زينة.. كيف حالك؟
أفتقدتك كثيراً جداً. أخبرني حميد عن تطور علاقتك بآدم وفرحت كثيراً من أجلكما. أنتِ فتاة طيبة وآدم جيد بطريقته الخاصة. لطالما عاملني باحترام لم أكن أستحقه وهذه حقيقة. أنتِ السبب في أنني كشفت روحي أمام نفسي. كنتِ مرآة رأيت فيها حقيقتي ولم يعجبني ما رأيت، وشعوري تجاه ذاتي لم يكن جيداً أبداً. أنهيت عقدي مع شركة الأزياء الفرنسية وعدت إلى لبنان، إلى مزرعة والدي. لا تتخيلي كم المعاناة التي تسببت لهم بها ولم أكن أستحق مسامحتهم لي، ولا كمية دموع الفرح التي ذرفوها من أجل عودتي. أخي جان، كما أخبرتك سابقاً، لديه طفلان، صبي وفتاة. أتعلمين ماذا سمى طفلته؟
نعم، سماها نيكول لتذكرهم بي. أرأيتِ ما الذي فعلتيه من أجلي وأجل عائلتي؟
أنا شاكرة لظهورك في حياتي. أنتِ ملاك من نور أنار ظلام دنياي. لقد قررت أن أبقى بلبنان وأفتتح بها دار أزياء خاص بي، فقد أصبح لدي من الخبرة والمال ما يؤهلني لذلك الآن. حبي لحميد لم أتخلص منه تماماً، ولكني أصبحت على ثقة من أنني قادرة يوماً ما على نسيانه، خاصة وقد عرفت منه أنه وجد إنسانة أحبها حقاً وينوي الارتباط بها، وأنا أتمنى له السعادة والخير. راسليني إن استطعت، وإن حدث يوماً وزرت لبنان، أرجوكِ اجعليني أراكِ. وسوف أرسل لكِ عنواني ورقم هاتفي، ومعكِ الآن عنوان بريدي الإلكتروني. سأنتظر رداً منكِ.
وإلى لقاء قريب، نيكول دمعت عينا زينة تأثراً برسالة نيكول. أغلقت الهاتف ووضعته على المنضدة أمامها. الهاتف الذي أهداه آدم لها فور وصولهما إلى إسبانيا حتى يطمئن عليها أثناء وجوده بالعمل.
اليوم الذي وصلا فيه كانت خائفة وقلقة من ردة فعل عائلته على خطبة آدم لها. ورغم تأكيده المستمر لها بأن ليس هناك من داعي لقلقها، إلا أنها لم تأخذ بكلامه إلا بعد مقابلتها لأمه. كانت سيدة وقورة جداً وتبدو صارمة. تشبه في ذلك آدم كثيراً. وبمجرد أن قدمها آدم إليها على أنها خطيبته، اختفت صرامتها بقدرة قادر، وعلت البشاشة محياها، واحتضنت زينة بقوة. دهشت زينة من ردة فعلها، ففسر لها آدم الأمر قائلاً بسخرية
وابتسامة عريضة على شفتيه: –أعذري أمي يا زينة. كانت قد فقدت الأمل في زواجي وقد كنت عصياً أمام مؤامراتها هي وشقيقتيّ لتدبير زواج لي. أبعدتها أمه عنها على بعد ذراع تتأملها وتتفحصها بسعادة. –كم أنتِ جميلة ورقيقة.. وتبدين صغيرة جداً أيضاً. أحمر وجه زينة حياءً، ونظرت إلى آدم الذي قال متبرماً ولكن عينيه تمزحان. –لست عجوزاً يا ماما. وأكدت زينة كلامه بسذاجة غير مدركة لتمرير المزاح بينهما.
