في قرية بسيطة تعيش الجميلة أسيل بملامحها الغربية، ذات بشرة بيضاء نقية وصافية، خدود ممتلئة بغمازتين، وعيون كبيرة وواسعة تميل إلى الخضار. تبلغ من العمر عشرون سنة، تدرس في كلية الطب. تعيش مع والدها، يبلغ الستين من عمره، رجل ثري يمتلك أكثر من نصف الأراضي المحيطة بالقرية، طيب القلب، متدين على خلق، يحبه أهل القرية.
في الصباح تستيقظ أسيل من نومها، ثم تدخل الحمام المرفق بغرفتها، تتوضأ وتخرج. تبدل ملابس النوم بإسدال الصلاة وتصلي فرضها الصباحي. تنتهي أسيل من صلاتها. يطرق أحدهم باب غرفتها. أسيل. اتفضلي يا دادا. بدرية. صباح الخير يا حبيبتي. نفسي أفهم بس بتعرفي إن أنا إزاي. أسيل. وهيكون مين غيرك يا دادا. هو حد في البيت غيرك انت وبابا. واكيد بابا أهو في غرفته بيقرأ الورد اليومي والإذكار.
الدادة. وقد فهمت قصد أسيل. تعيش وتفضلي فاكراها دايما يا حبيبتي. ادعيلها بالرحمة يا أسيل. أسيل. ربنا يرحمها يا دادا. مش قادرة أصدق إنها بقالها النهاردة عشر سنين مش موجودة في حياتنا. الدادة. انت بتقولي ليه كدا. انتي ناسيه إنها عايشة في قلوب الكل. أسيل. عارفة يا دادا وراضية والحمد لله. بس صعب تعيشي حياتك من غير أهل ولا ناس. مليش غيرك انت وبابا. ربنا يخليكم ليا يا دادا.
الدادة. ويخليكي ليا يا حبيبتي. انتي بنتي يا أسيل. انتي ناسيه يا بت إن أنا اللي مرضعاكي ولا إيه. عشان الست والدتك كان ظروفها الصحية زي ما انتي عارفة. أسيل. عارفة يا دادا. ربنا يخليكي ليا. الدادة. طيب يلا بينا عشان تفطري. وكفاية رغي كتير النهاردة. السنوية على روح والدتك وزي ما انتي عارفة إن فيه دبح عجول ولحمها لازم يتوزع على ناس الغلابة بتوع القرية اللي دايما مش ناسين الدعاء لوالدتك. أسيل. حاضر يا دادا.
نزلت أسيل لأسفل لتجد أن منزلها يعج بسيدات القرية اللاتي طالما أتين لمنزلهم حتى يهتموا بذباح ولأخذ نصيبهن منها. أسيل. صباح الخير للكل. أحد السيدات. صباح الخير عليكي. يا أحلى دكتورة. أسيل بضحكة خفيفة. دكتورة مرة واحدة. أنا لسه طالبة في تالتة كلية. يعني لسه بدري أوووي على لقب دكتورة. سيدة. لأ انتي دكتورة من أول يوم دخلتي الجامعة. سيدة أخرى. تعيش وتفتكري يا ست أسيل.
أسيل. ربنا يخليكي. وبعدين إيه ست أسيل دي بقى. اسمي أسيل. وبتسأل. السيدة. والله كلنا محرجين منك ومن الحاج صالح. وال اللي بتعملوه معانا ومع أهل القرية. حتى ولادنا بتذكريلهم وتهتمي بيهم. الله يباركلك. الله يرحمها. ست أسيل والدتك كانت تشبهك كتير في كل حاجة. حتى في اسمك. مع إنها جايه من بلاد بره ومتعرفش عاداتنا. بس عرفت إزاي تتأقلم وسطنا وتفهم عاداتنا. الله يرحمها. كانت ست ونعم الستات.
أسيل. ربنا يرحمها ويسكنها فسيح جناته. وفين الأولاد عشان حصة القرآن. أنا مش شايفة حد منهم هنا. سيدة. بصراحة إحنا قولنا انتي كل يوم بتيجي من الجامعة ومش بترتاحي. بتدرسي وتدرسي أولادنا وتحفيظ قرآن وبدون أي مقابل. بصراحة قولنا نسيبك النهاردة ترتاحي.
أسيل. أرتاح. انتي شايفة لما أكسل عن تحفيظ الأولاد قرآنهم وتعاليم دينهم هكون مرتاحة. وبعدين مين قالك إن مباخدش مقابل أكبر. لو تعرفي أجري عند رب العالمين. مش بعيد تحسدوني. ويالا بلاش كسل وابعتوا هاتوا الولاد. أنا معنديش محاضرات النهاردة. دادي بابا نزل ولا لسه. الدادة. أه يا حبيبتي. نزل في أوضة المكتب. تتجه أسيل لغرفة المكتب وتطرق الباب. صالح. ادخلي يا أسيل. أسيل بجدية. السلام عليكم يا حج صالح. أخبارك إيه.
صالح. حاج إيه بس يا دكتورة. للحظة حسيت إن قاعد في اجتماع أهالي القرية. أسيل بضحكة وتحتضن صالح. يعني الكل يقولك يا حاج وأنا لأ. جات على أسيل الغلبانة. صالح. لأ يا ستي. بس مش متعود عليكي تقولي لي حاج صالح. أسيل. طيب ما انت أجمل وأحلى حاج في الدنيا. وبعدين انت حجيت بيت ربنا مرتين. صالح. قصدك إيه يا ست أسيل. أحكي. عايزة إيه. أسيل. أقول وتوافق.
