الفصل 30 | من 30 فصل

رواية ملكة قلبي الفصل الثلاثون 30 - بقلم مريان بطرس

المشاهدات
17
كلمة
5,488
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

كان يتحرك جيئة وذهابا بغضب أعماه ما حدث. شعر بمراجل مشتعلة تغلي بداخله. شعر بعدم تقدير واحترام منها. ومن جانب آخر، شعر منها بعدم تقدير وعدم احترام، فما بالك بالحب؟ هي لا تحبه أبدا، والدليل واضح. لم تهتم بكرامته، لم تهتم بمعرفة أي شيء بخصوصه، لم تهتم حتى بمعرفة مؤهله الدراسي. لم تسأله يوما عن يومه كيف يسير، عن حياته، عن ما إذا كان سعيدا أم لا، عن ما يحب وما يكره، ما يفضل.

هذه الأمور أبعد ما يكون عن الخجل. كان يظنها خجولة منه، ولكن أبدا. هي لم تهتم للسؤال أو بمعرفة إن كان سعيدا أم حزينا، إن كانت هناك مشكلة بحياته أم لا. دائما ما يكون هو المبادر بكل شيء تجاهها. والآن قد ظهر شيء آخر.

ابتسم ساخرا وهو يتذكر الحديث الذي مضى. ازدادت ابتسامته الساخرة اتساعا حتى تحولت إلى قهقهات، ولكنها لم تكن سعيدة، إنما هي قهقهات مريرة، متألمة، مجروحة، حزينة. وهو يتذكر رؤيتها له تظنه ميكانيكي. إذا، هذا هو ما تظنه. صاحب مستوى تعليمي متوسط، وبالطبع تظن أنه لا يرقى لمستواها الثقافي كطبيبة، حتى وإن كانت بيطرية. فهناك قانون الانتخاب الطبيعي. وتبعا لذلك القانون، فهو غير مؤهل للارتباط بها تبعا لاختلاف مستوى الثقافة والدراسة والمكانة الاجتماعية في المجتمع، ما بين طبيبة بيطرية تعمل بشركة كبيرة ومجرد ميكانيكي سيارات.

تحرك بغضب، ضرب سطح المكتب أمامه بقوة وبغضب أعماه حتى كاد يكسره. في حين انتفض كل العمال بالمكان ينظرون إلى رب عملهم المخيف، وقد أضحى بهالة مرعبة غاضبة زادته رعبا حتى أنها كادت تخرج قلوبهم من أماكنها. بينما صمت هو، ينظر أمامه بغضب وشرود. هناك شيء ما بالوسط، ولابد أن يعلمه.

تحرك للخروج من المكان إلى جهة مكتب والده، ليفتحه مرة واحدة ثم دخل. ينظر جهة والده بغضب. انتبه الحاج محمد على منظر ابنه الغاضب، ولكنه لم يعلق على طريقة اقتحامه مكتبه. إنما نظر إليه متسائلا بهدوء: "مالك؟ إيه اللي عامل فيك كده ومتضايق كده ليه؟ اتخانقت مع حد؟ نظر رافد جهته متسائلا بحدة قاطعة: "هو سؤال واحد وعاوز إجابته. أنت طلبت إيد شيرين ليا إزاي؟ ارتفع حاجب محمد، ولكنه أجاب بهدوء: "بالأصول.. طلبتها من والدها بالأصول."

ضاق ما بين حاجبيه، ليسأله بضيق: "وكان رده إيه؟ والده كتفيه يجيبه ببساطة: "قال هيسألها، وبعدها رد وقال موافقين." ظهر عدم الاقتناع على وجه رافد، ثم سأل والده بوجه غير مقروء: "بس كده؟ مفيش حاجة تانية معرفهاش؟ هز محمد كتفيه يجيب ابنه بلا مبالاة مفتعلة: "لأ مفيش. هيكون فيه إيه تاني!! ثم حول أنظاره له متسائلا بتعجب: "ليه؟ فيه حاجة؟ ظل رافد ينظر جهته بنظرات غير مقتنعة، لينفي برأسه أخيرا قائلا بهدوء: "لأ مفيش حاجة."

