الفصل 25 | من 30 فصل

رواية ملكة قلبي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم مريان بطرس

المشاهدات
20
كلمة
5,194
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 83%
حجم الخط: 18

تحركت للدخول إلى المنزل، تجر قدميها جرا، مرهقة منهكة القوة بعد تلك المواجهة الخاصة بينهم. وكالعادة، تصاب بحالة من الاكتئاب بعد رؤيته والحديث معه. الأمر ليس بإرادتها، ولكن الأمر كله يؤلمها. يشعرها بأنها بلا قيمة، بأنها جارية تباع بسوق النخاس. بل على العكس، تشعر بأن الجارية بحال أفضل منها، فالجارية تعرف بأن هذا قدرها، بأن لا تكون حرة. ولكن هي قد سُلِبَت حريتها عمداً واجباراً. فالجارية أفضل حالاً منها، فهي تستطيع

الحديث، تستطيع الكلام أو الإفضاء لأحدهم، تستطيع التعبير. أما هي، فتكبت كل انفعالاتها داخلها. نعم، فالجارية أفضل حالاً، فظروفها هي من جعلتها جارية، ربما ولدت جارية أو اضطر حالها إلى هذا. كما أنها تستطيع العتق من عبوديتها إذا وصلت إلى حل مع سيدها. في حين هي...

أنزلت عينيها أرضاً لتسيل دموعها على وجنتيها. فوالدها هو من يفعل بها هذا، هو من يحرمها من حريتها، هو من يسلبها حق إرادتها أو اختياراتها، هو من يختار نيابة عنها. وفقط، لاجل ماذا؟

ابتسامة ساخرة شقت وجهها، في حين دموعها مازالت تسيل أكثر. لتمد يدها بالمفتاح، تفتح ذلك القفل اللعين لذلك السجن الذي طالما مقتته ورغبت بالهروب منه. تلك المنطقة وهذا البيت، بمجرد الاقتراب منه يقبض قلبها. تريد الهرب منه وبشدة، تريد الابتعاد عن ذلك المكان. ولكن أي مكان؟ لن يكون أرحم من ذلك السجن. لا تدري. فـ هنا على الأقل تستطيع حماية جسدها وشرفها، رغم دمار قلبها ونفسيتها.

تحركت تخطو داخل المنزل بنظرات حانقة، وهي تشعر بالاختناق، بالكآبة، بالضيق، برغبة شديدة في البكاء. تشعر بأن حوائطه تتحرك لتقبض على صدرها أكثر. لا تريد شيئاً سوى الهرب لداخل غرفتها، حتى تفرغ مابداخل جعبتها من دموع وألم، في المكان الوحيد الذي تستطيع الشعور به ببعض الراحة.

ولكن ما أن خطت خطوتين حتى تفاجئت بوالدتها تظهر أمامها من العدم، بملابسها السوداء الكئيبة والمغبرة من ترتيب المنزل. لتتراجع للخلف بجزع، في حين التفت مُنيرة إليها قائلة بتعجب: -مالك؟ إيه اللي حصل؟ شوفتي عفريت؟ نفت برأسها قائلة بصوت متحشرج: -لا، بس اتخضيت. تفرست مُنيرة في ملامحها ثم سألتها برتابة: -شايفاكي معيطة، إيه سقطتي؟ نفت برأسها لتتناثر خصلات غرتها السوداء على وجهها، قائلة بهدوء: -لا، نجحت وجبت تقدير كويس.

أومأت برأسها قائلة ببرود: -كويس. حسناً، تظن بأن الحديث انتهى، لذا تحركت للذهاب إلى غرفتها، لتجد والدتها تهتف عليها من ظهرها قائلة بهدوء: -شيرين. التفت شيرين تنظر لها بعيون ملتمعة بالدموع، لتقول مُنيرة بهدوء: -رافد كان هنا، جه وسأل عليكي. أومأت برأسها وهي تجيبها بصوت مختنق: -عارفة، قابلته تحت وقالي إنه جه.

