تحميل رواية ملحمة الحب والانتقام بقلم ندي ممدوح pdf
بقلم ندي ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جأتني كغيث أغاث قلبي من ممات. الليلُ يغشى المكان، القمرُ هلالًا يتوسط عنان السماء، تحيطُ به حاشيته من النجوم الثاقبة، حفيف الأشجار يتعالى بسبب ملاعبة رياحُ البليلُ له، في تلك اللحظة كان شابٌ يرتدي جُلباب صعيدي واقفًا يعالج مزلاج باب خشبي، ثم دفع بابه في قوة لينفرج عن بيتٍ بسيط. استدار ياسر هاتفًا بلهجة صعيدية هادئة: _ إتفضلوا أُدخلوا آني عارف مش قد المقام بس احتياطي لحد ما نشوف بيت أحسن، إهنا هتكونوا في أمان محدش هيقدر يقرب منيكم ولا يعرف ليكم مطرح. فأندست مليكة للداخل، يعلو وجهها الإشمئزاز، وغم...
رواية ملحمة الحب و الانتقام الفصل الأول 1 - بقلم ندي ممدوح
جأتني كغيث أغاث قلبي من ممات.
الليلُ يغشى المكان، القمرُ هلالًا يتوسط عنان السماء، تحيطُ به حاشيته من النجوم الثاقبة، حفيف الأشجار يتعالى بسبب ملاعبة رياحُ البليلُ له، في تلك اللحظة كان شابٌ يرتدي جُلباب صعيدي واقفًا يعالج مزلاج باب خشبي، ثم دفع بابه في قوة لينفرج عن بيتٍ بسيط.
استدار ياسر هاتفًا بلهجة صعيدية هادئة:
_ إتفضلوا أُدخلوا آني عارف مش قد المقام بس احتياطي لحد ما نشوف بيت أحسن، إهنا هتكونوا في أمان محدش هيقدر يقرب منيكم ولا يعرف ليكم مطرح.
فأندست مليكة للداخل، يعلو وجهها الإشمئزاز، وغمغمت بإمتعاض وعينيها تدوران في أنحاء المنزل البسيط الحال:
_ إحنا هنقعد هنا؟!
فحدجتها والدتها شزرًا بنظرة رادعة، بينما أجاب ياسر في هدوء متأن:
_ معلِشِ يا ست مليكة آني عارف إن البيت مش قد المقام ولكن إحتياطي لحد ما نشوف الدنيا واخدانا على فين، والقضية هترسي على إي.
حدقت أمل ابنتها وهي تقول بلهجة صارمة:
_ أدخلي جوة يا مليكة أنتِ وأختك.
ضربت مليكة قدمها على الأرض بضجر، ثم توجهت للداخل غاضبة وهي ترغي وتزبد.
التفتت أمل إلى ياسر الشاب الذي يعمل لدى زوجها في شركته، وقالت بأعتذار:
_ معلش يا ياسر متزعلش من مليكة.
فأجابها ياسر بلهجته الصعيدية:
_ أنا مستحيل أزعل منها، أنا همشي دلوقت، في وحدة هتيجي قريبتي عشان لو عزتوا حاجة.
فشكرته أمل وهي تشيعه إلى الباب:
_ شكرًا يا ابني، من غيرك مش عارفة كنا هنعمل إيه، كان زمانا في الشارع.
فعاتبها ياسر برفق:
_ لا عاد متقوليش كدا، دا كله من خير عمي محمد، ياما ساعدني، همشي أنا وكل ما ألاقي فرصة هاجي أطل عليكم، وإن شاء الله عمي هثبت برائته متقلقيش.
فردت عليه أمل بإيماءة من رأسها:
_ إن شاء الله يا بني، طمني عليه أول ما توصل.
غمغم ياسر وهو يتأهب للأنصراف:
_ هخليه يكلمكم بس مش دلوقت، بعد فترة كدا تكون الشرطة هديت ووقفت تدوير عليه، يلا فوتكم بعافية.
فأغلقت أمل الباب وراءه وهي تتنهد بثقل، وهمست بينها وبين نفسها:
_ يا ترى إحنا فين والدنيا مخبية لنا إيه، يا رب.
لحظاتٍ وكانت تُعد مائدة الطعام وتستدعي ابنتيها اللآتين حضرتا فورًا، فجلست ملك بينما جالت مليكة ببصرها على الطعام الذي على المائدة بمقت، وقالت برفضٍ تام:
_ أنا مستحيل آكل الأكل ده أبدًا.
فأسبلت أمل جفنيها كي تهدأ من إنفعالها، وهي تجيبها بحدة:
_ دا اللي موجود يا ست، عجبك كلي مش عجبك نقطينا بسكاتك وحلي عن نفوخي، كفاية المصيبة اللي إحنا فيها.
ثم تنهدت وهي تقول:
_ أدي آخرة دلع أبوكي ليكِ.
فتمتمت مليكة وهي تسير بعجل صوب الباب:
_ طيب كلوا انتوا بقا الأكل ده وأنا هنزل أشوف أي سوبر ماركت وأجيب أي حاجة.
والتقطت حقيبتها وهي تركض نحو الباب بينما أمها تهب بفزع هاتفة:
_ استني يا بت أنتِ، تعالي هنا نازلة فين وإحنا في مكان منعرفهوش؟!
لكن عبارتها ذهبت أدراج الرياح والباب يُغلق بقوة، بينما كانت مليكة تتلفت حولها وسط الظلام الدامس الذي يغشى المكان بغرابة، وهي ترتدي بنطال من الجينز الضيق يعلوه تيشرت ضيق ذو أكمام طويلة، وأخذت تسير في الطريق بوجل وقد تسرب الخوف إلى قلبها واستوطن، وهمت بأن تعود وما كادت تفعل حتى أدركت إنها قد نست أيُّ الطريقُ سلكت، فتوقفت في منتصف الطريق عالقة في الضياع ثم تناهى لها أصوات رجولية فتتبعت أثر الصوت وهي تصيخ السمع وتسترق النظر بحذر وجزع وثوانٍ ووجدت نفسها تقف أمام ثلاث شباب ذو جلابيب صعيدية، توقفوا عن الحديث ما أن وقعت أبصارهم عليها بهيئتها تلك، وقد تجمدت أعينهم عليها بغرابة وهم يفترسوها بنظراتهم الحادة الرجولية، تراجعت برعبٍ وقد سرت رعدة باردة في أوصالها ودب الهلع روعها؛ عندما تقدموا الشباب منها، ونطق إحدهما قائلًا بصوتٍ غليظ وهو يبلل شفتيه بلسانه:
_ ووه إيه القمر اللي هل علينا دلوق من غير إحم ولا دستور!
وغمغم آخر ببسمة ساخرة:
_ دي مش من هنا عاد أصبر نشوف القمر منين.
وألتفت إليها، متسائلًا بنظرة حادة:
_ أنتِ مش من إهنا يا بت إنتِ صُح؟
تسمرت مليكة عن الحركة وتخشبت أطرافها وهي تزدرد لعابها بخوفٍ، وبصوتٍ متهدج من الهم الذي اعتلج فؤادها قالت:
_ لأ.. أنا مش من هنا فعلًا.
ثم أردفت تقول وهي تستدير:
_ و.. وهمشي حالًا.
وقبل أن تطأ قدمًا، أو تتحرك خطوةً واحدة، وجدت كفًا خشنًا غليظًا يقبض بإحكام على معصمها، فأستدارت في هلعٍ نما فوق وجهها وصرخت به مقلتيها، وحاولت ان تفلت يدها من بين أصابع الشاب لكن كل محاولاتها باءت بالفشل، وافرجت شفتيها عن قولٍ ما عاد ينحبس بداخلها وقد اتسعت أعينها حتى بلغتا الذروة وهي تجد شابٌ آخر برز على حين غرة من اللامكان عريض المنكبين، بائن الطول يجز على أسنانه غضبًا وهو يلف أصابعه على ذراع الشاب الممسك بها، ويجأر بصوتٍ مميت أثار الهيبة في أعماقها:
_ هملها.
كانت كلمة واحدة تلك التي نطق بها، جعلت الشاب يرتجف كريشة في مهب الريح، وأعينه تتسعان حتى بلغتا الذروة، ويفغر فاهٍ متلعثمًا بكلماتٍ لا يتبين مهيتها:
_ سـ ســ سراج بيه.
_ إمشي غور من إهنا، متورنيش وشك واصل لحد ما أطلبك أنا.
في لمح البصر كانوا الشباب قد أختفوا، ونظرت مليكة في وجه الرجل الواقف بشموخ أمامها في صمتٍ عجيب، طالعته بنظرات مرتابة، لاحت ابتسامة ساخرة على شفتي سراج، وقال:
_ إيه ياك شايفة عفريت قدامك ولا إيه حُصل لك؟
انزعجت مليكة من سخرية صوت سراج وارتفاعه، وتلفتت يمينًا ويسارًا قبل أن تقول لائمة:
_ وطّي صوتك يا جدع إنت!
ارتفع حاجب سراج مندهشًا، وهو يغمغم:
_ وهوا أنا إكده صوتي عالي ولا إيه؟
صرخت مليكة في وجهه:
_ هو أنت مش سامع نفسك.
اجابها سراج بصوتٍ غليظ:
_ لأ…
وقطع عبارته وهو يقول مستدركًا:
_ أنتِ إيه اللي مطلعك من بيتك في نص الليل إكده.
وشملها بنظرة فاحصة من قمة رأسها لأخمص قدميها، وهو يتابع:
_ وبت مين أنتِ إهنا؟ وإيه اللي لابساه ده!
نظرت مليكة إلى ملابسها وهي تقول متعجبة:
_ وماله لبسي مش فاهمة!
ران عليهما الصمت للحظات، حدج سراج مليكة بنظرة ثاقبة وقال بجدية:
_ ساكنة فين أنتِ همي معاي أوصلك.
ازدردت مليكة ريقها وقالت بخفوت:
_ أنا شبه ضايعة ومش عارفه فين البيت لإن أول يوم أجي فيه هنا فمش عارفة المكان.
فسألها سراج باهتمام:
_ إنتِ ضيفة إهنا.
هزت مليكة رأسها إيجابًا، وأخذت تفرك أصابعها في توتر، حملق سراج في وجهها ثم سألها:
_ مش فاكرة جيتي من أي طريق إهنا، المكان ميتوهش كفاية بس تفتكري طريقك.
أشارت مليكة إلى ناحيةً ما، وقالت بصوتٍ خفيض:
_ غالبًا جيت من هنا.
فتجاوزها سراج وهو يقول:
_ همي بينا.
لحقت مليكة به بخطوات سريعة حتى يتسنى لها مجاراة خطواته.
_ بس هنا هو ده البيت.
صاحت مليكة بتلك العبارة ما أن وقعت أعينها على البيت الذي أمسى يأويها، فتوقف سراج وأستدار لها بنظرة مبهمة جعلت الريبة تغمر فؤادها، وفي لحظة كانت تهرول من أمامه تطرق باب البيت بلهفة وتختفي بداخله، وظل سراج لردحًا من الزمن بعينين معلقتين على الباب.
لم تخبر مليكة بما حدث معها لأمها وأختها، وإن ظلت تفكر بذاك الشاب الغريب.
***
استيقظ سراج من نومه على صوت المنبه الذي وقته على تمام الساعة التاسعة صباحًا، وما كاد يعتدل في فراشه حتى وجد الباب يُقتحم وولدته تدلف للداخل، قائلة:
_ سراج يا ولدي اصحى جدك رايدك في شيء ضروري.
فنزع عنه الغطاء الذي كان يتدثر به وهب واقفًا، وقال:
_ أنا صاحي يا مه، هغسل وشي وأنزل له طوالي.
لم يلبث أن كان يفتح إحدى الحجرات وعلى وجهه بسمة متسعة في وجه رجلٌ يجلس على مقعد متحرك، وشابٌ يقف أمامه، وقال بنبرات قوية:
_ صباح الخير يا جدي، كيفك يا مالك؟
قالها ويده تحط على منكب مالك الذي رد على سؤاله بهدوء، بينما الجد يخبر سراج في هدوء:
_ الشغل اللي في المصنع ع الجبل مش عاجبني يا سراج يا ولدي، في إهمال شديد ميتسكتش عليه، عايزك تروح بنفسك وتشرف على الرجالة هناك.
هز سراج رأسه، ورد على جده في لهجة واثقة:
_ إعتبر الشغل منهي يا جدي.
وقال وهو يتراجع خطوتين بظهره:
_ عن إذنك.
وأستدار مغادرًا وهو يغلق الباب وراءه، فانتظر الجد عتمان برهة من الزمن ثم رفع بصره إلى مالك المطرق في أدبٍ جم، وقال:
_ سراج هبعده عن إهنا، وإنت عليك تخلص ع الظابط ده، عايز خبر موته يوصل لي الليلة دي، فاهم يا مالك؟
هز مالك رأسه في طاعة، وقال بنبرة كالفحيح:
_ متقلقش يا حج عتمان، إعتبر رقبته وصلتلك من دلوك.
فتبسم الجد بسمة مقيتة، وقال في راحة:
_ عارف إنك قدها يا ولدي، ولكن إعرف ان الظابط ده مش ناوي على خير وعمال ينقب ويلف ويدور ورانا ومستني لينا غلطة لو وصل لها…
وتابع بنبرة شرسة، وهو يضرب على عنقه:
_ رقبتنا هتتلف حولين المشنقة.. فاهم يا مالك يا ولدي؟!
هز مالك رأسه مجددًا، وغمغم:
_ فاهم يا چدي، والأمر منهي متقلقش واصل.