ثم تحرك من المكان. وقد اشتعلت عيناه الكهرمانية بلهيب حاد. عليه أن يعلم ماذا يحدث حوله، عليه أن يعلم ما يجري، والآن وليس بوقت آخر. *** خرجت من العمل هي وصديقتيها. لتجد أميرة تتثاءب، ثم بدأت تطقطق عتقها قائلة بإرهاق: "أخيرا. ده الواحد تعب لحد ما خلاص معتش قادر." ابتسمت عليها ولم تعلق. في حين أكملت أميرة بإرهاق: "الحل دلوقتي إني أروح آخد دوش وأنام، بس بعد ما تكون ماما مجهزالي الأكل لأن فعلا مرهقة." ضحكت وهي تقول:

"طيب وبالنسبة لكِ، مش هتجهزي أكل لوحدك؟ هزت رأسها تجيبها بمرح: "لأ أنا شبه دب الباندا المقيم في البيت. لما هجيب شلل لأمي، معرفش أعمل حاجة. أنا يا قاعدة بذاكر، أو بتفرج على التلفزيون، أو بأكل، أو لازقة لبابا في المحل. غير كده لأ. بمعنى أصح، زي ما هي بتقولي، أنا بنت أبويا. وكل خناقة بينهم، أنا واقفة مع أبويا بس." ضحكت عليها ولم تعلق. في حين التفتت لتلك التي أصبحت بهذه الأيام مهتمة بالهاتف بدرجة غريبة ملفتة للانتباه.

لتسألها بتعجب: "مالك يا جنا؟ مركزة في إيه؟ لم تجب جنا، لتنظر الفتاتان جهة بعضهما بتعجب. لترفع الأخرى صوتها متسائلة: "جنا!! انتبهت جنا لصوتها لتسألها بتعجب: "هه؟ بتقولي حاجة؟ ضحكت وهي تقول: "لأ ده انتي مش معانا خالص. مركزة في إيه؟ أشاحت بعينيها عنها، تعيدها للهاتف وهي تجيبها بلا مبالاة: "مفيش. كنت برد على رسايل واتس." لتصمت لبرهة، ثم تقول: "كنتي بتقولي إيه؟ رمشت شيرين بعينيها بتعجب، لتجيبها أخيرا:

"أبدا. كنا بنتكلم هتعملوا إيه لما تروحوا." أعادت أنظارها للهاتف وهي تجيبها ببساطة: "معرفش. لما أروح وأشوف. هشوف ماما عايزة مني إيه وأعمله." هزت رأسها بهدوء. في حين كانت تطالعها هي وأميرة بتعجب. وبالأخص حينما وجدتها توقفت تنظر يسارا ويمينا بتوتر. لتحول كل منهما أنظارهم جهتها، ثم لبعض. لتتساءل أميرة بتعجب: "فيه إيه يا جنا؟ انتي مستنية حد؟ ظلت تنظر لها بتوتر، لتجيبها أخيرا بتلعثم: "يعني... هزت شيرين رأسها تسألها بتعجب:

"يعني إيه؟ ماهو يا أه يا لأ. ولو كده نمشي ونسيبك لو عايزة تبقي لوحدك." "لأ" قالتها جنا بسرعة، لتعدل حديثها حينما وجدت نظراتهم المتعجبة: "يعني أقصد إني مستنية، بس ياريت تستنوا معايا علشان مش هستنى لوحدي." قطبت أميرة حاجبيها تنظر جهة شيرين. لتمط شيرين فمها بجهل. ثم حولت عينيها جهة جنا تسألها بتعجب: "وده مين ده اللي مستنياه؟ "مساء الخير يا بنات. آخرت عليكم؟

التفت الفتيات على ذلك الصوت الأجش القادم من بعيد. لتناظره جنا بابتسامة. في حين اتسعت عيني أميرة بخوف وهي ترتعد من الأسوأ أن يحدث. في حين تعالت ضربات قلب شيرين. لتلف وجهها جهة صاحب الصوت بتوتر. لينظر لها بابتسامة عميقة. في حين لمعت عيناه الخضراء بسعادة وهو يجدها أمامه بعد هذه الفترة من الغياب. يا الله، كم اشتاق لها. اشتاق لرقتها، حنانها، مرحها، ضحكتها. اشتاق لذكرياتها التي تقصها عليه لتجعله يضحك. اشتاق لروحها التي كانت تدب بالمكان وتعلو به من الحياة. اشتاق لكل بها حد الجنون.

