وقفت الاثنتان تنتظران مجيئها. نفخت جنا بفمها بضيق، ثم بدأت تنظر في ساعة معصمها بملل. لتقول بضيق شديد: "أوف، هي شيرين اتأخرت كده ليه؟ ظلت أميرة تهز بقدمها أرضًا بتوتر، لتجيبها بملل: "مش عارفة." ثم تحركت عدة خطوات للأمام، لتسألها جنا بتعجب: "رايحة فين؟ التفت تنظر جهتها، مجيبة بهدوء: "رايحة أبص عليها قدام، لتكون تاهت ولا حاجة، ما هو مش هنفضل واقفين كده." ثم التفت تنظر جهتها، متسائلة بضيق: "رنيتي عليها تاني؟
أومأت برأسها، لتجيبها بهدوء: "مابتردش." أومأت برأسها في المقابل، قائلة بهدوء: "خلاص، يبقى هروح أبص عليها." ثم تحركت للذهاب، حينما هتفت جنا من خلفها: "استنى، أنا جاية معاكي." ثم ركضت خلفها. وما أن وصلا لأول الشارع، حتى تفاجئا بها تهبط من سيارة أحد ما. لتحول كلا من أميرة وجنا عينيهما تجاه بعضهما بتعجب. لتتساءل أميرة: "جنا، هو مش شيرين قالت إنها ماعندهاش إخوات؟ أومأت برأسها، تجيبها بهدوء:
"اللي أعرفه آه، وكمان باباها مستواهم المادي على قده." رمشت بعينيها، لتقول بتعجب: "أمال مين اللي راكبة معاه ده؟ مطت جنا شفتيها، وهي تجيبها بهدوء: "معرفش، بس ده غني جدًا." التفت أميرة جهتها بتعجب، لتومئ برأسها مشيرة جهة السيارة، قائلة بهدوء: "بصي على العربية كده، العربية دي بمبلغ وقدره." أعادت أنظارها جهة السيارة بتعجب. من أين تعرف شيرين ذلك الشاب الغني ذاك؟ فهم يعلمون بأن حيها فقير بشدة. إذا من أين جاء ذلك الغني؟
على الجانب الآخر، قالت له بهدوء: "رافد، أوقف هنا." نظر لها بتعجب، ليجيبها بغرابة: "فيه إيه؟ أجابته بهدوء، وهي تجمع متعلقاتها: "هأنزل هنا." قطب جبينه، ينظر لها وكأنها برأسين، وهو يجيبها: "ليه؟ ما هو المكان قدام." أومأت برأسها، لتجيبه بهدوء: "عارفة، بس أنا هنزل هنا، متشكرة." زم شفتيه بضيق. "حسنًا، إذا." هي بين كل لحظة وأخرى تظهر جهته نفور لم يرى له مثيل. وبالنهاية تتساءل بتعجب عن لما يظن بها هذا بأنها تستنفره.
وكل حركاتها تدل على هذا. يريد الحديث معها وفهم كل شيء. ولكن الغريب كونها لا تقول شيئًا. كلما سألها تنفي ما يثير غضبه تجاهها. إنها لا تتحدث. تكاد تجعله يجن. حديثها شيء وتصرفاتها شيء آخر. وكلما دفعها للحديث ليفهم فيما تفكر، يجدها قد انغلقت على نفسها أكثر وأكثر. ذلك جانب رأسه بإرهاق. الأمر أصبح يسبب له الصداع. أصبح يشغل باله بشدة. نعم، يريدها. نعم، يحبها بجنون. بهوس يتمناها. هي أمنيته وطلبه الوحيد من ربه.
ولكن لا يريدها جسدًا فقط، بل يريدها كاملة، جسد وروح وقلب. يريد قلبها وحبها واحتوائها. وهي على الرغم من وجودها معه، إلا أن عقلها وقلبها بمكان آخر. ليست كاملة. لا يفهم ما بها. هو لا يريد الضغط عليها، فهو كلما ضغط عليها لم يقابله سوى دموعها فقط. لذا يحاول دائمًا باللين، بطول البال. ويشهد الله بأنه بالأصل ليس صبورًا أو طويل الأناة. إنما هو سريع الغضب بشدة. ولكن معها يكون له طابع آخر. ليس به، يحاول دائمًا كسبها باللين.
