ركضت من أمامه ودموعها تتساقط على وجنتيها.يالها من غبية سخيفة، صدقت حلم وردي رسمته بيدها. كيف اتبعت أحاسيس غبية وكانت كالبلهاء، ظناً منها بأنه ربما ينظر إليها. ولكن هاهي النهاية، هاهي طريقة نظره إليها: مجرد غبية وقحة تركت بيت والدها لتأتي إليهم بثقل ظلها. تتحرك هنا وهناك دون إذن أو احترام لمكانهم. وهي التي كانت قد بدأت ترسم أحلاماً وردية سخيفة، هو بطلها. يالها من سخيفة!! ياللحسرة عليها وعلى أحلامها.
مسحت دموعها وهي تمشي من جانب صديقتيها لتنتبه إليها الفتيات. "هي شيرين بتعيط ولا أنا بيتهيألي؟ " تساءلت نهلة بتعجب وهي تقطب حاجبيها. رمشت جنا بعينيها متسائلة بخوف: "لا دي كانت بتعيط فعلاً. يا ترى إيه اللي حصل؟ لفت أميرة وجهها للبعيد لترى باسم يقف كمن يقف داخل بركان مغلي، يلتف حول نفسه وهو يشد خصلات شعره بغضب. ثم التفت بعينيه ينظر بأثرها بألم. "الظاهر إنها اتخانقت مع باسم،" قالت بهدوء. لفت البنات أنظارهم جهته بتعجب.
"ده الواضح، بس ليه؟ دول كان واضح إنهم كانوا منسجمين مع بعض أوي،" تساءلت جنا بحزن.
"الأعمى هو من لا يرى ذلك الانسجام بينهم. الأعمى هو من لا يرى اهتمام باسم بها لدرجة الجنون. الأعمى هو من لا يرى عيناه التي تنظر إليها دائماً، التي تبحث عنها أينما ذهبت، تتابعها وتتابع حركاتها. الأعمى من لا يلاحظ اهتمامه الغريب بها وتجاهله لأخطائها على الرغم من طبعه العصبي. وعلى الرغم من رفضه أن تلمسه أية فتاة أو أن تقترب منه، إلا أنه يحمر خجلاً من لمساتها. يتحين الفرص للأكل معها ولمساعدتها له. أي أحد يستطيع رؤية ذلك الاهتمام. أما هي، فتستطيع ملاحظة اهتمامها الواضح به، حتى أنها جلبت الطعام له لئلا يجوع. إذاً، ماذا حدث بينهم لتتركه وتخرج باكية هكذا؟
هزت أميرة رأسها قائلة بسرعة: "أنا هروح أشوف إيه اللي حصل وإيه اللي زعلها كده. مش هسيبها لوحدها." أومأت جنا مؤكدة وهي تقول برقة: "أنا جاية معاكي، يلا." ركضت الفتيات. وقفت نهلة تتطلع لأخيها الغبي.
"حسناً، هو طبع في عائلتهم. لديهم ذلك الطبع العصبي والعنيف، وذلك اللسان الذي يقول الكلام دون أن يحسب حسابه، وبعدها يندم على ما قاله. هو طبع بهم، هما الاثنان، أن يفعلا الفعلة ويعودا يندمان عليها. وهذا الواضح الآن أن أخيها واقع في حبها. ولكن من الواضح بأنه قال شيئاً ما جعلها تغضب منه وتتركه وتذهب. ومن الواضح بأن تلك الرعونة والطبع العصبي، فإنه لن يجعل نفسه مخطئاً ويعود معتذراً أبداً، وأنه سيجعلها تتسرب من بين يديه كالماء."
مطت شفتيها ضيقاً لتسحب أنفاسها داخل صدرها، ثم تحركت لتقف بجوارها. نظر لها باسم بطرف عينه ليعود ينظر أمامه مرة أخرى. لتمط شفتيها بلا مبالاة، متشدقة بتقرير: "البنت مشيت من جنبك معيطة ومش شايفة في وشها. متر، حتى إنها مشافتناش ولا جالت لنا كلمة واحنا واقفين. من الواضح إنك جولتلها حاجة ضايقتها."
رمقها بطرف عينه. نعم، هذه طباعهم. حينما يكونون معاً يتحدثون بلكنتهم الصعيدية، أو حينما يغضبون. ولكن إن كانوا هادئين أو بصحبة أحد، فإنهم يتحدثون باللهجة القاهرية. ولكنه على الرغم من ذلك لم يرد عليها. لتكمل هي بتقرير: "من الواضح إنك حدفتها بكلمتين كيف الدبش والبنية ما اتحملتهمش، ولا اتحملت طبعك العصبي." ثم مطت شفتيها لتكمل بلا مبالاة: "مظنش إن فيه واحدة تقدر تتحملك عاد، وإن اتحملتك يوم مش هتتحملك التاني."
