وقف من بعيد يتطلع إلى فرحتها، ضحكتها، تلمع عينيها العجيبة، والتي أصبحت في ذلك الوقت تجمع بين زرقة البحر وخضرة الزرع. "يا الله، عيناه جميلة جداً، وقد جمعت الطبيعة كلها بين حدقتيها." ارتسمت ابتسامة ناعمة على شفتيه وهو يتطلع إلى ضحكتها التي ملأت المكان. "يا الله، كم هي جميلة. فليحفظ الله عقله وقلبه. كيف هي جميلة هكذا؟ فهي جميلة وناعمة لدرجة أنها قادرة على اقتحام القلب بدون أدنى دعوة."
أما هي، فقد احتضنها والدها بسعادة، في حين احتضنت هي صديقتيها قائلة بسعادة: "أخيراً.. أخيراً بقيت دكتورة رسمي." ضحكت أميرة قائلة بسعادة: "بصراحة، ممكن أصدق إنكم تنجحوا، لكن أنا ماشاء الله عليا، نجاحي ده كنت حاساه من سابع المستحيلات." ضحك الجميع، في حين أكملت بمرح: "أنا بيتهيألي لو الحاج كان هنا كان زمانه افتخر بيا أوي، أصل بنته بقت دكتورة بهايم قد الدنيا." ضحك الجميع، في حين جاء ذلك الصوت المازح من خلفهم قائلاً بمرح:
"من ناحية هفخر، فأنا هفخر جداً كمان. أنا فدا الساعة اللي بنتي هتبقى فيها دكتورة. ومن ناحية الموضوع ده، متقلقيش، أكتر من البهايم مفيش." التفتت للخلف بسعادة، وقد اتسعت ابتسامتها بشدة، لتركض جهته قائلة بفرحة: "بابا... مقولتش إنك جاى؟ سحبها والدها في أحضانه بحب، ثم مال مقبلاً جبهتها ليقول بسعادة: "مقدرتش أمنع نفسي، قلبي كان هيقف عليكي من القلق، فقلت أجي أشوفك وأطمن عليكي بنفسي. مبروك يا حبيبتي."
ابتسمت في وجهه بسعادة، في حين اتسعت ابتسامته المحبة، مكملاً وهو ينظر داخل عيني صغيرته بحنان: "مقدرتش أقاوم أشوف الضحكة الحلوة دي ولمعة العيون البريئة دي."
ابتسمت بحب. والدها حبيبها، سندها وبطلها، هو كل ما تملكه. هو فارس أحلامها، ولن تقبل أن تتزوج سوى ببطل مثله. هو مثلها الأعلى، قدوتها، فارسها، والدها الحبيب. كل ما تملكه في هذه الحياة. وهي لا تستطيع سوى أن تسير على خطواته، وترغب أن تكون مثله. ترغب أن يشير الجميع إليها قائلاً بفخر: "إنها ابنته". ترغب أن توفيه حقه عليها، ترغب أن يرتفع رأسه بسببها ويفتخر بها كما هي فخورة بكونها ابنته. نظر لها ليكمل بمرح وهو يتصنع الغرور:
"وبعدين مقدرتش أقوم، خوفت لتسقطي ولا حاجة، تقومي تنتحري ولا حاجة، فجيت الحقك." ضحكت بشدة، ليشاركها الجميع الضحك، لتبتسم له بحب، لتجيبه بمرح: "لا متقلقش، بنتك جبلة وباردة، ولا هيأثر عليا سقوطي. أنا كنت خايفة أسقط عشانك أنت، ليجرا لك حاجة أنت والحاجة اللي في البيت دي. لكن بالنسبالي، فمتقلقش، أنا معنديش دم أصلاً."
