البيت الحزين لا يخرج منه جثمان واحد بل اثنان. يرافق الأب الحزين ابنه إلى مثواهما الأخير. فكيف لعاجز مشلول داخل غرفته يسمع نحيب عائلته، يسمعهم يطلبون من ابنه أن يستمر في محاولة العيش معهم، أن لا يتركهم؟ لا يقوى العجوز العاجز على القيام ليرى ابنه الغالي لآخر مرة. فيموت قهراً مكانه.
يخرج جثمانان من بيت واحد. آه على هذا الزين الذي فقد أباه وتوأمه في ليلة واحدة. لن تُنسى أبداً مهما حاولوا. ليدفن أباه وأخاه بجوار عمه في القرية البسيطة. أم الحزن على سيدة القصر التي فرحت أنها أخيراً سيلم شمل عائلتها ورجوعها لحبيبها. اليوم الذي ترجع فيه بكل قوتها لتمسك زمام الأمور وتجعل من قصر المنياوي بهجة. يصبح هكذا في ليلتها الأولى. لتقول له المرأة الحزينة: "ياليتني ما رجعت. أينتظرون رجوعي ليودعوني؟
أم الحزن. على الملاك الأسيل التي طالما خرج أمام عينيها الكثير من أحبابها يودعوها الوداع الأخير. أمها.. أباها.. عمها… زياد. حرمت من أمي فقلت أبي يعوضني. مات أبي ليأتي شبيهه، قلت إذن فهو العوض. ليأتي معه شاب غاية في الجمال يعذبني ويقهرني، لكنه أحبني. نعم، أحبني الشيطان التائب. أحبني أكثر من روحه التي تركها تزهق بديلة لروحي. أحبني
لدرجة أنه جعل آخر كلماته: "أن أكون سعيدة مع هذا الزين." كان يعلم بما يدور في خواطرنا، ولكن لم ينطق حباً لأخيه. كيف كيف يكون زياد هكذا؟ كيف يكون الحب هكذا؟ تضحية بعد عذاب. كيف لشيطان يتحول لملاك بهذا الشكل؟
فما عددت أنا الملاك، الملاك الوحيد كان زياد. آه يا زياد، ما فرحت بمحبتك ولا أحسستها إلا بعد فراقك. فليرحمك الله ويتقبل توبتك. لن تُنسى يا خير من أحبوا الأسيل. لن تُنسى وتظل في الخاطر دائماً. وداعاً يا ملاكي في جنة الخلد يا زياد. وتمر الأيام كما هي على أهل البيت الحزين. يحبس كل منهم في غرفته، لا يتقابلون ببعضهم إلا قليلاً. فكل منهم داخل غرفته يداوي جراحه وحزنه. يخافون أن يظهروا ضعفهم أمام بعضهم البعض.
حتى قامت أسيل مفزوعة من نومها لترتدي خمارها وتذهب لتطرق باب زين. وقبل أن يفتح تتكلم أسيل: "زين، أنا مستنياك تحت. ياريت تنزل فوراً." يسمع زين كلمات أسيل فيقوم مسرعاً. أسيل تطرق غرفة ناهد: "طنت ناهد، لو سمحتي محتاجالك ضروري في أوضة المكتب." ناهد: "حاضر يا بنتي." تجتمع أسيل مع زين وناهد. أسيل: "أنا جبتكم لأن فيه حاجات كتير غايبة عن بالنا بسبب اللي حصل." زين: "خير يا أسيل؟ أسيل:
"النهاردة آخر فرصة لينا في تسديد ديون البنك، وإلا هيحجزوا على الفيلا والشركة والمصنع." زين: "فعلاً بكرة الساعة 12 هيبدأوا. آخر وقت لينا." أسيل: "طيب، إحنا لازم منخليش دا يحصل." زين: "مش مهم. أنا أصلاً شغلي هيبقى في الجامعة، مش محتاج شركة ولا مصنع. وإن كان على الفيلا، عندي شقة صغيرة ممكن نروح نعيش فيها." أسيل: "إنت بتقول إيه؟ إزاي يعني؟ إنت ناسي إن دي شركة المنياوي؟
يستحيل اسم المنياوي يتهز أبداً. وبعدين شغلك في الجامعة هيبقى جنب شغل الشركة. لو خسرنا الشركات والمصنع هتبقى خسارة كبيرة لينا. الفلوس المطلوبة تسديدها أقل بكتير من ثمنهم." زين: "طيب، وفلوس القرض دا هنجيبها منين؟ أسيل: "أنا هدفعهم يا زين." زين: "يستحيل آخد فلوسك. انسى يا أسيل." أسيل: "ومين قالك إن الفلوس اللي هتاخدها هتبقى فلوسي؟ زين: "مش فاهم." أسيل:
"إنت عارف إن بابا الله يرحمه ملوش ولاد، وأنا البنت الوحيدة. فبالتالي إنت لازم تورث بابا. كتب كل حاجة باسمي عشان مكنش معروف وجودي لعمي الله يرحمه. ودلوقتي لو معطتكش حقك، بابا هيتعذب في قبره. إنت تحب أكون سبب في عذاب أبويا؟ زين: "بس يا أسيل... أسيل: "أشياء مفيش بس. عموماً حقك هيتعدى فلوس القرض ويفيض كمان. هتصل بالبنك بحضر الفلوس بكرة الصبح على ما نقعد ونتحاسب." زين: "اللي إنت شايفاه." ناهد:
"الله يبارك لك يا بنتي ويفرح قلبك." أسيل: "شكراً، دا حقكم. زين، ممكن أعرف الشرطة عرفت مين الشخص اللي ضرب علينا نار؟ زين: "الشرطة أخدت كاميرات الفيلا هتفرغها وتعرف مين." أسيل: "يارب، أكيد حق زياد الله يرحمه هيرجع." زين بمحاولة ليخرج سريعاً قبل أن يبان ضعفه أمامهم. ناهد: "ربنا يرحمك يا ابني ويرحمك يا صلاح ويصبر قلوبنا."