ولكنه يشعر دائمًا أنه كلما اقترب منها خطوة، تبتعد أمامه ثلاث. كلما ظن أنه وصل إليها، فاجأته بأنها انغلقت على نفسها أكثر. لا تعطيه الفرصة للتعبير عن حبه، قلبه، مشاعره. لا تعطيه فرصة للاقتراب منها أبدًا. ولكنه على الرغم من ذلك، التف إليها متسائلاً بغرابة: "طيب، ليه تنزلي هنا؟ ما تستني وأوصلك لحد الباب." هزت رأسها وهي تهبط، تجيبه بهدوء: "لا شكرًا، مش عاوزة أتعبك وأأخرك. هنزل هنا." قطب جبينه أكثر، ليشير للامام، قائلاً
ببديهية: "ده كله خطوتين بالعربية. هتتعبيني في إيه وهتأخريني إزاي؟ لم ترد عليه، معلنة نهاية الحديث. لتميل على زجاج السيارة، قائلة بهدوء بعد أن هبطت منها وأغلقت الباب: "شكرًا." زم شفتيه، ليومئ برأسه بعدم رضا. لتتحرك للذهاب من أمامه. ولكنها ما أن تحركت عدة خطوات، حتى تفاجئت به يهتف باسمها. لتتسع عينيها بصدمة، وهي تجده يهتف عليها من خلفها: "طمنيني لما تخلصي." ابتلعت ريقها، وقد شعرت بأن حلقها قد جف تمامًا.
ولكنها على الرغم من ذلك، أومأت برأسها بتوتر. ليومئ برأسه باستحسان. ولكن على الرغم من ذلك، لم يتحرك. بل إنما ظل منتظرًا أن يطمئن عليها لتدخل المكان. ظلت تنظر جهته منتظرة تحركه. ولكنها حينما يأست من تحركه، لفت جسدها للذهاب. ولكنها تفاجئت بنظرات صديقاتها المحققة. لتبتلع، لتتلع ريقها بتوتر، وهي تعلم بأن عليها التفسير الآن. وهي لا تريد ذلك. لترفع نظراتها جهتهما، لتجد ارتفاع حاجب أميرة الأيسر بتساؤل وتحقيق.
تلك الحركة تعرفها منها جيدًا. هي لن تترك الأمر هكذا. لن تتركها إلا حينما تفهم كل شيء. في حين لفت وجهها جهة جنا، لتجدها قاطبة جبينها بشدة، تريد التوضيح واستقراء الموقف. في حين كانت تهز قدمها على الأرض بتوتر. لتبتلع ريقها، لتعود بعينيها لذلك الجالس بسيارته الفارهة خلفها بتوتر. لتجده كما هو منتظر دخولها. سبته تحت أنفاسها الآن، عليها التوضيح.
ولكنها حينما أعادت رأسها إليهم بعد تلك الحركة الخاطفة، وجدت أعينهم تدقق بها أكثر، وكأنهم تعجبوا نظراتها جهته أكثر وأكثر. ليعودوا بعينيهم لذلك الشاب الضخم الذي يحتل مقعد السائق. كان يتطلع إليها بعيون حنونة، رقيقة، وكذلك حزينة. لا يريد التحرك أبدًا. أول من قطع سلسلة الصمت كانت هي، حينما قالت بتوتر: "أنا آسفة إني اتأخرت عليكم." أجابت جنا بهدوء، على الرغم من تعجبها: "لا أبدًا، حصل خير." "طيب يلا، بدل ما نتأخر أكتر."
قالتها أميرة وهي تتحرك للأمام، لتومي هي برأسها متحركة خلفهم. في حين لفت أميرة وجهها مرة واحدة جهة الشاب، لتجده مكانه، لم يتحرك. في حين كانت هناك ابتسامة عاسقة محتلة وجهه بالكامل. لترمشي بعينيها بتعجب، ثم رفعت رأسها مرة واحدة على حين غرة، سائلة شيرين: "مين ده يا شيرين؟ صُدمت شيرين من السؤال، على الرغم من توقعها له. ولكنها ظنت بأنهم سيتغاضون عن الموقف، حينما لم يتحدثوا.