***
خرجت مليكة من منزلها بحثًا عن أي مكانٍ تجلب منه طعامًا، لم تكن تدري أي شيء عن البلدة التي تقيمُ بها حاليًا، وإن ظنت إن الأمر هين كما القاهرة، وقد ظهر في طريقها بضع محلات بقالة ومن صغرها لم تحسب إنها ما تبغي، فأخذت تسير دون ان تسأل حتى أحدٍ عما تريد، وقد اعتقدت إن بإمكانها أن تجد بمفردها بغيتها، وفجأة وجدت نفسها في المقابر، وقد بدأ غروب الشمس يلوح في الأفق والشفق يغمر الأرجاء، فتابعت سيرها في جرأة حتى تسمرت قدميها على صوت رجلٌ يقول في غلظة:
_ إحنا هندفنوه الليلة والاثار هتتهرب برا البلد وهنعيشوا مبسوطين، كان لازم يعني يعمل إكدا، اديه هيترمي للتعابين تاكله.
فشحب وجهها وتتبعت أثر الصوت وهي تسترق السمع في اهتمام، وتخطو بحذر وبخطواتٍ متأنية، فوجدت رجلين يتناقشان عن دفن أحدٍ بعد ما يلقى حتفه على أيديهم، اتسعت عينيها في زعر وهي تشهق بصوتٍ عال، فأستدارت الرؤوس إليها، وأطل غضبٍ هائل في أعين الرجلين، وهتف إحدهما:
_ دي سمعتنا يا محمود أمسكها.. إوعاك تهرب منيك.
وتراجعت مليكة في هلعٍ دب في روعها، ثم استدارت وأندفعت تعدو في الطريق، بينما أندفع الرجلين خلفها في إصرار رهيب.
رواية ملحمة الحب و الانتقام الفصل الثاني 2 - بقلم ندي ممدوح
كُن نسمة هواء داعبت القلب بمحبة، وغادرت بسلام.
انطلقت مليكة تعدو دون أي سبيل، واندفع وراءها الرجلين، والليل بدا رويدًا رويدًا يغمر الدنيا بظلامه ويعسعس. استعبرت مقلتاها حزنًا عما أوقعت نفسها فيه، وبينما هي تعدو تند عنها لفتة رأس إلى الوراء لتبصر الرجلين، تعثرت في حجر غليظ فسقطت إثر ذلك على ركبتيها وكفيها وانتحبت وهي تهب واقفة وتتابع ركضها بنشيج، ودمعًا لا يرقأ.
وهاجس رهيب سيطر عليها إن الموت قريب.. قريبًا جدًا.
قاب قوسين أو أدنى من ذلك. إنه يجوس حولها في انتظار لحظة سلبها الحياة.
أمسك أحد الرجال بساعد الآخر ليوقفه قائلًا بأنفاس متلاحقة أثر الركض المتواصل:
_ وقف…
وسكت يلتقط أنفاسه المسلوبة وهو يتنفس في سرعة، ثم قال بصوت منخفض مشيرًا له بالرجوع:
_ كفاية أكده، إحنا بينا نرجع…
فقاطعه الرجل الآخر قائلًا باستنكار:
_ ونسيبها كيف يا واد عمي، دي لو خبرت حد باللي سمعته هنروح فيها.
فهدأ هذا الأخير من روعه، قائلًا:
_ ع مهلك يا واد عمي، إحنا مش هنسيبها ولا حاجة.
وسكت لهنية شردت فيها عينيه إثر مليكة التي أصبحت على مد البصر، وقال:
_ إحنا بس هنهملها تجري في الجبل لحد ما يطلع عليها ديب ميسبش في جدتها حتة سليمة واصل.
وتبسم الآخر في إدراك، وقد تهللت أسايره، هاتفًا:
_ أيوه صُح معاك حق.
وأطلقا ضحكة شيطانية كأنما خرجت من الجحيم.
جحيم الموت.. كانت لا تزال مليكة تعدو، بفكرة واحدة تسيطر على كل أوصالها وهي النجاة مهما كلفها الأمر، حتى استبد بها التعب، ونهش جسدها الضئيل نهشًا فسقطت أرضًا باكية. والتفتت باحثة عن الرجلين لكنها لم تجد أيًا منهم، فتوحشت لعدم وجودهما. ودار بصرها في الأنحاء لتجد نفسها وحيدة ولا نور يضيء سبيلها إلا ضوء القمر الذي أمسى كالبدر في ليلة تمامه. فسمحت لجسدها أن يسترخي قليلًا رغم الخوف الذي زحف يأكل فيها دون هوادة. أحست فجأة بعينين مسلطتين عليها فرفعت نظرها وفي لحظة كانت نظراتها تتخشب وهي تحدق في ذئب ضخم يقف بشموخ، وعيناه لا تنحدران عنها قط. فازدردت لعابها وهي متسمرة أمامه كتمثال صلب، جحظتا عينيها وهي تقف في تأنٍ مصدوم. وعلى حين غرة أطلقت صرخة مدوية زلزلت الأرض أسفلها، وشقت فؤادها في هلع وهي تولي هاربة وفي أثرها الذئب الذي اندفع عاديًا وراءها وقد اتسع فكه بهيئة مرعبة بعد عواء كاد يوقف نبض فؤادها.
وأمامها مباشرةً برز شاب أمامها مصوبًا فوهة سلاح بيده نحوها. وزادت صرخاتها بقوة وهي تصد أذنيها مع دوي الرصاص الذي عبر من جوار رأسها مصيبًا الذئب الذي أخذ يعوي عواء متألم قبل أن يسقط هامدًا.
لم تقو مليكة على التحرك، فوقفت مكانها تذرف مآقيها دمعًا غزيرًا. وصل إليها سراج وهو يلهث من فرط الانفعال، وسألها بنبرة باردة:
_ كيفك أنتِ؟ زينة في أي حاجة وحشة حصلت لك؟
لم تجبه مليكة وهي منغمسة في البكاء، والارتجاف فرق قلب سراج، وقال في هدوء:
_ متخافيش أنا معاكِ دلوك.
كفكفت مليكة دموعها، وتوسمت في ملامحه، ثم سألته وأثر البكاء في صوتها:
_ أنت؟
أومأ سراج برأسه ولم ينبس ببنت شفة، ثم قال بغضب:
_ أنتِ بتعملي إيه ع الجبل؟
غمغمت مليكة بصدمة:
_ الجبل؟
هز سراج رأسه بامتعاض، وجز على أسنانه وهو يقول:
_ أنتِ إيه حكايتك يا بت أنتِ؟!
لم تدر مليكة بما تجيبه فأطرقت في هدوء، وهي تقول بصوت خفيض:
_ صدقني جيت هنا غلط.
ثم رفعت رأسها إليه، وهي تقول بحدة فجائية:
_ وأنت بتعمل إيه هنا.
نفخ سراج بضيق وهو يغمغم:
_ العربية عطلت فعلقت إهنا زي ما أنتِ شايفة.
هزت مليكة رأسها دون أن تعلق بكلمة، ثم تلفتت حولها في خوف دب في أوصالها، وتساءلت في حيرة:
_ إحنا هنعمل إيه دلوقتي وهنتصرف إزاي؟
رد سراج بصوت أجش:
_ والله أنا شايف إن إحنا دلوك ندارى في أي حتة عشان المنطقة دي بليل بتكون فيها ديابة كتيرة.
أطل الرعب من مقلتاي مليكة وهي تنظر له في وجل، وهمت بقول شيء ما، لكنه أسرع يقاطعها، قائلًا:
_ متقلقيش أنا عارف المنطقة إهنا كويس، تعالي.
سارت مليكة بجانبه ولا يزال الخوف يحوطها من كل جانب، وما بين لحظة وأخرى كانت تتلفت ذات اليمين وذات الشمال، وأمان من السائر بجانبها بدأ يتسرب إليها.
***
كان التوتر والقلق يسودان منزل مليكة، ويعتري أفئدة الأحبة. تسير أمل أيابًا وذهابًا في جزع، وهي تتمتم:
_ يا ترى فينك يا مليكة يا بنتي روحتي فين؟
وهزت ملك قدميها في توتر، وهي تغمغم محادثة نفسها:
_ دي أكيد حصل معاها حاجة، أنا لازم أنزل أدور عليها.
ثم سكتت لبرهة وتابعت تقول:
_ بس هنزل أدور عليها فين، أنا معرفش المكان هنا.
وعادت تهز رأسها في يأس، وهبت واقفة وهي تقول:
_ أنا هنزل أدور عليها.
فصاحت والدتها وهي تقف قبالتها:
_ تدوري عليها فين أنتِ كمان؟ مش كفاية وحدة مش عارفين هي فين؟
_ يا ماما لازم أنزل أشوفها، مش هنقعد كده ساكتين. افتراض حاجة حصلت معاها، أوعدك مش هغيب.
لم تجد أمل بداً من الموافقة على مضض، وخرجت ملك بحثًا عن أختها. كانت تتلفت وهي تسير في الطرقات، تفتش عن وجه أختها بين وجوه المارة، عندما أعترض طريقها مالك، وهو يقول بغرابة:
_ مالك يا آنسة؟ بدوري على إيه؟ أقدر أساعدك؟
أحست ملك بالريبة تجاهه، وهي تتفرس النظر في ملامحه الرجولية، ثم قالت بعنف:
_ وأنت هتعرف تساعدني إزاي؟
حدجها مالك بنظرة ثاقبة، وهو يقول بنبرات قوية:
_ جربي ومش هتندمي، باين عليكِ إنك مش من إهنا عشان إكده متعرفيش مين مالك إبن الحج عتمان.
كان مالك يعرف بأنه ابن عتمان لأنه من قام بتربيته، ولأن مالك كان يتيم الأبوين ادعى الحج عتمان أنه وجده وهو لا يزال طفلًا رضيعًا فرق قلبه وعاش في كنفه وترعرع على يديه.
غمغمت ملك بتريث:
_ أختي خرجت من ساعات ومرجعتش.
ضيق مالك عينيه باهتمام، وقال:
_ كيف يعني مرجعتش؟
هزت ملك كتفيها وأجابته في حدة:
_ يعني مرجعتش، أعمل إيه؟
رد مالك في بساطة أدهشتها:
_ ولا تعملي أي حاجة، ترجعي بيتك، وتسيبي لي أنا البحث عن اختك لحد ما أرجعها.
رمقته ملك بشك، وقالت بريبة:
_ وأنا إيه يخليني أصدقك؟
أجابها مالك في حنق:
_ مش مهم تصدقيني يا ستي، مطلبتش منك ولكن أختك أنا هعرف إزاي ألاقيها، ولحد ما ده يحصل اقعدي في بيتك ومتخرجيش.
وأشار إليها بأمر، قائلًا بصرامة:
_ يلا.
ولم تدر ملك كيف أذعنت وأستدارت لتعود إلى المنزل التي تقطنه دون أدنى اعتراض. ولكن وقبل أن تصل إلى بيتها بقليل، وجدت نفسها أمام المرأة التي أرسلها لهم ياسر، فلاذت ملك بها وقصت عليها اختفاء مليكة المثير للقلق. فتنهدت المرأة وهي تقول برثاء:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله. خير إن شاء الله يا بتي. متقلقيش. وعليكِ وعلى الحج عتمان، هيعرف أراضيها بإذن الله.
فتساءلت ملك متعجبة:
_ مين الحج عتمان ده وألقيه فين؟
تأبطت المرأة ذراعها لتسير بها وهي تقول:
_ الحج عتمان ده عمدة قريتنا وكبيرنا، وهوديكِ لحد عنده، وهو هيتصرف وهيخلي رجّالته تعرف فين مليكة. هي أكيد ضايعة إهنا ولا إهنا ومعرفتش ترجع لوحديها.
***
جلست مليكة في إرهاق مسندة الظهر إلى صخرة وهي تئن في ألم. أنين فطر قلب سراج الذي أخذ مكانًا بعيدًا عنها وإن لم تستطع أعينه عن التزحزح عنها في احتواء مس قلبها. وتلاقت عيناهما خلسة من الزمن، قبل أن يهتف سراج بهلع، وهو يقفز واقفًا:
_ اثبتي، متتحركيش.
أحست مليكة مع قوله بشيء يلُف حول جيدها، فأتسعت عينيها حتى كادتا تخرجان من محجريهما، وهي تدرك ماهية الشيء الذي التف حول عنقها، ورأس الأفعى تزحف حتى باتت أمام وجهها مباشرةً. وراقبت مليكة هسيسها بعينين هلعتين، ثم أسبلت جفنيها في استسلام، وانساب الدمع بغزارة على وجهها.
***
في ظلام الدجى، كان مالك يسير بمحاذاة البحر وقد اصطفت الأراضي الذراعية على جانبه الآخر وأوراق الشجر الخضراء يداعبها الهواء فتصدر خشخشة مميزة. أقترب مالك من فتاة تجلس أمام البحر في شرود، وهي تتأمل مياهه الراكدة في هُيام.
للبحر أسرار لا يبوح بها إلا لعشاقه، وهي كانت رفيقته، وعشيقته، لا تمل منه، ولا يمل منها.
عندما أحست بقدوم مالك الذي وقف دون صوت محدقًا فيها بحنو يسلب اللب.. وأعينه ضمتها في احتواء رائع. فما المحب للحبيب إلا سكن واحتواء، وود لو يُدثرها في شغاف الفؤاد كلا ينطفئ مصباح روحه الذي لم يتوهج إلا بحبها.
انتفضت فرحة في غضب، وقالت بعصبية:
_ لساتك فاكر فرحة إللي قاعدة مستنياك من بدري وانت ولا همك.
فدنى منها في هدوء، وهو يقول ببسمة لطيفة:
_ حقك عليَّ، كان غصب عني التأخير والله.
غمغمت فرحة عابسة، وهي تشيح بوجهها، وقد عقدت ذراعيها أمام صدرها:
_ مش مسامحاك.
ثم قالت وهي تواجهه بحدة:
_ وعقابك إنهاردة إني ماشية من غير ما أقعد معاك عشان زمان يحيىٰ على وصول.