ظلت مُنيرة تتفرس في ملامح ابنتها أكثر، وقد ظهر بأنها تخترقها بنظراتها لبعض الوقت. حسناً، هناك تواصل بينهم، وكأنها تربطها بنظرات آمرة بألا تتحرك. لتظل الأخرى كتمثال حجري واقف أمامها، لا تتحرك بها سوى عينيها الملتمعة بالدموع، وحلقها الذي تبتلع الغصة التي به بين ثانية وأخرى. وقد أضحى واضحاً بأنها بالكاد تتماسك على ألا تنفجر بالبكاء. لتتنازل مُنيرة أخيراً قائلة بهدوء:

-رافد اتضايق لما عرف إنك روحتي من غير ما تقولي له. وقال إنه حاسس إنك مش بتعملي له قيمة، وإنك مش مهتمة تعرفيه عنك حاجة. أبعدت عينيها عنها بعيداً لتقول بألم: -قالي واتفاهمنا.

ثم تحركت من أمامها ذاهبة لغرفتها، لتغلق الباب على نفسها. وما هي إلا ثوانٍ حتى كالعادة سمعت صوت بكائها وانفجار دموعها. لتقترب من الباب، تقف خلفه تتلمسه بألم، وهي تُمني نفسها باحتضان صغيرتها. لتسقط أمامه تستمع صوت بكاءها. لتهبط دموعها على وجنتيها بألم، وهي تشعر بأنها فارغة اليدين، ليس بيدها حيلة. تريد الاقتراب من ابنتها، تريد احتضانها، تريد طمأنتها، ولكن لا تستطيع.

تتصنع الجمود، تمثل بأنها لا ترى ألمها، لا ترى حزنها. ولكن تلك الدموع الملتمعة بمقلتيها هي أكثر من يراها. تلك الغصة بحلقها هي أكثر من يشعر بها. تلك الرجفة التي تصدر عنها هي أكثر من يهتز لها. تشعر بأن دموع صغيرتها أشبه بخنجر يطعن داخل صدرها ليمزق قلبها إلى أشلاء. ولكن لا تستطيع فعل شيء. فهي إن كانت أظهرت شيئاً ما، فهي كونها أم فاشلة. هي لم تستطع فعل شيء لأطفالها. صغيرها مات وذهب، وهي السبب فيما ألم بصغيرتها. فلولا فكرتها ما حدث لها ما حدث. ولكنها تتصنع عدم الانتباه لها. ولكنها أم تتألم لألمها. هو ليس ابنها فقط، بل هي أيضاً صغيرتها، محبوبتها، وعشقتها.

بكت أكثر لتضع يدها على فمها، تمنع خروج صوت بكاءها. ثم تركت غرفتها تحتمي بها، وهي تضع يدها على صدرها بألم. كم يؤلمها ابتعادها عن صغيرتها، كم يؤلمها شوقها لها. في حين هي أمامها تتمنى...

تتمنى أن تعود بها الأيام لتمنع ماحدث. ربما لو لم يحدث ماحدث، لكان وليد لا يزال حياً. ربما ماحدث لم يحدث هنا حتى الآن، وكانت استطاعت احتضانهم سوية، تتنعم بعبيرهم الطفولي ورائحتهم العطرة. تتنعم بعناقهم الذي يعطيها الأمان الذي يمحى من قلبها كل ألم وحزن. ولكن منذ ذهب، نخر الحزن أرجاء المنزل ليُغيم عليها سحاب الكآبة. وها هو ذهب من يدها، في حين امتنعت هي من الاقتراب من الأخرى. فكيف تنظر بعينيها واحتضانها، وهي لا تستطيع فعل شيء لها؟

ترى تغير ملامحها كلما تطئ المنزل. ترى نظرة الحزن الملتمعة بعينيها. ترى انقباض ملامحها وتسمع تنهدات بكاءها التي تقتلها وتغرس نصل الألم بقلبها. ولكنها فارغة اليدين، لا تستطيع فعل شيء. نعم، تعلم عدم رغبتها في رافد. تعلم رفضها له. ترى الألم الذي يرتسم على ملامحها كلما رأته أو سمعت باسمه. وهي تشعر بأنها أمامه بلا قيمة، عارية من أية كرامة. قلبها يصرخ بالرفض والنفور. ومن ذاك الذي يستطيع سماع صوت قلب الطفل سوى أمه؟