ضحك بشدة، ليسحبها داخل أحضانه، يقبلها بحب، بينما شددت هي من احتضانه. في حين كانت تراقبهما شيرين وجنا بابتسامة. أكثر ما يحبونه في هذا الرجل حنانه الواضح، حتى إنه لا يخجل من إظهار حبه لابنته وسط الناس ووسط الجميع. بل إنه حنون، مرح، تتمنى أي فتاة والد مثله. وأميرة أكثر من محظوظة لكونه والدها. ليس هناك أب مثله أبداً، فهو وعن جدارة يستحق لقب "الأب المثالي". ليربت على رأسها، ثم لف بوجهه جهة عزيز، يمد يده له قائلاً برزانة:
"مبروك لجنا يا أستاذ عزيز." ابتسم عزيز وهو يصافحه، في حين أومأ برأسه قائلاً برزانة: "الله يبارك فيك، ومبروك لأميرة." ابتسم سعد، ثم نظر للفتيات قائلاً بمرح: "مبروك يا دكاترة المستقبل." ابتسمت الفتيات ليجيبوا بمرح: "الله يبارك فيك يا عمو." أومأ برأسه، ثم نظر لابنته قائلاً بمزاح: "وانتي فكرتي في الخطوة الجاية ولا أخلي الحاجة تجيبلك شوية بط على فراخ وتربيهم إنتي وهي، وأهو يبقى مشروع المستقبل."
لف الفتيات لينظروا جهة بعض، متذكرين كلام أميرة المشابه لذلك الكلام، لينفجروا بالضحك. في حين أكمل هو بمرح: "ولا أخليكي تجيبي علاج بيطري في البيت وتبيعي للستات، كل واحدة تيجي اللي تقولك البط بيعض في بعضه، واللي تقولك الفرخة مش بتبيض، وأهو تنفعينا بحاجة." زمت شفتيها بضيق، لتكزر على أسنانها قائلة بغيظ: "هو ده فكرتك عن البيطري؟ هز كتفيه يجيبها بهدوء: "مش أحسن من اللي بيقولك عندي صداع، شوفيلى دوا."
ضحك الجميع أكثر. لقضم شفتيها بضيق، ولكن مهلاً. وعلى ذكر الفراخ والبط ووالدتها، هذا الحديث ذكرها بأمر ما، لذا وجدت لسانها دون إرادة منها ينطق بسرعة: "لا، ماهو أنا لقيت شغل وهقدم عليه بكرة، بس يا رب أتقبل." لف الجميع أنظارهم جهة بعض بتعجب. عمل؟ أي عمل؟ ومتى ظهر؟ لتتساءل شيرين بتعجب: "شغل؟ شغل إيه ده؟ وفين؟ ولقيته إمتى بالسرعة دي؟
انتبهت إلى ما نطقت به، وبالأخص تحت نظرات والدها المحققة، والتي انمحى من عليها أثر المرح، وقد أصبحت جادة صارمة بين دقيقة وأخرى. لتبتلع ريقها بخوف قائلة بتلعثم: "مش أنا لوحدي، ده كلنا." حولوا أنظارهم جهة بعض بتعجب، لتقول بسرعة قبل أن تفقد شجاعتها: "شغل في شركة الدمنهوري اللي عرضها علينا باسل بيه الدمنهوري في المصنع الجديد." اتسعت أعين الفتيات بصدمة، في حين ضيق سعد عينيه ليقول بنبرة خطيرة مخيفة، وهو
يمط الكلمات بطريقة مخيفة: "باسل بيه الدمنهوري... آآآه... وده عرفتيه منين؟ وقابلتيه فين؟ تراجعت للخلف لتبتلع ريقها بخوف، في حين قالت شيرين بغضب مكبوت: "بتهزري صح؟ انتي عايزة تشتغلي عنده؟ رفعت يديها بخوف، ولكنها أكملت بهدوء: "ممكن أعرف سبب رفضكم إيه؟ هو قال اللي عايز يشتغل يشتغل صح ولا لأ؟ وبعدين إحنا مش هنشتغل في الشركة، لا ده في المصنع. ويا اتقبلنا يا اترفضنا. ممكن أعرف سبب الرفض إيه؟ الراجل كان ذوق والله."