في حين، لما وجدت أميرة صمتها، بادلت جنا نظرات متعجبة، ثم أعادت الهتاف باسمها. لتجيبها الأخرى بتوتر: "رافد الدسوقي." "أيوه، اللي هو مين يعني؟ سألت بتحقيق أكبر وصيق، وهي لا تجد إجابة لسؤالها. لتصمت لبرهة، ثم أجابت بهدوء: "واحد من المنطقة من عندنا." ارتفاع حاجبها مع رفع جانب شفتها العليا كان خير دليل على عدم تصديقها. لتقول بتعجب: "بيه؟ هي المنطقة عندكم بتحدف ناس متريشة كده؟ انتوا قاعدين في زايد وأنا معرفش؟
ولا تكونش فاتحة باب الوراني على مدينة نصر؟ نظرت لها، لتجيبها بضيق: "لا، بس ربنا فتحها عليهم واداهم يا أميرة." ظلت أميرة تنظر جهتها بعدم تصديق. لتوخزها جنا قائلة بهدوء: "مش وقته، خلينا في بال واحد." أومأت برأسها، وهي تشعر لأول مرة بأن شيرين تُخفي عليهم شيئًا ما. حسنًا، هي ليست أول مرة. فدائمًا ما تظن بأن شيرين تخفي الكثير من الأسرار داخل جعبتها، وما تظهره عكس ما تبطنه.
ولكنها دائمًا ما كانت تصمت، معطية لها دائمًا قدرًا من الخصوصية. ولكن مع وجودها بسيارة شاب غريب، مدعية بأنها تعرفه، فالأمر لن يمر. ف اختر الصديق قبل الطريق. فإما أن تفهم ما يحدث، أو فلتبتعد عنها. حتى وإن كان هناك سر ما، فدائمًا الصديق هو مخزن الأسرار. ومن لا يأتمّن صديقه على أسراره، فهو لا يثق به. وتلك العلاقة المبنية على عدم الثقة، هي لا تريدها أبدًا، أبدًا. ***
كان ثلاثتهم يقفون أمام ذلك الموظف، في حين كان يطلع على أوراقهم بتدقيق. ليقول باستحسان: "درجاتكم كويسة في العملي والنظري. تقديراتكم حلوة جدًا. عندكم أكتر من كذا سنة خبرة في شغل في معامل تحاليل، دبلومة تحاليل، وفترة اشتغلتو فيها في مزرعة تحت التدريب. وكمان اتدربتو في مجال مراقبة الجودة. كله ده ممتاز. انتوا يعتبر ملمين بالشغل من أكتر من اتجاه." ابتسامة سعيدة ارتسمت على ملامحهم.
في حين مط هو شفته بتعجب، ليرفع أنظاره سائلاً بذهول، وإن كان به بعض من التقدير والاستحسان: "بس لحقتوا تعملوا كله ده إمتى؟ أنا اللي لسه شايفه إنكم لسه متخرجين من الكلية مابقاش ليكم حاجة؟ ارتسمت ابتسامة سعيدة على وجه أميرة، لتجيبه بهدوء: "في الإجازة يا إما بنتدرب في معمل أو نعمل دبلومة تحاليل، وكان بيبقى معانا أوراق خاصة بيها بنذاكرها من قبل كده، أو نتدرب في مزرعة، أهو منه شغل ومنه تدريب وتعليم."