وأسرعت تغادر من أمامه منصرفة وقد يممت وجهها شطر الأراضي الذراعية، لكن مالك اعترض طريقها وهو يطلق ضحكة صافية، قائلًا:
_ اهدي يا فرحة، خلينا نعرف نتفاهم يا بت الناس، ميبقاش قلبك أسود إكده.
فسألته بنظرة غاضبة:
_ أنا قلبي أسود؟
فنفى بهزة من رأسه:
_ قلب فرحة عيون مالك مستحيل يبقى أسود.
فتبسّمت فرحة في خجل، وغمغمت باستحياء:
_ طيب إوعى بقا من طريقي.
فأجابها مالك برفض:
_ لا مش هتعدي غير لما تقعدي معايا شوية، بلاش تحرميني من كام دقيقة اللي بشوفك فيهم، بلاش تحرمي قلبي من الفرحة يا فرحة.
البسمة شيء ينبع من الفؤاد لمن يسكنه.
جلست فرحة أخيرًا بجانبه، أمام البحر وقد شردت في مياهه، بينما مالك يجلس بجانبها في راحة، يتأمل ملامحها الحبيبة في صمت.
تنبه من هيامه بها على صوتها الخفيض:
_ مالَك يا مالِك؟ حاسة إنك زعلان، أيه إللي مضايقك؟
أفتعل مالك ضحكة وهو يهز رأسه، قائلًا:
_ مفيش حاجة.
ملئت فرحة كفها بالماء، ونثرته عليه في مرحٍ، وهي تقول بضحكة رقيقة:
_ كداب.
فحذا مالك حذوها، وأخذ ينثر عليها الماء، وهو يغمغم:
_ الكداب هيوريكِ هيعمل إيه دلوك فيكِ.
وتعالت ضحكاتهما.
الوجد ثم هناك في سويداء القلب يسكن، لا يُرى إلا لعزيز سكن شغاف الفؤاد.
رواية ملحمة الحب و الانتقام الفصل الثالث 3 - بقلم ندي ممدوح
اندفع سراج ماسكًا برأس الأفعى في شكيمة ثم سحبها وألقاها أرضًا دون اكتراث.
وفي بساطة ألتقط حجرًا كبيرًا براحتيه ثم رماهُ على رأسها فتوقف زحفها تمامًا.
ثم أستدار إلى مليكة التي كانت ترتعد رعبًا، وعينيها تستمطران دمعًا كالأنهار الجارية، ومادت بها الأرض فجأة ثم سقطت مغشيًا عليها، فاقدة وعيها عما مرت به من أحداثٍ يشيب لها الولدان.
ألتهبت عينا سراج بالقلق وهو يراها تسقط أرضًا بدويًا أنفجر كبركان ثائر في السويداء من قلبه، فهرع إليها وأخذ يفتش كل أنحٍ بحذر في جسدها، وقد أدرك بحاسته إن الأفعى لم تمت بسلام وقد خلفت وراءها سمًا يسري الآن في جسد تلك التي نبض لها الفؤاد.
وعندما وجد مكان قرصة الأفعى رفع ذراعها إلى فمه وقد ضغط بقوة بكفيه أعلى يدها كلا يسري السم، وشرع يسحبه بفمه ويتفل.
ثم وضع ذراعًا أسفل رأسها، وآخر أسفل ركبتيها واحتواها بين ذراعيه، وسار مبتعدًا عن المكان وهو يحملها برفق.
وهاجس الموت يحوم في رأسه، جاعلًا قلبه الصلب هشًا، خائفًا، وجلًا راجيًا المولى أن ينجيها، وتعود سالمة.
فسلام المرء في عافية خليله.
***
دَلفت ملك منزل الحج عتمان منبهرة من هذا الصرح العظيم، الذي تحيطُ به حدائقَ ألفافا، وجدت نفسها فجأة أمام والدة سراج التي تأملتها في دقة، قبل أن تتقدم إليها المرأة التي برفقتها، وتصافحها، قائلة:
"كيفك يا حجة صفية يا رب تكوني زينة."
فتبسمت صفية في ود، وقالت ببشاشة:
"أنا كويسة الحمد لله."
وأشارت برأسها في تساؤل شَطر ملك، فبادرت المرأة قائلة:
"دي ضيفة حدانا عايزة تقابل الحج عتمان ضروري."
هتفت صفية في ترحاب:
"اتفضلي يا بتي تعالي."
ثم قادتها نحو إحدى الحجرات، وقالت لها وهي تفتح الباب:
"تعالي يا بتي اتفضلي."
ثم أطلت برأسها داخل الحجرة، وهتفت:
"ضيفة عايزك يا حج عتمان."
وأفسحت الباب لـ ملك التي تلاحقت دقات قلبها من فرط التوتر الذي استبد بها، ودخلت في رهبة، لتجد رجلٌ يجلس على مقعد متحرك، ما أن وطأت قدميها الغرفة أخذَ يتفرس فيها النظر بطريقة أربكتها، ثم قال بنبرة مبهمة:
"ملامحك مش غريبة عليَّ حاسس إني اعرفها."
وتساءل بلهجة حادة:
"أنتِ مين؟"
تلفتت ملك حولها وراودها خاطر بالرحيل، ثم قالت بصوتٍ مهتز:
"أنا ملك، جيت ضيفة هنا وأختي…"
سكتت عن الحديث، عندما قاطعها عتمان قائلًا وهو يشير إلى مقعد بجواره:
"قربي اقعدي الأول."
جلست ملك حيث أشار، ثم استرسلت قائلة بما ينوء به صدرها:
"معايا أختي مليكة خرجت ومرجعتش."
حدجها عتمان بنظرة ثاقبة، وهو يسأل:
"وكانت رايحة فين؟"
تنهدت ملك، وأجابته:
"كانت هتشتري شوية طلبات وترجع."
ضاقت عينا الحج عتمان بتفكير، وقال:
"يبقى أختك تاهت بما أنكم إجداد إهنا."
وسكت لهنيهة، ثم أتبع يقول:
"هبعت معاكِ حد توريه صورة أختك وتستني في بيتك لحد ما ترجع أختك بالسلامة."
تفآجئت ملك بإن الشاب المرسل معها ليس سوى الشاب الذي قابلها وأخبرها إنه سيبحث عن أختها حتى يجدها، وسارت بجانبه وإيهما لا ينبس ببنت شفة، حتى وصلا إلى منزلها وشاهد صورة مليكة، ووعدها بعودتها سالمة الليلة هي ووالدتها التي كان وجهها يحاكي وجوه الموتى في شحوبهم عند سكرات الموت.
***
"ها عملت إيه ولدي؟"
تساءل عتمان ما أن وقعت عيناه على مالك، الذي اقترب منه وهو يقول:
"كلمت الرجالة وهما دلوج هيدوروا عليها حتى على الجبل."
فـ رد عليه عتمان بهزة من رأسه، ثم رفع بصره إليه وسأله بنبرة كالفحيح ويفوح منها الشر:
"وعملت إيه مع الضابط اللي كلمتك عليه!"
برزت بسمة شرسة على زاوية فم مالك، سرعان ما أختفت وهو يقول هامسًا بصوتٍ خافت:
"هو دلوك مشرفنا في المخزن يا جدي."
لمعت عينا عتمان بالشر، وقال بغبطة:
"وأخته."
رد مالك بنبرات قوية:
"أول ما هنوصل لها هنخلص عليها، بس لحد دلوك محدش يعرف عنيها حاجة، متنساش هما ملهمش كتير في البلد ولكن قريب جوي هتسمع اخبار زينة."
أومأ عتمان برأسه بضع مرات بقوة، وأشار له بالرحيل، فأذعن مالك دون أن ينبس ببنت شفة.
***
وجدت مليكة نفسها ممدة فوق فراشٍ ما، فنظرت حولها بوجل وهي تستوي جالسة، فبادرها سراج،، قائلًا بلهفة وهو ينهض من مقعد قريب من جوارها:
"حاسة بحاجة دلوك؟ أنتِ زينة؟"
ألتمع الدمع في آماقي أعين مليكة، التي تطلعت حولها وهي ممتقعت الوجه في خوف، ثم قالت بتلعثم:
"أنا عايزة أمشي، عايزة أشوف ماما."
رق قلب سراج، وهو يتطلع إليها في رأفة، مغمغمًا:
"جهزي نفسك وهرجعك دلوك، هستناكِ برا."
وخرج وهو يسبل جفنيه في إرهاق، ولم يلبث أن وجد مليكة تخرج إليه بملامح وجه عابسة، ثم أستلقت بجانبه في السيارة التي أنطلقت بهم، بينما يختلس هو النظر إليها من مرآة السيارة.
***
توقفت سيارة سوداء اللون، وترجل منها مالك أمام مخزن قديم رث الهيئة، يقف أمامه رجلين مدججين بالأسلحة، وقف أمامهما مالك بشموخ، وسأل بلهجة صارمة:
"إيه الأخبار؟"
فرد عليه إحدى الرجلين، وهو مطرق الرأس في تهذيب:
"كله زي ما أمرت يا مالك بيه."
وفتح الآخر له الباب، وخطى مالك بخطوات ثابتة صارمة تهتزُ لها الأرض، ولاحت شبه ابتسامة بغيضة على وجهه وهو يتأمل شابًا، تضرج وجهه بالدم والكدمات حتى إن ملامحه لا تظهر، تطلع في مالك برأس مرفوع وهو مقيد الذراعين وراء ظهره، وخرج صوت مالك قويًا وهو يجأر بشراسة:
"ما حذرتك يا بيه وقُلت لك إبعد عنينا وغمض عنيك وخليك اعمى البصر والبصيرة بس هنقولوا إيه عاد الناس إللي زيك بيحبوا يعجلوا بموتهم."
تعالت ضحكات الشاب في استهزاء عما يقول، فأشتعل الغضب في حدقتا مالك، وقد تأجج داخل صدره، وهو ينقض عليه ماسكًا بفكه بقوة، قائلًا بصوتٍ كالجحيم:
"إضحك إضحك على كيفك يا بيه معلشِ عمرك بقي يتعد بالساعات فمش هحرمك."
رمقه الشاب بعدم اكتراث، وارتسمت بسمة متهكمة على زاوية فمه جعلت مالك يدفع رأسه في عصبية، وكان ينوي شرًا عندما رن هاتفه حائلًا دون ذلك، فرد دون كلمة يستمع للطرف الآخر، ثم أبتهجت ملامحه ونظر إلى الشاب في سرور، قائلًا بشغف:
"إلقيتوها عال عال يا شباب هاتوها."
وأغلق الهاتف، ونظر إلى الشاب الذي توترت ملامحه، وتمتم بهمس مميت:
"أختك هتشرف جنبيك يا بيه قريب."
وضحك بقوة وهو يخرج من المخزن وصدى ضحكاته يتردد في الأرجاء.
رواية ملحمة الحب و الانتقام الفصل الرابع 4 - بقلم ندي ممدوح
القلوب مقابر بعضها في عذابٍ وظلمة حالكة، وأخرى في نعيم وبداخلها سراجًا وهاجًا، وللقلوب أسرار عسير على المرء أن يبوء بها لأيًا كان، إلا ذاك الذي فُتحت له الأبواب وقالت هيت لك.
بقلبٍ مكلوم، ينوء بالقلق، كانت تجلس فرحة في المنزل الذي تقطنه برفقة أخيها الضابط يحيى، في تلك القرية الصعيدية التي أنتقلا إليها آنفًا.
والقلق أخذ ينهش في قلبها نهشًا، ويأكل؛ لتأخره وهاتفه المغلق، وراح عقلها يتصور أسوء وأحلك الأحوال التي قد يكون فيها.
ولم تكن تعرف أحد إلا مالك الشاب الذي قابلته عدت مرات عند البحيرة التي كانت تستجم لديها، فكانت هي مصدر إلتقائهما، وحبهما الذي أخذ ينمو في السويداء من القلب دون رادع.
رفعت نظرها من نافذة المنزل إلى قرص القمر المستدير في تلك الليلة ومكتمل، وفي عينيها نظرة إنبهار، عاصفة هوجاء هلت على حين غرة تنبأ بقدوم عواصف هائلة ليس أشد ثقلًا وعصفًا من القادم الآن.
وقع إرتطام هائل، مفزع دوى وراء فرحة التي أستدارت فورًا وهي ترتجف نحو الباب الذي كان أحدًا ما يدفع للداخل بقوة رهيبة، فأقشعر بدنها، وهي تفغر فاهٍ، وحدقت في الباب جاحظت العينين، وقد توقف قلبها عن النبض من فرط الأنفعال والخوف.
وراقبت الباب الذي أنكسر وشهقت وهي تبصر مالك أمامها، فتنفست الصعداء، وسمحت لعينيها أن تذرفان في راحة، وقد تبخر خوفها كله كبخار تصاعد إلى عنان السماء، وتنهدت وهي تهمس بصوتٍ تنبعث منه الراحة:
مالك!
رمقها مالك بنظرة حادة، وهي تتقدم شَطَره بوجهٍ مشرق، قائلة:
أنت بتعمل إيه هنا؟
لكن مالك قابلها بوجهًا جامد الملامح، راسخ الجسد، وغمغم بلهجة شديدة الحدة:
لازم تيجي معاي دلوك!
نظرت له فرحة بزعر، ورددت بدهشة:
أجي معاك فين؟ أنت في وعيك.
ثم أستدركت بلهفة:
يحيى يا مالك يحيى أخويا لحد الآن مرجعش.
وصدمها قوله الصارم دون ذرة رأفة:
ومش هيرجع أخوكِ إلا لو…
وترك باقي عبارته فارغة عمدًا وحثها لتسأله بتساؤل أطل من مقلتيها التي تفيضان بالدمع، قبل لسانها:
إلا لو إيه؟
وفي بساطة نزع مالك يده من جيبه، وثنى جاكته فوق ذراعه، وهو يقول ببسمة بدت لها شيطانية:
إلا لو جيتِ معايا دلوك واتجوزتيني!
