهُ هُوَ صَوْتُهَا يَصِيحُ: –غبي. وقف حميد مذهولًا للحظات يتابع السيارة وهي تبتعد حتى أبتلع الظلام أضواء الكشافات الخلفية. –أنا سوف أبقى معه. حدق آدم في وجه زينة بذهول..
لم يتوقع أن تكون تلك ردة فعلها بعد أن عَرَفَتْ بِمَوْتِ وَالِدِهَا وَبِأَنَّ أُخْتَهَا حَامِلٌ مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي تَزَوَّجَتْهُ.. كان مستعدًّا لِيَخْوُضَ حَرْبًا مِنْ أَجْلِهَا إِنْ طَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يُنْقِذَهَا مِنْهُ، وَلَكِنَّهَا تَقِفُ أَمَامَهُ الْآنَ بِثَبَاتٍ وَتَقُولُ لَهُ أَنَّهَا سَوْفَ تَبْقَى مَعَهُ. قَالَ يَتَوَسَّلُ إِلَيْهَا تَقْرِيبًا:
–أعرف أنك غاضبة مني ومن ردة فعلي على ما حدث في مونت كارلو .. أنا آسف وسوف أعوضك وأعِدُكَ أَنَّنِي .. قاطَعَتْهُ بِهُدُوءٍ وَوَجْهٍ شَاحِبٍ: –ليس هذا هو السبب .. لقد فكرتُ وَرَأَيْتُ أَنَّ خَالِدًا هُوَ مَنْ يُنَاسِبُنِي .. وَعَدَنِي بِأَنْ يَتَغَيَّرَ وَأَنَا أُصَدِّقُهُ .. وَأَنَا مَازِلْتُ أُحِبُّهُ فِي الْحَقِيقَةِ وَأَرَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ فُرْصَةً أُخْرَى. أَمْسَكَ آدَمُ ذِرَاعَهَا قَائِلًا بِحِدَّةٍ:
–أنتِ تَكْذِبِينَ .. لِمَنْ تُضَحِّينَ بِنَفْسِكِ هَذِهِ الْمَرَّةَ .. أَمْنْ أَجْلِ هَذِهِ؟ ثم أشار إلى نبيلة التي تقف بصبر كمن ينتظر من يقرر مصيرَهُ وَتَابَعَ: –إِنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ. سَحَبَتْ زَيْنَةُ ذِرَاعَهَا مِنْهُ وَقَالَتْ:
–أَرْجُوكَ أَتْرُكْنِي وَشَأْنِي فَأَنَا امْرَأَةٌ مُتَزَوِّجَةٌ الْآنَ .. عُدْ إِلَى حَيَاتِكَ وَأَتْرُكْنِي لِحَيَاتِي .. آسِفَةٌ لِمَا سَبَّبْتُهُ لَكَ مِنْ مَشَاكِلَ وَأَضَاعَةٍ لِوَقْتِكَ فِي الْبَحْثِ عَنِي.
شَعَرَ آدَمُ بِمَرَارَةِ الْهَزِيمَةِ فِي فَمِهِ وَأَدْرَكَ أَنَّ هَذِهِ الْفَتَاةَ الَّتِي اعْتَادَتْ عَلَى التَّضْحِيَةِ سَوْفَ تُضَحِّي حَتَّى النِّهَايَةِ وَمَهْمَا فَعَلَ وَمَهْمَا قَالَ لَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يُثْنِيَهَا عَنْ عَزْمِهَا.. وألقى باللوم على نفسه.. هُوَ مَنْ تَرَكَهَا وَلَمْ يَسْتَغِلِ الْفُرْصَةَ عِنْدَمَا كَانَتْ بِيَدِهِ، أَقْتَرَبَ يَهْمِسُ بِالْقُرْبِ مِنْ أُذُنِهَا:
–سَوْفَ أَنْتَظِرُكِ .. سَأَبْقَى بِانْتِظَارِكِ فِي نَفْسِ الْمَكَانِ الَّذِي تَرَكْتُكِ فِيهِ وَلَوْ أَنْتَظَرْتُ إِلَى الأَبَدِ سَيَكُونُ ذَلِكَ عِقَابًا عَادِلًا لِي. ثُمَّ نَظَرَ إِلَى خَالِدٍ بِكَرَاهِيَةٍ شَدِيدَةٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَدِيرَ وَيَخْرُجَ مِنْ بَابِ الشَّقَّةِ كَالْعَاصِفَةِ. زَفَرَ خَالِدٌ بِارْتِيَاحٍ رَغْمَ مَا يَشْعُرُ بِهِ مِنْ غَيْرَةٍ وَحِقْدٍ عَلَى الرَّجُلِ الْآخَرِ..
لِأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ زَيْنَةَ سَوْفَ تَتَّخِذُ ذَلِكَ الْقَرَارَ.. وَآدَمُ ذَاكَ كَانَ يَعْرِفُ فَكَمَا يَبْدُو أَنَّ كِلَاهُمَا يَعْرِفَانِ مَا يَدُورُ فِي رَأْسِهَا الصَّغِيرِ الْجَمِيلِ، لِذَلِكَ وَقَفَ صَامِتًا وَتَرَكَهَا تَتَّخِذُ قَرَارَهَا وَوَقَفَ يُتَابِعُ صَامِتًا، أَقْتَرَبَ مِنْهَا قَائِلًا بِرِقَّةٍ: –لا تَقْلَقِي .. سَوْفَ أَعْتَنِي بِعَائِلَتِكِ مِنْ أَجْلِكِ.
كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى نَبِيلَةٍ وَقَالَتْ بِحَزْمٍ دُونَ أَنْ تَلْتَفِتَ إِلَيْهِ: –سَوْفَ تَتَزَوَّجُهَا. ظَنَّ خَالِدٌ لِلْحَظَةِ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهَا جَيِّدًا وَقَالَ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ غَيْرَ مُصَدِّقٍ: –مَاذَا قُلْتِ؟ وَقَفَتْ نَبِيلَةُ بِدَوْرِهَا مَذْهُولَةً وَمُتَّسِعَةَ الْعَيْنَيْنِ، الْتَفَتَتْ زَيْنَةُ إِلَى خَالِدٍ وَتَابَعَتْ بِهُدُوءٍ:
–أَنْتَ مَدِينٌ لِي بِذَلِكَ .. وَمَدِينٌ لِلرَّجُلِ الَّذِي رَبَّانِي وَالَّذِي قَدِ اعْتَدَيْتَ عَلَى شَرَفِ ابْنَتِهِ وَجَعَلْتَهُ يَمُوتُ بِحَسْرَتِهِ .. كُنْتُ سَأَبْقَى مَعَكَ مِنْ أَجْلِهِ وَهَا أَنَا سَوْفَ أَبْقَى مَعَكَ مِنْ أَجْلِ ابْنَتِهِ .. شَرْطِي الْآنَ لِكَيْ يَتِمَّ زَوَاجُنَا هُوَ أَنْ تَسْتُرَ عَرْضَ ابْنَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ اللَّتَانِ كَانَتَا لِي أَبًا وَأُمًّا.
لَمْ يَعْرِفْ خَالِدٌ مَاذَا يَقُولُ لَهَا.. هُوَ لَمْ يَرَ مِثْلَ هَذِهِ الْمَخْلُوقَةِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ قَبْلُ.. لَمْ تَسْعَ إِلَيْهِ طَمْعًا بِشَكْلِهِ وَلَا بِأَمْوَالِهِ وَلَمْ تَطْلُبْ مِنَ الدُّنْيَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَتْهَا.. تَشْعُرُ بِالْوَفَاءِ لِرَجُلٍ مَيِّتٍ وَلِأُخْتٍ لَمْ تُعَامِلْهَا يَوْمًا إِلَّا بِالسُّوءِ.. رَآْهَا الْآنَ تُضَحِّي بِسَعَادَةِ قَلْبِهَا وَبِهَنَاءِ بَالِهَا اسْتِمْرَارًا بِالتَّضْحِيَةِ وَحُبًّا فِي الْوَفَاءِ.. وَلِأَنَّهُ هُوَ مَا هُوَ قَالَ بِلَهْجَةٍ شَيْطَانِيَّةٍ:
–سَأَنْفِذُ لَكِ رَغْبَتَكِ وَأَتَزَوَّجُهَا وَمِنْ ثَمَّ سَأُطَلِّقُهَا وَلَكِنْ بِشَرْطٍ. انْتَظَرَتْ زَيْنَةُ سَمَاعَ شَرْطِهِ بِقَلْبٍ غَائِرٍ: –لَنْ أَنْتَظِرَ .. بَعْدَ أَنْ أُتِمَّ الزَّوَاجَ سَوْفَ يُصْبِحُ جَسَدُكِ لِي دُونَ قَيْدٍ أَوْ شَرْطٍ .. سَوْفَ نُبْدِئُ حَيَاتَنَا مَعًا.
لَمْ تَذْرِفْ عَيْنَاهَا الدُّمُوعَ وَلَكِنْ قَلْبَهَا كَانَ يَبْكِي بِالْفِعْلِ.. بَكَى وَهُوَ يَرَى حَبِيبَهُ يَذْهَبُ مَكْسُورَ الْخَاطِرِ.. انْفَطَرَ أَلَمًا وَهُوَ يُضَحِّي بِسَعَادَتِهِ لِيُرِيحَ غَيْرَهُ. وصل حميد إلى البيت وقد وصل به الغضب إلى أقسى مداه.. لأول مرة يشعر بمثل هذا الإجرام ورغبة متوحشة لِأَيْذَاءِ أَحَدٍ..