هز رأسه باستحسان، ليلم الأوراق أمامه، قائلاً بهدوء: "بصراحة، أنا معنديش أي سبب للرفض. على الرغم من صغر سنكم، إلا إنكم عندكم العلم والخبرة. يعني مقفلين الطريق قدامي." التفوا جهة بعض بسعادة، ليتساءلوا بذهول: "يعني موافق؟ تقصد إننا اتقبلنا؟ أومأ برأسه، قائلاً بهدوء:
"آه، تقدروا تقولوا كده. أنا بس محتاج ألم أوراق الموظفين وأبعتهم لمستر نبيل يتأكد منهم، وإذا كان عنده أي تعليق على أي موظف، لأنه مسؤول عن الأمور دي. وبعدها ناخد إمضته هو وتوفيق بيه. بس بإذن الله من أول بكرة أو بعده هتكونوا هنا." نظروا جهة بعض وقد خاب ظنهم بذكر اسم باسل. لينظروا جهته متسائلين بتعجب: "وباسل بيه؟ رفع أنظار متعجبة من سؤالهم، ولكنه أجاب بهدوء:
"باسل بيه مسؤول عن التوريدات للمصنع ومسؤول عن التصدير والتعامل مع الشركات والبنود. ملوش دعوة بالموظفين. شغله في الشركة بس التجاري فقط، لأنه تخصصه تبع كلية تجارة." ظلوا ينظرون جهة بعضهم البعض. في حين أكمل: "لكن نبيل بيه هو المسؤول عن الأمور الخاصة بالداخليات الخاصة بالشركة والمصنع، إضافة إنه بيراجع أي عقود أو بنود شراكة بعد ما بيوافق عليها مستر باسل. ده لأنه معاه كلية حقوق." أومأوا برءوسهم بتفهم. ليتساءل هو بتعجب:
"بس إيه سبب السؤال؟ هزت شيرين كتفيها، مجيبة بهدوء: "مجرد سؤال." أومأ برأسه بهدوء، ليشير إليهم جهة الباب، قائلاً: "هنتصل بيكم بعد الإمضاء، تيجوا تبتدوا شغلكم. هيبقى بكرة أو بعده." تحركوا للخروج من المكان بسعادة تتملكهم، لا يصدقون أنهم قد نالوا العمل هكذا دون واسطة ودون حتى أن يعرف باسل الدمنهوري بأمرهم. وما أن خرجوا من المكان، حتى دق هاتف جنا. لتنظر جهته بسعادة، ثم ركضت قائلة لهم بهدوء:
"طيب، أنا ماشية عشان بابا مستنيني." ابتسموا لها، لتتحرك من محيط المكان. في حين ظلت أميرة تنظر جهة شيرين بغموض. وما أن كادت تفتح فمها، حتى تفاجأت بالهاتف الخاصة بها يرن. وما أن رفعته لتنظر جهة المتصل، حتى تفاجئت برافد يتصل بها. لتلف عينيها، تنظر جهة أميرة، لتجدها تنظر جهة هاتفها، ثم تنظر لها بغموض. لتبتلع ريقها وتمسك الهاتف بيدها، معلنة عن عدم رغبتها في الإجابة. صمتت أميرة، تزم شفتيها بضيق.
وما كادت تفتح فمها، حتى تفاجأت بهاتف الأخرى يرن مرة أخرى. لتنظر له، لتجده مرة أخرى يعلن عن اتصال هاتفي منه. ابتلعت ريقها بتوتر. لتجد أميرة تجيبها بغير رضى، وهي تربع يديها بضيق: "من رأيي تردي، لأنه واضح إنه مصر إنك تردي عليه." أومأت برأسها بتوتر، لتفتح الاتصال، تجيبه ببعض الكلمات مفادها بأنها قد حصلت على العمل وستبدأه في خلال يوم أو اثنين.
ولكن ما أثار انتباهها بالفعل، هو فرحة ذلك الرافد بالخبر، الذي يتضح من خلال صوته الواضح في الهاتف الخاص بصديقتها. في حين يبدو عليها الضيق من أسئلته، ولكنها لا تملك وسيلة للرفض. في حين كانوا يتحدثون معًا، وكأن معرفته بأمورها الخاصة أمر مُسَلّم به. ومتى ستصل؟ وأين هي؟ تلك الأمور لا تخص مجرد شاب من حارتهم الشعبية أوصلها بالسيارة، بل إنها توضح علاقة أكبر من هذا بكثير.