لف وجهه تجاهها وقد أغضبته برودها ولا مبالاتها. ليصرخ بها بضيق: "إنتي جاية تضايقيني عاد ولا جاية تسممي بدني بكلمتين؟ لفت هي وجهها له لتقف بمقابله. ثم صرخت به بضيق: "لأ مش أكيدة خالص، لكن كل اللي جاية أقولهالك إن طبعك ده ماهيخليش بنت تفضل جنبك ومعاك. عصبيتك على الفاضي والمليان، وإنك متقدرش تتحكم في غضبك وتهيج. ومتوجع إنها هتستنى لما تهدى وتراضيها، بس الله أعلم هتتحمل إيه في غضبك. هتجولها كلمة تزعلها؟
ولا هتمد إيدك عليها؟ أرفقت جملتها الأخيرة بوضع يدها على وجنتها لتذكره بفعله الحمقاء. لينظر أرضاً بخجل. لتكمل هي بهدوء وهي تتطلع داخل عينيه بحنان: "باسم يا حبيبي، عصبيتك دي ماهتجدمش حاجة. آه إحنا بنحبك في كل حالاتك، بس إنت لو بتحبنا امسك نفسك شوية. فكر في الكلام اللي بتجوله، متخليش غضبك يتحكم فيك فتهد المعبد على أصحابه." ثم رفعت يديها تمسكه من مرفقيه قائلة بحنان وحب: "أنا عارفة إنك بتحبها، وعارفة إنك بتغير عليها."
رفع أنظاره مصدوماً تجاهها.
لتومئ برأسها مكملة بهدوء: "أنا متأكدة من كده، حتى لو إنت مكنتش واعي لمشاعرك أو ما اكتشفتهاش. بس اللي يبص من بعيد بيقدر يشوفها كويس جوي. نظرتك اللي بتتغير كل أما بتشوفها، عينيك اللي بتلمع كل أما تيجي في عينها، ابتسامتك اللي بتترسم لوحدها عشان حركة بسيطة بتعملها، سعادتك اللي باينة كل أما بتكون جنبها، وإنك بتدور على فرصة تكون معاها. كل ده باين يا أخوي، باين جوي. بس اللي مش فاهماه، إزاي إنت مش عارف مشاعرك دي؟ وليه؟
ليه بتأذيها إذا كنت بتحبها، ليه؟ ظل ينظر إليها بحزن إلى أن طأطأ برأسه أرضاً ليجيبها بألم: "مفتكرش إني معرفش إني بحبها. مش عارف فعلاً إذا كان حب ولا إعجاب، مش قادر أحدد. ومش عاوز أمشي وراها وتطلع في الآخر مشاعر وهمية." ظلت تنظر إليه لبرهة لتهز كتفيها قائلة ببساطة: "بس شيرين جدعة وبنت حلال وعاقلة ورزينة، وألف مين يتمناها." أومأ
برأسه بتأكيد ليكمل بهدوء: "بس من القاهرة، إيه اللي هيخليها تسيب مكانها وعيشتها وتعيش في الأرياف وسط الفلاحين؟ اتسعت عيناها الرمادية لتطلق حمماً مميتة. ليومئ برأسه مكملاً بهدوء: "حتى وإن كنا أغنياء ومستوانا المادي عالي، بس برضه قاعدين في الأرياف وفلاحين. إيه اللي يجبرها تعيش وسط البهايم والتراب والفلاحين؟ مع إنها لو صبرت ممكن تتجوز جوازة أحسن ومن واحد مش عصبي وتفكيره رجعي زيي."