تلك الفتاة التي تَرَكَتْهُ وَحْدَهُ في طريق مقطوع وكان قد ترك هاتفه في السيارة وجَعَلَتْهُ يَسِيرُ لأكثر من خمسة كيلو متر في الظلام حتى وجد سيارة نقل تُقَلِّلُهُ إلى الطريق العام وأخذ من هناك سيارة أجرة إلى البيت.. الْجَمِيعُ كَانَ نَائِمًا وَفَكَّرَ بِطَرِيقَةٍ شَيْطَانِيَّةٍ أَنَّ جَهَنَّمَ تِلْكَ بِالْتَّأْكِيدِ تَنَامُ كَالْمَلَاكِ قَرِيرَةَ الْعَيْنِ دُونَ أَنْ تَهْتَمَّ بِمَا حَدَثَ لَهُ.
وَلَكِنَّهُ اكْتَشَفَ أَنَّهَا مَازَالَتْ مُسْتَيْقِظَةً عِنْدَمَا اقْتَحَمَ غُرْفَتَهَا وَوَجَدَهَا تَقِفُ بِجَانِبِ النَّافِذَةِ كَمَا لَوْ كَانَتْ تَتَرَقَّبُ وُصُولَهُ وَمَازَالَتْ تَرْتَدِي ثَوْبَهَا الْأَحْمَرَ.. اتْسَعَتْ عَيْنَاهَا فَزَعًا وَهِيَ تَرَى الشَّرَّ الَّذِي يَطْلُ مِنْ عَيْنَيْهِ فَجَرَتْ بِسُرْعَةٍ عَبْرَ الْغُرْفَةِ وَهِيَ تَصِيحُ بِهِ: –أَخْرُجْ مِنْ غُرْفَتِي يَا قَلِيلَ الْحَيَاءِ.
وَلَكِنَّهُ لَمْ يُبَالِ بِسَلَاطَةِ لِسَانِهَا هَذِهِ الْمَرَّةَ وَقَدْ قَرَّرَ أَنْ يُعَلِّمَ لِسَانَهَا كَيْفَ يَبْتَلِعَ كَلِمَاتِهِ اللَّاذِعَةَ وَإِلَى الأَبَدِ. جَذَبَهَا مِنْ يَدِهَا فَطَارَ جِسْدُهَا النَّحِيلُ وَاصْدَمَ بِجِسْدِهِ الصَّلْبِ وَابْتَسَمَ بِشِدْتٍ: –سَتَدْفَعِينَ ثَمَنَ مَا فَعَلْتِ بِي اللَّيْلَةَ.
طَرَحَهَا عَلَى الْفِرَاشِ وَثَبَّتَ ذِرَاعَيْهَا فَوْقَ رَأْسِهَا وَأَسْكَتَ صَرْخَتَهَا بِعِنَاقٍ قَاصِدٌ مُعَاقَبَتَهَا، وَلَكِنْ مَا لَبِثَ وَأَنْ انْتَفَضَ جِسْدُهُ وَتَعَالَتْ صَرْخَتُهُ هُوَ عِنْدَمَا نَشَبَتْ أَسْنَانُهَا الْحَادَّةُ الصَّغِيرَةُ بِشَفَتِهِ السُّفْلَى وَوَقَفَ مُبْتَعِدًا عَنْهَا يَقْفِزُ مِنَ الْأَلَمِ وَهُوَ يَسُبُّ وَيَلْعَنُ..
نَظَرَ إِلَى يَدِهِ وَرَأَى الدِّمَاءَ عَلَيْهَا فَنَظَرَ إِلَيْهَا بِغَضَبٍ مَذْهُولٍ.. كَانَتْ تَجْلِسُ بِرُكْبَتَيْهَا عَلَى الْفِرَاشِ وَاضِعَةً يَدَيْهَا عَلَى خَصْرِهَا وَشَعْرُهَا الْقَصِيرُ مُشْعِثٌ وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ بِشِدْتٍ قِطَّةٍ بَرِيَّةٍ: –أَذْهَبْ إِلَى الطَّبِيبِ أَنَّهَا تَحْتَاجُ لِتَقْطِيبٍ وَسَوْفَ تَحْتَاجُ بَعْدَهَا إِلَى شَهْرٍ قَبْلَ أَنْ تَجْرُؤَ عَلَى تَقْبِيلِ حَتَّى عَنْزَةٍ صَغِيرَةٍ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!