علاقة أو ارتباط ما بين شخصين يحق له معرفة ما يخص بعضهما البعض. ظلت صامتة إلى أنهت الأخرى مكالمتها. لتلف تنظر جهتها قائلة بنبرة ساخرة: "جدع أوي رافد ده، يعني قالق نفسه وبيتصل يتطمن إذا كنتي اتوفقتي ولا لأ." نظرت لها لتجيبها بتوتر: "آه." مطت شفتيها، تجيبها بضيق: "يعني ما اتصلتيش تطمنيه، اتصل هو؟ يعني الراجل مش مجرد موصلاتي، لا وبيتطمن عليكي كمان. فيه الخير والله، ولاد البلد دول." رمقتها بطرف عينها ولم ترد.
لتتوقف هي، ناظرة جهتها، مكملة بضيق: "بس مش غريبة شوية؟ يعني يوصلك بعربيته الغالية ونقول كتر خيره، الراجل منسيش أصله، يمكن قابلها في منطقة وقال يوصلها، يتصل يتطمن على شغلك، ونقول آه، مجرد واجب. لكن يسأل هتروحي إمتى وهتأخري ولا لأ؟ ليه؟ وإيه دخله؟ انتي مع مين ورايحين فين؟ ماله ومال كله ده؟ وبعدين عاوز يجي يجيبك ليه؟ هو عجبته حكاية السواق دي ولا إيه؟ مش غريبة شوية يا شيرين؟ نظرت لها شيرين، لتجيبها بضيق:
"إيه اللي غريب يا أميرة؟ نظرت لها أميرة، لتجيبها بضيق: "إن كان مجرد جار أو واحد من المنطقة، ف رقمه معاكي بيعمل إيه؟ بيتصل بيكي يسأل ليه؟ إذا كنتي انتي معبرتيهوش وما اتصلتيش، طيب عدينا كله ده. إيه دخله في أمورك الخاصة؟ قم هزت كتفيها، تكمل بعدم تصديق: "والغريب إنك موقفتيهوش عند حده. لا، ده انتي بتجاوبيه. وده استحالة يكون إحراج." ثم أكملت بضيق:
"شيرين صالح اللي محدش يقدر يتخطى حدوده معاها، اللي وقفت لـ باسم لأنه زعقلها، بترد على ده بمنتهى الخنوع من غير ما تقوله كتر خيرك خلاص عملت جميلة وخلصت، أو خليك في حالك، إنت مالك بحياتي أو أي حاجة." نظرت لها شيرين، لتسأل بضيق متألم: "إنتي عاوزة توصلي لإيه يا أميرة؟ صرخت أميرة بغضب: "مين رافد ده يا شيرين؟ "قلتلك." أجابتها شيرين، لتصرخ بها أميرة بضيق:
"الرد ده ما أقنعنيش، ف عايزة إجابة مقنعة. من الآخر، مين رافد ده يا شيرين؟ إيه علاقته بيكي؟ إيه سر تدخله في حياتك؟ إيه اللي يخليكي تردي على أسئلته كده؟ فين شيرين اللي أعرفها؟ مش ضعيفة الشخصية؟ وف نفس الوقت متغلطش؟ ف قوليله مين رافد ده؟ صرخت بها شيرين بضيق، في حين سالت دموعها بألم: "خطيبى." تراجعت أميرة للخلف بصدمة، لترفع عينيها ناظرة جهتها بذهول. ما هذا؟ وأي تراهات هذه؟
هي تعرف شيرين منذ خمس سنوات، لم يحدث أن قالت بأنها مخطوبة من أحدهم. لم يحدث أن قالت بأنها تنوي الزواج. لم تأتِ بسيرة ذلك الشاب حتى، وإن جاءوا للتقدم لخطبتها أو أي شيء. متى حدث هذا؟ ولماذا تخبئ هذا الأمر عنهم؟ لتكرر هي الكلمة بذهول: "خطيبك؟ أومأت برأسها. لتقطب أميرة جبينها، قائلة بضيق: "شيرين، ممكن تقوليلي الحقيقة؟ أجابتها شيرين بضيق: "هي دي الحقيقة. رافد الدسوقي خطيبي، سواء صدقتي أو لأ." نظرت جهتها بذهول،