–نعم، هو ليس كذلك، وأنا أيضاً لست صغيرة جداً حقاً، وإن كنت أبدو. ضحك الاثنان بمرح، فازداد وجهها احمراراً. احتضنتها أمه إليها من جديد. –لا تقلقي، إنني أمازح. وصدقيني، حتى وإن كنتِ أكبر منه في السن لن أعترض، فأنتِ تبدين فتاة رائعة تدخلين إلى القلب مباشرة، وما قلتيه الآن يدل على صفاء نية لا نُقابله كثيراً هذه الأيام. عقب آدم على كلام والدته قائلاً:
–ماما لديها نظرة ثاقبة في البشر لا تخطئ أبداً. ومنذ الآن أصبحت تحت حمايتها، فكما لابد وقد لاحظتِ أنها لم تترككِ من بين ذراعيها منذ أن رأتكِ، وكان الله في عوني منذ الآن. انتهى المزاح، وكانت والدته متحمسة لمعرفة موعد الزفاف. وبالطبع، الأسئلة شملت السؤال عن عائلتها. وعندما رأت شحوب وجه زينة وتعلق نظراتها اليائسة بآدم، فتوقفت عن طرح الأسئلة وقالت بذكاء: –يبدو أن هناك أشياء صعبة تحكى في هذه الجلسة وتحتاج لشرح طويل.
همّ آدم بالكلام، لكن والدته نهته ووقفت تسحب زينة معها. –لا.. سوف آخذ زينة إلى غرفتها لترتاح أولاً، ثم سنجلس معاً أنا وهي لتحكي لي كل شيء. وأنت اذهب وافعل أي شيء مفيد غير التدخل بيننا، فهي منذ الآن أصبحت ابنتي، كما أنت ابني. عبس آدم في وجه أمه مازحاً، ثم مال على وجنتها وقبلها بحب. ولكن حركته أدهشتها وجعلتها تنظر إلى زينة وتقول:
–ابني أصبح رقيقاً وهذا عجيب.. بالتأكيد هذا هو تأثيرك عليه. لا تقلقي يا فتاة، مهما كانت مشكلتكِ فهي لن تغير من قدركِ عندي أبداً. تابع آدم رحيل زينة مع أمه وزفر براحة وابتسم لها مشجعاً.
تركوها تستحم وترتاح من السفر، ثم استدعتها حماتها المستقبلية لتناول الغداء معها. كان منزلهم عبارة عن فيلا في حي راقٍ بمايوركا الإسبانية. ومن بعد القارب الشراعي والفنادق الفخمة، لم تندهش زينة من حجم الفيلا ولا روعة تصميمها. وحاولت أن لا تشعر نفسها بأنها دون المستوى، فهي بالأخير لا تهتم بالمال ولا تسعى خلفه، فقد تركت ثروة خالد ولم يفرق معها الأمر. وبالتأكيد آدم يعرف ذلك ولن ينظر إليها على أنها باحثة عن الذهب.
بعد الغداء، جلستا في الشرفة الواسعة التي تطل على الحديقة التي تضم مستنبت للزهور. أعجبت به زينة وتعلقت عيناها به، فقالت حماتها: –سأعرفك على زهوري وأرجو أن تساعديني في العناية بهم، فابنتاي متزوجتان وتعيش كل منهما ببلد آخر. بعض قليل من التردد، بدأت زينة تحكي قصتها. وأنصتت إليها المرأة بهدوء ولم تقاطعها إلا لتستفسر عن شيء ما. وبعد أن انتهت زينة، كان الحزن والأسى جلياً على وجهها، وقالت:
–لم أشعر بهكذا حزن منذ وفاة زوجي والد آدم، رحمه الله. مالت على يد زينة تربت عليها برقة وقالت: –انتهى كل شيء الآن.. أنتِ الآن بأمان معنا ولا تخشي شيئاً أبداً. ابتسمت لها زينة بامتنان. –شكراً لكِ.. وشكراً لأنكِ قبلتِ بي وأنا من دون عائلة. اعتدلت والدة آدم ولوحت بيدها قائلة بصرامة: –هراء.. اليتم ليس عيباً، ولقد رأيت كثيرات ذوات حسب ونسب وكن أقل من عاهرات. ولكن أنتِ يجب أن تفخري بنفسكِ، وابني كما هو واضح فخور بكِ كذلك.