صرخت شيرين بغضب: "السبب إحنا عارفينه، ولا إنتي عامية؟ جابهتها أميرة قائلة بقوة: "الشغل شغل. وبعدين مين قالك إننا ممكن نتقبل؟ وبعدين عندك مكان تاني؟ وقولنا لأ؟ إحنا لسه هندور وهنشوف؟ هنتقبل أكيد هنتقبل." أجابتها شيرين بغضب، لتقول أميرة بضيق: "يا ريت نتقبل." ما أوقف ذلك الجدال هو صوت عزيز القائل بهدوء: "ممكن أعرف إيه سبب الضيق ده؟
إنتوا هتقدموا من وسط آلاف، وأهو تاخدوا خبرة. اتقبلتوا ماشي، وبعدين إنتوا وسط مجموعة مش لوحدكم، وإن حسيتوا إنكم مش مرتاحين، سيبوا المكان فوراً." رفعت جنا أنظارها جهة والدها بصدمة لتقول بصوت مبهوت: "يعني إنت موافق يا بابا؟ ربت والدها على رأسها قائلاً بحنان: "وماله؟ الراجل ماشوفناش منه حاجة وحشة، ومتصرفش بأي طريقة تضايقنا أو حاجة تدل على عدم احترام منه، يبقى ليه الخوف؟
كان إنسان راقي ووقور ومحترم جداً، ومشكلته ممكن أي حد يكون فيها، حتى إنتي."
احمرت وجنتيها بخجل. كيف تخبر والدها بأنها قد زارتها تلك اللعنة، ومنذ لقائهم في المزرعة وهو دوماً ما يزورها بأحلامها بصورة شبه يومية، يتحدث معها، يحاكيها، يخبرها بأمور لا تعرفها. لا تعلم أهو واقع أم كذب، أم هي مجرد تخيلات من عقلها الباطن. لذا دائماً ما كان داخلها شعور بأنها تريد الاقتراب منه أكثر، تريد التعرف عليه. ولكنها لم يكن لديها الجرأة لتقول هذا لوالدها. ولكن الآن، وهي تجده واقفاً أمامها يقول هذا الكلام بكل هذا الهدوء والرزانة، فهي تشعر بأنه قد أزال أثقالاً عن كاهلها. لذا رفعت
عينيها إليه قائلة بتعجب: "يعني حضرتك موافق؟ أومأ برأسه، ولكنه قال: "الأمر في الأول والآخر ليكي، ولِيكي حرية القرار." أومأت برأسها، لتحول شيرين عينيها بينهم بصدمة ممزوجة بتعجب، متسائلة بعدم تصديق: "عمو، هو حضرتك بتتكلم جد؟ أومأ عزيز برأسه قائلاً بهدوء:
"أكيد يا شيرين. إنتوا ليكم حرية الاختيار في قراراتكم، طالما إننا شايفينها ومدركين إنها مش خطر ولا غلط. وأنا من نظرتي شايف إنه إنسان كويس ومحترم، ومن تاريخه اللي عارفه عن شغله وشركته، شايف إنه إنسان محترم، ماشي بما يرضي الله. وإنتوا كمان لازم تخوضوا التجربة وتجربوا ويكون عندكم خبرة، بس تخلونا دايماً على اطلاع، وما تبعدوناش عن مشاكلكم، عشان لو احتاج الأمر لتدخل مننا نتدخل بسرعة، فاهمين؟ هزت رأسها
بعدم تصديق قائلة بصدمة: "مكنتش متوقعة الكلام ده منك." ابتسم في وجهها قائلاً بهدوء: "كل حاجة هتبان مع الوقت، وأنا نظرتي مبتخيبش." ثم حول وجهه جهة سعد قائلاً بهدوء: "ولا إنت إيه رأيك يا عم سعد؟ ظل سعد يحول أنظاره بينهم، إلى أن قال أخيراً بجمود: "كلامك صح، وكده كده هيشتغلوا وهييشوفوا الدنيا. وما هنقدرش نقفل عليهم." لكنه حول أنظاره جهة صغيرته قائلاً بجمود:
"بس، بيتهيألي محتاج أتكلم مع أميرة وأفهم منها الموضوع بالتفصيل أكتر قبل ما أدي رأيي في أي حاجة." صمت لبرهة، ولكنه أكمل بعدها وهو ينظر جهتها نظرة حادة وقال بنبرة ذات مغزى فهمتها جيداً: "وإلا الواد حسين السباك مستني ردي." ابتلعت ريقها وهي تفهم إلى ماذا يرمي والدها بالكلام، لتومئ برأسها بخوف وهي تقول برعب: "بريء يا بيه." أومأ برأسه، ليقول بهدوء وهو يمسك يدها كطفلة صغيرة يسحبها منها: "طيب، بعد إذنكم، إحنا مروحين."