ولكنها بكت أكثر، وهي تشعر بأنها بدون فائدة. ضعيفة أمام سبل الحياة. ليست لديها القوة الخاصة بالأمومة. نعم، توارثت منذ قديم الأزل بأن للأم قوة خاصة بها، تستطيع ترويض الأسود وقتلهم فقط لأجل صغارها. ولكنها تظن أنها الأم الوحيدة التي لا تستطيع فعل شيء. تبدو ضعيفة، لا تستحق ذلك اللقب. لا تستطيع فعل شيء سوى البكاء. حتى أنها لا تستطيع مواساة ابنتها أو دعمها. لا تستطيع إعطائها نصيحة أو تسييرها في طريق الصواب. كيف؟

ولكن ما أن انتهت من البكاء، حتى مسحت عينيها، ثم تحركت للخروج جهة غرفة ابنتها. وضعت أذنها على الباب بألم، ليقابلها الصمت. يبدو بأنها كما هي العادة، أنهكها البكاء لدرجة سقوطها في سلطان النوم. لـتفتح الباب بألم، في حين دموعها التي ظنت أنها نضبت بدأت تسيل مرة أخرى. ولكنها لم تأبه، هذه المرة بإزالتها. إنما تحركت لتجلس بجوار صغيرتها، تُملس على خصلاتها الناعمة برقة وحنان، في حين عيونها يرتسم بها الحنان والحب، كما هو الألم. لـترفع الغطاء على جسدها بحنان،

لتهمس لها في أذنها بندم: -سامحيني، مقدرتش أكون أم تقدر تقف في ضهرك وتقويكي. كنت بس ضعيفة، مش قادرة أعملك حاجة. ثم مالت على وجنتها تقبلها بحنان وحب. وما إن رفعت رأسها، حتى تفاجئت بيدي ابنتها تلتف حول جسدها، في حين ألقت رأسها على صدرها بألم. تفاجئت مُنيرة من الموقف، ولكنها صُدمت من بكاء ابنتها أكثر، وهي تصرخ بألم:

-مش عاوزاه ياماما، مش عاوزاه. أرجوكي مش عاوزة اتجوزه، مش عاوزاه. حاسة إني كل أما بشوفه بتقهر، حاسة إنه بيتداس على كرامتي أكتر. مش حاسة إني هكون زوجة، حاسة إني جارية اشتراها بالفلوس. كل أما بشوفه ياماما بحس بضعفي وقهرى، بحس إني بدون كرامة وكرامتي متداسة تحت الرجلين. أرجوكي ياماما اتصرفي، مش عاوزاه.

ثم أبعدت عينيها عنها، ليهالها احمرار عينيها أكثر من الدموع، لدرجة أصبحت ككتلات دم تتوسطها بقعة سوداء، في حين وجهها كان كالدماء أمامها. لتتراجع للخلف بصدمة، بينما وضعت شيرين يدها على صدرها مكملة بألم يقطع نياط القلوب: -حاسة إن قلبي بيتقطع، حاسة إني ماليش قيمة وكرامة. حاسة إني لعبة بتتحدف لكل واحد شوية. حاسة إني خدامة اشتراها بالفلوس من غير حساب لكرامتي ودمي. ثم تراجعت للخلف أكثر قائلة بصوت متعثر أثر شهقات بكاءها:

-أنا من الأساس مبحبوش، مش راغباه. أنا أصلاً كنت بخاف منه، شكله بيخوفني. ملامحه بترعبني، قربه ونظراته كانت بتخلي جسمي كله بيتنفض. بحس في قربه بالرعب مش بالأمان. كنت كل أما بشوفه في الشارع ببقى عايزة أهرب منه، عايزة أجري من وشه. كل فيه نظراته، حركاته، كلامه كله بيخوفني، بيرعبني، بيخليني مش مطمنة. إزاي؟ إزاي هتجوزه إذا كنت كدة من قبل أي حاجة؟ إزاي هكون بعد اللي حصل؟ أنا مش عاوزاه، أرجوكي اتصرفي. ثم تفاجئت بها تميل على

يدها تقبلها قائلة برجاء: -أبوس إيدك، أنا عمري ما طلبت منك حاجة. أرجوكي، أرجوكي يا أمي اتصرفي، أرجوكي، أرجوكي مش عاوزاه. تراجعت منيرة للخلف بصدمة، وهي ترى ذلك الألم الذي لم تكن تظن أنه بقلب ابنتها. تراه واضحاً أكثر، تراها لأول مرة تُخرج ما بصدرها بعد أن شعرت بأنه يكاد يقتلها. كيف تتصرف؟ ليس بيدها شيء. إن رفضت، فهي تكون قد قتلتها. ولكن بالفعل، ليس بيدها شيء. فـ رافد يريدها بجنون. لتجدها تكمل بألم:

-مش هعرف أكون زوجة سوية معاه وأنا مفيش في قلبي ليه غير النفور. بلاش... بلاش تدبحوني بالسكينة دي، بلاش يا أمي، بلاش، بلاش.