وها هي تقف أمامه الآن. يقسم بأنه لن يجعلها تبتعد ثانية. سيحجزها بين ذراعيه ليجعلها لا تستطيع الهرب منه أبدا أبدا. سيهتم بها وسيروض لسانه وغيرته فقط لتبقى معه دائما وأبدا. أما هي، فنظرت جهته بتوتر. لا تصدق بأنه بالفعل هاهنا أمامها. وبعد عدة أيام فقط من تركها له. ترى لما جاء؟ أ جاء لأجلها أم لشيء آخر؟ وماذا إن كان جاء لها؟ هل ليعتذر أم لشيء آخر؟ وهل هذا يعني أن يحارب الدنيا لأجلها ويحارب قدرها الأسود؟

هل سيكون بهذه الشجاعة للوقوف أمام ذلك البربري الأحمق المرتبط به؟ هل سيستطيع الوقوف أمام ذلك الحائط البشري الذي ربطها به إجبارًا أم ماذا؟

بينما تراجعت أميرة للخلف تنفي برأسها برعب. ويبدو أنها هي أكثر من يفهم جدية الموقف. تخشى بالفعل مما قد يكون وصل لعقلها وقد فهمته من نظراته المتطلعة إلى الأخرى بشوق. تتمنى ألا يكون هذا، وألا يكون قد ألقى بنفسه بالنار قادما للاعتراف بحبه لتلك الخرقاء. فلو حدث، ستكون هناك نيران مشتعلة لن يستطيع أي أحد إطفائها. هل قدم ذلك المعتوه للاعتراف بحبه؟

لا والف لا. فهو سيكون قد ألقى بنفسه في جحيم ذلك المهووس البربري المخيف، ولن يخرج من تلك النيران حيا يرزق أبدا. نعم، تقسم على هذا.

نعم، تعترف بأن باسم قوي البنية، يملك العضلات، صاحب جسد رياضي إلى حد ما. ولكنه يبدو ضئيلا أمام شخص ك رافد الدسوقي. نعم، فرافد يختلف تماما عنه، بل إنه لا يوضع بجملة واحدة مع أي بشري كان. فهو عملاق من العمالقة القديمة. يملك جسدا كجسد الجنود في الحرب قديما. يخشاه كل من ينظر له. يملك هيبة وطغيان ونظرة حادة تجعلك تتراجع أمامه. وجوده وحده كفيل بحجب نور الشمس. وإن وقف باسم أمامه، سيهلك لا محالة. بالإضافة إلى...

رمشت بعينيها تتطلع إلى من يقبع أمامها، وتحديدا نظراته. في حين تذكرت نظرات الآخر. هناك فرق واضح. باسم ينظر لها بحب، ربما بلهفة أو إعجاب. في حين نظرات رافد مختلفة. نظراته، ينظر إلى شيرين بنظرات عشق مجنونة تكاد تصل للهوس. يستطيع الأعمى رؤيتها واضحة بعينيه بمشاعر جارفة تشبه أمواج عالية متلاطمة في عينيه. وواضحة وضوح العين. وتلك الأمواج التي تعكس تدفق ما بقلبه، إن سمح لها بالخروج، ستأتي على الأخضر واليابس، ولن يستطيع أحد النجاة منها. لذا تتمنى، تتمنى بالفعل أن تنتهي تلك الكارثة.

في حين ابتسمت جنا ناظرة له، ثم قالت بسعادة: "باسم. حمد الله على السلامة. أتمنى تكون متوهتش ولا تعبت للوصول لهنا." ابتسم باسم، يحول عينيه جهة شيرين قائلا بابتسامة عذبة يختصها بها تحديدا: "حتى لو تعبت، ميهمش. كل شيء يهون قدامكم." توردت وجنتي شيرين في خجل. في حين ابتسمت جنا بسعادة. أما أميرة، فقد تراجعت للخلف برعب وهي تكاد تلطم على وجهها. أي مصيبة قد سقطت فوق رؤوسهم الآن؟ يا الله!

تتمنى أن يمر هذا اللقاء على خير. لتأخذ جنا جانبًا وتسرد لها بعض الخطوط العريضة عن الأمر حتى لا تحل كارثة فوق رؤوسهم. تدعو الله أن يمر هذا اليوم بالفعل. في حين اقترب باسم خطوة جهة شيرين يقول بسعادة: "إزيك يا دكتورة؟ عاملة إيه؟ نظرت له شيرين بخجل، لتجيبه بصوت بالكاد يسمع: "الحمد لله." نظر لها باسم ليميل برأسه جانبًا يتطلع بوجهها بحب ليقول بسعادة: "مبسوط إني شوفتك كويسة." ثم استدرك مكملاً:

"لأ ده أنا مبسوط إني شوفتك أصلا. ده يعتبر النهاردة أسعد يوم بحياتي." ابتلعت أميرة ريقها تخشى أن يكون اليوم هو أسوأ يوم بحياة الكل. في حين ارتفع وجه شيرين جهته بذهول، تناظره بعيون تلمع بالبراءة والسعادة. ليبتسم لها ابتسامة ساحرة أبرزت نواجذه. في حين كانت عيونه الخضراء تلمع بشدة، مثيرة قشعريرة لطيفة بجسدها. انتبهت شيرين لنظراته لتبعد عينيها، تعيدها أرضا. لينظر هو جهتها بحزن ليهتف باسمها برقة: "شيرين...