ومنذ تلك المكاشفة بينهما، تغيرت حياة زينة. وإن كان بها شيء من الخشية لأن تغدر بها الدنيا من جديد، أصبحت الآن تعرف أن لها عائلة مستقبلية ستحبها وتحميها على الدوام. **** لقد تعب حقاً وطلعت عيناه كما يقولون.. تلك الفتاة سوف تفقده عقله لا محالة. تجعله يدور حول نفسه طوال الوقت، تلاعبه وتحيره حتى فاض به الكيل. بعد أن ترك القارب وعاد إلى المغرب، وجدها قد رحلت بعد انتهاء العرس مباشرة. وسأل أمه عن عنوان خالته،
فقالت له أمه بعدم رضى: –ألا تخجل من نفسك وأنت تعترف بجهلك بعنوان خالتك الوحيدة؟ هز رأسه بنفاذ صبر وقال: –آسف.. أنا حقاً آسف.. آسف على أشياء كثيرة فعلتها وأشياء أكثر لم أفعلها.. فهل ستعطيني عنوان جنة أم لا؟ –سأكتبه لك. أخذت ورقة من مفكرتها التي تحتفظ بها قريبة منها دائماً، وبعد أن كتبت العنوان ناولته له. تألقت ملامحه وهو يمني نفسه بقرب لقائها، ولكن ما لبث أن تجهم وعقد حاجبيه قائلاً باستنكار: –ماذا؟ إفريقيا الوسطى؟
–خالتك تعيش بالرباط إن كنت تريدها.. ولكن إن كنت تريد جنة فهي من ضمن بعثة أطباء بلا حدود، وهي الآن بإفريقيا الوسطى. انتظر عودتها إن كنت غير مستعجل. سوف تعود بعد عام إن لم يحالفها الحظ بأخذ إجازة. شعر حميد بالحنق الشديد ووقف فترة لا يدري ماذا يقول، ثم راح يتمتم بغيظ وهو يخرج من حجرة والدته. –أنا لن أذهب إلى هناك.. لا أفهم ما الذي دفعها للسفر إلى تلك البلاد إن لم تكن فتاة مجنونة.
ولكن بعد أسبوعين، كان يستقل الطائرة متوجهاً إلى جمهورية وسط إفريقيا، بعد أن أخذ الكثير من اللقاحات حتى شعر بأنه ذاهب إلى منتجع للأوبئة. تفاجأت جنة عند رؤيتها له في المخيم، وظلت طوال دقيقتين كاملتين تنظر إلى وجهه المرهق والعرق والغبار الذي يغطيه. وسألته غير مصدقة: –ماذا تفعل هنا؟
رد بغيظ وقد شعر حينها بأنه يود ضربها لأنها جعلته يمر بتلك المحن على الطرق غير الصالحة للسفر والغابات التي قطعها، هذا غير كمية الحشرات التي تعرض للدغها. –أقسم أنني ندمت على وجودي هنا. توقع أن تغضب وتطلب منه الرحيل، ولكنها انفجرت في الضحك بمرح وقالت: –مرحباً بك أيها الثري المدلل في أرض الشقاء.. تعال، نحن بحاجة إلى الكثير من المساعدة هنا، ولا نقول لا لأي يد تمتد إلينا.