ظلت تنظر إليه لبرهة من الوقت. هذا ليس أخيها. فلأول مرة تجد أخيها هكذا، لأول مرة تراه فاقداً للثقة بنفسه ومكانته، مع إنه دائماً كان شامخاً، مغروراً، معتزاً بمكانته وعمله وعائلته، واثقاً من كل شيء به. وسيم بشدة، وكانت وسامته سبب ثقته. إن لم يكن غروره، فجسده الرياضي وعيناه الخضراء كفيلان بإيقاع أجمل الفتيات وأكثرهن إغراء. ومع ذلك لم يكن يهتم بذلك. ومع كليته ومستواه المادي، فهو يعتبر كنزاً لأي فتاة وحلم لها. ولكن مع أن شيرين أقل منه بكثير، فلأول مرة تراه مهتزاً هكذا، غير واثق بنفسه وقدراته. تُرى، هل الحب يجعل الإنسان خائفاً؟
يجعله يشعر بأنه دون المستوى؟ لا تعرف. ولكنها ربتت على كتفه قائلة بهدوء: "لازم تعرف إنت عايز إيه الأول وتتأكد من مشاعرك، وبعدها كلمها. ما هتعرفش إجابتها إن مسألتهاش." ثم هزت كتفيها. "في حين قست عينيها حتى أصبحت تشبه ماستين براقتين، وتحدثت بشراسة وقوة: 'ومع إني لو مكانك وبحب حد ورفض، هعمل المستحيل عشان أخليه يحبني، خصوصاً إنه يستاهل. فليه أضيعه من إيدي عشان الغرور ده؟
حول عينيه تجاهها بصدمة ليجد نظرتها القوية التي تجابهه. لتومئ برأسها له بهدوء ثم ربتت على كتفه قائلة بمؤازرة: "الإيد اللي تمسك إيدك متسبهاش. الوش اللي يرسم الضحكة على وشك ويخلي عينك تلمع، والصوت لما تسمعه يخلي قلبك يدق. متسبهوش. لازم تمسك صاحب الإيد بكل قوتك، لأنك مش ضامن إنك تلاقيها تاني." قالت كلماتها ثم تركته وذهبت. ولكنها ما إن سارت عدة خطوات حتى
التفتت إليه قائلة بهدوء: "من رأيي تصالحها، لأنها كانت عمالة تعيط. فمتجرحهاش بدل ما ترجع تندم." ثم تركته بعدها وذهبت، تاركة إياه يفكر بكلماتها ويعيدها برأسه مئات المرات، ويفكر: ترى، هل سيكون لقصة حبهما بقية أم هي منتهية؟ "والله ما أنا قاعدة فيها، وقولت ماشية يعني ماشية." صرخت شيرين بتلك الكلمات ببكاء، تتبعها بوضع ملابسها داخل حقيبتها. لتتنهد جنا بضيق وهي تمد يدها لتزيل الملابس
من الحقيبة قائلة بضيق: "طيب، ممكن تهدّي وتفهمني إيه اللي حصل للعياط والعصبية بتاعتك دي؟ ماهو مش معقول الصبح تكوني كويسة ودلوقتي تبقي حالفة مية يمين." "فيه إيه؟ " صرخت ببكاء وانهيار. "محصلش حاجة. احنا زرنا وقعدنا، ويابخت من زار وغار. وأنا هغور يا ستي، بلاش أبقى ضيفة تقيلة عليكم." اتسعت عينا جنا من أسلوبها ذلك لتقول بصدمة وقوة نادراً ما تتحدث بها: "ضيفة إيه وتقيلة إيه؟ إنتي يابنتي اتجننتي؟
مين حط الكلام الفاضي ده في دماغك؟ هو حد كلمك؟ وبعدين إنتي جاية معايا، إنتي وأميرة، يبقى هتمشي معايا. انتهت." أعقبت كلامها بإزالة الملابس من الحقيبة. لتصرخ شيرين بضيق وبكاء: "آه يا جنا، سيبيني بقى براحتي." "مش سيباكي، وخلص الكلام." نفخت بفمها بضيق لتسحب الملابس مرة أخرى وتكومهم داخل الحقيبة بدون ترتيب، وهي تصرخ بأميرة: "أنا غايرة من هنا. هتغيري معايا ولا أتهبب براحتي؟
اتسعت عينا أميرة في حين ارتفع حاجباها بصدمة من طريقة صديقتها وانهيارها غير المفهوم ودخولها في تلك الوصلة المنهارة من البكاء. لتجيبها بهدوء: "تمام، همشي معاكي ونغور زي ما بتقولي. وعلى رأيك، يا بخت من زار وخف." اتسعت عينا جنا لتلف وجهها بصدمة جهة أميرة. وما كادت تفتح فمها حتى وجدتها تتساءل بجدية: "بس مش هنمشي من هنا غير لما أعرف إيه اللي حصل مرة واحدة وخلاكي بالمنظر ده؟