رفعت شيرين نظراتها له بتساؤل. ليقول بحزن: "إنتي لسه زعلانة مني؟ لمعت عيني شيرين بالدموع، لتنزل وجهها أرضا. ليهتف باسمها مرة أخرى: "شيرين... نظرت له شيرين بعيون سوداء ملتمعة بالحزن. ليقول بضيق: "دموع يا شيرين؟ دموع؟ ثم ابتلع ريقه ليقول بضيق: "شيرين، أنا ما أقصدش كل اللي وصلك ده. والله ما أقصد. أنا أنا... صمت وكأنه يستصعب عليه إكمال جملته، ليقول أخيرا بحسم: "شيرين، أنا آسف. والله آسف. مكنتش أقصد اللي وصلك ده."

رمشت بعينيها تحاول الخروج من دوامة حديثه، لتقول بحزن: "الكلام كان واضح يا دكتور. مظنش ليه معنى تاني." نظر لها ليقول بقوة: "لأ ليه، وفيه أبعاد تانية." "وايه هي بقى الأبعاد دي؟ قالت جملتها بضيق مقرونا مع وضع إحدى يديها بخصرها. ليقول هو بدفاع: "لنفس السبب اللي بتعمليه دلوقتي." هزت رأسها بعدم فهم، ليكمل بتوضيح:

"يعني تفتكري لما تبقي واقفة واحدة جميلة زيك في المزرعة، ويبص عليها عامل من العمال ويتفنن في النظر ليها ولتفاصيلها وجسمها بنظرات بدائية. تفتكري هيبقى رد فعلي إيه، سواء منه أو منها؟ تفتكري لما واحدة جميلة زيك تحط إيديها في جيب بنطلونها من ورا وسط العمال؟ تفتكري هيبصلها ولا لأ، وبطريقة مش لطيفة ولا لأ؟ تفتكري لما تبقي واقفة دلوقتي وحاطة إيدك في وسطك؟ تفتكري هيبص لك إزاي؟ اتسعت عينيها بصدمة، لتشير جهة صدرها قائلة بذهول:

"إنت بتبصلي إزاي؟ إنت بتتهمني بـ... صرخ بها بغضب: "أنا مبتهمش. أنا بوضح." نظرت له بغضب، لتتسع عينيها بصدمة. في حين لمعت عينيها السوداء الجميلة لتصبح أشبه بحجر كريمين، لتقول بغضب: "بتوضح إيه ها؟ بتوضح إني مش محترمة وبلفت أنظار الناس؟ لقاطعه بغضب صارخ: "لأ. بوضح إني بغير." اتسعت عينيها بصدمة، تراجعت للخلف على أثرها وهي تستمع لذلك الاعتراف. في حين تعالت ضربات قلبها بجنون. هل ذاك يعني ما ب رأسها فعلا؟

في حين اتسعت عيني أميرة بصدمة أكبر، لتتراجع للخلف وهي تمسح على وجهها. ألم يجد أفضل من ذلك الوقت وهذا المكان للاعتراف؟ أي جنون هذا الذي سقطت به؟ وأي عته هذا الذي سقطت به صديقتها؟ متى ستوضح الأمر؟ مسحت حبتيها الذي تفصد بتلك اللحظة بحبات العرق نتيجة خوفها. فهي لا تخشى سوى شيء واحد، وهو أن يهبط عليها ذلك النيزك القاتل والمخيف المسمى رافد الدسوقي. ف إن حدث، سيقتلهم جميعا لا محالة.

حولت أنظارها جهة باسم بغيظ. ألم يكونوا بالمزرعة معه؟

وجهًا لوجه طول الوقت. لم يعرف بأنه يحبها إلا بعد أن ابتعدت عنه. ليدرك هذا الأبله بما يكنه من مشاعر. لم ترَ مثلث حب قاتل مسموم بقدر هذا المثلث، الذي تتمنى الهروب منه وقطع صلتها بهم جميعا قبل أن تصبح شهيدة لجنون الحب هذا الذي سيروه بالفعل. فهي لديها طموحات أعلى من أن تُداس تحت عجلات رافد الدسوقي فقط لأنه يكرهها، لأنها قللت من قدره، وسيظن أنها شجعت مخطوبته على تركه. في حين هذا المعتوه الواقف أمامها، ماذا إن علم أنه يحب أحداهن مخطوبة؟

ماذا سيكون رد فعله؟ تنهدت تتابع ما يحدث بصمت ورعب. في حين ابتلعت شيرين ريقها قائلة بتوتر: "بتغير عليا إزاي؟ مش فاهمة؟ معناه إيه الكلام ده؟ نظر لها ليقول بغضب: "هو إيه اللي مش فاهماه في كلامي؟ هو الراجل يغير على واحدة ليه؟ ليه؟ تساءلت هي باستفهام. ليصرخ بها بغضب: "لأني بحبك يا شيرين."

