وقفت تتابع عملها الجديد بجد واجتهاد وعلى وجهها علامات السعادة، في حين وقف أصدقاؤها بجوارها يتابعون أعمالهم بفرحة. كانت تقف تعمل بالمعمل الخاص بالمصنع لتتأكد من أن اللحوم جيدة وليس بها أي أمراض. حركت رأسها للجانبين تحاول إبعاد خصلات شعرها البنية عن وجهها، ولكنها لم تفلح. نفخت بفمها بضيق، فخصلات شعرها وغرتها التي استطالت أصبحت تعيق نظرها وعملها. ولكنها انتبهت في النهاية لمن يقف بجوارها قائلاً بابتسامة سمجة:
"محتاجة مساعدة؟ رمقته بجانب عينها ولم تتحدث، ليقول بسماجة أكبر: "ممكن أساعدك على فكرة." ظلت تتطلع إليه بعينيها العجيبة تلك لتجيبه أخيرًا بضيق: "شكرًا." ثم تحركت للابتعاد عن مجال العمل لتنزع قفازاتها وتضع أوراقها جانبًا قبل البدء بعملها. ثم وضعت يدها في جيب معطفها لتخرج إحدى دبابيس شعرها لتزم خصلاتها معًا، في حين كان هذا الرجل يتطلع إليها بانبهار ليقول أخيرًا بهدوء: "هتيروكروميا صح؟
لفت وجهها تجاهه بتعجب، ثم قطبت جبينها بتساؤل، لتجده يشير إلى عينيها قائلاً بهدوء، وإن كان لا يستطيع إخفاء انبهاره: "عينيكي لونين مع بعض، دي الهتيروكروميا صح؟ زفرت أنفاسها بضيق لتومئ برأسها قائلة بجمود: "صح." ظنت أنه انتهى من تعليقاته لتتفاجأ به يقول: "بس لايقة عليكِ أوي، عمري ما شفت عينين بالجمال ده." حولت عينيها جهته بغضب لتناظره بلهيب عينيها الأزرق صارخة بغضب أعمى: "نعم؟! رفع يديه بمهادنة قائلاً بهدوء:
"مقصدش، بس بتكلم عادي." لم تهتم بكلماته، إنما أعادت أنظارها جهة الأوراق أمامها مرة أخرى، لتجده يقول ثانية: "وشعرك عاملاه خصل ولا هو لونه كده طبيعي، بني فاتح في أسود؟ أصل لونه جميل فعلًا." أغمضت عينيها تحاول السيطرة على جام غضبها، ولكنها في النهاية لم تفلح، فذلك السمج أصبح يضايقها بالفعل، لتصرخ به بضيق: "جرى إيه يا أستاذ؟ مش شايف إنك بتدخل في أمور ما تخصكش؟ ده أنت ناقص كمان شوية تسألني بروح أنهي كوافير؟
مش شايف إن الكلام ده عيب؟ إن واحد محترم يسأل بنت عنه؟ إمتى سبت إيه للبنات؟ احمر وجهه خجلًا ليقول بإحراج: "أنا آسف، مقصدش بس... رفعت يدها قائلة بحدة: "بلا تقصد بلا متقصدش، لو سمحت شوف شغلك وسيبني أشوف شغلي." رمقها بجانب عينيه بضيق، ولكنه لم يستطع أن يقول شيئًا، لذا زم شفتيه ضيقًا متحركًا من المكان وهو يتمتم بغيظ: "لسانها طويل." ثم أكمل باستحسان: "بس مزة مزة مفيش كلام." في حين نظرت هي بأثره بغضب لتقول بضيق:
"أما واحد سمج بصحيح." كادت تعود لعملها، ولكنها تفاجأت بأحد العمال القادمين قائلاً: "دكتورة جنا، لو سمحتي تعالي شوفي ده كده." أومأت برأسها لتتبعه وقد أرجأت التفكير بما حدث الآن. *** كلٌ يتحرك بالمصنع الحديث يتابع سيره وإدارته، ولكنه تفاجأ بحديث العمال لأحدهم متسائلين: "بنتك عملت إيه يا عم ممدوح؟ ابتسم ممدوح بسعادة قائلاً بفرحة كبيرة: "الحمد لله نجحت وجابت مجموع حلو، وإن شاء الله تدخل طب وتكون أحسن دكتورة في الدنيا."