حولت شيرين رأسها الجهة الأخرى وعادت لتكمل وضع الأشياء بالحقيبة. لتلف أميرة تقف أمامها تنظر في عمق عينيها. ثم سألت بقوة ودون مواربة: "باسم قالك إيه؟ دخلك في الانهيار ده وخلاكي تبقي بالحالة دي؟ قالك إيه وضايقك؟ اتسعت عينا شيرين لترفع أميرة إصبعها قائلة بتحذير: "وبدون كدب." تساقطت الدموع من عينيها لتلقي بجسدها على الفراش خلفها، تجلس بانهزام. لتقطب كلتا الفتاتين جبينهما بتعجب. لتتساءل جنا بخوف: "شيرين؟
بكت شيرين قائلة بألم: "بنت غبية ومغرورة وبتتحرك في المكان بدون تقدير. ولما حطيت إيدي في جيوبي من ورا، زعقلي جامد وصرخ فيا إني بلفت انتباه الناس ل جسمي بطريقة مش كويسة. وكفاية إني رايحة جاية قدامهم بالبنطلون ده، وكفاية غرور وكبرياء وغباء." اتسعت عينا جنا بصدمة. هل ابن عمها قال هذا؟ هل باسم من قال هذا؟ لم تره يوماً يقول تلك الكلمات من قبل. أيكون غيرته هي سبب كل ذلك الكلام، وهي دافعه؟ ولكن ممن غار؟
أم هم قد فهموا مشاعره خطأ؟ ولكن ما سبب غضبه الأساسي؟ هو لم يضايق ضيفاً من قبل، دائماً ما كان للزوار والضيوف مكانة كبيرة في قلبه. إذاً، لماذا؟ لفت وجهها جهة شيرين حينما وجدتها تقول ببكاء: "اللي قاهرني إني معملتش حاجة لوصلة التهزيء دي كلها. ده كان واقف مع واحد، ولما خلص، لقيته جاي يتخانق معايا من غير سبب." لفت وجهها جهة أميرة بإدراك لتبتسم أميرة بخبث وهي تقول بمكر: "وده مالتفتش نظرك لحاجة يا أذكى أخواتك؟
نظرت لها شيرين بجهل. لتنفخ أميرة فمها بضيق وهي تجيبها بهدوء: "إنه يكون غيران مثلاً." قطبت شيرين حاجبيها. في حين قالت جنا بهدوء: "أميرة معاها حق يا شيرين. باسم ما يعملش كده إلا لو غيران. أنا أعرفه من سنين، عمره ما اتضايق على بنت. لكن هو لما لقاكي واقفة، وأكيد الراجل بيبص عليكِ، فاتضايق من غيرته." نفت شيرين برأسها تقول بثقة: "أبداً. دي طريقة واحد متعصب مش غيران. وبعدين هيغير ليه؟ اللي بيغير بيغير من الحب."
ابتسمت أميرة مجيبة بسخرية: "أديكِ جاوبتي على نفسك." ظلت شيرين واقفة أمامها ببلاهة تستوعب ما يقال وما يلقونه من كلمات جزافاً. باسم يحبها؟ لا، بالطبع لا. لم يظهر عليه أي من تلك العلامات. وإن كان يحبها، ماذا فعلت هي لتجعله يقع بغرامها؟ إضافة إلى كونها عادية بالنسبة له، فهم يمتلكون ملايين، أما هي فمن أسرة متوسطة الحال. لا، بالطبع لا. هذا كلام لا يدخل إلى عقل عاقل. لتجيب هي بالنفي: "لأ طبعاً. هو إنتِ بتجيبي كلام من جيبك؟
حب إيه وغيرة إيه اللي في دماغك دي؟ بلاش كلام فاضي. هو متعصب لأنه مش طايقني زي ما قال، وشايفني غبية لأن فعلاً تصرفاتي معاه بتدل على الغباء. وأنا كمان اللي كملتها لما عريت ذكرياتي وحكيتله عليها عشان أقلل من قيمتي أكتر قدامه. بلاش كلام فاضي." زفرت جنا أنفاسها بضيق لتقول بمهادنة: "شيرين، ممكن تدي لنفسك فرصة. باسم بيحبك، والله بيحبك. بس ممكن هو مستوعبش مشاعره لسه، ف عمال يخبط يمين وشمال لأنه مش عارف إيه اللي بيجراله."
ابتسمت ساخرة لتصرخ بضيق: "جنا، إنتي مستوعبة بتقولي إيه؟ كلامه كان واضح فعلاً، وهو ما اتواناش عن إنه يوضح كلامه كويس، سواء بالكلام أو بالنبرة." ثم ابتسمت ساخرة وهى تقول بنبرة هازئة: "وبعدين اعقلي الكلام اللي بتقوليه. يعني هو معرفش مشاعره ولا فاهم إنه بيحبني، وإنتوا اللي دخلتوا قلبه وعرفتو اللي جواه واللي بيحس بيه؟ ثم أشاحت بيدها قائلة بضيق: "بلاش كلام فاضي."