بكت مُنيرة في المقابل تحتضنها، تذرعها داخل قلبها، تواسيها بالبكاء. في حين كانت هناك عينان تتابعهما من بعيد، ترى، تسمع، تسيل دموعهما أكثر وأكثر على ضعف وقلة حيلة جعلت ظهره محنى وهو يرى ضعف الرجال من ضعفه الكبير في عدم قدرته على تلبية طلب صغيرته. فهو لا يستطيع الوقوف أمام رافد الدسوقي. لا يستطيع رفض طلبه، وهو يعلم بأنه متيم بعشق ابنته. ليبتعد بعيداً تاركاً إياهم معا يعلقون جروح بعضهم. في حين ابتعدت مُنيرة عن ابنتها مكوبة وجهها بين كفيها.

ثم قالت بألم: -ممكن تسمعيني؟ أومأت شيرين بألم وحزن لتقول مُنيرة بدموع: -أنا عارفة إنك مبتحبيش رافد، عارفة إنك شايفة إنه بيشتريكي بفلوسه. عارفة إنك حاسة إنك لعبة. بس عمرك بصيتي في عيون رافد بجد؟ استطاعت في تلك اللحظة اقتلاع انتباه ابنتها لها. لتنظر مُنيرة بعينيها قائلة بهدوء:

-رافد هيعمل المستحيل عشان يطولك يا شيرين. رافد عينه مليانة هوس بيكي، رافد عمل كل حاجة عشان يطولك. تفتكري بعد ما وصل للمرحلة دي واسمك ابتدى يتكتب مع اسمه إنه هيتراجع؟ ثم نفت برأسها قائلة ببكاء: -أبداً... أبداً. تفتكري رافد الدسوقي اللي مفيش حاجة تعصى عليه هيتنازل عن حاجة عاوزها بسهولة؟

مفتكرش، ده ممكن يهد المعبد على أصحابه عشان خاطر بس يوصلك. رافد اللي الكل بيترعب منه، رافد الوحش المخيف. تفتكري هيسيبك تمشي براحتك من غير ما يعمل اللي يقدر عليه عشان تكوني معاه؟ ثم أكملت ببكاء: -حاولي تتفاهمي معاه يا شيرين، حاولي. انتي مش فاهمة ممكن نخسر إيه لو وقفنا قدامه. صرخت شيرين بألم كشاه مذبوحة مقتولة تنتفض في موتها: -هنخسر إيه أكتر من اللي خسرناه؟ إحنا حيلتنا إيه عشان نخسره؟

الوحيد اللي كان ممكن تخافي عليه مات خلاص. فيه إيه تاني ممكن تخافي عليه؟ صرخت منيرة مقابلها بانهيار: -فيه... فيه انتي. ممكن أخاف عليكي وأنا متوقعش وحش زي ده ممكن يعمل إيه عشان يوصلك أو يعمل إيه بعد ما انتي هنتيه ورفضتيه. فيه... فيه أبوكي. مقدرش أتوقع إيه ممكن يعمله. ثم صرخت ببكاء ورعب: -انتي مش متخيلة شكلك ولا تعرفي اللي ممكن يعمله. رفعت انظار ذبيحة جهتها لتجيب بنبرة مبهوتة وهي تسقط كفيها بجوارها بصدمة: -يعني إيه؟

أبعدت مُنيرة عينيها بعيداً لتجيب بجمود وهي: -يعني حاولي تتفاهمي معاه وتفهميه. واعرفي إنه قدرك ومحدش بيقدر يهرب من قدره. نفت برأسها بهيستريا لتجيبه بعدم تصديق: -انتي بتهزري صح؟ أعادت مُنيرة عينيها جهتها بجمود لتجيبها بصوت بارد جامد:

-لا مش بهزر. كل واحد له قدره اللي ميقدرش يهرب منه ولازم يتعايش معاه. وده قدرك. استغلي جنونه بيكي بإنك تخليه يعملك اللي انتي عاوزاه، لأنه وحش وممكن يعمل أي حاجة عشان اللي عاوزه ومش هيقبل الرفض.