نظر له العمال بفرحة، ولكنهم على الرغم من هذا قالوا بسماجة: "طيب وفين حلاوة نجاحها؟ نظر لهم بصدمة ليقول بذهول: "هه." أجابوه بجدية: "إيه؟ مش بنتك هتكون دكتورة وترفع راسك؟ فين حلاوة النجاح؟ عاوزين كل واحد إزازة حاجة ساقعة وحتة جاتوه." تراجع الرجل للخلف بصدمة من أين يأتي بتلك الأموال لكل هذا الجمع الغفير؟
فهو شكر ربه أخيرًا بأنه سيرتاح من مصاريف ابنته وليكنز هذه الأشهر بعض الأموال لها للجامعة، والآن فأن أبى طلباتهم لن يبقى معه ما يعينه من مرتبه الشهري لآخر الشهر. نظر لهم بإحراج وقد احمرت وجنتيه خجلًا واللمعت عيناه بالدموع: "بس أنا الفلوس اللي معايا اللي يكفي ليكم." لف أحدهم ذراعه حول عنقه قائلاً بسماجة: "بلاش بخل يا عم ممدوح، اعتبره زكاة عن الدكتورة، وعشان دعوات الناس دي ربنا يقف معاها."
احمرت وجنتيه خجلًا ثم نظر أرضًا ولم يعلم ماذا يرد، ولكنه تفاجأ بذلك الصوت الهاتف من الخلف بجدية وقوة: "إيه اللي بيحصل هنا؟ تفاجأ الجميع بذلك الصوت الحاد القادم من الخلف ليتراجع الكل برعب، فها هو أسوأ كوابيسهم قد تواجد أمامهم الآن. في حين صرخ هو بغضب: "هو انتوا هنا جايين تشتغلوا ولا تتكلموا وتتسامروا؟ نظروا أرضًا بخوف من حدته وغضبه ليجيبوه بهدوء: "إحنا آسفين يا فندم، ما كانش قصدنا، إحنا بس...
رفع يده ينهي حديثهم قائلاً بقوة: "ولا كلمة تاني، كله على شغله، وإن حصل ولقيت موقف زي ده تاني، أقسم لكم باللي خلقني ما هخلي حد فيكم قاعد في المكان. إحنا هنا في شغل مش على قهوة، وفيه فترة استراحة تتكلموا فيها." أومأوا جميعًا برءوسهم، في حين حول أنظاره جهة ذلك الكهل قائلاً بحدة: "وإنت تعالى معايا." نظر له الرجل بخوف ليقول بتوتر: "يا باسل بيه." رفع باسل يده قائلاً بحدة: "ولا كلمة، تعالى ورايا."
نظر الرجل أرضًا بحزن ليومئ برأسه، ثم تحرك خلفه بخنوع وقد علم أن اليوم سيطرد من عمله لا محالة. *** كانت تقف بعملها تتابعه، ولكنها تفاجأت بذلك الهمز واللمز من حولها، لم تهتم بالبداية، ولكن علو الصوت من حولها لفت انتباهها، وخصوصًا حينما سمعت إحدى الفتيات تقول: "وهي دي فيها كلام؟ هيطرده طبعًا، باسل الدمنهوري معندوش هزار." رفعت أنظارها بتعجب لتنصت للحديث، وقد أثار اهتمامها اسمه حينما سمعت اسم باسل في الأمر. انتبهت
إلى حديث الأخرى القائلة: "على الرغم من إنه مز مز مفيش كلام، وحد كده تحسيه جاي من عالم تاني، وعلى الرغم من احترامه، إلا إن قلابته والقبر، ودلوقتي قلب على الراجل الغلبان وهيقطع عيشه." نفت إحداهن برأسها قائلة بهدوء: "مظنش، ممكن يديله كلمتين وبعدين يرجعه، لكن إنه يقطع رزقه مظنش يعملها، إلا بقى لو كان متضايق وحابب يطلع غضبه على حد." لم تستطع فهم ما يحدث ولا استيعاب تلك الكلمات، لتذهب لهم متسائلة بتعجب وهي تحشر
جسدها بينهم مرة واحدة: "هو الكلام على إيه؟ تراجعت الفتيات للخلف بفزع وهم يجدونها مرة واحدة تتوسطهم وتسألهم، لتقول إحداهن بخوف: "دكتورة!! إحنا آسفين يا دكتورة، منقصدش، إحنا رايحين على شغلنا دلوقتي." أومأت برأسها لتتركهم يذهبون، في حين أشارت لإحداهن قائلة بجدية: "تعالي يا رويتر." استصعب على الفتاة فهم كلمتها لتقول بتوضيح: "لأ، ده أنا حسناء." قطبت جبينها وهي تنظر لها لتقول بصدمة: "حسناء؟!