لتسألها بتعجب: "وليه خبّيتي علينا ومقولتيش إنك مخطوبة أو حتى اتقدملك حد؟ حتى إننا لما سألناكي عليه مقولتيش إنه خطيبك." ثم صرخت بها بضيق: "ولما انتي مخطوبة ومربوط اسمك بحد، مصدتيش قرب باسم ليكي ليه؟ هاه؟ نظرت لها شيرين، لتحول عينيها للجهة الأخرى بدموع. لتصرخ بها أميرة بغضب، حينما وجدتها تتقوقع داخل قوقعة الصمت مرة أخرى: "قولي يا شيرين، ليه كله ده؟ متقوليش الكلمة وتسكتي؟
لازم لكل شيء مبرر. إيه مبررك للي بتعمليه في نفسك ده؟ صرخت بها شيرين بغضب: "لأني مبحبهوش." احتدمت عينا أميرة بغضب أكبر، لتصرخ بها باشمئزاز: "ده مش مبرر للي بتعمليه على فكرة. مش مبرر إنك تخبي علاقتك، مش مبرر إنك تخلي واحد يتقرب منك وإنتي مربوطة في علاقة مع حد تاني. وبعدين، مادام مبتحبيهوش،وافقتي تتخطبيله؟ هتشيلي اسمه وهترتبطي بيه حياتك كلها ليه؟ وافقتي ليه عليه يا شيرين؟ هاه؟ وافقتي ليه؟
صرخت بها شيرين بانهيار، وقد سالت دموعها. في تلك اللحظة، وقد بان أنها قد انهارت حصون قوتها في تلك اللحظة، لينفرط عقد احتمالها أرضًا: "وافقت لأن مفيش حل تاني. هو بيتجوزني إجبار، فاهمة؟ إجبار. مخبية علاقتي بيه ليه؟ عليكي وعلى الناس كلها؟ عشان كرامتي، فاهمة يعني إيه؟ ثم أكملت بانهيار ودموعها تسيل بلا هوادة على وجنتيها، في حين ينغرس نصل الألم بصدرها: "تفتكري لما أجي وأقولك مخطوبة، أول سؤال هتسألونيه هو إيه؟
صمتت أميرة، ترمش بعينيها، لتكمل هي بانهيار: "بتحبيه ولا جواز صالونات ولا جواز عن حب؟ عرفتيه منين؟ ثم صرخت بألم: "مقدرش أقول وأجاوب عشان كرامتي هتتهان." ثم هزت رأسها، تئن بألم واشمئزاز ودموعها وبكاؤها يمزق القلب:
"بس مادام الأمر اتحط قدام شرفي، ف أحب أقولك إن رافد الدسوقي بيتجوزني لأني اشتريت بفلوسه. قيدني بموافقته. لف حبل الإجبار حوالين رقبتي عشان أوافق عليه وأنا راضية. بس حقيقة الأمر، أنا مجبرة. رافد الدسوقي خلاني بيعة وشروة، واتخدت بدل. يعني أنا اتخدت بقيمة الفلوس اللي ليه عندنا. أنا بقيت شبه البهيمة، جارية بتتباع في سوق الجواري. يمكن للبهيمة، للجارية قيمة عني؟ ها؟ تحبي أقولك إيه تاني؟ تحبي أعرفك إزاي؟ أنا مليش قيمة."
ثم أكملت بنفور: "عارف كويس أوي إني مش هوافق عليه. عارف إني مش بطيقه. بنفر منه وبخاف وبترعب منه. عشان كده استخدم أكتر أسلوب واطي في الدنيا، وهو إنه يشتريني بفلوسه، يحكم عليا بجوازه غصب عني. الظاهر إنه برضايا، لكن في الحقيقة إجبار." ظلت أميرة ترمش بعينيها، محاولة فهم واستيعاب ما تقول، ولكن استصعب عليها فهمه، لا تستطيع استيعابه بالفعل. لتقول بتيهان: "مش فاهمة حاجة. ممكن تهدّي كده وتفهمني بتقولي إيه؟ ***
كانت تركض بالشارع، تمسك بالهاتف، تنظر جهته بسعادة. تتطلع إلى ما ترسله لها والدتها بفرحة، لتعود وتنتبه للطريق. ولكن ما أن كادت تعبر الطريق، لم تنتبه للسيارة القادمة وهي تعبر. ولكنها تفاجئت بصرخة فزعة من أحدهم: "خلي بالك! في حين توقفت السيارة المارة على آخر لحظة أمامها. لتنظر جهتها بخوف، لتبعد وجهها بعيدًا، تضع يدها على صدرها، تحاول تنظيم ضربات قلبها. في حين هبط قائد السيارة، صارخًا عليها برعب: "إنتي كويسة؟ ...