أومأ الجميع له، ليسحب ابنته بيده ويسير معها بهدوء. وما إن ابتعد مسافة كافية، حتى نظر لها بجانب عينه قائلاً بصوت جاد: "محتاجين نتكلم برواقة بعيد عن البيت." ثم أكمل بصوت مرعب رغم انخفاضه، في حين انقلبت سحنته المرحة لأخرى خطيرة: "وعاوز أفهم إيه حكاية باسل ده، وليه رافضين الشغل معاه، وعرفتيه منين؟ وإلا والله هيبقى ليا تصرف تاني مش هيعجبك." أومأت برأسها قائلة: "هتكلم والله، هتكلم." ليومئ برأسه قائلاً بهدوء: "هنشوف."
في حين كان الجميع يتابع ابتعادهم بنظرات تتراوح مابين الابتسامة والتفاهم، وأخرى الحزن والألم. كانت تحسدهم بالمعنى الحرفي، تحسد تقاربهم من بعض. لا يشبهون أب وابنته، إنما كأنهم أصدقاء. من يراهم من بعيد يظنه عجوز واقع في غرام طفلة صغيرة، وفتاة مغرمة برجل يكبرها. اقترابهم لبعض عجيب. حب العم سعد لأميرة يستطيع الأعمى رؤيته ورؤية حنانه تجاهها، حتى إنه لا يخجل من إظهاره أمام العامة، من احتضانها وتقبيل جبهتها في الشارع، مرحه
معها، ركضه دائماً ليكون بجوارها ويسندها ويدعمها. هو أب بمعنى الكلمة. خوفه عليها غير طبيعي، حتى إنه تقريباً يخصص أغلب وقته لها، لا يثنيه شيء عنها ولا يبعده أمر عنها. هي الأهم بحياته دائماً. اهتمامه بها اهتمام أب بطفلته الصغيرة التي لم تكبر بعد.
حولت أنظارها جهة جنا ووالدها، لتجدها أيضاً تتطلع جهتهما بابتسامة. لا تنكر أنها أحياناً تغار من جنا أيضاً. فوالدها يهتم بها، ولكنه يختلف عن اهتمام سعد بأميرة. فسعد يرى أميرة تقريباً لم تخرج من طور الطفولة، يراها دائماً مدللته التي يركض جهتها دائماً، يمسك بيدها خوفاً عليها حتى من مرور الشارع وحدها، وكأنها طفلة. يمازحها دائماً، حتى إنها ورثت خفة ظله. دائماً ما تتحاكي به، أنه بطلها المغوار ومثلها ومن تتمنى زوج مثله.
وأنها تجلس معه أغلب الوقت في محل عمله لتتحدث معه أغلب الوقت، تذاكر بجواره، تهتم به. أما جنا، فاهتمامها بوالدها واهتمامه بها اهتمام عاقل رزين من أب لابنته الوحيدة الرقيقة التي يخاف عليها. ولكنه دائماً ما يدعمها في كل قراراتها ويقف بجوارها، يشعرها بأنها يجب أن تعتمد على ذاتها، ولكنها تثق بأنه دائماً خلفها ويسندها وداعمها الأكبر. ويتدخل فقط حينما يحين الأمر تدخله. غير ذلك، فهي لها حرية الاختيار وحرية التصرف، وهو عليه
الدعم والنصيحة من عيون خبيرة. علاقتهما ناضجة بشدة.
أما علاقتها بوالدها...