شهقة عالية صدرت من أميرة وهي تستمع لكلماته وهي تضع يدها على فمها بعدم تصديق. بينما تراجعت شيرين للخلف بصدمة لا تستطيع التصديق. هل حقا ما سمعته؟ هل باسم العربي واقع بحبها بالفعل؟ هل بالفعل يتمناها؟ هل قطع كل المسافات لأجلها؟ في حين ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه جنا. أما باسم، فأكمل قائلا:

"أيوه بحبك يا شيرين. بحبك من ساعتها. قولت يمكن إعجاب وهيروح مع الوقت وبمجرد ما تبعدي هنسيكي. لكن الحقيقة لأ. الحقيقة إني اتعلقت بيكي أكتر لما بعدتي. أصبحت حاسس إني في بعدك بتعب، بقيت بتمناكي ليل نهار، بقيت حاسس إن فيه حاجة ناقصاني. بقيتي أمنيتي وطلبي من ربنا. بقيتي الحاجة الوحيدة اللي بتتمناها يا شيرين."

تراجعت شيرين للخلف بصدمة أكبر. في حين ارتفعت دقات قلبها. لمعت عيناها بالدموع وتحشرج صوتها بالبكاء. في حين تباطأت دقات قلبها من الرعب، وكأن جبال تجثم على صدرها حتى شعرت بأنه بالكاد يستطيع العمل في أي وقت. هذا الشاب يحبها، متيم بها. في حين هي مرتبطة بآخر. ماذا يجب عليها أن تفعل؟ ماذا يجب عليها أن تقول؟ هل تقول له الحقيقة؟ وكيف ستبرر الأمر؟ وجنا، كيف تجعلها تفهم بأنها لم تكن تكذب عليها؟

لم تكن تهمشها. إذا كانت أميرة بالكاد قبلت الأمر، فماذا عن جنا؟ وماذا إن علم باسم بحقيقة الأمر؟ هل سينتظر ليفهم حقيقته؟ أم سيتركها ويذهب دون ذرة ندم واحدة؟ وستسقط من عينيه؟ هل سينتظر ليستوعب حقيقته ويدافع عن ذلك الحب المزعوم؟ أم سيراها مجرد كاذبة مخادعة، دهست قلبه ومشاعره، وكانت تتلاعب به هو وآخر؟ ماذا يجب أن تفعل؟ ماذا؟ في حين اقترب باسم منها بعيون تلمع بالحب، قائلا برقة وبصوت عميق ساحر:

"شيرين، أنا عارف إني جرحتك، بس مش قصدي. أنا طبعي كده، عصبي. أنا راجل شرقي غيور. وبحب بنت زي القمر قدرت تسرق قلبي. فطبيعي أتحمأ وأتضايق وأزعق. مش بدافع حاجة سوى إني بحبك." ثم اقترب منها محتضنا يدها الرقيقة بين يديه الكبيرة قائلا بحب: "شيرين، أنا بحبك بجد. أرجوكي اديني فرصة وصدقيني مش هتندمي." "شيرين!!

تلك الصرخة الغاضبة التي شقت المكان، والتي جعلت الجميع يلتف على أثرها، كانت خارجة من فم غاضب. التف الجميع على أثرها ليظهر أمامهم فجأة هو. نعم، هو بكامل هيبته وطغيانه بحضوره المخيف والمرعب في الأبدان. هيئة همجية مخيفة. نظر الجميع لذلك العملاق القادم نحوهم بطوله المرعب ووجهه المسود من الغضب. عيونه الكهرمانية المرعبة بضوئها الذهبي القاتل. خصلات شعره المبعثرة بغير ترتيب وقميصه الغير مهندم. كان يتحرك بخطوات غاضبة، يحرق الأرض تحت قدميه. يصدر شحنات وشرارات حارقة في المكان. عيناه الذهبية ترمقهم بلهيب حارق قاتل. كان منظره بالفعل كقاتل همجي بلطجي قادم للقتل. بل ليس فقط القتل، بل إنه قادم لإنهاء حياتهم جميعا.