أومأت الفتاة برأسها لتجيبها هي بهدوء مازحًا وقد ارتسمت الضحكة على شفتيها: "هو أبوكي كان شارب إيه وهو بيسميكي؟ ضحكت الفتاة بشدة لتجيبها بهدوء: "ليه يا دكتورة؟ أجابتها بمرح: "أصل ده مش حسناء، دي أخبار، دي النيل، السي بي سي، أو الأفضل يسميكي راديو أو ثرثارة." نظرت لها الفتاة بضيق لتقول بحزن: "الله يسامحك يا دكتورة، وأنا اللي افتكرتك مننا وعلينا، في الآخر هتخليني صرصارة." تراجعت للخلف بصدمة لتقول بذهول وتقزز: "صرصار؟
ولكنها على الرغم من ذلك قالت بلا مبالاة: "مش مهم، المهم قولولي يا حسناء إيه اللي حصل؟ الكلام كان على إيه؟ نظرت لها الفتاة ولم تخب نظرتها بالفعل حينما وجدتها تقول بخفوت: "أصل انتي متعرفيش اللي حصل يا دكتورة." ابتسمت ونفت برأسها قائلة بمرح: "لأ معرفش، قوليني." نظرت لها الفتاة لتخفي فمها وهي تميل على أذنها قائلة بصوت خافت:
"أصل باسل بيه طب على المصنع لقى العمال سايبين شغلهم وواقفين يتكلموا، خدهم غسيل ومكواة، وخاد عم ممدوح الراجل الغلبان اللي كان واقف وسطيهم، واللي يا عيني كان فرحان بنجاح بنته في الثانوية وإنها هتبقى دكتورة، وخده على مكتبه، والواضح إنه ناويله على نية سودا." قطبت جبينها متسائلة بتعجب: "سودا إزاي يعني؟ هيعمله إيه؟ مطت الفتاة شفتيها المكتنزتين بشدة وهي تمصمصهم قائلة بحزن:
"أكيد هيرفده يا ولده، حسرة عليكي يا عم ممدوح، ده انت راجل غلبان." نظرت لها الأخرى بتعجب لتقول بهدوء: "لأ متتحسريش يا حسناء، وياريت خليكي في حالك وبطلي لت وعجن، بدل ما تلاقيه طابب علينا وتحصلي عم ممدوح." نظرت جهتها بصدمة لتكمل هي بحزم: "على شغلك يلا." ركضت الفتاة لعملها، ولكنها فجأة عادت لها قائلة بمرح وهي تتطلع بعينيها العسليتين بانبهار: "الأ قوليللي يا دكتورة، هو انتي اسمك إيه؟ ارتفع حاجبها بتعجب، ولكنها
ابتسمت لها قائلة بهدوء: "أميرة." أومأت الفتاة برأسها لتركض لعملها، في حين كانت أميرة تعلم بأن المصنع كله سيعلم اسمها من الأستاذة روايتر في حين تحركت هي جهة صديقتيها قائلة بهدوء: "عرفتوا اللي حصل؟ لفوا وجوههم جهتها بتعجب متسائلين، لتقول بهدوء: "باسل الدمنهوري." انتبهت الاثنتان بعد ذلك الاسم لتكمل هي بهدوء: "طب على المصنع من شوية." ثم بدأت تسرد ما حدث، لتتساءل شيرين بتعجب: "يعني إيه؟
مش هما قالوا إن المصنع ده مسئول عنه نبيل؟ إيه كان بيثبتونا عشان نيجي هنا وهو ييجي وهنلاقيه ناطتلنا كل شوية؟ والتانية... مطت هي شفتيها قائلة بتعجب: "معرفش، بس كل اللي أعرفه إن الكل مرعوب منه وبيقولوا إنه شديد أوي في شغله وعامل للكل رعب. ما عرفش بقى دي صدفة إنه بييجي يشد عليهم كل فترة وحظنا جه معاه كده، ولا هو كان عارف إننا جايين وحب يستقبلنا؟ بس كل اللي عرفته إنه عامل رعب في المكان." زمت جنا شفتيها،
ولكنها أجابت بلا مبالاة: "ممكن تكبروا دماغكم شوية وترجعوا لشغلكم. للراجل صاحب شغل ولازم يشرف عليه، وإحنا مش عاملين مصيبة عشان نستخبى منه، إحنا بنشتغل مش بنسرق، فإيه اللي هيجرى يعني؟ إن شافنا ولا أي حاجة، فكل واحدة على شغلها، بدل ما نلاقي تهزيء من أول يوم." أومأوا برءوسهم ليتحركوا كلا لعمله. *** تحرك للدخول لمكتبه يتبعه ذلك الكهل المرتعد والذي شعر بأن هذا اليوم هو يومه الأخير بهذا العمل.