صُعقت فرحة من الصدمة، وتراجعت تلقائيًا وقد أحست بالخطر لأول مرة إزاءه، وأصابها الرعب وهي تهز رأسها، قائلة بما يشبه الهزيان:
أتجوزك إيه بقولك أخويا يحيى لحد الآن مرجعش، مالَك يا مالِك حاسة كأنك حد معرفهوش!
رفت عينا مالك وأشاح النظر عنها، وهو يقول بصوت صارم مخيف:
هتيچي معاي دلوك وهتتجوزيني، دا لو رايدة أخوكِ يرچع زين؟
وبخطوة واحدة كان يقطع المسافة التي تحيل بينهما ويجذبها من ذراعها بعنف، مرددًا:
ولا أقولك أنتِ هتيچي غصب عنك.
وسحبها معه؛ رغم محاولاتها الواهية للإفلات من قبضته الفولاذية التي ألتصقت بذراعها، ولم يتركها إلا وهو يزجها داخل سيارته ويغلق الباب بإحكام، ويجلس هو وراء عجلة القيادة ويقود منطلقًا ناسفًا الطريق غير عابئًا بصراخها.
***
دلف سراج إلى منزله وهو يسيرُ في تؤدة، بعد ما أوصل مليكة إلى منزلها.
وصورتها الباكية وهي ترتمي في حضن أمها لا تغيب عن عينيه منذُ فارقها.
تنبه من شروده، على صوت جده عتمان، وهو يبادر قائلًا بنظرة ثاقبة تكاد تخترق سراج:
سرحان في إيه يا سراج يا ولدي، مالك فيك إيه؟
فتبسم سراج إبتسامة طفيفة وهو يتقدم إليه، قائلًا في نبرة متهالكة:
أنا بخير يا چدي، أنت زين؟
قطب عتمان حاجبيه وهو يحدجه في برود، وأجابه بنبرة هادئة:
بخير…
وأتبع وهو يشيح النظر عنه متلهيًا:
أُدخل غير خلجاتك وأرتاح باين عليك الشقى.
استأذن منه سراج مغادرًا، وحدق عتمان في الباب باهتمام يشوبه القلق وهو ينتظر قدوم مالك، وزفر في ارتياح وهو يراه يدخل بخطوات هادئة، فقال عتمان في همسٍ:
ها عملت إللي طلبته منك يا ولدي.
هز مالك رأسه إيجابًا، وتطلع فيه عتمان في لهفة، وهو يسأله ببهجة:
قتلت الظابط إياه وأخته؟ وداريت جتته زين؟
أومأ مالك دون أن ينبس، وقد علت ملامحه سحابة من الكآبة التي غلفت قلبه.
لقد أكل الحزن منسأة صبره دون أن يتوارى منه، ولم يعد له إلا منسأة الوجع الذي لا يبرح قلبه، يحيا حياته لم يشأها، ولم يتمناها، ولم يريدها.
مجبورًا هو على العيش في كنف عتمان وتنفيذ أوامره.
فتبًا للحياة التي جردته من كل شيء حتى من نفسه.
***
سلم من صلاته والدموع تغرق وجهه، وبدا الوجع في عينيه اللاتين تفيضان دمعًا مستلذًا بعذابه، كانت ملامحه تنبض بالألم.
بالعذاب.
بالخوف.
وراحت شهقاته تتعالى وهو يخر ساجدًا، وبنحيبٍ أخذ يهمهم بصوتٍ يفطر القلوب:
يا رب إنت العالم بالقلوب، أنا عارف إنك مش هتقبل صلاة من واحد قتال قتلة، ولكن أنا مليش ملجأ إلا إليك، معنديش حد أأوى إليه غيرك، يا رب هدأ قلبي الموجوع، يا رب طمن روحي.. يا رب.. يا رب.
راح يهتف مناديًا المولى عز وجل بصوتٍ يمزق الصم الصلاب لو كانت تصغي إليه وتتناهى له كلماته، وأعتدل وقد جفت الدموع متحجرة في عينيه التي تتلظيان بالألم، وأحس بكفٍ يحط على كتفه، فرفع عينيه سريعًا، وما كاد يرَ لمن اليد حتى أسفل جفنيه ورف قلبه وهو يسكب من فوق أسكفته العبرات، قائلًا بوجيعة:
خالة أمينة، فرحة الوحيدة ياللي حبيتها دلوك بقيت تكرهني.
وضرب كفه على موضع قلبه، وقال بصوت يقطر وجدًا:
قلبي ده مكنش ينفع يحب، أنا السبب يا خالة أنا أستاهل كل اللي يچرالي من العذاب ده.
فهزت أمينة رأسها نفيًا، وهي تجثو على ركبتيها، وقالت بحنو وهي تضم وجهه بين يديها:
لأ، متقولش كده يا ولدي، الحب نصيب ومكتوب زي كل شيء ربنا قدره لينا، إياكِ تيأس من رحمة الله، الحب ده نعمة حافظ عليها من زوال وأقفل على قلبك وحبك عشان ميتخدش منك.
ألقى مالك نفسه بين يديها، ومسدت هي على رأسه برفق وهي تغمض عينيها على ألمه الذي تأجج في صدرها كاويًا.
***
بفؤادٍ يبكي دمًا، وعينان تذرفان من المآقي عبرات كأنها نارًا تلظى، جلست فرحة منكمشة وهي تضم بذراعيها قدميها إلى صدرها، وترتكز بذقنها فوق إحدى ركبتيه، ومقلتيها شخصتان نحو باب البيت الذي نقلها مالك إليه وتركها وحيدة، تجتر خوفها دون أنيس يؤنس وحشتها.
وبعينين هلعتين راقبت الباب يُفتح ويطل من وراءه مالك، فأجفلت وإنتفضت واقفة برعدة أقشعر لها بدنها، وهي تراه يغلق الباب، فلاذت به قائلة بلهفة:
يحيى أخويا فين؟!
وكررت سؤالها عدت مرات، عندما لم تتلقَّ ردًا، بينما أطرق مالك برأسه، وفي عينيه لمعة دمع حزينة، فصاحت فرحة هائجة:
يحيى فين يا مالك عملت فيه إيه؟
وسكتت لهنيهة، ثم أردفت تقول بصوت ميت:
حصل له إيه؟
فأجابها مالك بكلمة واحدة مميتة، وهو يرفع عينيه إلى عينيها:
مات.
وتراجعت فرحة وقد اتسعت أعينها حتى بلغتا الذروة، وهزت رأسها نفيًا بعدم تصديق، ثم ضحكت قائلة والدموع تهوى هويًا على وجهها:
مين إللي مات؟
وتلاشت ضحكتها، ثم هتفت بجنون:
يحيى مستحيل يموت ده تقتل أيوة أنت قتلته، قتلت أخويا حبيبي، اللي ضحى بسعادته وحياته عشاني وعشان حمايتي.
ثم سكتت ونظرت إليه بعينين خاويتين، وقالت بصوتٍ واصب:
ودلوقتي مين هيحميني منك؟
ولم ينبس مالك، كانت كلماتها كفيلة لكي تصيبه بالخرص، رغم ضجيج قلبه الذي ينبض بالألم.
لم ينتبه مالك إلى فرحة التي أندفعت داخل المطبخ، ولم تلبث أن خرجت راكضة وفي يدها سكينًا، وقبل أن يستوعب أو تبدر منه اي بادرة، كانت فرحة تهوى بالسكينة على صدره.
***
كابوسٌ مرعب رهيب أيقظها من نومها وهي تنتفض واجفة القلب وتهب من فوق فراشها بأنقاسٍ متلاحقة، طاف بصر مليكة في زاويا حجرتها بعينين فزعتين، حتى هرعت والدتها إليها وأخذتها في حضنها وهي تتعوذ وتبسمل بلهفة، كان خوفٍ عظيم يدب في قلب مليكة وهي تتصور إن الكابوس قد يتحول إلى واقع، وتجد الرجلين يعثران عليها ويدفنوها وهي حية في مقبرة بين الأموات، وازداد بكائها وأمها تحاول تهدأتها، وأختها ملك تحتويها برفق.
ثم تمتمت ملك بشفقة:
اهدي يا مليكة يا حبيبتي إحنا جنبك.
لكن مليكة غمغمت بشفاة مرتجفة:
هيقتلوني يا ملك.
قالت والدتها وهي تضمها إليها أكثر:
محدش يقدر يقرب منك وأنا جنبك يا مليكة اهدي أنتِ بس.
كان سراج في ذاك الوقت منشغل الفكِر بمليكة التي استولت على خلده كاملًا، حتى جذب سمعه صوت جِدال حاد وميز صوت هشام أخيه وامرأته فذم شفتيه، وتجهم المحيا وهو يتجه إلى صالون المنزل، وكما توقع فقد وجد أخيه يعنف زوجته بكل عنفٍ يملكه، ونعمة زوجته تقف ناكسة الرأس في صمتٍ تام، واستسلام معبق بالدموع التي أخذت تنزف من عينيها في غزارة آثارت شفقته، وخشى التدخل في شؤون لا تعنيه، فعبس المحيا وهو يرمق نعمة بضيق لذلك الاستسلام والخضوع الغريب لأخيه رغم إنها لا تفعل اي شيء لكل ذلك.
يدرك إن أخيه عسير المعشر.
ولا يستحق زوجة كـ نعمة فهي هشة، رقيقة أمام اخيه الصلب الذي لا يعرف شيء في الحياة ويتقنه كم يتقن إهانتها وضربها في كل حينٍ ووقت لأتفه الأسباب، وكان يبغض أخيه لذلك.
واتسعت عينا سراج في صدمة صُعقت قلبه في مقتل، فـ أمامه كان أخيه هشام، يستقبل أبنته الصغيرة (همسة) التي تقبل راكضة إليه بركلة قوية سقطتت الصغيرة على إثرها باكية، بينما وثب هشام صائحًا فيها وفي نعمة:
غوري يا بت من وشي دلوك، وكفاية عياط ونواح اليوم كله.
_أسكت يا هشام.
هكذا دوى صوت سراج، وهو يندفع نحو الصغيرة، وأخذها من يد أمها وهو يحملها بين ذراعيه مهدئًا إياها في حنان، وعيناه تتوهجان بالغضب وهما لا ينحدران عن أخيه الذي حدجه ببرود، بينما غمغم سراج بعنف:
إنت كيف تضرب البت بالطريقة دي؟!
فشوح هشام بكفه بلامبالا، وقال بحنق:
وإنت مالك بتدخل ليه بين الأب وبنته، بتي وبربيها زي ما أنا عايز ملكش صالح يا ولد أبوي عشان منزعلش من بعضينا.
رمقه سراج بإزدراء، وجأر قائلًا بإمتعاض:
وهي دي تربية برضو يا خوي ولا إيه؟
الظاهر إن مش البت هي اللي محتاجة تربية لوحديها.
لم يلتفت سراج لشرر الغضب الذي أشتعل في عينا أخيه من إهانته، إنما التفت إلى زوجة أخيه، وقال لها بهدوء:
تعالي يا مرات أخوي شوفي البت.
وسبقها للخارج وهو يحدج أخيه بحذر كلا يقوم بتصرف أهوج أمامهن.
***
_يعني إيه لحد الآن محدش قدر يوصل لأي معلومة عن أهل البنت دي، دا تخاذل ولا عدم اهتمام؟!
هتف زياد بتلك العبارة ونظره لا يحيد عن جسد فتاة ممدة أمامه على فراش المرض، كل شيء بداخلها فارغ..كل السعادة والحياة سُلبت منها..لم يعد لها شيء في الوجود..إلا المرض الذي أخذ من جسدها موطنًا فلم يعد يبرحه.
وأجابه الطبيب، قائلًا:
ولا تخاذل ولا عدم اهتمام البنت مفيش اي حاجة معاها تدلنا على عنوانها ولا عنوان حد من عيلتها دي كل الحكاية.
فتساءل زياد بضيق:
والعمل؟!
رد الشاب ونظره معلق بالفتاة:
مفيش حل إلا الأنتظار لحد ما تفوق.
رواية ملحمة الحب و الانتقام الفصل الخامس 5 - بقلم ندي ممدوح
5_وأصبح مأواي
اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبض مالك في آخر لحظة على يد فرحة قبل أن يصل النصل إلى صدره، وجاهد كي يفلت من بين أصابعها مقبض السكينة وقد أفلح بعد أن كتم تأوه أليم مما ألم به من ألم عندما غرز النصل في ذراعه.
ودفعها للخلف برفق وهو يمسك ذراعه في ألم، واتسعت مقلتا فرحة في هلع وهي تنظر إلى الدماء التي انبثقت من ذراعه في ذعر، ثم أخذت تهتف بارتياع:
أنا مقصدتش.. أنا مقصدتش.. أنت خلتني أعمل كده.
وسكتت وهي تضع أناملها فوق شفتيها بصدمة من نفسها، فنظر لها مالك وقد نسي ألمه، وقال بلطف:
محصلش حاجة، اهدي.
وهم أن يدنو منها، وما كاد يفعل حتى تقهقرت هي للخلف، وصرخت بانفعال:
خليك بعيد عني.
رمقها مالك بقلب يرفرف كالذبيح، ثم تراجع خطوتين وهو يقول:
أنا همشي وهبقى أجي أطل عليك.
واستدار ميممًا وجهه نحو الباب، وهي تهتف بصوت باك يمزق القلب من وراءه:
لا متسبنيش لوحدي هنا.
وأخذت تهذي باكية والباب يصفق بقوة.
********
قرع الباب بطرقات متتالية متعجلة تدوي بدوي صاخب، جعل مليكة تهب واقفة وقد فغرت فاها وحدقت شاخصة البصر وهي ترتجف نحو الباب، وتجلى في عينيها الخوف حتى بلغ الذروة، وأسرعت أمها نحو الباب وهي ترمقها في قلق وتوجس، وبدا كأن الخوف قد تسرب إلى قلبها هي الأخرى وهي تفتح الباب في توتر، وما كادت عينيها تقع على الطارق، هتفت في ارتياح مسبلة الأهداب:
ياسر، تعال يا ابني اتفضل.