تراجعت شيرين للخلف بذهول وصدمة، وهي تستوعب ما تقوله والدتها التي صدمتها بتلك الحقيقة. وما عليها سوى السمع والطاعة لتلك الأمور التي لن تقبلها. وقد شعرت في تلك اللحظة بأن مستقبلها وأحلامها وآمالها قد اندفنت تحت وطأة الثرى. لـترفع يديها تضعها على وجهها وتنخرط في نوبة بكاء. لتنظر لها مُنيرة بجمود ظاهري، في حين يتمزق قلبها داخلها على صغيرتها. لتتركها وحدها تستوعب حجم كارثتها وتتعايش معها. ***

كان قد استقر ثلاثتهم على ذلك الرأي، فهم معاً في كل شيء ولن يتركوا أيدي بعضهم البعض. إما أن يعملوا معاً أو يتركوا معاً. إذا رفع أحدهم عينه في واحدة منهن، فلتـمتد ثلاثة أيادي لتفقأها. هذا ما استقروا عليه جميعاً في ذلك المساء. إذاً، فغداً التقديم لذلك العمل. ومع ذلك، فإن هناك شعور يجوب داخل ثلاثتهم بأن الأيام لن تمر هكذا. فحتماً ستتغير حياتهم، وهم يدركون هذا. ولكن ما باليد حيلة، فليخرجوا للحياة وليتعلموا. فقوتهم معاً، ولن يستطيع أحد الاقتراب منهم. وما سيحدث ليس إلا تقديم، أما أن يقبلوهم أو لا.

*** صباح يوم جديد. استيقظت من نومها لتجده ينظر لها بابتسامة مازحة. لـترفع عيني ناعستين جهته متسائلة بتعجب: -إيه؟ ابتسم ساخراً ليجيبها باستهزاء: -إيه اللي إيه؟ خرتيت نايم؟ نايمة واخدة السرير كله؟ فيه حد ينام في نص السرير على بطنه وكل إيد ورجل في ناحية؟ إيه حجزاه لحد ولا إيه!! نظرت جهته بضيق متسائلة بسخرية: -والله بجد!! ... شوف مين بيتكلم طيب، شوف أنا شبه مين في نومي من غير ما تتريق.

ثم رفعت رأسها تلقى عن جسدها الغطاء لتتحرك. لتتفاجئ به يتراجع للخلف قائلاً بصدمة: -أعوذ بالله، إيه ده يابنتي. رمشت بعينيها بنعاس لتجيبه بدون تركيز: -إيه؟ ظل ينظر لها بقرف ليجيبها بضيق: -تصدقي بالله، أهو إنتي بنتي أهو، بس بشفق على اللي هيتجوزك. والله ده إنتي لو طلعتي للعفريت نفسه لتخوفيه. إيه المنظر ده؟؟ ظلت ترمش بعينيها بنعاس لتقول بنبرة ضائقة ولكنها ناعسة: -ماله منظري!!

ظل ينظر جهتها بقرف ليشير جهة المرآة. لتتحرك هي تنظر جهتها. ولكن ما أن وقفت أمامها، حتى شهقت برعب قائلة بقرف: -يا أمي، إيه المنظر ده. نظر لها باشمئزاز مجيباً بقرف: -ماهو ده اللي بقوله.