عرفته جنة على زملاءها من أطباء وباحثين من مختلف الجنسيات. وبعد بضعة أيام من التذمر والتعب الشديد والإرهاق بسبب الحر، بدأ يتأقلم. وما كان يخفف عنه هو وجوده بجوار جنة طوال الوقت، وكانت تضغط عليه باستمرار وتتحداه أن يستمر. كان يعرف أنها تراقبه وتنتظر أن يستسلم ويرحل، ولكن ما رآه أثر فيه حقاً وجعله يقدر ما تقوم به جنة ورفقاؤها. الأمراض وسوء التغذية الذي يتعرض له السكان بسبب العنف والاضطرابات السياسية. وقد أخبره رئيس البعثة وأحد الباحثين،
وكان ألماني الجنسية: –حتى بعد الانتخابات الديمقراطية التي تمت في 2016، إلا أن الوضع ما زال خطيراً، فهناك 2.3 ملايين إنسان، أي ما يعادل نصف السكان، يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة. والنظام الصحي بالكاد يعمل في ظل النقص الحاد في العاملين الصحيين المؤهلين والإمدادات الطبية.. لذلك نشكر لك وجودك بيننا. بعد ذهاب الرجل، جلست جنة في المكان الذي تركه حول طاولة الطعام الخشبية التي تتوسط المخيم، وسألته:
–لماذا أنت هنا؟ رد ساخراً: –أبعد كل هذا الوقت تسألين؟ أشاحت بوجهها بتجهم وقالت: –لا أعرف لماذا تتعب نفسك بالمجيء إلى هنا وأنت تعرف رأيي بك جيداً. –ربما أود أن أجعلكِ تغيرين رأيكِ بي وتدركين أنني جاد فيما يخصك. عادت للنظر إليه وقالت بتجهم: –حميد.. وجودك هنا لأسبوع أو حتى شهر لا يعني أنك تغيرت.. ستكون مجرد مغامرة بالنسبة لك، وبعد أن ترحل أشك أنك ستجرؤ على إعادتها مرة أخرى. قال بانفعال غاضب:
–أنا لا أقول إنني سعيد بالبقاء هنا، ولكني أقدر الهدف السامي الذي تسعون لتحقيقه وأتمنى أن أساهم فيه. وأن السبب الوحيد لوجودي هو محاولة إقناعك بالزواج مني، وأنا لم أخفِ هذا عنك أو عن أي أحد آخر، هذه الحقيقة. وقفت تقول بتصميم وعناد: –إذن ابقَ.. عام هو مدة بعثتي.. أثبت لي تفانيك و.. وقف بدوره يقاطعها قائلاً بغضب:
–أنتِ تقومين بتعجيزي.. تعرفين أن لدي عمل ينتظرني ومؤهلاتي لا تناسب المكان هنا.. ولكنك تنتقمين مني بوضع شروط تعجيزية لسبب لا أفهمه.. أحبك يا جنة وأطلب منك الزواج.. لدي ماضٍ أعترف أنه ليس مشرفاً ولن أتباهى أمامك أو أمام غيري به.. لذلك سأطلب منك للمرة الأخيرة.. هل تقبلين الزواج بي أم لا؟ استولى الحزن على عينيها، ولكنها قالت بصورة قاطعة: –للأسف.. لن أقبل.