غمغم ياسر على عجل:
لازم نمشوا حالًا من إهنه.
صبت أمل كامل اهتمامها إليه، وهي تسأل في ذعر:
محمد حصل له حاجة؟!
هز ياسر رأسه نفيًا عما تقول، وغمغم سريعًا:
لا لا عمي محمد زين متقلقيش، ولكن.. هما بيلفوا على الست مليكة دلوك، عشان كده جيت أوديكم مكان تاني.
ساد سكون مهيب عندما انبعث صوت قوي صارم يسأل في تجهم من وراءهم:
على فين طالعين؟!
وهبت رياح الأمان، فأطفأت شموع الخوف، وسحقت أبابيل القلق، ومحقت أحجار الحزن.
لقد كان صوت سراج، انبعث مبددًا كل القلق الذي خيم على القلوب والمنزل كسحابة ممطرة أصابت الجميع، واشرأبت مليكة برأسها من فوق كتف أمها واللهفة تتفعم في حدقتيها، اللاتين ابتسمتا في اطمئنان، وافتر ثغرها ببسمة تلألأت من هوة هواجسها.
استدارت الرؤوس إلى سراج الذي أخذ يدنو حتى وقف داخل المنزل، وضيق ياسر عينيه بريبة، وغمغمت أمل:
أنت سراج!
أومأ سراج برأسه، ورفع عينيه على مليكة، وهو يقول:
محدش قال لي رايحين على فين؟!
حدقت به مليكة، وكان لا يزال ناظرًا إليها، ولاح لها على محياه شبح ابتسامة سرعان ما تلاشت، فظنت إنها تتوهم ذلك، وهمست:
سراج أنت جاي ليه؟!
وأجابها وهو ينظر إلى عينيها:
جاي اطمن عليك، وأشوفك زينة ولا لا!
قال وهو يطوف ببصره بين أمل وياسر:
ودلوك حد يرد على سؤالي.
تبسمت مليكة وهي تهمس في اطمئنان بث في قلوب المحيطين بها:
سراج شخص قد الثقة يا ماما.
نقلت أمل بصرها إلى سراج، ثم تنحت جانبًا وأشارت له بالجلوس وهي تقول بترحاب:
اتفضل يا بني اقعد الأول ونحكيلك كل حاجة بالتفصيل لعل نلاقي عندك حل.
بادلها سراج نظرة اطمئنان وهو يجلس، وقد جلس الجميع وقصوا عليه سبب مجيئهم إلى الصعيد، وإن ثمة أصدقاء لزوجها كانوا شركاء معه في العمل قد سرقوا كل أمواله، واتهموه بتهم هو في تمحيص عنها منها تزوير الأموال والاختلاس وجعلوا الشرطة تبحث عنه، وها هم ذا يبحثون عن مليكة لكي يجعلوها تمضي بما تملك من نصيبها في الشركة كتبه والدها باسمها.
ثم خيم صمت رهيب، اخترقه سراج وهو يقول بهدوء مريب:
الحل عندي…
وبتر عبارته وهو يحول بصره إلى مليكة، وتابع:
بإني أتجوز مليكة.
هبت أمل واقفة، وهتفت بصدمة:
أنت بتقول إيه يا جدع أنت؟!
لكن ياسر تبسم بظفر، وهمس في هدوء بدا بتفكير:
اقعدي يا مرت عمي، الأستاذ سراج معاه حق، ليه ما يتجوزش مليكة؟!
نما غضب كالبركان فوق ملامح أمل، وصاحت في تعصب:
أنت اتجننت يا ياسر أنا مستحيل أجوز بنتي بالطريقة دي.
غمغم سراج في هدوء:
طب اقعدي وافهميني الأول وبعدين ارفضي.
رفضت أمل الانصياع، لكن سراج هتف مجددًا:
قلت اقعدي وافهميني ولو عايزة ترفضي ارفضي.
جلست أمل على مضض، بينما قال سراج وهو يتنهد بتفكير:
أنا متعودتش أشوف حد مظلوم وأسكت، أو حد مكروب ومفرجش كربه، وأنتم بقيتوا أهلنا ومسؤولين منا بما إنكم جيتم تحتموا فينا، عشان كده هخطب الست مليكة شكليًا وقدام الناس وهتيجوا تقعدوا في بيتي هناك محدش هيقدر يقرب منكم واصل، وأنا بنفسي هحل مشكلة والدك يا مليكة.
قالها ناظرًا إلى مليكة التي بدا عليها التفكير في كلامه، بينما رفضت أمل بإصرار:
وأنا مش موافقة.
_بس أنا موافقة.
قالتها مليكة بثقة، فاشتعل الغضب في عينا أمل، وهمت أن تثور هائجة، لكن سراج قال:
وافقي يا مرت عمي أنا سمعت عن سراج بيه كتير وهو هيقدر يساعدنا متقلقيش.
*********
ها جاهزين؟!
انبعثت العبارة من فم سراج، وهو يسأل مليكة متأهبًا لنقلهم إلى بيته، فتقدمت مليكة نحوه بخطوات متأنية، وبادرته قائلة باهتمام:
أنت هتكسب إيه لما تساعدنا؟! هتساعد ناس غريبة متعرفهاش ليه؟!
مرت سحابة صمت فوق ملامح سراج لردح من الزمن، وهو يتطلع إليها متأملًا، ثم هز كتفيه قائلًا في بساطة:
ولا أي حاجة.
ولاذ بالسكوت لهنيهة، ثم استرسل قائلًا:
هساعدكم لإنكم محتاجيني وأنا قادر على المساعدة فـ ليه ما اقدمهاش؟!
ازدردت مليكة لعابها، وسألته في توتر:
وإنك تتجوزني!
رفع سراج حاجبه، وهو يغمغم:
إني اتجوزك فـ ده عشان تقعدوا في بيتي في أمان، ونقدر ننفصل لما أبوك تثبت براءته.
انطلق بهم سراج بعد ذلك إلى منزله، وأدخلهم من باب آخر كلاً يراهم عتمان، وهو يقول بصوت خافت:
أنتوا هتقعدوا في شقتي الخاصة في البيت، لحد ما أقول لجدي عتمان عنكم وأفهمه كل حاجة، ولكن الزواج الشكلي ده محدش لازم يعرف بيه واصل.
*************
أحست ملك بالضجر من الشقة التي بدت لها كأنها سجن غير مسموح لها بالخروج منه، فتسللت بحذر من وراء أمها وأختها، وغادرت الشقة وهبطت الدرج في هدوء، كانت تبتغي الخروج إلى الحدائق والأراضي التي رأتها من نافذة حجرتها، وقد جذبتها، وبرقت عيناها بوميض الفرح وهي ترى الباب مشروعًا على مصرعيه وإن أحدًا لم يلاحظها، لكن وقبل أن تجتاز الباب، شاهدت عتمان على كرسيه المتحرك وهو يتقدم نحو البيت، فتوارت وراء الباب بلهفة، وكتمت أنفاسها في توجس وراقبته وهي تخرج رأسها من وراء الباب وهو يدخل إلى حجرة ما، وحتى تتأكد إنه دخل ركضت جهة حجرته، وراقبته من الباب ولكن..
فجأة! وجدته ينهض من فوق كرسيه المتحرك ويقف على قدميه، فاتسعت عينيها في ذهول وشهقت بصوت عال.
رواية ملحمة الحب و الانتقام الفصل السادس 6 - بقلم ندي ممدوح
جلس سراج وراء مكتبه في الشركة التي يديرها لجده، منكبًا على بعض الملفات التي أنعكف عليها منذُ مجيئه.
عندما أنهى ما كان يفعله، تراجع بظهره مسترخيًا على ظهر المقعد، وأسبل جفناه في إرهاق.
لم يلبث لهنيهة إن اعتدل في شغفٍ، وألتقط سماعة الهاتف ودعى سكرتيره الخاص.
لم يلبث أن حضر ممتثلًا بين يديه، وقال:
"عملت كل اللي حضرتك طلبته مني، وخدنا موعد مع شركة وليد الصاوي وهو دلوقتي في أنتظار وصول حضرتك."
هب سراج واقفًا وهو يلملم أشياءه، ويقول:
"يلا بينا."
أستقبل وليد الصاوي سراج أستقبالًا حافلًا ودعاه للجلوس وهو يرحب به في حرارة.
بادر بالحديث سراج وهو يعرض عليه العمل قائلًا:
"زي ما شوفت يا استاذ وليد، الفندق اللي هبنيه هيحتاج سيولة ضخمة فكان لا بد إني ادخل شركاء معايا، لذلك بعرض عليك تكون شريك معايا ونحط ايدينا في ايدين بعض ونتوكل على الله في المشروع ده وباكد لك إنه هيكون ناجح مائة بالمائة."
اتسعت عينا وليد لوهلة بانبهار، وأده سريعًا وهو يجيب سراج بالموافقة بحرارة:
"دي حاجة تشرفني إني أكون شريك ليك يا سراج بيه، العمل معاك كان حاجه متخطرش على بال فـ الواحد مزهول من الفرحة."
قطع حديثه طرقًا رقيق على الباب، أعقبه دخول سكرتيرة وليد وهي تحمل صنية فوق قدحين من القهوة.
قدمتها لهم ثم أستأذنت بالأنصراف، بينما وليد يقول:
"جمانا دي السكرتيرة الخاصة بيا وبنت جدعة وهي اللي هتكون خيط الوصل ما بينا في أي حاجة."
تبسم سراج في رزانة، وقال بلهجة عملية:
"تمام مفيش مشكلة، ودلوقتي خلينا نتكلم في التفاصيل."
انغمسا لبعض الوقت في المناقشة، ثم غادر سراج المكتب، وذهب عند مكتب جمانا بنية إنه أراد توديعها وقد كان يحيك أمرًا ما في صدره، وانصرف بعد ما دون رقم هاتفها.
دخل سراج ليلًا إلى شقة والديه التي يقيمون فيها، ويمم وجهه شطر حجرته، إلا إن صوت قهقاتٍ عذبة جذبته فسار جهة الصوت مشدوهًا.
وشهق في ارتياع وهو يبصر مليكة تجلس برفقة أخته الصغيرة مكة.
كتلة من الغضب تكونت في عينيه المتسعتين، وتنبه من جحيم الغضب إلى صوت أخته وهي تهتف في حماس:
"سراج، أنت جيت ميتا؟"
ثم قفزت واقفة، وركضت لتعانقه في إشتياق، فأبعدها برفق وهو يصوب بصره إلى مليكة التي وقفت كريشة في مهب الريح.
بينما دنا هو منها، ووقف قبالتها سائلًا بصوتٍ هامس:
"إيه اللي نزلك؟"
فقلبت مليكة عينيها في كل اتجاه في توتر، وفركت كفيها في ارتباك، وقالت وهي تزدرد لعابها في قلق انتشر في اوصالها:
"دي دي ملك أختي نزلت فشافتها مكة ووالدك أصر إن إحنا ننزل."
لم ينبث سراج ببنت شفة وهو يرمقها شزرًا ودون كلمة تحرك تاركًا إياها.
مرت الأيام سريعة دون حدثٍ يُذكر، غير لقاءت سراج بواليد الصاوي الذي حضر إلى الصعيد بنية مرأى الأرض التي سيقوم فوقها المشروع، وليأخذ نظرة على المهندسين والعمال.
تقرب سراج في تلك الأثناء من جمانا، فكانا يخرجان معًا يوميًا حتى باتت تذهب معه إلى شقته التي في القاهرة.
وهناك، غمغم سراج قائلًا لها بلطف:
"إلا قوليلي يا جمانا هو وليد بيمشي شغله وكِبر في السوق كده إزاي؟"
أطلقت جمانا ضحكة عالية، ثم نظرت له وقالت:
"بالنصب."
وتحفز سراج عندما سكتت لهنيهة، ثم اتبعت تقول:
"بينصب على الشركا اللي معاه ويا يقتلهم يا يدخلهم السجن."
وضحكت مجددًا وهي تردد:
"وأكيد ناوي ينصب عليك أنت كمان."
بسمة هازئة زينت ثغر سراج، وهو يقول:
"وهتساعديني ولا إيه."
غمزت له جمانا وقالت بقهقة عالية:
"هساعدك طبعًا ويغور وليد في داهية."
ورنت إليه بنظرة مأخوذة وهي تهمس في هيام:
"عشان أبقى معاك اعمل أي حاجة."
شع الظفر من مقلتاي سراج، ومال إلى الأمام مشبكًا كفيه، وهو يقول:
"يبقى اسمعيني كويس."
اومأت جمانا برأسها وهي تدنو منه تصيخُ السمع إلى خطته التي سيمليها عليها.
جلست مليكة القرفصاء بجانب مكة شقيقة سراج، وهي تسألها في حيرة:
"هو أخوكِ سراج بقي يغيب بالأيام كده ليه؟"
هزت مكة كتفيها، وقلبت كفيها بقلة حيلة، وهي تتمتم:
"مبيخبرش حد واصل عن مكانه.. الله وأعلم."
فشردت مليكة لردحًا من الزمان، وهي تغمغم بضيق:
"يعني هيكون فين؟"
"موجود.. بتسألي عني ليه؟"
انبعثت العبارة من سراج وهو يقف متكئًا على إطار الباب، فرفعت مليكة نظرها إليه في خجل، بينما قال هو موضحًا:
"كان عندي شغل."
إلتفتت مكة إليه في تلقائية وهي تقول دون قصد:
"آه شغل مع البت ياللي كانت هترن عليك، اسمها جمانا صُح؟!"
وأستدارت جهة مليكة متابعة:
"خطيبك شكله هيعرف بنات."
رماها سراج بنظرة غاضبة، بينما امتقع وجه مليكة، ثم قفزت واقفة واستأذنت وهي تخرج من الغرفة شبه مهرولة، وقد لحق بها سراج هاتفًا باسمها لكنها كانت قد أرتقت الدرج على عجلٍ واختفت.