كان منظرها بالفعل مرعب. خصلات شعرها السوداء فالته من معقلهم، وكل واحدة باتجاه ليصنعوا ما يشبه عش العنكبوت. بل وأكثر. عيون ناعسة منتفخة بشدة، ووجه لم يمحى منه الكحل ليسيل ليلاً على وجهها ليصبح عينيها ووجهها ملطخ بالسواد، مما يجعل الأمر مخيفاً بشدة. مع تورم وجهها من النوم، أصبح الأمر مخيفاً بالفعل. ليقول سعد بقرف وسخرية:

-سبحان الله، الحاجات اللي المفروض معمولة عشان تحلي البنت وتجملها، حتى دي مش قادرة تعمل معاكي حاجة. بل بالعكس، خليتك تخوفي أكتر. ماهو القرد هيفضل طول عمره قرد، مش هيتقلب بالأحمر والأخضر لغزال. التفت جهته تناظره بأعين تقدح شرراً. ليتراجع للخلف بخوف صارخاً بها بضيق: -يقطع اللي جابك، هتقطعلي الخلف؟ يخربيت شكلك، منظرك يقطع الخميرة من البيت. فاكرة شكلك حلو؟ بتوحشيه. اقتربت منه خطوة صارخة بغضب وضيق، وقد انقلبت سحنتها

بالفعل في تلك اللحظة: -بابا. -انصرف، انصرف. قالها سعد وهو يشير جهتها بيده. لـتقول بغضب: -بابا. -امسكها من مؤخرة عنقها وهو يزيحها أمامه قائلاً بضيق: -اكتمي وانجري قدامي، اغسلي وشك ولا سنفريه ولا هببي فيه أي نيلة تعدليه بدل ما هو شبه بوز القرد كدة. واعملي أي حاجة في شعرك ده، مع إن أنا شايف إنه ملوش حل غير عود كبريت. صرخت تتلوى بيده قائلة بضيق: -بس يابابا، سيبني. أجابها بضيق:

-انجري قدامي، ده إنتي لو طلعتي لواحد في الشارع هتجيبيله جلطة. يخربيتك، ده إحنا لينا الجنة إننا بنصطبح على الصبح بالخلقة دي. يخربيت وشك العكر. تركها أمام باب الحمام. لتنظر له بضيق لتقول بسأم: -ده أنا اللي ليا الجنة إني مستحملة الهزار بتاعك ده. فيه أب يعامل بنته الرقيقة كدة؟ دي معاملة تتعامل بيها أنثى. تفاجئت به يتلفت حوله يميناً ويساراً. ثم بدأ يبحث أرضاً. لتقطب جبينها متسائلة بتعجب: -إنت بتدور على إيه؟

نظر لها ليجيبها ببرود: -بدور على الأنثى اللي بتقولي عليها دي. ثم أكمل بوقاحة: -أنا مش شايف قدامي غير أنثى الضبع الجربانة. لتـدب الأرض قائلة بضيق: -يا بابا. وضع سبابته على فمه قائلاً بحسم: -ولا كلمة. ادخلي الحمام انضفي، ولما تبقي بني آدمة أبقى تعالي اتكلمي. لتنفخ بفمها بضيق. لتتحرك تدخل الحمام. وما أن أغلقت الباب، حتى فتحته قائلة من فتحته الصغيرة: -على فكرة، أنا أنثى وأحسن من أي أنثى كمان. تحب أوريك؟

ثم أطلقت ضحكة مائعة تردد صداها في المنزل. لتنكتم حينما التصق بوجهها خف منزلي وصوت أنثوي يهتف بها بحسم. في حين وقفت تضع يديها بخصرها بقوة: -المرة دي الشبشب، لكن إن سمعتها تاني هتكون المقورة اللي هقور بيها زورك عشان أمنعه يطلع الصوت ده تاني. وتتعدلي كده وإنتي ماشية زي العسكري مش زي الرقصات. الـلمعت عيناها بالدموع بعد أن احمر وجهها من أثر الخف. لتهتف بضيق:

-والله أنا ما قاعدة لكم في البيت ده. ده كل واحد فيكم يحط عليا شوية. ده شارع الهرم أرحملي. وما أن وجدتها تميل بجسدها مرة ثانية لأسفل، حتى اتسعت عينيها لتغلق الباب بسرعة. ليصدر صوت ضربة على الباب. في حين هدر صوت والدتها قائلة بضيق: -المرة الجاية مش الشبشب. المرة الجاية هتكون إيد الهون يا بت سعد، فاهمة؟ وانجزي عشان تغوري تشوفي شغلك ده، إن رضوا بيكي يا بوز القرد. لتهتف بضيق وهي تغسل وجهها:

-الأدمية في البيت ده معدومة والله. ده أنا لو شمبانزي هيعاملوني أحسن من كده. *** تحركت للخروج من حارتهم الشعبية تدقق بالملفات بيدها تتأكد من عدم نسيانها أي شيء. ولكن تفاجئت بذلك الحائط الذي اصطدمت به فجأة، لتتراجع للخلف بألم وهي تدلك رأسها قائلة بتأوه: -آه ياني، اتعميتي بدري ياشيرين ودخلتي في الحيطة.