مش تخلي بالك يا آنسة وإنتي بتعدي؟ كنتي هتموتي. خلي بالك! لفت وجهها، تتطلع إليه بجزع، ليتراجع للخلف بصدمة، هامسًا بذهول: "جنا؟! ابتلعت جنا ريقها، وهي تجد آخر من قد تتوقعه أن تتقابل معه يقف أمامها الآن. ولكنها أومأت برأسها، قائلة: "إزيك يا مستر باسل؟ لم يهتم بالإجابة، إنما هتف بها بفزع: "إنتي كويسة؟ ... حصلك حاجة؟ ... تحبي تروحي للمستشفى ولا أوديكِ للدكتور؟ نفت برأسها، قائلة بهدوء: "لا، أنا تمام، متقلقش." "أكيد؟
أومأت برأسها، قائلة: "أكيد." ظل ينظر جهتها لبرهة من الوقت، وكأنه يتأكد، ليومئ برأسه، قائلاً: "تمام، تعالي أوصلك." نفت برأسها، قائلة: "لا، مش هينفع. أنا هروح لوحدي." ثم جاءت لتتحرك، ليتحرك واقفًا أمامها دون أن يمسها، قائلاً بهدوء: "جنا، لو سمحتي، أنا فعلاً قلقان وخايف لا أكون آذيتك بحاجة. فلو سمحتي تعالي أوصلك، حتى على الأقل أتطمن إنك كويسة وتقدرى تتحركي." زفرت الهواء من أنفها، مجيبة بروية: "أنا كويسة."
"والله كويسة. مفيش حاجة، متقلقش." ولكنها حينما لاحظت نظراته المتشككة، وهو يجيب بهدوء: "كده كده هتركبي تاكسي، ف هتأمني للغريب عني. اتفضلي." لم ترد إحراجه، لذا زفرت الهواء من فمها بضيق، لتومئ برأسها، متحركة صوب السيارة. لتجده تحرك خلفها، يفتح لها الباب بلفتة راقية منه، لتلف وجهها تنظر جهته بتعجب، لتجد عيناه تنظر للبعيد. لتبتسم بهدوء، وتتحرك لتجلس في المقعد، في حين تحرك هو ليجلس في مقعد السائق الخاص به.
لينظر جهتها بطرف عينه، قائلاً بهدوء حازم: "ربطي الحزام." تعجبت من الطلب الذي نادرًا ما تسمعه من أحدهم باهتمامه بتلك الأمور. لتومئ برأسها، وبدأت في ربطه. ليتحرك بسيارته، منتبهًا للطريق. وما هي إلا ثوانٍ، حتى سمعته يسألها بتلقائية: "على فين؟ نظرت أمامها، ثم أملته العنوان، ليومئ برأسه، متحركًا صوب ما قالته. صمت حل على المكان. وما كاد يفتح فمه، حتى تفاجئ برنين الهاتف.