ذهب مالك إلى فرحة في تلك الليلة، وقد استقبلته استقبالًا حافلًا لم يتلقاه منها قط، ورغم استغرابه من تصرفاتها إلا إنه سايرها دون أن يعلق عما تفعل.
أحضرت له طعامًا هَم بتناوله لكنها أنتفضت فجأة وقبل أن يقرب شيء من فمه هبت لتخبط ذراعه في قوة وهي تصيح:
"وقف متكلش."
ثم أخذت الطعام وسكبته بعيدًا عنه وعادت وهي تلهث، ووقف هو ناظرًا لها في صدمة وقد استبان له ما كانت تفعله.
لقد كادت أن تسممه توًا؟!
انساب الدمع على وجه فرحة في ندم، فإن كان هو قاتل فمحال أن تصبح هي مثله.
تقدم مالك نحوها فتراجعت في ذُعر، فقبض على مرفقها وجذبها وراءه دون كلمة وهو يخرج من البيت، وأدخلها سيارته عنوة رغم اعتراضها الواهي، وهو يقول في صرامة:
"اركبي يا فرحة بلاش تخليني استعمل معاكِ العنف وده شيء مش عايزك تشوفيه مني."
انطلق مالك بالسيارة في سرعة رهيبة جعلت فرحة تقول الشهادة في وجل وهي ترمقه في حذر، لأول مرة تذوق غضبه الذي اندلع دفعة واحدة.
توقفت السيارة أخيرًا بعد ساعاتٍ قلائل أمام بناية تأملتها فرحة في توجس، وراقبته وهو يترجل من السيارة صافقًا بابها وراءه في عنف، ثم أمرها بالنزول وعندما لم تطيعه جذبها من ذراعها في قسوة وسحبها وراءه، وهي تهتف:
"يا مالك سيب ايدي أنت واخدني على فين؟"
فوقف وأوقفها أمامه وهزها بعنف، وصاح:
"مش عايزة تشوفي أخوكي؟"
رفرفت فرحة بأهدابها في صدمة، واستمطرت عينيها دمعًا غزيرًا، وهي تهمس بعدم تصديق:
"يحيى يحيى أخويا عايش؟!"
كان صوتها مبحوحًا يُدمي القلب، فأكتفى مالك بهز رأسه بالإيجاب وقادها إلى حجرة بها أخيها راقدًا فوق فراشها تحيطُ به الأجهزة الطبية، ومحلولٍ مغزي ينغرس في وريده، وممرضة هبت واقفة ما أن رأتهم.
تأملت فرحة أخيها في صمتٍ حزين، ثم ألتفتت إلى مالك وسألته:
"ده يحيى أخويا صُح؟"
أومأ مالك بعينيه فهرولت فرحة جهة شقيقها وضمته وهي تنفجر في بكاءٍ يذيب الجليد، ورق قلب مالك الذي أقترب منها وقال في همس بعدما اشار للمرضة بالمغادرة:
"أخوكِ بخير زي ما أنتِ شايفة."
وقف سراج أمام بيت جمانا بعدما رن الجرس، ولم ينتظر طويلًا أن فتح الباب وطلت من وراءه جمانا، وهجمت عليه لتضمه فـ ابعدها عنه بحنق، وهو يسألها:
"كلمتيني وطلبتي تشوفيني ليه؟"
مالت جمانا على أذنه وهمست في رقة:
"لإن معايا كل اللي طلبته."
ضيق سراج عينيه في تفكير، وسألها:
"إيه بالضبط!"
صاحت جمانا وهي تصفق بكفيها:
"بلاوي وليد الصاوي كلها، كل اللي في الخزنة سرقته وجبته ليك."
خفق قلب سراج في بهجة، وسألها في توجس:
"من غير ما يشوفك."
قهقت جمانا في إنتشاء، ثم قالت برفض:
"لا طبعًا من غير ما يعرف دا آخرت ثقته فيَّ، ودلوقتي…"
سحبته من ذراعه لداخل بيتها، وهي تقول:
"مش هنتكلم على الباب، تعال ادخل جوة شوف البلاوي اللي لقتها."
رواية ملحمة الحب و الانتقام الفصل السابع 7 - بقلم ندي ممدوح
أشرقت الشمس متوهجة ذاك الصباح، وتسلل ضوؤها من نافذة حجرة مليكة، التي هبت من فراشها في ارتياع على صوت والدتها وملك وهما يصيحان في لهفة مندفعتان داخل غرفتها في حماس.
"مليكة اصحي يا مليكة، أبوكي ظهرت برأته."
قفزت مليكة من فوق فراشها وقد تهللت أسايرها، وسألتهم في ارتياب ظنًا منها إنهما تكذبان أو تحيكان أمرًا ما.
"أنتوا بتقولوا إيه، بجد بابا ظهرت برأته ولا بتهزروا."
ضمتها والدتها إلى صدرها، وأختنق صوتها بغصة بكاء، وهي تقول:
"سراج هو اللي ليه الشكر في كل ده لولاه كان فضل ابوكي هربان، والدك بخير وهيرجع وسطينا بفضله."
ترقرق الدموع في عين مليكة وانسابت على وجنتيها بغزارة، وهي تهمهم.
"طب طب هو فين دلوقتي؟ انا مش مصدقة."
همست بآخر عبارتها وهي تحتوي بين ذراعيها أمها وشقيقتها في حنان، بينما أمها تقول بحروفٍ متلعثمة.
"والدك حاليًا بيستجوبوه وأول ما كل حاجة تستقر هيجي على هنا وياخدنا وسراج معاه."
***
الغياب كان ثقيل، واللقاء كان رهيب حافلًا بالمشاعر الجياشة، تكالبت عليه الأفراح من كل جانبٍ وصوب حتى إنها ظللت كامل بيت وقلوب منزل عثمان رغم غيابه في تلك الأثناء لفتراتٍ طويل دون أن يدري أحد عن مكانه شيئًا.
أجتمع محمد بعائلته في شقة سراج التابعة لمنزل العائلة، وهو يقص عليهن كل ما مر به منذُ فراقه لهن، وضم ابنتيه لصدره مليًا كأنما يُشبع حنينه إليهن.
التفت محمد إلى زوجته، وقال يستعجلها.
"يلا يا أمل جمعوا اللي ليكم ويلا نمشوا كفاية اللي عمله معانا سراج لحد هنا."
ثم التفت إلى مليكة، وقال لها في ترقب.
"ولكن قبل ما نمشي، في عريس متقدم لكِ يا مليكة لازم أعرف رأيك الأول قبل ما نمشي."
أطل التساؤل من أعين مليكة، فأردف محمد يقول.
"سراج طلبك مني وقولت له اني هاخد رأيك و…"
قاطعته مليكة قائلة بأنفعال.
"آه ما خلاص أنت رجعت يا بابا وهو قال إننا هنتخطب كده يعني قدام الناس عشان نبقى في امان."
هز محمد رأسه نفيًا، وغمغم.
"لا يا بنتي مش كده فعلًا سراج لو مكنش قدر يخلص على وليد الصاوي كان هيتجوزك شكليًا قدام الناس ولكن خلاص هو مش محتاج يعمل كده لإن فعلًا وليد اتقبض عليه وهيتحاكم، ولكن سراج طالبك للزواج بجد لو هتوافقي خير… وأنا شايف إنه راجل يعتمد عليه وقد كلمته وشهم وجدع، قُلتِ إيه؟"
أطرقت مليكة خلجة ولم تنبس، لكنها قالت.
"اللي أنت شايفه صح يا بابا."
لكزتها ملك وغمزة لها في مشاكسة فضحكتا الإثنين ضحكة لم تزر قلب أيًا منهما إلا توًا.
***
قرأ سراج الفاتحة في جلسة جمعت بين عائلته وعائلة مليكة دون جده الذي لم يحضر متعللًا بالعمل والإنشغال وإنه سيعوضه فيمَ بعد عن غيابه، وكانت عائلة مليكة على أهبة الاستعداد للرحيل، عندما خرجت ملك إلى خارج البيت وهي تجري اتصالًا هام، غافلة عن عتمان الذي ترجل من سيارته السوداء، ثم ارتفع رنين هاتفه وتوارى عن الأنظار وهو يتحرك بكرسيه جهة إحدى الشجيرات، وكان الليل جاثمًا على المكان إلا من نور النجوم المضيئة في السماء، عندما توقفت ملك عن الاسترسال في الحديث، بل أبعدت الهاتف عن أذنها في صدمة، وقد تسمرت في محلها وهي تسمع عتمان يقول في غضبٍ غير مدرك لعلو صوته على غرة.
"إنت يا بغل مبتفهمش ولا إيه؟ قُلت لك خد له كل الأطفال اللي عندك وسيبه يدبح زي ما هو عايز ويطلع الآثار وتديه اللي اتفقنا عليه ويغور، افهمت يا بغل ولا اعيد تاني تاك القرف محدش عارف يعمل حاجة من غيري."
ثم صمت لردحًا من الزمن كمن يستعيد توازنه وتحرك بكرسيه دون ان يلاحظها، وشيعته بنظراتها حتى أختفى داخل البيت، فتمتمت في ذهول.
"أنا.. انا لازم اقول لحد على اللي سمعته كله."
سارت ملك تبتغي الدخول، لكن وقبل ان تفعل أو تتحرك خطوة واحدة، وجدت رجلٌ يصد طريقها، يقفُ حائلًا بجسدٍ صلب في وجهها، قائلًا ببسمة شيطانية.
"على وين يا قمر أنتِ."
همت ملك أن تبتعد وهي تردد.
"أنت مين، إوعى من طريقي."
لكنه أجابها في بساطة.
"أنا قبرك."
اتسعت اعين ملك بصدمة، وخفق قلبها بعنف وكادت أن تصرخ وهي تستعد للركض لكن الرجل جذبها من ذراعها وشل حركتها وكمم فمها بقوة، ورفعها عن الأرض وهو يقول.
"محدش بيقدر يهرب من قبره يا قمره."
وسار بها مبتعدًا، بينما عتمان يجلس لدى الباب على كرسيه متبسمًا في تشفي وظفر، وتنهد في راحة وهو يقول.
"محدش بيقدر يقف قدامي يا بت الناس مين قالك اتصنتي عليَّ، والله خسارة شبابك يضيع."
ثم أطلق ضحكة عالية، ودار كرسيه متحركًا للداخل.
غياب ملك بعد ذلك صنع ضجة عالية، بينما لزم عتمان غرفته دون أن يقابل أيًا من عائلة محمد قط، أنتشر الشباب بحثًا عنها، وسقطت قلوب عائلة محمد في القلق الذي بدا كأنه سيصبح مقيم في قلوبهم لفترة لا بأس بها.
أتصالات عدة جاءت لمالك من رقم فرحة لم يعيرها اهتمامًا وهو يبحث برفقة سراج في الأنحاء عن ملك، حتى خطر له هاجس مخيف بأن يكون قد حدث لها شيئًا، فأعاد الاتصال عليها عدت مرات دون مجيب، فترك سراج وحيدًا وأنطلق في طريقه إلى المنزل الذي يتركها فيه، من بعيد ومن زجاج السيارة وقع بصره على دخانٍ أسود قانٍ غيم بسحابة كئيبة فوق قلبه الذي أعلن الحرب بين جوانحه وأخذ يطرق في عنف مع مرأى الحريق الذي أحس به يلتهم روحه.
بل هو كذلك بالفعل، أليس فرحة في الداخل؟
وهي روحه.
دوت صرخته مزلزلة وهو يغادر سيارته مندفعًا بين الملأ الذي تجمع حول الحريق، الذي كاد يخترقه هو الآن وهو يصرخ مناديًا باسمها، باسم فرحة التي كانت ملاذه من كل شيء.
كانت مأواه الوحيد في الوجود.
والجانب اللطيف في حياته.
وجثى على ركبتيه منهارًا والحريق يخبو في عينيه محيلًا إلى رماد فسقط في يده، كما سقط قلبه وخفت نبضه كمن فقد نبضة من نبضاته.
***
وجدت ملك نفسها مقيدة الذراعين، ومكبلة القدمين على مقعد وحيد داخل مخزن لا تعلم أين يكون، فحاولت أن تحرر نفسها وهي تزوم في شراسة، حتى فتح الباب ودخل الرجل الذي جاء بها لهذا المكان والذي رأته عدت مرات يقف على باب منزل عتمان الخارجي الضخم، فسكنت حركتها من شدة الخوف، وتوجست خيفة من نفسها، وهي تحدق فيه وهو يقترب، قائلًا بهمسٍ كالفحيح بجوار أذنيها.
"عتمان بيه أمرني إني أقتلك."
ثم تحسس وجهها، متابعًا.
"ولكني مش هقتلك قبل ما اشبع منك يا قمر."
نفضت ملك رأسها في جنون ليبعد أصابعه عن وجهها، ثم بصقت على وجهه في حدة، وقبل أن تصرخ في وجهه، وجدت كفه يهوى على وجهها بلكماتٍ متتالية، وهو يصرخ في جنون.
"بتفي في وشي يا حيوانة انا هعرفك إزاي تحترمي اسيادك عاد."
رواية ملحمة الحب و الانتقام الفصل الثامن 8 - بقلم ندي ممدوح
جلست أمل برفقة والدة سراج في حجرة الصالون، وقد استبد بها القلق على ابنتها التي أختفت على حين غرة من بينهم كمن انشقت الأرض وبلعته.
انبعث فجأة صوت عثمان وهو يخرج من حجرته مناديًا:
_ صفية وينك يا بتي.
فهبت صفية من جوار أمل، وهتفت في لهفة وهي تعدو نحوه:
_ أيوه يا عمي أنا إهنه.