نظرت لها جنا تجيبها برقة: "لأن فيه حاجات بتبقى باينة أوي يا شيرين. إنتي تقدري تلاحظيها أكتر من صاحبها. باسم عمره ما اهتم بكلام بنت إلا إنتي. عمره ما فكر يقعد وياكل ويتكلم مع حد غيرك. عمره ما كان متابع حركات بنت وعمره ما عينه تنزل من عليها غيرك. بيضحك تلقائي لما بيلاقيكي بتضحكي. فيه حاجات واضحة أوي بالنسبالنا. إنتي مش ملاحظاها، لكن إحنا ملاحظينها كويس أوي ومحدش يقدر يفهمها غير القريبين منه."
ثم أكملت أميرة: "خديها مني كلمة ثقة. الواد ده معجب بجد، بس صعيدي وعصبي، مش عارف لسه يعبر عن مشاعره. بس أدّي دقني إن مجاش كمان شوية وصالحك، وإنتي زي الهبلة قبلتي اعتذاره كمان." ربعت يديها ووقفت متمتمة بشموخ مجيبة بثقة وهي تهز رأسها نفياً: "أبداً. ولو جالي زاحف مش هقبله." "هنشوف،" قالها كلتاهما في فم واحد. لتومئ هي برأسها قائلة بثقة: "هتشوفوا." كان يجلس بمكتبه إلى أن جاءه ذلك الاتصال الهاتفي. لينظر
جهة الرقم ثم أجاب بلهفة: "أيوه يا دكتور، إيه الأخبار؟ رد عليه الطرف الآخر ليومي برأسه مجيباً بجدية ولهفة: "آه، جنا عزيز عبد الحميد العربي." صمت للحظة يستمع للطرف الآخر لترتسم الابتسامة على وجهه وهو يجيب بسعادة: "بجد يا دكتور؟ شكراً، شكراً جداً."
ليغلق الهاتف ناظراً أمامه بفرحة. إذاً، فقد نجت تلك الصغيرة صاحبة العيون الساحرة. إذاً، فقد أصبحت دكتورة رسمياً. وها هو الآن يقف بسعادة لسعادتها، يتخيل فرحتها ويتمنى أن يشاركها لها. ولكن هذا مستحيل.
لم يستطع منع نفسه من الاستطلاع على أخبارها ومعرفة أهم خطوة بحياتها. وهي دائماً ما شاركته حياته وأسراره، فرحه وضيقته. دائماً ما زارته بأحلامه وهونت عليه مآسيه. حتى وإن كان حلماً، فهو رآها على أرض الواقع، ناعمة، جميلة، رقيقة كأوراق الورد. عطره كرائحة الأزهار. لا يستطيع أحدهم استنشاق عبيرها والاقتراب منها ورؤية رقتها وحنانها وهشاشتها وضعفها، وحتى قوتها. وأن يبقى على حاله. ربما عاهد نفسه بالابتعاد وألا يظهر بطريقها،
ولكنه لم يستطع إلا يستقصي أخبارها ويفرح لفرحها. هي كانت بالنسبة له حلم، وقد عاهد نفسه قبل لقائها ورؤيتها في الواقع بأن يبتعد. لن يحنث بقسمه. هذا هو. لن يتدخل بحياتها. سيتركها كالطير الحر ويتابعها من بعيد. ولكن يقسم أن سقطت أمامه مرة أخرى ووقفت في دائرته، فلن يتركها إلا وقد أصبحت ملكه، فهي كنز ثمين. وهو أدرى الناس جيداً بالكنوز. فهو ليس بساذج لكي لا يلاحظ تلك النعومة المنبعثة منها وهالة الرقة والبراءة المحيطة بها،
بجانب عيون بريئة وجميلة وجمال ليس له مثيل، أشبه بحورية قادمة من عالم الأساطير، ليس لها مثيل بين البشر. كل ما بها جميل، قلباً وقالباً. لذا يقسم أن سقطت أمامه وفي طريقه، لن يتركها إلا وقد أصبحت له هو فقط، تشاركه حياته وأسراره، ليس بالحلم، إنما بالواقع أيضاً. وهذا قسم من باسل الدمنهوري. وهو إن أقسم، بالتأكيد سيفي.
كان يقف أمام باب المنزل، يقدم ساقاً ويؤخر الأخرى. ليقف مكانه يحك فروة رأسه وهو يفكر. ترى، ماذا سيقول لها؟ وكيف سيبرر موقفه وحديثه؟ بالتأكيد هي غاضبة منه، بل إنما هي تغلي على مرجل مشتعل. وربما في غضبها تفعل أي شيء. ربما هي تبكي الآن.
