داخل غرفة مظلمة تنام أسيل باكية العينين، تحتضن صور أبيها وأمها، تكتم داخلها صرخات وأهااات لا تنتهي. يشتعل قلبها حرقة على أبيها الذي تركها في عالم مظلم لا تعرف فيه أحداً.
غير القليل الذين تشغلهم حياتهم، فمهما كان قربها من أهل القرية المساكين، لن يفهمها أحد أو يعوضها حرمانها. أبيها… تأملت أن تصرخ وتصرخ وتخرج كل ما فيها، ولكن للأسف حتى صوتها تخلى عنها. لم تستطع الصراخ، وليس لديها القدرة على الكلام من وقت أن سمعت بفراق أبيها.
الحياة… تنظر أسيل بجوار سريرها لتجد نوتة وقلم قد وضعتهما بدرية مسبقاً، حتى تكتب أسيل ما تريده وتحتاجه فيها. فبدرية، وبعد مرور أسبوعين على وفاة صالح… ما زالت لا تفهم إشارات أسيل، وأيضاً أسيل ما زالت جاهلة عند استخدام الإشارات في التعبير عما تريد. أمسكت النوتة وكتبت فيها بعض الأشياء التي تحتاجها، وكانت بعضها عن أجندات وأقلام.
طرق باب أسيل بهدوء، لتدخل بدرية بابتسامة زائفة على وجهها. ما هم فيه لا يوحي بأي نوع من الفرح، ولكن تريد فقط أن تجعل أسيل ترى وجوهاً مبتسمة أمامها، لا وجوهاً عابثة، فكفاها من الحزن ما ذاقت. بدرية: صباح الخير يا حبيبتي. تنظر أسيل لها وتنزل رموشها لأسفل، وكأنها ترد عليها صباحها بإنكسار. بدرية: إيه يا ست البنات مش ناويه تقومى من سريرك ولا إيه؟ يالا كدا قومى خديلك شاور واتوضى وصلى على ما أجهزلك الفطار.
تشير أسيل لبدرية بأن تنتظر حتى تكتب لها شيئاً وتعطيها النوتة. بدرية تقرأ ولكن بصعوبة، لأنها ليست متعلمة، فهي سيدة كبيرة في السن ولم يكن في صغرها دخول للبنات المدارس إلا قليلاً جداً، ولكن أسيل كانت تعلمها وتعطيها بعض دروس محو الأمية. بدرية تقرأ كلام أسيل: (أنا مش هنزل يادادا، هاتلي فطارى هنا في أوضتي) بدرية: ليه كدا بس ياحبيبتي؟ انت هتفضلي كدا حابسة نفسك في أوضتك ومبتشفيش حد ولا بتتعاملي مع حد. أسيل تكتب في النوتة،
لتقرأ بدرية: (كل أحبابي رحلوا، فلم يعد لحياتي شيء يُزينها، ولا لكلامي فائدة) بدرية: متقوليش كدا ياحبيبتي، دا ربنا كبير واكيد عوضه ليكي هيكون أكبر. ويالا ياحبيبتي روقي وانزلي ورايا عشان الحاج محمد (عمدة القرية) جاي بعد شوية عايزك في موضوع وبيقول معاه ناس ضيوف، هو بلغني من بليل. أسيل تهز أسيل رأسها بالموافقة.
تخرج الدادة من الغرفة، لتقوم أسيل تدخل تتوضأ وتصلي فرضها، لتنزل لأسفل وتنظر إلى باحة منزلها الفارغة. منزلها الكبير الذي كان قبل عشر سنوات لا يخلوا من البشر، فقد كانت والدتها تجتمع بسيدات القرية المساكين وتعلمهم أمور دينهم، دائماً كان المنزل يعج بالناس، حتى بعد وفاة أمها ظل المنزل هكذا، كانت السيدات المساكين يأتون كل يوم ليطمئنوا على الطفلة التي تبلغ من العمر عشر سنوات إكراماً لأمها وما كانت تفعله معهم، وإكراماً لأبيها الرجل الصالح.