غمغم عثمان متسائلًا، وهو يتصنع الهلع والريبة:
_ إيه إللي حُصل مالكم الرجالة بدور على إيه؟
تحسرت صفية، وهي تقول بحزنٍ يشوبه القلق:
_ والله يا عمي مش عارفه أقولك إيه؟ البت ملك أخت خطيبة سراج كانت إهنه وفجأة أختفت.
فهدر عثمان متصنع الثورة:
_ كيف يعني، كيف تختفي من بيتي، دا اللي عملها فتح قبره بيده، فين الرجالة.
أجابته صفية على عجل:
_ طلعوا يدوروا عليها يا عمي…
وأردفت تقول بقلق وصوتٍ خافت:
_ وأمها مموتة نفسها من العياط.
تنهد عثمان وقال:
_ والله حقها، خديني عندها يا بتي اطمنها.
قادته صفية حيث أمل، التي وقفت لتستقبله باحترام ولكن.. وما همت ان تستدير، وتقع عينيها عليه، حتى اتسعتا في هلعٍ وتقهقرت للخلف وغامت عينيها بالدمع، وبدا كأنها ستفقد الوعي من شدة الخوف والإرتعاش.
وضيقت صفية عينيها في ذهول، بينما جز عثمان على اسنانه وهو يرمقها شزرًا، ثم سارت أمل مبتعدة عنه حتى إن وصلت للدرج وأرتقته في سرعة.
بين ركام الرماد الذي لم تذروه الرياح، جلس مالك وهو يضم جسده بذراعيه كطفلًا صغير فقد أمه ووجد نفسه وحيدًا في الحياة دون مأوى يأوى إليه قلما أثقلته الحياة.
وبغتةً وجد فرحة باسمة تطوف حوله بوجهٍ مشرق، فتبسم المحيا وهو يفك عقدة ذراعيه من حول جسده وينهض في تأنٍ كأنما يخشى أن يغيب طيفها.
إذ نهض واثبًا، عيناه لم تحيدان عن طيفها المبتهج الذي أختفى غرة، فطفق يدير بصره في الإنحاء كالمجنون بحثًا عنها، وصوته يناجيها بغصة بكاء تدمي الفؤاد وتضني الصمُّ الصلاب.
ثم تصلب جسده بشكلٍ مهيب، ورحل شطر سيارته التي قادها كالمتغيب، ودخل منزل عثمان ليقابله سراج الذي ركض إليه مرتابًا من هيئته التي يعلوها الرماد.
وتمتم في قلقٍ:
_ مالك يا مالك إيه إللي حُصل لك، ومال حالتك إكده غريبة ومش على بعضك.
رفع مالك إليه عينين فارغتين، خاليتين، وقال ببسمة ساخرة:
_ ومن إمتى مالك كان على بعضه؟!
وسكت لهنيهة، ثم سأله بصوتٍ أجش:
_ ليه؟
قطب سراج حاجبيه في توجس، وأجابه في حيرة:
_ إيه إللي ليه؟
أسبل مالك جفناه، وقال في جمود:
_ ليه أنا إللي بيحصل معايا كُل ده؟ ليه مش مكتوب ليّ أفرح؟ ليه كل شيء بيروح مني؟ ابوي وأمي رموني وانا صغير عشان اعيش يتيم! ويربيني راجل يستعبدني ويخليني اعمل حاجات مش عايزها؟
ثم اطلق ضحكة عالية، جعلت سراج يرفرف أهدابه في دهشة عما يقول، ثم تحرك مبتعدًا عنه للداخل وصدى ضحكته لا تزل تدوي.
خمدت عندما وجد مالك عثمان يحدجه في صرامة، وقال قبل أن يتحرك بكرسيه مبتعدًا:
_ تعال وراي.
سار مالك وراءه حتى دخلا الحجرة واغلق الباب وراءه، بينما عثمان يواجهه، قائلًا بغضبٍ:
_ من إمتى وأنت بتضحك وبتكدب على عثمان يا مالك؟
ازدرد مالك لعابه في ثقل ولم ينبس ببنت شفة، بينما، زأر عثمان هاتفًا:
_ قُلت ليّ إنك خلصت على أخت الضابط وطلعت بتكدب عليّ.
أرتجف مالك، وأنتفض قلبه، وعلم إن عثمان هو من احرق فرحة، ولن يستطع فعل شيء! سيقف عاجزًا مطأطأ الرأس في سكون هذا أقصى ما يفعله، لكن تجددت به الحياة وعثمان يقول متبسمًا في رزانة:
_ ولكن متخفش هي بخير دلوك، وفي الحفظ والصون، مستحيل جدك عثمان يوجع قلبك يا ولدي.
انكب مالك جاذبًا كف عثمان ناويًا تلثيمه، لكن عثمان سحب يده وهو يربت على رأسه، قائلًا:
_ في المقابل رايد منك شيء.
همس مالك في حماس:
_ اللي انت عايزه يا جدي انا تحت امرك فيه.
تبسم عثمان وهو يؤمأ برأسه في رتابة، وقال:
_ عشان حبيبتك تكون بخير، عايزك تقتل كل عيلة خطيبة سراج بما فيهم خطيبته.
أطل الرعب من مقلتاي مالك الذي أرتعد جسده بشكل ملحوظ، وهو يتمتم في صدمة:
_ كيف يعني؟ وليه يا چدي؟
_ عشان انا رايد إكده، ها قُلت إيه ولا مش عايز تشوف حبيبتك تاني؟
هز مالك رأسه نفيًا، وأومأ برأسه، قائلًا:
_ هعمل اللي تقول عليه.
في صباح اليوم التالي، كانت مليكة تجلس بجانب والدتها في قلق التي ممدة على الفراش منكمشة على نفسها.
بينما مليكة تقول:
_ يا ماما قوليلي مالك مش كفاية ملك اللي مش عارفين اراضيها، وبابا اللي من امبارح مرجعش عشان يدور عليها؟!
لم تتلقَّ ردًا من والدتها التي لم يند عنها إلا شد الغطاء لتدثر به رأسها في سكون.
وفتح الباب فجأة وأطلت صفية وهي تقول:
_ مليكة يا بتي چدك عثمان عايز يقعد مع والدتك شوية.
وتنحت جانبًا وبرز عثمان على كرسيه عند باب الحجرة، التي دخلها في هدوء وهو يقول بأمر:
_ اخرجي يا بتي عايز اتكلم مع امك وحدينا.
لم تلاحظ مليكة وهي تنهض ارتجاف والدتها، ولا الدموع التي انسابت فوق وجهها وهي تغادر مغلقة الباب وراءها.
بينما اقترب عثمان دون ان ينبس، وفجأة قال في غضب:
_ أنتِ، قومي وكلميني.
لم يند عن أمل أية حركة لثوانٍ، ثم اعتدلت في بطء وهي تنظر إليه بعينين هلعتين، وتراجعت لآخر الفراش.
بينما عثمان يميل بطريقة أتسعت لها عينيها رعبًا، وارتعدت فرائصها لها ارتجافًا، وقال بنبرة كالفحيح:
_ إياكِ أنتِ وجوزك تفتحوا بقكم بحرف، أقسم بالله أقتل بناتك الاتنيين قدام عينك زي ما قتلت والدك.
صمت متبسًا وهو يراقب في تلذذ دموعها، قائلًا:
_ لساعك فاكرة يوم ما قتلت والدك قدام عينك.
وضحك في خفوت وهو يسترسل في تسلية:
_ إنسي بتك ملك مش هترجع وخدي التانية وغوروا من إهنه بدل ما تخسريها هي كمان، إيه اللي وقعكم بس في طريقي تاني؟! كل ما نتقابلوا تخسروا عيل من عيالكم.
بدت أمل كجسدٍ فارقته الروح وهي تحدق فيه فقط بصمت.
كانت لا تزل ملك مقيدة اليدين والقدمين في حجرةٍ مظلمة إلا من ضوءٍ بسيط يشعل من اللمبة المعلقة في السقف وهي تتأرجح، وجهها كان مليء بالكدمات والدم المتحجر.
عندما دخل مالك وفي يده نصلٍ حاد، ما أن رأته ملك حتى هزت رأسها نفيًا في جنون وعيناها مسلتطان على النصل الذي بيده، وقد أدركت نهايتها.
ووقف مالك مقابلها بجسدٍ متوتر، وقلبٍ يرفرف كالذبيح، وبدا إنه سيتراجع لكن ذكرى فرحة حالت دون ذلك وجعلته يتقدم من ملك التي كانت تزوم هائجة تبغي فك قيدها وتتلوى في ألم.
ودار مالك حتى وقف وراءها وكمم شفتاها فجأة ورفع رأسها، وأشهر النصل بيده وأسبل جفناه وهو يضعه على عنقها و…
رواية ملحمة الحب و الانتقام الفصل التاسع 9 - بقلم ندي ممدوح
لم يستطع مالك أن يقتل ملك، ما إن لامس النصل عنقها حتى ارتعتشت يده، وانتفض قلبه معنفًا عما يفعل، فتركها وهو يتقهقر للخلف حتى التصق جسده بالجدار، وظل لردح من الزمن يحدق ببصر شاخص في ظهر ملك التي انكبّت في البكاء بحرقة.
ثم اندفع للخارج وهو يناجي نفسه، قائلًا:
"هخلي حد من الرجالة يخلص عليها، وهكدب على جدي وهقول له إني أنا اللي قتلتها."
لكنه ما إن وقف أمام الرجلين اللذين يحرسان المكان، حتى ارتج عليه، فلاذ بالصمت، وغمغم بكلمات غير مفهومة، ثم اندفع مغادرًا المكان بخطوات سريعة.
***
هبطت مليكة الدرج مبتغية البحث عن سراج لتسأله عن أختها، وإن وجد أثر لها.
وأن تعلم عن أبيها أي شيء.
لكن صوت بكاء همس جذب انتباهها، فهرعت شطر الصوت بلهفة، فوجدت هشام يضرب نعمة بكره شديد أسفرت عنه ملامحه المكفهرة، والصغيرة متوارية وراء والدتها بجسد ينتفض وهي تضع يدها فوق وجنتها المحمرة بحمرة قانية.
فدفعت هشام بحدة ووقفت أمام نعمة في مواجهة هشام وهي تصرخ بانفعال:
"إنت اتجننت بتضربهم ليه بالطريقة دي؟ مرقش قلبك للطفلة اللي بتموت من العياط دي؟ إنت معندكش قلب؟"
برقت عينا هشام بالغضب، وهتف فيها وهو يتميظ غيظًا:
"وإنتِ مالكِ بتدخلي فاللي ملكيش فيه ليه؟ حد اشتكالك إياك؟!"
صاحت به مليكة ثائرة:
"وهو انا هستنى لما حد يشتكيلي؟ اللي إنت بتعمله ده غلط واكبر غلط ومش من حقك تضرب في مراتك وبنتك كده من غير سبب."
استشاط هشام غيظًا وغضبًا، ورفع كفه بغية لطمها، وهو يجأر:
"ملكيش صالح بربيهم، وباين ليّ هربيكِ أنتِ كمان."
صرخت مليكة بوجل وهي تواري وجهها بين كفيها في خوف تسرب إلى فؤادها، وقبل أن يهوي هشام على وجهها بكفه، وجد بغتةً سراج يقبض على ساعده بقوة، هادرًا:
"كيف قدرت تفكر حتى ترفع يدك عليها.. إنت مبتفكرش واصل معندكش عقل؟!"
نزع هشام يده من قبضته، وغمغم بتجهم:
"دا بدل ما تشكرني يا ولد ابوي إني هربيهالك!"
بسمة ساخرة زينة زاوية فم سراج، وهو يدمدم:
"هي برضو اللي محتاجة تربية؟"
ضيق هشام ما بين حاجبيه بضيق شديد، وصاح مهتاجًا:
"تقصد إيه عاد بكلامك ده؟ باين لك مش ناوي على خير الليلة دي."
ظل سراج لاذًا بالصمت لبرهة، ثم تمتم وهو يجذب مليكة بهدوء:
"أنا ناوي على خير يا هشام عشان إكده همشي."
تساءلت مليكة وهما يسيران معًا:
"معرفتش أي حاجة عن ملك!"
نفى سراج بهزة من رأسه، أعقبها بتوضيح:
"ولا أي حاچة كأن الأرض انشقت وبلعتها بس إحنا مش ساكتين بندوروا عليها في كل مكان، ودلوك أنا طالع أدور عليها."
***
"أنا لازم أبلغ محمد إن إحنا في خطر، ومليكة في خطر وإن عتمان ممكن يقتلها، إحنا لازم نمشي من بيته."
انبعثت العبارة من فم أمل وهي تهب من رقادها لتجلس على طرف الفراش حائرة، لم تكن تدري أين زوجها؟ وهو يهيم بحثًا عن ابنته المفقودة، فأنَّى تخبره بتلك الطآمة!
غادرت فراشها وخرجت من الغرفة لتسأل عن مليكة حتى علمت إنها بحديقة المنزل، فأسرعت الخطى بلهفة لا تبغي شيء سوا أخذها والرحيل عن المكان الذي يهيمُ به الموت حولهن.
لكن خطواتها تسمرت وهي تمر بجانب حجرة عتمان، فدفعها الفضول لتتجه إليها، ودفعت الباب برفق فرجة يسيرة وأطلت للداخل في حذر وترقب، فرأته يجلس على كرسيه المتحرك، في مواجهة النافذة وظهره لها، ومسترخي تمامًا في جلسته، وخرج صوته متنهدًا في راحة، وهو يقول بما بدا لها إنه للتو أغلق الخط مع أحدهم:
"واللاه وعادت الدنيا تحلو، والواحد يتسلى بعد ما كانت حياته خامدة مفيهاش أي شيء جديد، لما نشوف مالك هيقتل اخوته البنتين كيف؟!"
تراجعت أمل لتتكأ على الجدار بجوار الباب، بعينين ينساب منها الدمع غزيرًا!
هل كان يقصد مالك؟ ذاك الشاب الذي يعمل عنده؟!