صالح. أسيل صالح المنياوي عمرها ما طلبت حاجة في حياتها مني إلا حاجة واحدة. لو تقصديها فأكيد موافق. بس اتأكدي إنها اللي في بالي الأول. أسيل بفرحة. هيا يابابا. موسم الحج قرب يفتح. وأنا عايزة أروح تاني. صالح. كنت متأكد إنك هتطلبي كدا. حاضر يا ستي. هحضر الأوراق يا حاجة.
أسيل. طيب فيه طلب تاني. ممكن لو مفهاش مانع ناخد دادة معانا. انت عارف إنها طول عمرها بتخدمنا. وكمان هيا اللي مربياني بعد ماما. وبعد سفر مصطفى ابنها. وهيا لوحدها. محمود. حاضر يا حبيبتي. أنا عمري ما هنسى اللي عملته معانا. لما اتولدي ومكنش ينفع والدتك ترضعك بسبب أدويتها. وكانت هيا بترضعك مع مصطفى ابنها. وساعات كانت بتسيبه وترضعك انتي. هيا فعلا تستاهل نردلها حاجة واحدة من جمايلها علينا.
أسيل. حبيبي يا أبو أسيل. طيب أخلع أنا بقا عشان الحق أحفظ الولاد. باي يا عسل. صالح بضحك. قال حاجة. أسيل انت شكلك كبرت وخرفت يا صالح. دي البت بتقول أخلع. ويا عسل تبقى حاجة ومستخفية. إزاي بس. الحمد لله إن ربنا أنعم عليا بيها وعوضني بيها غياب أمها. وجعلها ابنة صالحة بارة بيا وبأمها بعد وفاتها. ربنا يرحمك يا أسيل. وبعد وقت.
بدرية يا دكتورة. يلا العشا جاهز. انت لسه متعبتيش من المذاكرة طول النهار مع الولاد. وبقالك دلوقتي أكتر من 3 ساعات بتذاكري. ارتاحي يا بنتي شوية. أسيل. معلش يا دادا بقا. امتحاناتي قربت. وكمان كلها شهر وهسافر أحسن بقاع الأرض. وهناك الراحة الحقيقية. الدادة. ربنا يريح بالك يا بنتي. وتروحي وترجعي لنا انت والحاج بألف سلامة. أسيل. يارب يا دادا. وعلى فكرة. انتي كمان هترجعي معانا بألف سلامة. الدادة. انتي قصدك إيه يا بنتي.
أسيل. هتسافري معانا يا دادا. الدادة بدموع فرحة. انتي بتقولي إيه يا بنتي. أنا هسافر. أنا هحج. واحتضنت أسيل وظلت تبكي. أسيل. دا ولا حاجة يا دادا. من اللي عملتيه معايا. وتمسح أسيل دموع بدرية. كفاية بقا. ويلا بينا. بابا أكيد منتظرني عشان نتعشى سوا. وتمر الأيام على البيت الكريم بخير. وانتهت أسيل من امتحاناتها. وجاءت ليلة السفر إلى الأرض الطاهرة. أسيل بفرحة. بابا أنا مش مصدقة. خلاص هنسافر.
صالح. أه يا حبيبتي. الحمد لله. يلا حضري الشنط. وبلغي بدرية عشان هنمشي بعد الفجر مباشرة. أسيل. حاضر يا بابا. في الصباح. يودع بعض أهالي القرية صالح وابنته وبدرية. ويطلبوا منهم الدعاء. تخرج السيارة بهم على أطراف القرية وتقف. صالح. أسيل. انزلي نشوف ماما ونسلم عليها. يدخل صالح هو وأسيل وبدرية المدافن. يقرأوا الفاتحة لأسيل. صالح بصوت منخفض. هودعك مؤقتا. أيام ويبقى معاكي وجمبك. أسيل. بابا انت بتقول إيه.
صالح. هاااا. ولا حاجة يا حبيبتي. يالا بينا عشان نلحق طيارتنا. بعد ساعات. تهبط الطائرة في أراضي المملكة العربية السعودية. ساعات. وكانت أسيل تمسك بستار الكعبة تناجي ربها بأن يحفظ لها أباها ويحفظها. وأن يجعل لها من حظوظ الدنيا أفضلها. وصالح يناجي ربه أن يسعد ابنته ويجعل لها نصيب فيمن يخاف الله فيها. ويجمعه بمن يحب قريباً. وبدرية تبكي على فراق ابنها. وأن يرد لها بكل خير وسلام.
أيام وتنتهي أيام الحج. وفي آخر يوم بعد صلاة الفجر. تستيقظ أسيل على من يخبط على غرفتها هي وبدرية. ترتدي ثيابها لتفتح فتجد الشخص الذي يسكن الغرفة مع أبيها. أسيل. نعم. خير. الرجل. انتي بنت الحاج صالح. أسيل بقلق. أيوه. الرجل. طيب اتفضلي معايا. أسيل. لو سمحت طمني. فيه إيه. الرجل. أنا آسف يا بنتي. والدك توفى وهو ساجد بيصلي الفجر. وتأكدنا من وفاته. أسيل. باباااا. وتقع على الأرض فاقدة الوعي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!