حتى لو كان يضع احتمال رفضها في الحسبان، إلا أنه صدم منه وشحب وجهه ولم يقل شيئاً. وفي صباح اليوم التالي، كان يحمل حقائبه ويضعها في السيارة الجيب التي استأجرها لتقله إلى المدينة، ومن هناك سوف يأخذ الباص لساعات حتى العاصمة ليستقل الطائرة من هناك. لم يودعها ولم يقل لها أنه سيرحل. وقد قابل رئيس البعثة في الصباح الباكر وسلمه شيكاً بمبلغ كبير تبرعاً منه للمنظمة ووعده بأنه سيستمر بذلك. فشكره الرجل بامتنان شديد وودعه
بنفسه عند السيارة وسأله: –وماذا عن دكتور جنة؟ قال حميد بمرارة ساخرة: –يبدو أنها تفضل البقاء هنا عن البقاء معي. ولكنه لم يتوقع أن تلحق به جنة إلى المطار. –لماذا لم تخبرني أنك راحل؟ كان مندهشاً من ظهورها أمامه قبل دقائق من إقلاع الطائرة. –لم أعتقد أنك ستهتمين. أحمر وجهها بشدة وقالت وكأنها تنتزع الكلمات انتزاعاً: –ألم تنتبه إلى أنني توقفت عن انتقادك وتوجيه السباب لك؟ قال ساخراً:
–بالطبع لاحظت، ولكن أفترض أنك توقفت عن ذلك فقط حفاظاً على واجهتك الاجتماعية والثقافية أمام زملاءك النبهاء. –غبي.. ما زلت مغروراً رغم محاولاتك المضحكة لإثبات العكس. فاض به الكيل وقال بحنق شديد: –أنتِ الغبية والعنيدة، لا أنا.. إن كنتِ تريدينني فأهلاً بكِ، وإن كنتِ لا.. فدعيني أذهب في سلام. واستدار يسير وهو يجر حقيبته خلفه، والغضب والإحباط يتفاقمان بداخله. –تذهب في سلام.. أم تذهب لصديقاتك الجميلات؟
صاحت من خلفه بحدة، فتوقف واستدار إليها صائحاً بدوره: –ومالك أنت بي.. أذهب حيث أشاء ولمن أشاء، فلا تتدخلي في حياتي، فقد تنازلت عن أي حق لكِ بها. عاد يتابع طريقه، ولكنه سمع خطواتها تعدو من خلفه. –حميد.. انتظر. توقف من جديد، وقد قرر أن يعاملها بقسوة، ولكن الدموع التي كانت تغرق وجهها ألجمته وجعلته عاجزاً وضعيفاً. وهي تتابع: –لا تتركني ولا تذهب لأي امرأة أخرى.. أنا آسفة. ثم تنهدت بقوة تحاول السيطرة على انفعالها، ثم تابعت:
–أنا حقاً أحبك.. وقبل أن تحبني أنت.. أنا موافقة.. أن أتزوجك. لم يصدق أذنيه للحظات، ولم يصدق أن سعادته بموافقتها على الارتباط به ستصل إلى هذه الدرجة. ترك حقيبته واحتضنها بشدة. استكانت جنة بين ذراعيه، وبعد دقيقة كاملة ابتعدت عنه وقد احمر وجهها خجلاً، وقالت: –ستكون مدة الخطوبة عاماً كاملاً. رفع يده يهم بضربها، ولكنه أوقف يده في الهواء. فقالت بعناد دون أن يرف لها جفن: –هذا شرطي الوحيد.. ما رأيك؟
وافق بالطبع، فلا خيار آخر أمامه. ****
وقف فراس أمام الباب الخارجي لمنزل والدي أروى ينتظر خروج ولديه. فقد اعتاد خلال الأسابيع الماضية أن يأتي لزيارتهما وأخذهما كلما سمح وقت عمله لقضاء الوقت بصحبتهما. في البداية، كان يقبل دعوة حماه ليدخل وينتظرهم بالداخل، وكان يقبل على أمل أن يرى أروى، ولكنها كانت ترفض الخروج من حجرتها حتى يذهب. لم يترك أحداً من العائلة والأصدقاء إلا وترجاهم أن يتدخل للصلح بينهما. قرر أن يستمع إلى نصيحة زينة ويتنازل عن كبريائه ليداوي كبرياءها، وقد كرّس كل وقت فراغه من أجل التودد إليها والاهتمام بطفليه.
–بابا. رفع فراس نظراته الشاردة ونظر إلى حمدان ابنه الأكبر. –نعم حبيبي. كانوا جالسين في أحد المطاعم يتناولون الغداء. –أنت تريد ماما أن تعود إليك. بالطبع.. حمدان لم يعد صغيراً، وانفصالهما وأسبابه لا تخفى عليه. –لقد أخطأت في حقها ولها كل الحق لأن تغضب. –ولكنك تحبها وتريدها أن تعود إليك.. أليس كذلك؟ ابتسم له وقال: –نعم، هذا ما أريده.. ولكنها ترفض رؤيتي أو الحديث معي. قال نجد وهو يحاول ابتلاع الطعام المحشو به فمه:
–تحدث إليها على الهاتف أو اكتب لها رسائل على الواتس أب. نظر حميد بدهشة إلى ولديه وقال: –وهل سوف تجيب؟ قال حمدان: –حاول بابا، لن تخسر شيئاً.. نريد أن نعود إلى منزلنا.. كما أن أمي حزينة جداً. قال نجد بعفوية: –وتبكي باستمرار.