انطلقت ضحكات ذكورية رنانة بالمكان. لـترفع عينيها بصدمة لتتفاجئ بأنها لم تضرب بالحائط، إنما بجسد رجولي قوي معضل، صدر عريض وجسد طويل بشدة. بالكاد تصل إلى أسفل كتفه. اتسعت عينيها بصدمة. ذلك الجسد تعرفه، بل من لا يعرفه؟ هو الجسد الوحيد بالمنطقة كلها الذي لديه تلك الهيئة المخيفة والحضور المهيب. في حين قاطع عليها سلسلة أفكارها ذلك الصوت الذكوري الأجش قائلاً بمرح: -سلامة نظر القمر، إن شاء الله العدوين. وإنتي لا.

ارتفعت عينيها جهته بصدمة لتجده يقف بهيأته القوية وحضوره المخيف المهيب. ولكن المختلف هو وجهه الضاحك وعيناه التي يلمع بها العبث. لـيميل عليها فجأة لتشهق هي برعب متراجعة برأسها للخلف. في حين تجاهل هو حركتها ليقول بعبث: -اللي واخد عقلك ياجميل. ظلت تنظر جهته بصدمة. رافد الدسوقي يضحك. المرة الأخيرة التي رأته يضحك بها ربما كان بعمر السادسة عشر أو شيء من هذا القبيل. فذلك الوجه المخيف لا يلتوي وجهه بالضحك أبداً.

في حين أكمل هو بمكر: -إيه الجميل سرحان في إيه ومش مركز في الطريق؟

ابتلعت ريقها بصعوبة بعد أن شعرت بتلك اللحظة بجفاف حلقها. لتتطلع إلى وجهه القريب منها. عيناه السوداء الضاحكة. ملامحه التي وبالرغم من خشـونتها الفذة، إلا أنها تمتلك وسامة غريبة. وسامة بربرية عجيبة. طابع الحسن في ذقنه وأهدابه الطويلة بشدة، والتي دائماً ما تتعجب لها. فهي تتنافى دائماً مع أهداب الرجال. ولكنها أفاقت من الصدمة لتتراجع للخلف بسرعة. ليبتسم هو عليها ليعود بجسده كما كان وهو يحك جانب عنقه. ليلفت انتباهها ذلك الجرح القديم الذي بالكاد تظهر آثاره، والذي هو أسفل أذنه ناحية عنقه. ليس بكبير بشدة، ولكنه لفت انتباهها. والذي يظهر بأنه قد حصل عليه ربما في أحد معارك الحي.

لتتساءل داخلها ساخرة: -إذا كان هذا ما أصاب رافد الدسوقي، إذاً ماذا سيكون قد حدث للمتسبب بالضرر له؟ ربما يقبع الآن تحت الثرى. أفاقها من تأملها صوته القائل بمرح: -مقولتيش رايحة فين على الصبح ومستعجلة كده ومش شايفة قدامك؟ ابتلعت ريقها بخوف. ها هو أسوأ مصائرها يحقق معها. ولا تعرف نتائج الحديث معه. لـتقول بخوف: -رايحة أقدم في شغل. -نعم؟!! تلك كانت إجابته المصدومة. ليجيب بتعجب: -ده اللي هو إزاي؟

إنتي لسه يادوب نتيجتك باينة، لحقتي تلاقي شغل منين؟ أبعدت عينيها عنه تنظر في كل الجهات عداه. لتجيبه بخوف: -أنا مقولتش هشتغل. أنا لسه هقدم وأشوف وهروح أنا والبنات. ويا اتقبلت يا اترفضت. -لا ياشيخة، من نفسك كده؟ وأنا آخر من يعلم. قالها بحدة أخافتها. ولكنها تماسكت بقدر إمكانها. فدائماً كانت هي الوحيدة في حيهم. على الرغم من رعبها منه كما الجميع. إلا أنها كانت دائماً ما تجابهه بالكلمات والإجابات. لتجيبه بضيق وغضب:

-فيه إيه يارافد؟ هو حصل جديد ومعرفتش؟ أنا لسه بقدم وبعدين أنا قايلة لبابا وماما إني خارجة وعارفين ليه غضبك ده. أمسكها من ذراعها صارخاً بغضب: -طيب وأنا؟ أنا طرطور معرفش حاجة؟ مليش حق أعرف حاجة عن خطيبتي؟ أنا كنت متلقح معاكي امبارح، مقولتيش ليه على اللي بتفكري فيه؟ ولا أنا في حياتك مليش لازمة؟ أبعدت عينيها عنه ناظرة للناس التي بدأت تنتبه لحديثهم. لـتقول بضيق: -رافد، مش هينفع كده. الناس بتبص علينا.

رفع انظار حارقة مرة واحدة جهة الجميع. لـيلتف كل فرد ينظر جهة عمله. في حين تحرك الآخرين يركضون برعب. ليصرخ هو بغضب محذراً لها وللجميع: -محدش له عندي حاجة. أنا بعملش حاجة غلط. واحد وخطيبته، وكل واحد يخليه في حاله. أحمر وجهها بضيق غاضب. لتحاول إفلات يدها من يده. ولكن هيهات. لـتصرخ بضيق وقد احمر وجهها من الإحراج والغضب. في حين لمعت عيناها من الخزى: -سيبني يا رافد، سيبني بقى! إنت عايز إيه؟ أنا معملتش حاجة غلط.

صُدم هو من انهيارها. لينهار ضيقه وغضبه عليها في لحظة ويحل محله الألم على حالها. ليقول بمهادنة: -طيب خلاص، اهدى. اهدى. أنا مقصدش. رفعت انظارها جهته لتجد الحنان الهادئ بعينيه. لـتبدأ في الهدوء. ليقول بعتاب: -شيرين، هو مش إحنا اتكلمنا امبارح وقولنا إني مش غريب؟ ليه بتحاولي تبعديني وتحسسيني إني مليش قيمة؟ أيوه أنا مش باباكِ، بس حقي على الأقل إني أعرف. مش أتفاجئ بكل حاجة كده. صرخت به بضيق:

-مفيش حاجة يا رافد، مفيش حاجة أصلاً. أنا لسه بقدم هنا وهنا. ولما يبقى فيه حاجة أكيدة هتعرف. بس هو كل شغل هروحه ومتقبلش فيه، أقولك ده؟ كفاية كرامتي يا جدع، وأنا بتطرد كده ومليش قيمة، وخصوصاً إني معنديش خبرة. أنا مش ضامنة مكان يرضى يوافق بيا لسة، لأني زي ما إنت قايل لسة متخرجة. ظل ينظر جهتها بضيق. ليقول بغضب مكتوم: -رفضهم ليكي ميقلش منكِ. بس على الأقل شاركيني إنك بتدوري على شغل. مش ممكن أساعدك حتى لو أعرف إنك بتدوري؟

مش لازم الأماكن. أبعدت عينيها بعيداً. ليصمت هو بضيق. الحديث معها لن يأتي بفائدة. وهو لا يريد الغضب منها أو عليها. فهي لن تتحمل غضبه أبداً. ليتحرك أمامها قائلاً بضيق: -طيب، يلا أوصلك. اتسعت عيناها بصدمة. هل قال سيوصلها؟ لا وألف لا. كيف ستفسر وجوده معها؟ كيف تقول لصديقاتها عن علاقاتها به؟ كيف ستجعل نفسها مثيرة للشفقة هكذا؟ لـتهتف به بسرعة: -لا، أنا رايحة مع البنات.

ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهه. في حين ارتسم الألم في عينيه بأقصى درجة. وهو يجد نفورها الواضح منه، وعدم رغبتها في الظهور بجواره أبداً. ليقول بهدوء: -متقلقيش، مش هظهر معاكي. أنا هوصلك للمكان وهمشي. مش هتعرف عليهم. ثم تحرك أمراً لها قائلاً بهدوء: -يلا، ورايا. لتتبعه بهدوء وحزن. وكلا منهم ارتسم الحزن بقلبه لأقصى درجة. لدرجة أنه يمزق قلبه. ولكن لكل منهم أسبابه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...