انطفأت عيناه بحزن. لابد أنه هو بحديثه الغبي قد جرحها وتسبب في هطول دموعها وأن تحزن عيناها الجميلة. فهو يجب عليه الذبح جراء ما فعله معها بحديثه الغبي دون أن يفكر ولا لثانيتين. ولكن ماذا يفعل؟ لأول مرة يشعر بتلك النار الحارقة التي كانت توقد بصدره، ليخرج الكلمات دون تفكير. فهو لم يقبل وقوفها ونظرة الرجل لها، فقد شعر بأن هذا العامل يتعدى على أملاكه الشخصية، يتعدى على أحقيته هو. لذا فلم يقبل أبداً بذلك.
زفر الهواء من صدره. وما إن تقدم خطوتين حتى تفاجأ بها تهبط الدرج. رفع أنظاره لها. وما كاد يتحدث حتى تفاجأ بتلك الحقيبة التي تجرها خلفها. بهتت ملامحه ليقول بصوت مبهوت استطاعت الشعور بالألم به: "شيرين." نظرت شيرين أرضاً بألم لتجيبه بصوت مجروح: "شكراً على حسن الاستضافة يا دكتور." ثم لفت جسدها لتتحرك. ليركض خلفها بسرعة يمسكها من ذراعها يديرها
جهته وهو يقول باعتذار: "شيرين، أنا آسف. والله آسف. أقسم لك إن ما قصدتش اللي وصل لدماغك أبداً، ولا كنت أقصد الكلام اللي قولته. أنا كنت غضبان وطلع معايا كده." رفعت نظرات جريحة جهته تجيبه بهدوء وقد تلمعت
الدموع بمقلتيها السوداوين: "الإنسان في وقت غضبه بيقول اللي في قلبه يا دكتور، من غير تزييف أو تجميل. وإنت طلعت اللي في قلبك، ومقدرش ألومك. أنا ضيفة تقيلة جيت من غير دعوة، وأخدت راحتي في مكان مش مكاني بزيادة. ف ليك حق تضايق. ف عشان كده دايماً بيقولوا: يا بخت من زار وخف. وأنا ماشية يا دكتور، ومتشكرة على استضافتكم واليومين اللي قعدتهم هنا." ثم لفت بجسدها لتذهب بعد أن أنهت كلماتها.
ليمسكها من مرفقها يديرها تجاهه بسرعة وهو ينفي برأسه بهستيريا قائلاً بقوة وهو يدافع عن نفسه أمامها باستماثة: "لأ أبداً، والله أبداً. عمر ما كان اللي وصلك أبداً، ده أنا مكنتش أقصد اللي وصلك. والله ما كنت أقصد. أنا كنت متضايق من حاجة تانية وجات فيكي. بس أقسم لك ما كنت أقصد. بالعكس، ده إنتي مكانتك كبيرة أوي عندي.... أوي." ظلت تنظر داخل خضرتيه التي تشعان في تلك اللحظة حزن وألم. ولكن وجدته يقترب منها قائلاً
بحرارة ودفء: "شيرين، اديني فرصة وبلاش تحكمي عليا بسرعة كده. أنا عارف إني غلطت، بس صدقيني مكنتش أقصد. أنا حاسس إني متلخبط الفترة دي وخمسين حاجة مضايقاني. محتاج أهدى وأقعد مع نفسي شوية. وصدقيني بعدها هفهم اللي بيجري معايا، بس محتاج شوية وقت. أنا حاسس إني تايه وفيه حاجات بتحصل معايا مش فاهمها. ف اديني فرصة أفهم وأقرر أنا عايز إيه. ومتزعليش مني."
قطبت جبينها تحاول فهم ما يقول، وهي لا تعي إلى ماذا يرمي أو بماذا يهذي. لتنظر داخل مقلتيه علها تفهم ما يقول. لتجد نظراته مليئة بالدفء، الألم، الاعتذار، والرجاء، والتيه الشديد. لتقطب جبينها أكثر، ترى ماذا به هذا؟
في حين كان هو يتتبع نظراتها تجاهه بهوس، ينتظر أن تبتسم عيناها تجاهه، ينتظر أن يرى التسامح في تلك الجوهرتين السوداوين، ينتظر أن تحنو عليه صاحبة السحر الأسود والجمال الرقيق. ولكن ما أفاق كلاهما من تلك المحادثة وذلك السحر هو ذلك الصوت الهاتف بقوة وكأنه يتقصد. أفاقاهم: "أنا جاهزة يا شيرين، يلا." التف إليها ناظراً جهتها بغضب لتقابل هي نظراته بأخرى عابثة تنتظر كلمة منه لتبدأ في مضايقته.