تلقائيا، دب الرعب في بدن شيرين لتتراجع للخلف بفزع. في حين شحب وجهها وازرق شفتيها وأصبحت يداها كالجليد. لتضاهي هي الأموات في تلك اللحظة وهي تراه قادما نحوها بنظراته الذهبية المخيفة. تعرف تلك النظرة، تعرف تلك الخطوات، تعرف ذلك الوجه. هو قادم لعمل مجزرة بمعنى أصح. لن يستطيع أحد النجاة من بين يديه الآن. ها قد حضر مندوب عزرائيل الآن. عند تلك الفكرة، انتفض قلبها داخل صدرها ينبض برعب كأرنب مذعور. تتمنى الهروب من المكان، ولكن للأسف، تيبست قدماها وجسدها أرضا.

في حين كانت أميرة تنظر جهته برعب. وها قد حدث ما كانت تخشاه. هذا ما كانت ترتعد منه. كيف ليوم أن يكون أسوأ من هذا؟ ها قد انتهت. بل انتهوا جميعا. لذا لم تجد بدًا من أن ترفع يديها على وجهها تلطمهما برعب وهي تولول كالنساء صارخة بفزع: "جالك الموت يا تارك الصلاة! بيتهيألي إننا كلنا هنتسلم لعزرائيل دلوقتي."

لم تستطع جنا فهم ما يحدث. التفت تنظر لصديقتيها بتعجب من ردة فعلهما، لتعود تنظر إلى ذلك الكائن العملاق القادم من إحدى الكواكب الأخرى. لتتراجع تلقائيا للخلف ويرتعد جسدها تلقائيا من تلك الهيئة والهالة المرعبة المحيطة به. ما هذا الكائن؟ وكيف يعيش على هذا الكوكب؟ وماذا يريد منهم؟

لا تعلم من هذا الكائن المهيب المخيف، والذي يثير الرعب في الأبدان. من المفترض أن مكانه ليس هنا، بل إنه مكانه في أحد أماكن التعذيب. بمجرد أن ينظر إليه أحدهم، يستطيع أن يقر بكل ما يريد. إنما أن يكون مع بشر طبيعيين، فهذا محال. أما باسم، فظل يرمش بعينيه ليلتف إلى الفتيات بتعجب، ثم يعود ينظر إلى هذا الضخم القادم ناحيتهم ليقول بهدوء: "أؤمر؟

اشتعلت عيني رافد وهو يرى ذلك الغريب يمسك بيد مخطوبته. في حين هو لا يفعلها. ليعود بنظرات حادة إلى تلك التي تكاد تسقط مغشيا عليها الآن من الرعب. لتبعد يدها تلقائيا عن باسم، واضعة إياها خلف ظهرها. قطب باسم جبينه بتعجب، ليجد ذلك الضخم يصرخ بغضب: "إيه اللي بيحصل هنا ده؟ كان يقول كلماته مقتربًا من شيرين، رامقًا إياها بنظرة حادة كادت تطرحها قتيلة. لتبتلع ريقها محاولة إخراج الكلمات. لينتبه باسم للأمر، ليقف حائلًا

بينهم قائلا بجدية: "أؤمر. كلامك معايا." رمقه رافد بجانب عينه، ثم أبعده بيده جانبًا عن مجال رؤيته قائلا بجدية قاتلة: "ابعد لي انت كده. دورك جاي. متقلقش." تراجع الآخر للخلف بضعة خطوات على أثر دفعته الخفيفة تلك. أي كائن هذا؟ فلم يبذل مجهودًا يذكر لابعاده. ترى من ماذا صنع جسده؟ أ من فولاذ أم ماذا؟ في حين اقترب هو إلى تلك التي كادت تسقط مغشيا عليها، ناظرًا جهتها قائلا بحدة:

"أنا مستني الإجابة لسؤالي. مين ده وبيعمل إيه هنا؟ فتحت فمها عدة مرات تحاول إخراج أي حرف، ولكنها كانت لا تفلح. لتغلقه مرة أخرى. ليصرخ هو بها بغضب وقد انفلت زمام صبره من معقله: "شيرين!! انتفضت شيرين من مكانها برعب. في حين تساقطت دموعها على وجنتيها بسرعة. ولكن الأمر لم يزدها سوى حدة. ليلف عينيه بالمكان لتقع على تلك الأرنب المذعورة الواقفة بالخلف، والتي بمجرد أن نظر لها تراجعت للخلف أكثر قائلة برعب:

"أقسم بالله أنا مالي دعوة بحاجة. ولا كنت أعرف حاجة." قطب جبينه بتعجب. لينتفض باسم من مكانه قائلا بحمية: "انت مين وعاوز إيه؟ ارتسمت ابتسامة شرسة على وجه الآخر، ليقول بنبرة غريبة: "أنا مين؟ فده بعدين. بس ممكن أعرف انت مين وكنت ماسك إيدها ليه؟ صرخ باسم بغضب وقد فاض به الكيل من هذا الهمجي المخيف: "وده يخصك في إيه؟ وانت مالك؟

اتسعت عيني رافد ليعود بعينيه جهة الأخرى الواقفة بتصنم، والتي لم تبدِ أي ردة فعل. ليقول بهدوء ما قبل العاصفة، وهو يشير جهة صدره: "أنا مين؟ ثم صرخ بغضب: "أنا خطيب الهانم اللي كنت ماسك إيدها في وسط الشارع. انت اللي مين بقى؟ تراجع باسم للخلف. في حين صدرت شهقة رقيقة من فم جنا. لينفي باسم برأسه قائلا بذهول: "مش صحيح. شيرين مش مخطوبة ولا مرتبطة. الكلام ده مش حقيقي."

تلك النظرة وذلك الذهول يعرفهما جيدا. هل كان ذلك الوغد يحاول التقرب من محبوبته؟ هل كان يحاول الاقتراب من مخطوبته؟ من حبيبته؟ أي جنون هذا؟ لا لا يصدق. كيف سولت له نفسه؟ بل كيف هي أعطته تلك الجرأة للدرجة التي جعلته يقترب منها إلى ذلك الحد؟ لدرجة أن يمسك يدها. حول وجهه جهتها ليجدها كما هي، مثل الصنم. ليجد ذلك الصوت الأنثوي الرقيق الصادر من الخلف بحزم: "لأ مش صحيح. شيرين مش مخطوبة. لو مخطوبة كنا إحنا أول ناس عرفنا."

ارتفع حاجبيه بصدمة. أي جنون هذا؟ لينظر جهتها مرة أخرى قائلا بحزم: "مش عاوزة توضحى حاجة يا شيرين هانم؟ ظلت شيرين على نفس صدمتها. ليعود بعينيه إلى الأخيرة التي تقف بمكانها كأرنب مذعور، واقفة على أهبة الاستعداد للركض في أي لحظة. ليهتف بها بحزم: "وانتي مش عاوزة توضحى حاجة يا دكتورة؟

نظرت أميرة أرضًا بخجل منه ومن شيرين ومن باسم. أرضًا الوضع بالفعل صعب الاحتمال، ولا تتمناه لأحد حتى ألد أعدائها أن يسقط به. فهو يقف يرى مخطوبته مع آخر، ويكتشف أنها تتنكر لعلاقتهم. في حين باسم يقف كالبليد في الزفة، ليكتشف أنه يخطب أحداهن مخطوبة. في حين الوضع الأصعب هو لشيرين، وهي مسحوقة بين حجري رحى. "دكتورة!! كان هذا الصوت الهاتف هو لرافد. لتنظر أرضًا تبلل شفتيها، ثم قالت بخجل:

"بشمهندس رافد معاه حق. هو خطيب شيرين فعلًا." نفى باسم برأسه قائلا بجدية وذهول: "بس شيرين عمرها ما قالت إنها مخطوبة. حتى إنها مش لابسة دبلة." قطب رافد جبينه بتعجب. ليرفع يدها صارخًا بغضب وهو يشير جهة محبسها قائلا بحسم: "أمال إيه ده؟ "هو مش ده مجرد خاتم عادي؟ كان الرد من جنا. إجابة على سؤاله. ليقطب جبينه ثم يعود إلى شيرين قائلا بسخرية: "هو كده؟

نظرت شيرين أرضًا بخزي. لينظر هو جهة الخاتم بنظرة أخرى. لهم كل الحق في أن يظنوا هذا. فقد كان المحبس عبارة عن حلقة تشبه جديلتين ملفتين حول بعضهما البعض، تحدها فصوص بيضاء من الأعلى. ليومي برأسه قائلا بسخرية: "علشان كده اخترتي ده واصرتي عليه؟ ثم نظر جهتها صارخًا باشمئزاز: "علشان محدش يعرف إنك مخطوبة وتعملي اللي على هواكي." ثم صرخ بغضب: "انتي بتلعبي بيا يا شيرين؟