تألم قلبه وكره حاله لأنه السبب في بؤسها. وعندما أعاد الطفلين إلى بيت جدهما وعاد هو وحيداً إلى البيت، أخذ بنصيحتهما وبدأ يرسل الرسائل إلى أروى. وانتظر بعد أول رسالة التي كان يسأل فيها عن حالها، ولم يكتشف أنه كان يحبس أنفاسه إلا عندما زفر بقوة بعد أن فتحت الرسالة وقرأتها، فتشجع وأرسل رسالة أخرى دون أن ينتظر الرد على الرسالة الأولى وأخبرها فيها أنه يفتقدها. رأت الرسالة ولكنها لم ترد عليها أيضاً. بعد أسبوعين، كان فراس قد
أرسل مئات الرسائل دون أن يستلم رداً واحداً. أخبرها كل شيء.. ما فعله وما يشعر به.. أخبرها عن شوقه وألمه والحب الذي يكنه لها.. أخبرها عن عمله وأصدقائه، واتضح له أنه لم يكن يحكي معها أبداً وأنه لم يعتبرها يوماً سوى زوجة فرضها القدر عليه لتكون أماً لأولاده، وقد أخبرها بذلك أيضاً. اعترف بضعفه وجبنه وندمه. وفي آخر رسالة أخبرها أنه مستعد أن يتذلل لها أمام العالم لترضى عنه إن كان هذا ما يرضيها لكي تغفر له وتعود إليه.
وكالعادة، لم ينتظر رداً على رسالته الأخيرة، لذلك عندما سمع صوت رنين الرسائل، أمسك الهاتف بشيء من الملل ليرى من يراسله. توقف النبض لديه للحظة ثم عاد لينبض بقوة، ظن أن قلبه لن يتحملها، وفتح الرسالة كما لو كانت لغماً على وشك الانفجار،
وكان فيها: (لا عشت ولا كنت لو جعلت زوجي ووالد أبنائي يتذلل أمام الناس من أجل أي أحد أو أي شيء) لا تكفي الدموع لتعبر عما شعر به وهو يعاود قراءة رسالتها مراراً وتكراراً. هل هناك من هو أسمى وأكرم وأشجع من تلك المخلوقة؟ رسالة أخرى ظهرت أمامه: (سأكون بانتظارك غداً صباحاً أنا والأولاد كي تعيدنا إلى البيت) هب فراس عن الفراش وهو يقول بانفعال: –لا والله لن أنتظر حتى الصباح.
ستبيت زوجته وأولاده تحت سقف بيته هذه الليلة. سيذهب ولا يهم إن كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل. لم يلاحظ أنه يرتدي بيجامة النوم سوى وهو في الطريق، ولم يفكر مجرد تفكير في العودة لتغييرها. طرق الباب ورن الجرس بإلحاح. أضيئت أضواء البيت بأكمله وسمع أصوات قلقة وخطوات تتحرك. فتح حماه الباب وقال بدهشة: –فراس؟ .. ما الذي أتى بك في هذه الساعة؟ قال فراس وهو ينظر إلى ما خلفه حيث تقف أروى وأمها
متسعة العينين من الذهول: –جئت لآخذ زوجتي وأولادي. التفت والدها إليها يسألها وهو لا يفهم شيئاً: –أروى؟ ابتسمت وأطرقت برأسها. –الأولاد نائمون. دفع فراس حماه من أمامه ودخل يقول بإصرار: –سأحملهما ولا داعي لأخذ أي شيء اليوم.. لا أريد سواكم. **** وقف آدم ينتظرها بشوق قرب شاطئ البحر. كان زفافاً أسطورياً. تهادت زينة بثوبها الأبيض الطويل. ينقصها جناح ملاك وتكون لجحيمه هلاك.