تحرك باسل ليجلس على مقعده ينظر جهة ذلك الرجل بهدوء، ثم أشار جهة المقعد المقابل له قائلاً بهدوء: "اقعد يا عم ممدوح." نظر له الرجل بصدمة، ولكنه قال بنفي واحترام: "العفو يا بيه." نظر له باسل ليقول بضيق: "يا عم ممدوح متتعبنيش معاك، اقعد بقى." جلس الرجل ليقول باسل بابتسامة: "ممكن أفهم، كان على إيه الكلام؟ نظر له الرجل ليقول بأسف خائف: "والله يا باسل بيه ما كان قصدنا إننا نسيب شغلنا ولا حاجة، ده كل الموضوع...
ابتسم باسل ليقاطعه قائلاً: "أنا بسأل، كانو بيضايقوك ويقولولك إيه يا راجل يا طيب؟ وكان الكلام على إيه؟ نظر الرجل لينظر أرضًا بخجل، ثم رفع أنظاره جهته قائلاً بضيق: "مفيش يا بيه، ده بنتي نجحت في الثانوية العامة ودخلت طب، وهما كانوا عاوزين الحلاوة." نظر له باسل ليقول بفرحة: "مش تقول كده ياراجل يا طيب، مبروك يا راجل يا طيب، ربنا يفرحك بيها وعقبال ما تشوفها عروسة." نظر له الرجل بصدمة ليجده يكمل بهدوء:
"خلاص، حلاوة نجاحها عليا." التف له الرجل قائلاً بصدمة: "بس يا باسل بيه." أوقفه باسل بإشارة من يده وأكمل بحزم: "أنا قولت كلمة وخرجت مني، فمهتردش. أنا الحلاوة عليا، بس انت اللي هتقول إنك جبتها." نظر له الرجل بصدمة ليكمل باسل بمرح: "ماهو ميراضكش إن ملا واحد عياله تنجح تدبس في الحلاوة بتاعتهم؟ أنا بس حلاوتها عليا عشان بس داخلة طب، وبكرة وبعده تكشفلي ببلاش." نظر له الرجل ليجيبه بذهول:
"ربنا يبعدك عن الدكاترة وطرقهم يا بيه." ابتسم باسل ولم يعلق، ثم نظر للرجل من أعلى لأسفل بتقييم ليقول بجدية: "مصاريف دراسة بنتك عليا يا عم ممدوح، متشلش همها معاك لحد ما تخلص كلية. أنا سداد، متلقش بلاش تحني ضهرك قدام بنتك وقدام الناس." أغرورقت عيناه بالدموع ليقول بتأثر: "بس ده كتير يا باسل بيه." ابتسم باسل ليقول بهدوء: "ولا كتير ولا حاجة، ما أنا بقولك هى هتكشفلي ببلاش بعد كده ومهدفعش مليم، بلطجة بقى." ضحك
الرجل ليقول باسل بجدية: "على شغلك يا راجل يا طيب." تحرك الرجل بفرحة وهو يدعو لباسل بالسعادة في كل خطوة يخطوها، ولكن ما إن فتح الرجل الباب حتى وجد نبيل أمامه ليفسح له جانبًا ليدخل نبيل يتطلع بأثره وهو خارج، في حين عيناه ممتلئة بالدموع. لينظر نبيل بأثره ثم حول عينيه جهة باسل قائلاً بجدية: "وأنا أقول الكهربا اللي في المصنع على إيه؟ حول باسل عينيه بعيدًا ليكمل هو بجدية: "أديته فلوس ولا هتعمله عملية على حسابك؟
نظر له ليقول بجدية: "ضيف اسم بنته ضمن المعونات، تعليمها على حسابنا." أومأ برأسه ولم يعلق، ليقول أخيرًا بهدوء: "إيه اللي جابك النهاردة هنا؟ رفع حاجبه لأعلى ليقول بهدوء: "شايفك بتتهرب مني اليومين دول ومش بتجيلي زي عوايدك، قولت أجي أشوفك وبالمرة أطمن على مالى، فيه مانع؟ نفى برأسه ولم يعلق، وقد علم بأنه لم يعلم أمر هؤلاء الفتيات بعد، ليقول بهدوء:
"طيب كويس إنك جيت، تعالى شوف الشغل هنا وأنا طالع عندي اجتماع، وبالمرة فيه كام مشوار هعمله، عاوز تقعد اقعد، عاوز تروح براحتك." كان يتحدث وهو يضع الأوراق أمامه على المكتب، ثم فجأة تعالى رنين هاتفه ليتحرك نبيل مبتعدًا، في حين كانت تجلس هي وصديقتيها بفترة الاستراحة، إلى أن وجدوا إحدى الرجال يعطيهم صينية بها ثلاث قطع من الكعك وثلاث زجاجات من الصودا. نظروا جهته بتعجب ليقول بابتسامة فرحة:
"حلاوة نجاح بنتي يا دكاترة، بنتي نجحت ودخلت طب." ابتسمت جنا لتأخذها منه وهي تقول برقة: "مبروك." في حين قالت أميرة بتعجب: "مش انت اللي باسل طرده من الشغل؟ نظر جهتها بتعجب ليبتسم بفرحة قائلاً: "باسل بيه!!! ربنا يكتر من أمثاله ويفرحه يارب." نظرت له شيرين بابتسامة لتقول بمرح: "لأ ده واضح إنك بتحبه." ابتسم العجوز قائلاً بخفوت:
"أقولكم على سر، باسل بيه أطيب منه متلاقوش، يعني عمل قدام الكل إنه بيطردني وبيزعقلي، بس عشان ياخدني مكتبه وميحرجنيش قدام الرجالة، لأني مش قادر أجيب لهم الحلو، وهو اللي وصى على حلاوة نجاح بنتي من على حسابه، ربنا يخليه ويفرحه يارب." نظرت الفتيات جهة بعضهن بتعجب، ما هذا الذي يحدث؟ أي أحجية هي هذه والمعروفة باسم باسل الدمنهوري؟ هل هو كيب إلى هذه الدرجة؟ في حين أكمل الرجل:
"ميغركمش شدته يا دكاترة، انتوا جداد هنا ومتعرفوش، هو شديد في الشغل آه، بس راجل وجدع أوي وقلبه أبيض زي اللبن الحليب، ومفيش حد قصده وكسر بخاطره، ربنا يكتر من أمثاله يارب." كانوا ينظرون جهة بعض بتعجب إلى أن سمعوا مرة واحدة صوت صراخ فتاة، في حين هناك صوت رجل عالٍ، ركضوا إلى هناك ليجدوا أحدهم يمسك فتاة يكاد يكسر يدها في حين تصرخ هي بألم.
التفوا جهة بعض لتنظر أميرة بجانبها لتجد تلك المدعزة حسناء والتي تمط شفتيها المكتنز بشدة لتصبح أسطورة في عالم الشفاة، ثم تبدأ بعدها تمصمصهم، لتقول هي بتساؤل: "هو فيه إيه يا روايتر؟ وكما توقعت، لم يخفَ على روايتر ما يحدث وهي تقول بحسرة:
"داهية تقصف رقبته، راضي الكلب، كل يوم والتاني يمسك البت ريحان أخته يضربها العلقة المتينة عشان ياخد منها فلوس، أو بيضربها عشان فيه حد من زمايلها بيكلمها، تو بيسألها على حاجة، عامل نفسه ديك البراري وهو ولا ليه قيمة، بس عاوز يعمل نفسه راجل عليه، وحتى مش عاوز يقعدها يشغلها معاه وياخد فلوسها ويقامر بيها، وف الرايحة والجاية يضربها ومطفشلها العرسان، بس عشان تفضل قاعدة معاه وينفضها أول بأول."
هزت أميرة رأسها وهي تعي لتلك الحياة التي تعيشها تلك المسكينة، فهناك من يعيش بها الكثير ورأت منهم الكثير بحارتهم الشعبية تلك. انتبهوا على صوته وهو يصرخ بها بغضب: "إنتي يا اللي جايبالي العار، يا قليلة الحياة، إنتي ياللي عاوزة موتك." ثم رفع يده ليصفعها، ولكن فجأة من حيث لا يدري وجد يد قوية تمسك بيده بشدة وصوت جهوري زأر بالمكان جعل الكل يرتعد. "إيدك لا أقطعها."