هل ابنها حيٌ يرزق وهي لا تدري؟!
لكن كيف؟
ألم يقتله أمام أعينها هي ومحمد؟!
نفضت رأسها تدحر عنها التفكير، وقد أعتقدت إنها فهمت حديثه بشكل خاطئ.
***
"مليكة.. مليكة"
تردد نداء أمل في المكان وهي تتجه جهة مليكة، التي استدارت لها في هلع، وهمست بخوف:
"ماما، نعم في أيه مالك إنتِ كويسة؟"
أمسكت أمل بكتفيها وهي تقول بلهفة:
"أنا كويسة بس كلمي ابوكي ضروري."
أومات مليكة برأسها، وهمت أن تأتي بهاتفها، لكن صيحة والدتها أوقفتها وهي تقول:
"ولا أأقولك لا لا مترنيش عليه ليجي على هنا، تعالي نمشي ونروح إحنا عنده."
تجهمت ملامح مليكة لوهلة بدهشة مما تريد والدتها، لكنها لم تعلق بل وافقت راضية من شدة قلقها على أختها، ولم يلبثا إن تجهزتا، وأوقفهما سيارة أجرة استقلا فيها ومليكة وهم في طريقهما إلى مركز الشرطة للقاء محمد الذي يقدم هناك بلاغًا باختفاء ابنته بعدما يأس من العثور عليها.
وبينما السيارة تنطلق بهما، قالت أمل لمليكة:
"عايزاكِ تنسي سراج ده خالص، وكأن قراءة الفاتحة دي محصلتش من الأساس، أنسي كل حاجة والناس اللي هنا."
توجست مليكة خيفة مما تقول والدتها، وبدا عليها القلق وهي تهمس بما بدا بارتياع:
"ليه؟ ليه بتقولي كده يا ماما؟"
همت أمل أن تجيبها لولا وقوف السيارة بحركة جعلت أجسادهم ترتد للأمام والوراء وصيحت السائق بسباب غليظ أُحجم عندما رأى مالك يترجل من سيارته.
ودون كلمة فتح باب السيارة وأطل برأسه للداخل وهو يقول لهن بأمر:
"تعالوا عشان تركبوا معايا، دلوك هوصلكم عند عم محمد."
رفضت أمل بإصرار:
"لا السواق هيوصلنا…"
وبترت عبارتها عندما وجدت مليكة قد انفجرت أسيرها وهي تهبط من السيارة قائلة:
"جيت في وقتك والله."
والتفتت إلى والدتها تقول:
"يلا يا ماما."
وصمتت أمل مترددة بينما أعطى مالك الأجرة لسائق، ولم تلبث إن أذعنت لطلب ابنتها واستقرت داخل السيارة في المقعد الخلفي بجانب مليكة، وأنطلق مالك بهما منحرفًا إلى طريقًا آخر، بدا في منأى عن الحياة والسكان والبيوت، وتبدلت أمل ومليكة النظر في حيرة، ثم سألت مليكة في توتر:
"مالك إحنا رايحين فين؟"
فغمغم مالك وهو يرمقها بنظرة سريعة من مرآة السيارة:
"هوديكم القسم عند عمي محمد."
ولاذت مليكة بالصمت المتوتر، وفجأة أوقف مالك السيارة، وهذه المرة سألت أمل في ارتباك:
"إنت وقفت السيارة في المكان ده ليه؟"
ثم جال بصرها في المكان الخالي من النافذة، وعندما أعادت النظر مرة أخرى شهقت في هلع وهي ترى مالك يستل سلاحًا ويجذب إبرته في عنف ويرفعه في وجهيهما.
وأطل الرعب في عينيها ودوت كلمات عتمان في أذنيها، فصاحت به:
"أنا.. أنا أمك يا مالك هتقتل أمك وأختك."
بينما هتفت مليكة في ارتياع:
"إنت اتجننت بتعمل إيه؟"
رواية ملحمة الحب و الانتقام الفصل العاشر 10 - بقلم ندي ممدوح
أنا.. أنا أمك يا مالك. هتقتل أمك وأختك.
بينما هتفت مليكة في ارتياع:
_أنت اتجننت؟ بتعمل إيه؟
توتر كف مالك بالسلاح، وزاغ بصره لثوانٍ، ثم تبسم في تهكم بيَّن وهو يحيد ببصره نحو أمل، قائلًا باستهزاء:
_أم مين أنتِ كُمان، هنضحك على بعض أياك؟
باغتته مليكة بركلة من قدمها، وهي تصيح في أمها:
_انزلي من العربية يا ماما.
فتحت أمل باب السيارة، وترددت في النزول فبقت تنقل البصر إلى مليكة تارة ومالك تارة أخرى، وجملة عتمان تدوي في أذنيها بصخبٍ عالٍ: "وفلذة كبدها الغالي يتجسد في مالك. لما نشوف مالك هيقتل اخوته البنتين كيف؟!"
بصوت عتمان تسمعها بصدى متواتر؛ كاد يصيبها بالجنون مع دوى الرصاصة التي انطلقت لتمر بجانب رأس مليكة التي تجمدت دون أن يصدر عنها أي صوت، بينما اتسعت أعين أمل وهي تهتف بعبارة عتمان:
_لما نشوف مالك هيقتل اخوته البنتين كيف؟!
كان عتمان بيردد فيها قبل ما نطلع من البيت أنا سمعته كان بيقول كده ومش عارفه لو يقصد مالك أنت ولا لأ؟ ومين اخوتك البنتين اللي أنت هتقتلهم!
ذهولٌ كل ما طغى على مالك وقد تراخت أصابع بالسلاح، أي اخواتٍ سيقتلهم؟ ما الذي يقصده عتمان؟!
كان يعلم علم اليقين إن عتمان لا يتفوه بما لا يفقه، ولا يقول ما ليس أكيد! ولا ينطق عن الهوى.
وحاد ببصره في ثبات نحو مليكة في دهشة.
ألم يؤمره عتمان بقتل مليكة وملك بالتحديد!
رمش بعينيه في حيرة، بينما مليكة تقول:
_جدي عتمان عايز يقتلنا ليه؟ وبعدين لا يعرفنا ولا نعرفه حتى؟!
ازدردت أمل لعابها في ثبات وهي تنقل بصرها بينهما، وهمست في شرود والعبرات أخذت طريقها إلى وجنتيها متحررة من أسر دام لسنواتٍ:
_أتولدت وأمي توفت، عشت يتيمة الأب مع ابويا اللي أولى كل حياته ليا، كان بابا بيشتغل في مصانع عتمان، وكنت أوقات بروح هناك لو احتجت حاجه من بابا.
نظرت في حنان لم تدرك كنهه شَطَر مالك، ثم تمتمت:
_وهناك تعرفت على حسن بن عتمان ومرة بعد مرة بقينا نتكلم ونخرج سوا وحبينا بعض وحسن كلم بابا عشان يتقدم ليّ، وبابا وافق والفرحة مش سعياه، كان حسن شاب قد المسؤلية جدع وشهم وأخلاقه كويسة، بس عتمان لما عرف رفض.
تبسمت هازئة، ثم اردفت:
_إزاي طبعًا يزوج ابنه لبنت أجير عنده؟! بس حسن مسمعش كلامه وجه وتزوجنا زواج شرعي من وراء عتمان وعيشنا في بيت والدي.
سكتت لهنيهة ذرفت خلالها عينيها المسبلتين أوجاعًا كأنها أبابيل، وتابعت:
_في يوم صحيت على صوت خناق ولقيت والدي متوفى كان مضروب بسكينة وخرجت روحه لربها، كنت وقتها ولدت مالك ابني وكان لسه رضيع..
قطعت حديثها تشهق ببكاءٍ ينخر القلب، ثم أسترسلت:
_ولقيت حسن مغمي عليه وكله جروح ومالك مختفي، لما فاق حسن كنت زي المجنونة وأنا ببحث عن ابني.
وضعت أمل يديها فوق موضع قلبها وأنغمرت في البكاء، بينما مليكة تنظر إليها في صدمة وقد سال دمعها في مرارة، شردت أمل وهي تقص عليهما ما حدث كأن الذكرى قد عادت للتو.
واسترجعت جُل ما حدث ذاك اليوم، عندما كانت تفتش عن إبنها ودخل عتمان بكل هيبة، فشهقت وهي تراه يقف على قدميه، قائلة:
_أنت، أنت مش مشلول.
لكنه لم يعيرها اهتمامًا، وهو يجلس على احد المقاعد، ناظرًا لولده بحقد وغضب، ثم هدر:
_بقا بتتزوج من وراء ابوك يا حسن! دي برضك تربيتي ليك؟
ركضت أمل نحوه في انهيار، وهي تهتف:
_ابني، ابني مالك فين؟
فنادى عتمان آمرًا احدهما بالمجيء بمالك، ولم يلبث أن ولج إحدى الرجال حاملًا مالك بين ذراعيه، همت أمل بأن تهرع إليه، لكن صدح صوت عتمان ليوقفها:
_لو عايزاه ميت قربي عليه وأوعدك هتوصلي ليه خلصان.
لحظاتٍ وكان البيت يعج برجاله الذين كتفوا حسن وأمل ووضعوهم قسرًا داخل السيارة، وأنطلقت بهم فوق الجبل، وهناك توقفت السيارات في المكان المنشود وخرج عتمان بكل هيبة وأمر رجاله بأن يلقوا ابنه وزوجته أسفل قدميه وما إن فعلوا ذلك، حتى هتف في تجبر لأبنه دون ذرة رحمة:
_كنت عايز تبلغ الشرطة عن أبوك يا ولدي؟ كنت عايز تسجن أبوك بسهولة إكده؟! مفكرتش في اللي ممكن يحصل لك إياك، ولا قولت دا ابوي ومش هيقدر يأذيني.
ثم أطلق ضحكة عالية، تلاها بقوله:
_لا يبقى متعرفش أبوك زين! أبوك اللي بيهدد حياته وشغله وعمله حتى لو ابنه يرميه من فوق الجبل للديابة من غير ما يرف له جفن.
ثم توحشت عيناه بوميضٍ مخيف، وهو يؤشر لرجل واقفًا على طرف الجبل هادرًا:
_أقتلوه قدام أعنيهم يا عبد الفتاح.
حاد بصر أمل لمن يشير، فرأت رجلًا يحمل طفلًا صغير يمد يده ثم ألقاه، من فوق الجبل أمام عينيها.
كان الصغير يرتدي ذات ثياب ابنها.
وصرخت أمل في اهتياج وهي تهب واقفة لتركض جهة جسد طفلها الذي أخذ يهوى من علو شاهق.
ارتمت أمل على طرف الجبل ناظرة للأسفل وصرخاتها تدوي، حتى اقترنت بصوت دوي رصاصات كظمت صراخها وبكاءها، لما وجدت حسن ساقط أرضًا غارقًا في دماؤه، وعتمان يقف فوق رأسه بسلاحٍ في يده مقهقًا في صخب وتلذذ.
حينها فقط تركها عتمان، وبعثها برفقات رجال من رجاله إلى خارج البلد ومن حينها لم تدرك امل اي شيء عنه حتى آل ما آل إليه الحال.
سكتت أمل عن روايتها، وظل مالك متجمد الملامح، وعندما تحدث قال بصوتٍ يقطر بحزنٍ دفين:
_كيف إكده؟ يعني أنا أبقى مالك ابن حسن ابن عتمان؟ طب ليه عمل إكده؟ في أب قلبه قاسي لدرچة دي؟! مش معقول حاسس أني في حلم وهفوق منه أكيد.
لاذ بالصمت لثوان، ثم أتبع:
_كنت كل ما اسأله عن أهلي يقولي سابوك ومشيوا، ومع اني ابن ابنه عيشني طول الفترة دي زي الخدام ليه، ومفكرني إنه عامل عليَّ جميلة بتربيته ليَّ وإنه علمني القتل والحرام.
وتهدج صوته بالبكاء، وهو ينظر لأمل في حنو قائلًا:
_كبرت وأنا نفسي يكون ليا أم تحن عليَّ، وتخدنى في حضنها وطول الوقت مفكر إني مليش حد، بس أنتِ.. أنتِ أمي.
اسبلت امل عينيها ولم تنبس، وفجأة قال مالك كالمستدرك:
_ملك ومليكة اخواتي! ملك!
ثم أعتدل وبدا كأنه للتو استعاد نفسه، وهو يجأر:
_ملك في خطر.
ولم ينتظر أن يجيب تساؤلاتهما وألتفت ليقود سيارته في جنون متجهًا إلى المخزن.
دخل الرجل الذي يقف حارس على باب المخزن بأمر من مالك بالقضاء على ملك، التي رفعت رأسها تنظر إليه بعينين مرهقتين، وهو أخذ يدنو بخطواتٍ بطيئة، ويرنو بنظراتٍ بدت بها الشهوة، وازدرد لعابه ما أن وصل إليها، هامسًا:
_أرجعت لك تاني يا قمر.
لم يتلق أي ردًا من ملك سوا أن رأسها قد تدلت على صدرها وأغلقت جفنيها بما يوحي إنها فقدت الوعي، فأجفل الرجل ورفع رأسها وأخذ يحركها هائجًا:
_وه أنتِ موتي من قبل ما تموتي ولا إيه؟ أقصد من قبل ما أقتلك؟
ثم أخرج نصلٍ حاد وقد نوى قتلها دون أن يلمسها بأي سوء خوفًا من أن يعاقب، او يدري أحد بما كاد يفعل، وقبل أن يدور لينحر عنقها وجد باب المخزن يُدفع بعنف ومالك يصرخ:
_بعد عنيها.
فأنتفض جسده وسقط الخنجر من يده وتراجع فورًا، قائلًا:
_أمرك يا مالك بيه؟
امره مالك بالرحيل ثم فك هو قيد ملك وحملها بين ذراعيه وسلمها إلى أمل ومليكة داخل السيارة، اللاتين أخذتا تفحصها في لهفة.