لينفخ بفمه بضيق لترفع حاجبيها بمشاكسة وهي تقول برزانة سطحية: "شكراً على حسن الاستضافة يا دكتور. وأتمنى مانكونش سببنالكم أي إزعاج في زيارتنا دي. ومتشكرين جداً لضيافتكم وترحيبكم لينا." ثم لفت وجهها جهة الأخرى قائلة بهدوء جاد: "يلا شيرين، أنا جاهزة، ف يلا بسرعة عشان منتأخرش." أغمض عينيه يمنع نفسه من قول كلمة في غير محلها. ليفتح عينيه قائلاً بهدوء ظاهري وهو يطحن أسنانه بضيق،
وهو يشير بيده جهة الداخل: "اتفضلي، ادخلي يا دكتورة أميرة. مينفعش اللي بتعملوه ده." حولت أنظارها بينهم لتمط شفتيها قائلة بهدوء وهي تهز كتفيها بلا مبالاة: "لأ، هو لا ينفع ولا مينفعش. إحنا كده قعدنا واتضافينا، وحان الوقت إننا نروح. مش هنعيش هنا العمر كله. وبعدين إحنا في الأول والآخر بنات، مش هينفع نقعد بعيد عن بيتنا وأهلنا أكتر من كده." هزت شيرين رأسها بتأكيد وهي تقول بهدوء: "معاكي حق."
صرخ بكلتيهما بغضب وقد انفلت زمام صبره أمامهم قائلاً: "بلا ينفع بلا مينفعش. مينفعش إنتوا اللي تروحو لوحدكم كده. بين دقيقة والتانية لازم حد يوصلكم." "المواصلات موجودة يا دكتور، والقطر موجود، والعربيات والأتوبيسات على قفا مين يشيل." "مفيش مرواح، ومش كل أما واحدة تغضب تمشي كده وصاحبتها تشجعها على كده. دي مش حالة." قالها بضيق. لترفع أميرة حاجبيها بصدمة وهي تحول نظرها بينهم لتقول باستنكار: "حيلك حيلك، غضب إيه وبتاع إيه؟
إحنا مروحين عادي. وبعدين النتيجة بانت وحظرينها ومانعين حد ياخدها غير صاحبها ييجي الكلية وياخد نتيجته بنفسه عشان يتأكدوا إنه معليهوش مصاريف للجامعة. ف لازم نروح عشان نشوف هببنا إيه، لأن أهالينا قاعدين مستنيينا ومستنيين يشوفوا هنعمل إيه، خصوصاً لما عرفوا إنها بانت ومعرفوش يجيبوها. يعني هما هناك مستنيينا على نار. وإن مروحناش يبقى معناها إننا ساقطين وهييجوا هما يجيبونا من شعرنا."
ثم أكملت ساخرة: "الحكاية بسيطة، مش محتاجة أفلام." حول أنظاره بصدمة بينهم ليعود بنظراته لتلك التي أبعدت عينيها عنه بعيداً بخجل لتقول هي بضيق: "هتروحي ولا أمشي لوحدي؟ لأني لو مروحتش هلاقي الحاج سعد جاي وشاحني على أقرب عربية ورايح يشوف هببت إيه. ووقتها هيكون لا فيه آدمية ولا غيره." أومأت براسها وما كادت تتحرك حتى سمع ذلك الصوت الرقيق الذي يهتف من خلفهم: "استنوا، أنا جاية معاكم."
التف برأسه ليرى ابنة عمه واقفة أمامه وتحمل حقيبتها. ثم نظرت لهم قائلة بهدوء، وإن ظهرت بها آثار الخوف: "أنا جاية معاكم. أنا مش هرتاح ولا هيجيلى نوم غير أما أعرف عملت إيه." نظر لها قائلاً بيأس: "حتى إنتي يا جنا؟ أجابته جنا بهدوء: "لازم أروح وأشوف نتيجتي يا باسم. ومادام جينا كلنا نروح كلنا. والعربية موجودة، نروح مع بعض." نفخ بفمه بضيق وغضب ليقول بمهادنة: "جنا، حتى لو روحتي مش هتعرفي تشوفيها. ده هتكون المغرب أو العصر."