أما اليوم فلا يوجد غيرها في باحة المنزل الذي طالما ملأه أطفال القرية ليدرسوا ويحفظوا كتاب الله، فلما يأتون اليوم وقد أصبحت صاحبة البيت الكبير ومعلمتهم خرساء. كان هناك من يربت على كتفها: أكيد بكرة أحسن يابنتي والبيت الكبير هيجي يوم ويرجع زي زمان. أحسنت… تنظر أسيل بأعين باكية لتجد أن حياتها لم يعد يبقى فيها سوى الدادة بدرية، السيدة العجوز التي طالما تقف بجوارها. بدرية: الفطار جاهز ياحبيبتي.
بعد إنهاء أسيل من إفطارها، تدخل عليها بدرية مبتسمة. بدرية: أسيل يابنتي، تعالي أوضة الضيوف، العمدة هناك مع ضيفه. تنظر لها أسيل باستغراب، كأنها تسألها ما المفرح في وجود عمدة القرية وضيفه. وكأن الدادة أحست بها وما يدور داخل خاطرها. بدرية: عارفة انت عايزة تقولي إيه؟ لما تقابليهم هتعرفي.
تتجه أسيل إلى غرفة الضيوف، لتجد عمدة القرية ومعه رجل يشبه أباها بقليل وتقريباً في نفس عمره، إلا أنه يلبس ملابس مختلفة، كاجوال ولبس عصري، بخلاف أباها الذي كان دائم على لبس القفطان وقليلا ما كان يلبس البدلة.
العمدة: تعالي يا أسيل يابنتي. اسمعيني كويس يابنتي، دا يبقى أستاذ صلاح المنياوي، أخو أبوكي التوأم، أنا عارف أنك مشفتيهوش قبل كدا ولا تعرفيه، انت تعرفي بس أن ليكي عم عايش بره. عمك صلاح وهو شاب سافر الخارج يكمل دراسته هناك وعاش هناك وانقطعت أخباره عننا من وقتها. صلاح: إزيك يا أسيل؟ أنا عمك صلاح. أسيل تهز رأسها لأسفل مع ابتسامة خفيفة. صلاح: انتي عاملة إيه ياحبيبتي؟ البقاء لله. تهز أسيل رأسها المرة الثانية.
صلاح بإستغراب وينظر إلى العمدة وإلى بدريه: بدرية: معلش ياصلاح بيه، بس أسيل بنتي فقدت صوتها من وقت اللي حصل. صلاح بأسف: أنا آسف يابنتي، مكنتش أعرف. سلامتك. ويوجه كلامه للعمدة: طيب أنتم ودتوها لدكتور ولا لأ؟ العمدة الحاج محمد: ولا يا صلاح، الدكتور جالها وقال معندهاش أي سبب عضوي، ودا نفسى من الصدمة اللي حصلت لها، نسأل الله أن يشفيها ويعافيها.
صلاح: طيب، أنا طبعاً بعد موت أخويا الحاج صالح مش هينفع أسيب بنته تعيش لوحدها، خصوصا بالوضع والحالة اللي هي فيها.
العمدة: أنا عشان دورت عليك وبعت ناس تسأل عن مكانك عشان تيجي تشوف بنت أخوك وتراعيه، مع إن والله أعلم إحنا بنحاول منكنش مقصرين معاها، ميجيش بعد فضلها على ولاد القرية وفضل أمها وأبوها من قبلها، بس أكيد هيا محتاجة وجودك، خصوصا عشان الأراضي والأملاك اللي سيبها أخوك الحاج صالح، وأظن الدكتورة أسيل مش هتعرف تتعامل مع الأملاك دي لوحدها. صلاح: دكتورة؟ محمد: أه، أسيل داخلة السنة الرابعة في كلية الطب.