لينظر جهته، ثم ضغط على سماعة البلوتوث الموضوعة بأذنه، مجيبًا بهدوء وهو يقود: "أيوه يا نبيل." "........... لا، مروح." "......... لا، ماما اتصلت قالت إنها عاوزاني في حاجة، ف هروح أشوف فيه إيه. وبعدها عندي اجتماع مع واحد من العملا في المطعم، هروح أقابله. هاه؟ هتيجي ولا كالعادة؟ صمت، يستمع لكلمات صديقه، ليومئ برأسه قائلاً بتوقع: "أنا قولت كده برضه. طيب، خلص الشغل اللي عندك وروح. هتيجي بالليل ولا إيه؟
صمت، يستمع إليه، ليومئ برأسه في حين عيناه على الطريق، ليجيب بهدوء: "تمام. على تليفون." أغلق صديقه الهاتف. ليقول لها مرة واحدة بضيق: "هو إنتي مستعجلة على الموت للدرجادى؟ ... فيه حد يعدي الشارع كده؟ كانت في أثناء مكالمته تنظر بعيدًا، تلتهي بالنظر إلى الطريق. ولكنها تفاجئت بحديثه لها، لتعيد أنظارها له، قائلة بصدمة: "نعم؟ هو الكلام ده ليا أنا؟! أومأ برأسه، قائلاً بضيق: "آه ليكِ. فيه حد يعمل كده؟
ده إنتي لو عاوزة تموتي مش هتعملي كده. مش تخلي بالك من الطريق." احمرت وجنتيها خجلًا. ليكمل هو بضيق: "إيه اللي كان شاغل بالك بالتليفون أوي كده لدرجة إنك تكوني بالإهمال ده؟ معرفتش عنك إنك تكوني من مهووسينه أبدًا." التفت جهته، تقطب جبينها، متسائلة بتعجب: "وإنت عرفت منين إني مش من محبين التليفون؟ هز كتفيه، وهو يقول ببديهية: "من الفترة اللي قضيتها في المزرعة، ملاحظتش إنك حتى مهتمة تمسكيه أبدًا. بس كده." أومأت برأسها بتفهم،
لتجيبه بخجل: "آه، بس أنا مكنتش عاوزة أموت ولا حاجة، ولا مهووسة بالتليفون." "أمال؟ سألها السؤال، وهو مركز على الطريق، ويبدو بأنه يتوقع بأنها لن تجيب. ولكنها فاجأته حينما قالت: "أبدًا، بس ماما كانت بتصور لي حاجات أختار منها هدية لجدّي بمناسبة عيد ميلاده، ف أنا كنت مبسوطة وبختار معاها، بس مش أكتر." ظل صامتًا لبرهة، ليجيبها بهدوء:
"الهدية بغلاوة صاحبها. وإنتي مهما جبتي هتبقى غالية، لأن إنتي غالية جدًا عند جدك. إنتي يعتبر أغلى حفيدة عنده." نظرت جهته بصدمة، لتسأله بتعجب: "إنت عرفت منين؟ هز كتفيه، يجيبها بلا مبالاة: "لاحظت ده وأنا هناك، إنك يعتبر أغلى واحدة عنده، لدرجة إن عينيه متابعاكي على طول، وابتسامته بتظهر تلقائي بمجرد ما بيشوفك." قطبت جبينها بتعجب، لتبتسم بنعومة، قائلة: "واضح إنك قوي الملاحظة." ارتسمت ابتسامة متباهية على وجهه،
ليجيبها بتلقائية: "لازم أكون قوي الملاحظة، لأن في شغلنا الغلطة بتضيع كل اللي عملناه وتعب سنين." ابتسمت، تومئ برأسها. ولكنه صُدِمَت حينما توقف بالسيارة، قائلاً بهدوء: "حمد الله على السلامة." قطبت جبينها، لا تعي ماذا يقصد. لتطالعه بعينيها الجميلة، متسائلة بتعجب: "نعم؟! ضحك بشدة عليها، ليشير إلى شيء ما خلفها، يجيبها بهدوء: "وصلنا المكان اللي عاوزة تروحيه. حمد الله على السلامة."
احمرت وجنتيها بشدة، لتومئ برأسها، ثم تحركت للذهاب. ولكن ما أن أغلقت الباب، حتى سمعته يهتف باسمها. لتعيد أنظارها له بتساؤل، لتجده يميل جهة الباب، قائلاً برقة: "خلي بالك من نفسك ومن الطريق، لأنه محدش مستعد يخسرك. وإن كنتي هتبصي في التليفون أو هتعملي حاجة، اقفي على جنب، خلصي اللي بتعمليه وبعدين امشي، لأن مش كل مرة هتسلم الجرة. وزي ما بقولك." صمت لثانية، ليكمل بعيون لامعة ونبرة عذبة: "محدش في الدنيا مستعد يخسرك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!