مطت شفتيها، في حين لمعت عينيها بالدموع. هي دائماً ما تمزح، تمرح، ولكنها من داخلها حزينة جداً. فعلاقتها بوالدها عجيبة، سطحية بشدة، لا تنتمي لعلاقة الأبوة، وكأنهم كأنهم غرباء يعيشون تحت سقف واحد فقط. واجبه العمل والكد وإحضار المال، أما غير ذلك، فلا. هو غير مهتم بها البتة. حسناً، هو ليس متفرغاً من الأساس لتلك الأمور الطفولية من وجهة نظره. هو فقط يعمل صباحاً موظف، وبعد الظهيرة يعمل بأنه يقف داخل إحدى الصيدليات كبائع
للأدوية. لذا، فهو ليس لديه الوقت ليسمع قراراتها أو يهتم بها. في حين والدتها لا تهتم بمشاعرها. كل ما يهمها أن تكون زوجة صالحة، أن تركض لتصنع طعاماً جيداً في انتظار زوجها الذي يأتي من عمله ظهراً أو مساءً منهك القوى، يأكل وينام. وإن سمع أي صوت يبدأ في الصياح والغضب. والدتها سيدة طيبة نعم، ولكنها غير متعلمة. لا تستطيع أن تأخذ رأيها في أي كلية أفضل، أي قرار عمل أحسن. ومنذ تلك الحادثة، فهي قد انفصلت عن الواقع لتتقوقع داخل
أحزانها. ليصبح المنزل أشبه بمقبرة، صعب الحياة بها، ممنوع به الضحك، وحتى وإن صدر، يكون ليس أكثر من صدى صوت بعيد عن القلب. الألم بمنزلهم ينخر العظام. أما والدها، فهو لا يهتم بكل تلك الأمور، فقط ما يهمه أن تنهي كلياتها وتتزوج. فهذه هي سنة الحياة. فالبنت نهايتها بيت زوجها. والأهم أن تعمل ابنته بمكان جيد ليفتخر بها أمام الجميع، وبالتخص زوجها، بأنها ليست قليلة. تذكر حينما رغبت بالدخول إلى كلية التربية قسم اللغة الإنجليزية،
هاج وماج ورفض. لتكن طبيبة، أهي مجنونة أن ترفض؟
يريد أن يقولوا إن "والد الدكتورة ذهب، والد الدكتورة أتى". أهو دفع كل تلك الأموال فقط لتصبح ابنته مجرد مدرسة مثلها مثل الجميع، والأكثر منهم لا يجدون عمل؟ فالبنات نهايتهن الزواج، وهي زواجها سيكون...
أغمضت عينيها، تمنع عينيها من البكاء. لا ينبغي عليها البكاء، ليس الآن، وليس بهذا الوقت. هذا ليس الوقت المناسب للبكاء ونكب الجراح. فل تتناسى كوارثها وآلامها لبعض الوقت، ول تفرح بلقبها الجديد. ربما تتغير الأمور مع الوقت. فتحت عينيها الملتمعة بالدموع على من تضحك. قدرها معروف ومرسوم. هي فقط تهذي، فل تتقبله، فالهروب منه ليس بحل.
زفرت الهواء من أنفها بضيق. حسناً، فل تنتظر صديقتيها، ول تعلم ماذا سيفعلون لتقرر بعدها. فالعرض كان لثلاثتهم، وإن توجه في الظاهر لأميرة، ولكنه يعلم أنهم لن ينفصلوا أبداً. لذا لن يجازف. وإن كانت تعلم يقيناً بأنه يتقصد ذلك فقط للتقرب من جنا. انتبهت على صوت عزيز قائلاً: "يلا نروح يا جنا." أومأت جنا برأسها لتتحرك مع والدها. ليهتف عزيز قائلاً: "يلا يا شيرين نوصلك في طريقنا."
أومأت برأسها لتتحرك معه. ولكن ما إن تحركت بضعة خطوات، حتى شعرت بأحدهم يراقبها، لتلف وجهها بسرعة، ولكنها لم تجد أحد. ليقول عزيز بتعجب: "فيه حاجة يا شيرين؟ نفت شيرين برأسها قائلة بهدوء: "لا، الظاهر كان بيتهيألي." ليومئ عزيز برأسه، ليصعد الجميع السيارة ويبدأوا في التحرك. ليخرج بعدها باسل من خلف الشجرة، يزفر أنفاسه براحة. كاد يُمسك به الآن، لولا ستر خالقه. لو كانوا رأوه، لكانت أصبحت معضلة.