صلاح: ماشاء الله. طيب أملاك إيه اللي بتتكلم عنها؟ محمد: بعد ما أخدت ورثك وسافرت بيه، رجع الحاج صالح من سفره لإن أبوكم كان حالته متأخرة، استلم ورثه وكبره، والنهاردة ماشاء الله يمتلك أكثر من نصف الأراضي اللي محاوطة القرية، دا غير مزارع الدواجن اللي بيشتغل فيها أهل القرية، وغير البيت الكبير ده والفلوس اللي في البنوك، لأنه كان بيتصدق دايماً عن ماله، ربنا رزقه من فضله. صلاح:
وقد لمعت عيناه من الفرحة: طيب، حيث كدا بنت أخويا هتعيش معايا وكل الأملاك هتوزع علينا كورثة، وأنا مدير لها ورثها لحد ما ربنا يعفو عنها. محمد: للأسف يا صلاح بيه، كل الأملاك مكتوبة بيع وشراء باسم الدكتورة. الحاج صالح كتب كل حاجة باسم بنته، ودا لإنك مكنش معروف مكانك ولا حتى إذا كنت عايش أو لا، قدر الله يعني. صلاح: يعني كل حاجة باسم الخرساء دي… أقصد باسم أسيل. محمد: وقد رأى
الطمع والحقد في عين صلاح: للأسف أه، كل حاجة باسم أسيل صالح المنياوي، والأوراق الحاج عطاها لي قبل سفره لتأدية الحج، ويا ريت أعرف هتعمل إيه دلوقتي. صلاح بضيق: هعمل إيه يعني؟ هاخد أسيل تعيش معايا أنا وأولادي، ولو مفيش مانع هينفع أدير لها أملاكها. محمد: لأ طبعاً مفيش مانع، بس ممكن أفهم أنت قولت ولادك؟ هو يعني جماعة بيتك (زوجتك) مش موجودين معاك؟
صلاح: للأسف إحنا منفصلين من سنين وعايش أنا وأولادي زين، زياد، بس زين حالياً مسافر برة مصر بيحضر دكتوراة، وزياد يبقى ظابط شرطة. محمد: مش هينفع أسيل تعيش مع شباب في بيت مفيهوش ست غيرها، وكمان هيا متدينة جداً وصعب توافق على حاجة زي كدا، دا غير أهل القرية اللي بيعتبروها بنتهم لو عرفوا حاجة زي كدا. صلاح: طيب أنا المفترض أعمل إيه إذا كان دا اللي أقدر أعمله؟ محمد: لأ، تقدر تعمل غير كدا. صلاح: اللي هو إيه؟
محمد: تجوز أسيل واحد من أولادك، وبكدا هتكون حميت بنت أخوك من القيل والقال، وكمان تقدر تعيش وسطكم بحريتها، دا غير إن زوجها هيقدر يدير أملاكها براحته. تنظر أسيل لمحمد وكأنها تعاتبه. محمد: أنا عارف يابنتي إن صعب تقبلي بكلامي، زي ما أنا عارف إنك متأكدة إن دا الحل الوحيد والأصلح ليكي. تشير أسيل بيدها على رقبتها، وكأنها تريد أن تقول له: أنا خرساء، لا أستطيع الكلام، فكيف لشخص تقبل هكذا؟
محمد: أنا فاهم عايزة تقولي إيه، عدم قدرتك على الكلام لا يعيبك، وكمان دي فترة مؤقتة، مع تحسن حالتك النفسية هتبقى أحسن. ويوجه كلامه إلى صلاح: ولا إيه يا صلاح بيه؟ صلاح: هااا… اااه طبعاً. محمد: طيب قولت إيه؟ صلاح بخبث واضح في عينيه: أكيد طبعاً موافق، أنا هسافر دلوقتي على اسكندرية أقول لابني، واكيد هو يستحيل يرفضلي طلب، وأجيبه، ويوم الخميس القادم تكون محضر المأذون. صلاح في نفسه: أجوز الخرساء صاحبة الأملاك لابني.
أسيل في نفسها: شئ من الخوف، ولا تقدر على البوح بما يؤلمها. فتذهب بقلبها وروحها بين يدي ربها وتدعو الرحمن الرحيم. ربي أنت العليم بما في القلب من وجعٍ أنت الرحيم بضعفٍ لست أقواهُ أعلم أنك لا تحدث أمراً في حياة عبادك عبثاً أعلم أنه داخل كل قدرٍ سرٌ يمهد الطريق لقدرٍ آخر فاجعل لي من الأقدار أحسنها وأفضلها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!