أجابته أميرة ساخرة: "ما إحنا عارفين، بس برضه لو طلعنا بكرة الصبح مش هنلحق. يبقى نمشي النهاردة ونروح نشوفها بكرة. وهنتحمل قلق الليلة دي النهاردة وخوف أهلنا." حول أنظاره للبعيد مجيباً بقنوط: "يعني مُصِّرين؟ أجابته أميرة بهدوء ضائق: "أنا بالنسبالي الموضوع منتهي. اللي عاوز يقعد يقعد، واللي عاوز يمشي يمشي." هنا صدح صوت ذلك العجوز قائلاً: "يابتي، أكده تمشوا على غفلة؟ معرفناش نكرمكم ونجهز لكم واجبكم." لفت وجهها جهته
بابتسامة ناعمة قائلة برقة: "واجبنا خدناه من احترامكم لينا واستضافتكم ومحبتكم. أكتر من كده يبقى طمع. وربنا يخليك يا حاج ويجعل بيتك مفتوح وعامر على طول، وميقطعش الخير منه، ويجعل أيامك كلها خير يا رب." ابتسم لها بحنان ليشير لها بكفه لتأتي. فتقدمت إليه بابتسامة ليربت على رأسها قائلاً بحب: "ربنا يحميكِ ويحفظك يابتي." ثم نظر بعمق عينيه قائلاً
بهدوء: "أنا حبيتكم كلياتكم، بس إنتي ليكي مكانة خاصة عندي عاد. وأعرفي إنّي حبيتك كيف أحفادي بالظبط." ضحكت قائلة بمرح: "ربنا يكرم أصلك يا حاج، بس بلاش أنا، لأني كارثة متحركة، وإنت مش ناقص كوارث. دول أهلي نفسهم قربوا يتبروا مني." ابتسم هو على
جملتها ولكنه قال بتأكيد: "أنا مش بهزر وبتكلم جد. لو احتجتي أي حاجة، اعرفي إن فيه عجوز في الصعيد شايفك بته، وبيته مفتوحلك في أي وقت، وواقف في ضهرك وساندك، ويتشددلك ويجف جدام مين ما كان يكون عشانك." ابتسمت له بنعومة لتجيبه بحنان: "ربنا يخليك يا حاج، وميحرمناش منك." نفى برأسه قائلاً بحنان وهو يربت على رأسها بحنو: "جدّي... أنا دلوقتي بجيت جدك، وإنتي عندي كيف جنا ونهلة بالظبط."
ابتسمت له وهي تطيبه بهدوء: "ربنا يخليك يا جدي." ثم التفت قائلة لهم: "هنمشي." أومأوا ليتحرك عزيز بصحبة زوجته بعد أن ودعوا الجميع. لتتبعه الفتيات للسيارة. ولكن ما إن مرت شيرين بجانب باسم حتى مال على أذنها قائلاً بثقة: "خليكي متأكدة إن حديثنا منتهاش." لتنظر جهته بتفاجؤ، ولكنه تحركت بسرعة تتعثر بخطواتها تهرب منه. وما إن تحركت السيارة حتى وقف باسم بجوار جده متسائلاً بتعجب: "ليه جولتلها كده يا جدي؟ لف نظره قائلاً
بنظرات منطفئة: "مش عارف يا ولدي، بس جلبي حاسسني إن البت دي اللي مستخبيلها أكبر بكتير من اللي شايفينه. حاسس إن ضحكتها هتطفى وهتبكي بدل الدموع دم. لأول مرة جلبي ينجبض على حد كده، كيف ما يكون البنية مكتوبلها الألم في كل خطوة." اتسعت عينا باسم وبهتت ملامحه وهو يسمع كلمات جده التي يقولها لأول مرة. والغريب أن حدسه دائماً صادق. ليلف وجهه جهة السيارة بخوف وهو لا يعي ماذا سيحدث لهم. ليتساءل بخوف: "وشيرين وجنا؟
نفى برأسه قائلاً بثقة: "فيه جلج في جلبي عليهم، بس البنية دي هي اللي جلبي مجبوض عليها." ضرب الخوف أركان قلبه بشدة. وفي تلك اللحظة كان يتمنى أن يركض ورائهم ويرجعهم. ولكن ليس بمقدوره فعل شيء. نعم، فهو أحب ثلاثتهم. أحداهن لها مكانة خاصة، والاثنين يعتبرهم إخوته. لذا كان قلقاً تجاههم، ولا يعلم لماذا. ولكن كلام جده أقلقه. ولم يكن أحد يعلم أن بالفعل حياة الجميع ستتغير وتنقلب من هدوئها إلى إعصار عاصف سينقلب على رؤسهم. "بسسس"
"ياترى إيه اللي هيحصل؟ "باسل هيقابل جنا تاني ولا إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!