زفر الهواء من صدره بضيق، ليحك جبهته بإرهاق. في الآونة الأخيرة أصبح يتصرف بطفولية، كطفل مراهق، وهذا ليس بطبيعته الرصينة العاقلة. إن لاحظوا لكانت أصبحت مشكلة كبيرة. يجب عليه التوقف، ولكنه لم يستطع منع نفسه من المجيء ورؤيتها. كان عليه أن يراها، يريد أن يرى فرحتها، يريد أن يشاركها إياها، حتى وإن كان من على بعد.
مسح وجهه بضيق. الإرهاق أصبح سيد موقفه، ولا يستطيع اتخاذ قرار. كلما اقترب منها شعر بأنها تجذبه أكثر. نعومتها ورقتها وجمالها. أصبح موقناً الآن، هو ليس بحلم. ولكن في وجود تلك الفتاة، فإن دقات قلبه تتمرد عليه، ليصبح قلبه أشبه بمضخة قوية تدفع الدم لكل أنحاء جسده، ويسيطر عليه فرحة كبيرة لمجرد رؤية ضحكتها وسعادتها. لذا يريد أن يقترب ليحظى بالكثير من السعادة. ولكن ما باليد حيلة. عليه أن يعترف بأن القرب منها متعب له وبشدة، فهو لن يستطيع فعل شيء. لذا، فل يترك الأمر، ول يرى أين ستتجه به المركب.
*** كانت تجلس بصحبته في إحدى الحدائق العامة، تبتلع ريقها بخوف. لينظر جهتها نظرة مخيفة قائلاً بصوت قاطع: "عاوز أفهم كل حاجة من الأول للآخر، ماشي؟ ومن غير كذب." أومأت برأسها، ليكمل بجدية صارمة: "ومهما حصل، متخبيش عني حاجة. أنا أبوكي، مش غريب، ومحدش هيخاف عليكي قدى، ولا هيهمه مصلحتك غيري. مين ما كان، ولا حتى باسل ده." ارتفع حاجباها بصدمة، لترتسم الابتسامة على وجهها لتقول بمرح:
"لا يا عمو سعد، ده أنت شطحت مني أوي، هي مش كده خالص." "أميرة! صرخته الصارمة تزامناً مع ضرب يده بقوة على المقعد الجالسين عليها، ليدوي صوته المرعب. أثار رجفتها ورعبها، لتبتلع ريقها بحلقها الذي جف من الخوف، متراجعة على المقعد للخلف برعب. ليقترب هو بوجهه قائلاً بحدة: "مش وقت هزار، عاوز أفهم كل حاجة ودلوقتي." أومأت برأسها لتجيبه برعب:
"طيب، بالراحة الله يخليك، هحكيلك كل حاجة بس بالراحة، لاحسن قلبي هيوقف من الخوف، ووالله مفيش حاجة للرعب اللي عاملهولي ده."
حول عينيه يتطلع بوجهها، ليجد ملامح الرعب مرتسمة بوضوح على وجهها، ليهدأ من حدته بعض الشيء. فهو لم يكن يوماً حاداً وجاداً بهذا الشكل مع صغيرته، فهي أميرته، مدللته، هبة الله له بعد سبع سنوات من الركض خلف الأطباء، لتأتي هي بطلتها الملائكية وخفة ظلها المرحة لتنير حياته. ولكن شاء الله أن تكون هي وحيدته وكفى. ليضعها داخل عينيه ويحملها داخل قلبه، حتى إنه لا يطيق ابتعادها عنه أبداً. لطالما كانت هي سبب غيرة والدتها، ولكنها بالنسبة له حياته. لذا، خوفه عليها أكبر من أي شيء. ليتراجع في المقعد وقد هدأ بعض الشيء، ولكنه ما زال محتفظاً بحدته الخفيفة وضيقته، قائلاً:
"متعودتش منك تخبي عليا حاجة، حتى أبسط الأمور. إنتي حتى لما كنتي بتعكي الدنيا في الامتحانات كنتي بتيجي تقوليلى وخايفة أمك تعملك حاجة، فبتفضلي مستخبية جنبي اليوم كله. لما حد يضايقك كنتي بتقوليلى." ثم أكمل بخيبة أمل: "لأول مرة أحس إني شبه الطرطور، كله واقف يتكلم وفاهم الموضوع وأنا اللي مش فاهم أي حاجة ومش عارف أدي رأيي، لأن بنتي حبيبتي خبت عني حاجة، رغم إني دايماً جنبه ومديها الأمان. تفتكري دي حاجة تضايق ولا لأ؟