في الصباح يقوم زين وأسيل ليذهبوا للبنك ويتخلصوا من ذلك القرض اللعين الذي طالما لا يأتي على أحد إلا بالخراب. يرجع زين وأسيل وهما داخل السيارة، كل شخص يسرح في عالمه الخاص. حتى رن هاتف زين. زين: "الوووو... أيوه بجد... طيب أنا جاي حالا." أسيل: "خير يا زين؟ زين: "فرغوا الكاميرات وعرفوا مين المتورط في قتل زياد." يتجه زين وأسيل إلى القسم. زين: "السلام عليكم، إزيك يا سيادة الرائد؟ الرائد: "أهلاً دكتور زين، اتفضل." زين:
"مين اللي عمل كدا؟ الرائد: "إحنا شوفنا الكاميرات وقدرنا نشوف وجه القاتل. ومع تحرياتنا عنه عرفنا إنه حارس على عاصم الخضيري. وطبعاً أثناء القبض اتصدمنا، لأننا لقينا وقتها شحنة سلاح داخل قصر الخضيري. وتم القبض عليه هو وكل المتورطين. طبعاً الحارس معملش دا من نفسه. دا طلع مأمور من... زين: "عاصم الخضيري؟ الرائد: "للأسف لأ. اللي أمره كانت مريم الخضيري، زوجة الرائد زياد سابقاً." الرائد يضغط على الجرس لتدخل مريم. زين: "معقول؟
إنت يا مريم؟ ليه يا مريم عملتي كدا؟ زياد يا مريم حرام عليكي." أسيل: "يعني تهديدك لزياد إنك تنتقمي مني مكنش مجرد كلام؟ حرام عليكي يا مريم. زياد كان اتغير وبقى إنسان تاني. حرام تحرميه من شبابه." مريم:
"أنا مكنش قصدي زياد. أنا كنت عايزة أتخلص منك. أنا كنت مستهترة ومعنديش حاجة اسمها حدود، وكنت على علاقة بالشاب اللي بيعملي المساج. ولما عرفت إني حامل في شهرين قلتله، رفض يعترف بابنه. خفت أقول لبابا لأنه حتى ولو كان سايبني على حريتي، فأكيد مستحيل يقبل بكدا. خفت يقتلني لو عرف إني حامل. فاخترعت لزياد إن كان بيبقى معايا كل ليلة. بس أنا كنت متأكدة إن دا يستحيل يكون ابنه، لأنه فعلاً ملمسنيش. فلما جيت أقوله كان ممكن يوافق إنه ابنه لولا كلامك. إنت اللي خليته يضربني ويهيني. فقررت أتخلص منك. وبعدها أحاول أقنع زياد بطريقتي. بس للأسف المتخلف اللي بعته قتل زياد بدالك."
أسيل: "الله لا يسامحك يا شيخة. يلا يا زين مش قادرة أقعد هنا دقيقة واحدة." بعد أيام يقرأ زين في الأخبار بانتحار بنت عاصم الخضيري داخل السجن. وتنتهي أسطورة مريم بانتظارها. عاشت أفضل ربها وماتت وهي تغضبه. وأيضاً عاصم الذي رمي في السجن لحين محاكمته. ويمر شهران على موت زياد وصلاح، وترجع الأمور لطبيعتها قليلاً، ولكن دون نسيان أهل البيت أحبابهم. في صباح يوم تنزل أسيل لتفطر مع ناهد وزين فتشعر بدوار لتقع مغمى عليها. زين:
"أسيل مالك؟ ليرفعها بين يديه ويطلع بها غرفتها ويريحها على سريرها، ويتصل بدكتورة زميلة له. بعد وقت تخرج الدكتورة. زين: "خير يا دكتورة، أسيل مالها؟ الدكتورة: "مبروك مدام أسيل حامل في الشهر الثاني." زين: "ناهد؟ ناهد: "😳😳" زين لنفسه: "إيه؟ حامل؟ كيف لي كل هذا العذاب؟ كيف سأراه حبيبة لي أم زوجة لأخي؟ كيف أحبها وأنا أراها تحمل بطفله؟ أم لإبن أخي؟ كيف لي بقربها وهي كل يوم مشتاقة له؟
قد أرغمتني على البعد. جعلتني أفعل ما ظننت أني سأفعله يوماً. جعلتني أرحل وأنا أحبها. أتظاهر بأني أقوى على ذلك. كم أتمنى لو أجد سبباً يجعلني أظل بجوارها، لا أتركها أبد الدهر." يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!