تهللت شمس النهار فوق خصلات شعرها. وانحصرت أمواج البحر خجلة من لمس طرفها. غارت الزهور من وردات خدودها فقبلت أن تكون مداساً لأقدامها. إنها الملاك الذي استطاع إغواء الشيطان بداخله. استطاع انتزاع دنسه بطهره. قضى على خبثه ببراءته. إنها ملاكه وقد أصبح قلبه جنتها. أمسك يدها المرتجفة وضمها إلى قلبه معلناً بعينيه وكل خلاياه أنها كل ما يريده من هذه الدنيا. نسيا لحظة أن التقت عيونهما أن هناك عالماً من حولهما وهمس: –أصبحتِ لي.
ردت بصوت يرتجف من شدة مشاعرها: –نعم.. أصبحت لك. ***** فوق سطح القارب حيث كان يرسو قرب شواطئ مارسيليا الفرنسية، جلس آدم وحميد وفراس في دائرة، وكل منهم يحمل طفلته بين ذراعيه. العجيب أن زينة وجنة وأروى أنجبن بالتتابع فتيات بين كل واحدة منهن شهراً تقريباً. ثابت، ابنة آدم البالغة من العمر عشرة أشهر، وكانت أكبر الفتيات وأكثرهن هدوءاً. قال وهو يهددها بحنان: –ملاكي يريد أن ينام. ابتسم فراس ثم قبل وجنة، ابنته ذات التسعة أشهر،
بحب: –وملاكي أنا أيضاً في طريقه إلى النوم كذلك. نظر حميد إلى ابنته ذات الثمانية أشهر وقال بأمل، وكان العشق في عينيه يمحو أي أثر للتبرم في صوته: –ليت ملاكي التي تشبه أمها تنام أيضاً. استدارت الطفلة بين ذراعيه وضربته على وجهه بكفها الصغير ثم انفجرت ضاحكة. كشر حميد في وجهها مازحاً وقال: –ألم أقل لكما أنها تشبه أمها. جاءت جنة من خلفه تسأل بحدة: –ماذا تقول؟ انفجر آدم وحميد بالضحك، فضاقت عينا جنة عليه بتركيز أكبر،
فقال بسرعة يتملقها: –أنا جائع. انضمت زينة وأروى إليهم، وقالت أروى: –الغداء جاهز، هيا. وقف فراس وناول ابنته لزوجته، ثم أحاطها بذراعه وسار بها إلى الداخل وهو يهمس بشيء في أذنها جعلها تبتسم. وقف حميد وأسرع يحتضن جنة بذراعه بدوره: –حبيبتي.. ماذا أعددتم لنا اليوم؟ تقبلت جنة مداهنته لها وقالت وهي تأخذ ابنتها الضاحكة من بين ذراعيه: –تعال إلى الداخل وسترى.
بقي آدم وزينة وحدهما. وقفا وابنتهما بينهما، وقد مالت برأسها على صدر والدها وبدأت تغلق عينيها. قالت زينة بحنان: –لقد نامت حبيبتي. –تعال نضعها في فراشها. ثم مال وقبل وجنة زينة بحب شديد. –افتقدتك.. دعينا نجهز رحلة لنا وحدنا. ابتسمت له وهزت رأسها بموافقة، فضمها إليه ولحقا بالآخرين. إنها ثالث إجازة صيفية يقضونها معاً على متن القارب بصحبة أصدقائهم.
ساروا معاً إلى الداخل، وشعور بالراحة والهناء يحوطهما، والمستقبل أصبح أكثر وضوحاً عما كان عليه في أي وقت كان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!