ابتسمت بحب على حنان أبيها الحبيب، لتقول برقة ونعومة: "لا، مش كده خالص، ومانيش حاجة. وأنا مخبتش، بس مجتش فرصة، خصوصاً إن الأمر في البداية مكانش يخصني، عشان كده محكيتهوش. ومع ذلك، هحكيلك كل حاجة." ثم بدأت تقص عليه الأمر من البداية، من حيث أول لقاء لهم به، إلى التقائهم له في المزرعة وحديثه، ثم عرضه عليهم للعمل، لتنهي الأمر هازة كتفيها قائلة بهدوء وبساطة:
"بس، أدي الموضوع من البداية، وزي ما شفت، ده رأي عمو عزيز فيه بعد ما اتكلم معاه، وكذلك كان رأي الحاج عبد الحميد، إنه شاب كويس ومحترم." أومأ برأسه بتفهم، لينظر داخل عينيها متسائلاً: "وإنتي رأيك إيه في الموضوع ده؟ هزت كتفيها تقول بهدوء:
"من وجهة نظري، إنه بيحب جنا بجد. مش عارفة موضوع الأحلام دي حقيقة ولا لأ، أو وجوده في المزرعة صدفة ولا لأ، بس الواضح إنه بيحبها بجد. نظرة عينه اللي بتلمع واللي بتبان للأعمى، عينه اللي بتدور عليه، وشه اللي بيضحك بمجرد ما بيشوفها. لغبطته في الكلام قدامها ومبيعرفش يجمع الكلام غير لما يودي وشه بعيد. بيبان إنه بيحبها. مش عارفة هو واخد موضوع الشغل عنده ده كُبرى عشان يتقرب منها ولا لأ، بس هو في العموم باين عليه كويس، عاقل ورزين، ومليش عليه غبار."
أومأ برأسه ليقول بجدية: "مفيش شغل عنده لحد ما أفكر وأقرر، فهماني." اتسعت عينيها بصدمة لتقول باستنكار: "بس يا بابا." هنا صدح صوته عالياً بغضب وهو يقف على قدميه، ضارباً بيده على المقعد بقوة: "مفيش بس." "إلى هنا وكفى." وقفت وقد صدح صوتها رافضة ومستنكرة رفضه: "ليه بس يا بابا؟ كل حاجة وليها سبب." لم يستطع احتمال عنادها ورفضها. ألا تفهم تلك المعتوهة أنها حياته وقلبه متعلق بها؟
هي ابنته وصغيرته ونبض قلبه، هي وحيدته. إن حدث لها شيء، سيموت. ولما كل هذا؟ فقط لأجل العمل؟ هل سيلقي بها في أحضان نيران مجهولة، بين يدي شخص ربما يكون معتوهاً مجنوناً، فقط لأجل أمور تافهة؟
إن كان على إثبات نفسها وكيانها، فلتثبتها في مكان آخر. وإن كان على المال، فهم لا يحتاجونه. ربما حالتهم المادية ضعيفة، ولكنهم مهما كان، لن يلقوا بأنفسهم في التهلكة، فقط لأجل المال. وخاصة هي، ابنته وحيدته وحياته ونبض قلبه، هي من يحيا فقط لأجلها ولأجل حياتها. هي فقط من يركض لأجل سعادتها. هي ضحكتها من تعطيه الأمان. لن يلقي بها أبداً مهما حدث. فليكُسر رأسها العنيد ذاك، ولا يطاوعها. فهم لا ينامون من الجوع. لتصرخ أيضاً
ببكاء: "ليه يا بابا؟ أنت مش واثق فيا؟ مش واثق في بنتك أنت؟ وقبل أن تكمل كلامها، كان قد فقد آخر ذرات تحكمه بغضبه وخوفه، لتجده يضرب المقعد بساقه بغضب، ليسقط أرضاً محدثاً صوتاً مزعجاً. في حين أمسكها من ذراعها صارخاً بغضب: "إيه هو كلامي مش عاجبك؟ عاوزة تكسري كلمتي؟ أنا قولت لأ يعني لأ. إيه ماليش حكم عليكي؟ أنا لو كده أكسر راسك وضلوعك وما أطلعكيش من باب البيت لو هتكسري كلمتي، فاهمة؟
إن كنت بضحك وبـهزر معاكي مش معناها إني مقدرش أشد. أنا كلمتي متتعادش. أنا مش براهن بيكي، إنتي وحيدتي ومليش غيرك ومش هرميكِ. واقف أتفرج هيحصل حاجة ولا لأ؟ ثم نفضها بعيداً صارخاً بغضب: "تفتكري لو فكر يعملك حاجة هنقدر نقف قدامه أبداً؟ والله إحنا في الأول والآخر ناس على قدنا، ودول إيديهم طايلة. وأنا مش هرميكِ حتى لو حكمت متطلعيش من باب البيت لحد ما تتجوزي."