رفعت له أنظار ميتة لتقول بجمود أشبه بجمود الأموات، وقد شعرت بتلك اللحظة بالعرى، بالجرح، بالمهانة، بالتعب والإرهاق: "انت اللي لعبت بيا يا رافد." اتسعت عيني رافد بصدمة، لتومئ برأسها قائلة بصوت ميت: "انت اللي شايفني لعبة بتلعب بيها. انت اللي بتدبحني. انت اللي سلبت حريتي." ثم صرخت بغضب:

"انت اللي سلبتني حياتي وشخصيتي. انت اللي حولتني لواحدة معرفهاش. انت اللي خلتني مش أنا. لدرجة إني مش عارفة أنا مين وبعمل إيه. انت يا رافد. انت... تعالى صوتها في آخر جملتين. ليتراجع رافد للخلف بصدمة وهو يستمع لكلماتها ونبرتها التي لم يسمعها مطلقًا. ليجدها تومئ برأسها قائلة بجدية ميتة: "انت دبحتني وجاي دلوقتي بتطالب بحقك. انت قتلتني وجاي تمثل الشرف. انت خلتني إنسانة حقيرة مش عارفة أنا مين وعاوزة إيه."

تراجع رأس رافد للخلف بصدمة كمن ألقاه أحدهم بحجر. لتلمع عيناه بالدموع. في حين وضع يده على صدره بألم حارق، وهو يشعر بنصل حاد ينغرز في قلبه. ليقول بألم: "أنا يا شيرين؟ أنا؟!! صرخت شيرين بجنون: "أيوه أنت يا رافد. أنت. أنت الجاني فما تمثلش دور البريء والضحية. انت اللي سلبتني حقي وحياتي. انتي اللي حبستني في قفصك بعد ما كسرتلي جناحي. انت اللي دبحتني وهلكت روحي. انت...

رفع عيون متألمة جهتها ليجد نظراتها تجابهه نظرات جريحة، ذبيحة، مجنونة. نظرات كارهة، ناقمة، مشمئزة. اتسعت عيناه بصدمة. ماذا حدث؟ لا يستطيع فهم شيء. لما تكرهه هكذا؟ لما تقابل عشقه وحبه بهذا الكره؟ لما تنظر لها بذلك الاشمئزاز والقرف؟ ليقول بصوت متحشرج، وقد لمعت عيونه بالدموع، في حين شعر بألم حاد يتزايد أكثر وأكثر بقلبه: "أنا مش فاهم حاجة. وضح لي." صرخت شيرين بجنون وهتفت باستنكار غاضب. في حين أطلقت عيناها

السوداء شراراتها السامة: "بجد مش فاهم؟ لا لا بجد مش فاهم؟!! إزاي يعني المجرم مش عارف جريمته؟ ولا هو لازم يمثل دور الضحية؟!! اتسعت عيونه بصدمة. وجاء ليفتح فمه حينما هتفت أميرة بعقلانية: "بشمهندس رافد، بيتهيألي إنكم محتاجين تتكلموا لوحدكم شوية وتتفاهموا قبل أي حاجة." التفتت جنا جهة أميرة بذهول. هل تأمن لذلك المعتوه على صديقتها؟ أي جنان هذا؟

في حين أومأ رافد برأسه ليسحب شيرين خلفه بقوة ليتحرك من محيط المكان. في حين تنقاد هي خلفه كشاه مساقة للذبح. بينما التفتت جنا جهة أميرة صارخة بغضب: "انتي اتجننتي؟ انتي إزاي تأمني للمجنون ده عليها؟ ده ممكن يموتها في أي لحظة." نظرت لها أميرة لتتطلع إلى المكان الذي ذهب منه كلاهما. وهي تتذكر رافد ونظراته. لتقول بهدوء: "مظنش. وبيتهيألي إنهم محتاجين يتكلموا مع بعض وكل واحد يفهم التاني جواه إيه."

نظرت جنا جهتها بخوف. ولم ينتبه أحد إلى ذلك الواقف بينهم، والذي توحشت عيناه لتصبح أشبه ببؤرتي الجحيم. وقد شعر بالمهانة والغضب والحرقة. إلا حينما وجدوه يركض بغضب حارق، يحرق الأرض تحت أقدامه، وهو يركض بالاتجاه الذي ذهب منه كلاهما منذ قليل. بس بس تفتكروا هيحصل إيه؟ رد فعل رافد جهة شيرين؟ شيرين هتعمل إيه مع رافد؟ باسم ناوي على إيه؟ شيرين هتختار مين فيهم؟ باسل وجنا هيجرى بينهم إيه؟ واللي هيوصلهم للي حصل في أول الرواية؟

كله ده هيبان في الجزء الثاني. تمت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...