بكت بشدة وهي تجد والدها الحبيب يقسو عليها هكذا، لتقول ببكاء وهي تجلس أرضاً تضم جسدها بذراعيها تحتضنه بألم: "ماشي، مش هشتغل عنده. بس البنات لو فكروا يشتغلوا عنده، أنا هعمل إيه؟ اقترب منها بخوف ليهدر بها برعب: "اللي يغور يغور. أنا مش هراهن عليكي، فاهمة؟ إنتي اللي ليا في الدنيا. إن روحتي راحت معاكي كل سنين عمري."
أرفق كلماته بمد يده، وهو يرغب في تلك اللحظة باحتوائها وطمأنتها وطمأنة قلبه. فهي بالنهاية وحيدته، ولا يستطيع تحمل بكاءها. ولكن في تلك اللحظة، وجد يد تمتد لتلكمه بقوة، ليتراجع للخلف بصدمة، في حين صدح صوت مرتعد في الأجواء صارخاً بخوف وهو يقترب منها ممسكاً بها من كتفيها، يوقفها من على الأرض، يتطلع إليها بلهفة، يتفحص ملامحها بخوف، ثم صدح صوته مرتعباً بشدة: "أميرة، إنتي كويسة؟
رفعت أميرة أنظارها له بصدمة، وقد أفقدتها الصدمة القدرة على التفكير، وهي تجد آخر شخص تتوقعه على وجه الأرض يقف أمامها. في حين سحبها خلف ظهره ناظراً جهة سعد بغضب: "عملك حاجة المجنون ده؟ اتعرضلك بأي شكل من الأشكال؟ وقفت أميرة مكانها بصدمة، وقد أفقدتها الصدمة القدرة على النطق، وهي تجد ما يحدث أمامها أشبه بفيلم سينمائي. في حين وقف سعد بغضب وهو يجد شخصاً آخر يحمي ابنته منه. ما هذا الغباء! بل والأدهى، من أين له أن يعرفها؟
وكيف تقف تلك المجنونة مكانها هكذا مثل التمثال الحجري؟ كيف تقف مكانها هكذا وقد صفع أحدهم والدها أمامها؟ ليخرج صوته جاهراً بغضب: "مين ده يا أميرة؟ يقسم أن كان ما بباله، ليقتلها اليوم ويسوي جثتها بالأرض، إن كان ما بباله. وحينما لم تجب، صدح صوت الشاب ناظراً جهتها بخوف متسائلاً برعب: "مين ده يا أميرة وعاوز منك إيه؟ تطلعت أميرة في وجهه ثم... بسسس... ياترى أميرة هتعمل إيه؟ مين الشاب ده؟ سعد هيعملها إيه؟
سعد بينه وبين نفسه هنفخك😂😂 قرار جنا وشيرين إيه؟ إيه حكاية شيرين؟ البت شيرين عينها قرّت، حسدت البت خلتها عملت خناقة مع أبوها😂😂
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!