كانت انتفض الجميع من مكانهم برعب وهم يجدون ذلك المارد محتل المكان واقفًا أمامهم بشموخ. ثم فجأة وجدوا يده ترتفع لتهبط على وجنة الآخر لتصدر صوت صدح صدته في أرجاء المكان، ثم صرخ بغضب: "شوفت بتوجع إزاي؟ انتفض الجميع بهلع وهم يجدون رئيسهم قد ابتعد عن واجهته المرموقة ليظهر بمظهر بربري بحت وهو يصرخ بغضب: "إيه اللي حصل؟ وليه بتمد إيدك عليها؟ لم يجد ردًا ليصرخ بصوت مرعب: "ريحان إيه اللي حصل؟ بكت ريحان لتقول بألم:
"أنا آسفة يا باسل بيه." صرخ باسل بغضب ويده مازالت تقبض على يد راضي بغضب: "أنا مقلتش تعتذري، أنا قولت إيه اللي حصل خلاه يضربك." بكت تلك الفتاة التي بالكاد تصل إلى الواحد والعشرين من عمرها، بكت بحرقة وخزي، لينظر في أرجاء المكان بغضب ليقول أحدهم:
"أنا مكنتش أقصد حاجة يا باسل بيه، بس أنا شفت ريحان واقفة على جنب وبتعيط، ولما سألتها ماله عرفت إن راضي خد فلوسها، لدرجة إنها مأكلتش حاجة من امبارح وجعانة، أدبتها، أكلي، وقولتلها معلش، لكن فجأة لقيت راضي جه وبيضربها." اتسعت عينا باسل بغضب ليحول عينيه جهة ذلك المسخ أمامه يناظره بأعين حمراء قاتلة تقدح شررًا وغضبًا تطلق أسهمًا نارية قادرة على قتله. في حين اشتدت قبضته على يده لدرجة آلمته لترتعد فرائصه أمامه قائلاً بدفاع:
"يؤذيك يا باسل بيه تطلع عني السمعة دي وتقول إني باخد فلوسها ومش بوكلها، بس عشان تاخد رضى الرجالة، ودة يبص ودة يطبطب ودة يلمس، كله ده عشان تتجوز وتلفت انتباه الرجالة." إن كان يظن أن بكلماته السخيفة تلك قد هرب من العقاب، فبالعكس، ففي تلك اللحظة اتسعت عينا باسل وازدادت قتامة حتى أنها أصبحت في تلك اللحظة تشبه بؤرة الجحيم، ليهمس بهسيس مرعب:
"اللي يخوض في شرف أخته يبقى مش راجل وما اتولدش على رجولة، اللي يمد إيده على أخته يبقى مش راجل وما اتولدش على رجولة، اللي يهين أخته ويقل منها يبقى مش راجل وما اتولدش على رجولة، واللي يبيت أخته جعانة ويخليها تتحوج للي يسوى واللي ميسواش يبقى مش راجل وما اتولدش على رجولة."
قال كلمته الأخيرة ليتفاجأ الجميع بكوعه الذي امتد ليضرب الآخر بأسفل وجهه ليسقط أرضًا بألم. تعالت شهقات الجميع، ولكن ما زادهم رعبًا حينما وجدوه يميل عليه ثم أمسك يده قائلاً بغضب أعمى: "هي دي الإيد اللي مديتها على أختك وبتستقوي عليها بيها." ثم وفجأة سمع الجميع صرخة الشتب حينما تماسك باسل يده يثنيها خلف ظهره بغضب. انتفضت الفتاة برعب لتركض جهته هاتفة بجزع: "باسل بيه، سيبه، الوس ايده، سيبه."
تركه باسل تحت إلحاح الفتاة ليقف يشرف عليه بهيبته المرعبة، ينظر جهته باشمئزاز ليبصق أرضًا قائلاً بقرف: "ده أنت عار على جنس الرجالة." ثم صرخ هاتفا بقوة: "الواد ده ما أشوفهوش هنا تاني." اتسعت عينا الفتاة لتركض جهته هاتفة برعب وهي تميل على يده قائلة برجاء: "لأ يا باسل بيه، أبوس إيدك لأ، بلاش، ده كده هيقتلني في البيت، وبعدين إن قعد مش هياخد فلوسي، بس ده ماهيصدق يشغلني ويقعد ويضربني في الرايحة والجاية."
اتسعت عينا باسل ينظر جهتها بصدمة، ليراه ينظر جهة راضي بشر، ليلف عينيه هو ينظر جهة راضي بغضب مخيف، ليراها تبكي قائلة بألم: "آخر مرة يا بيه، مش هفتح لوقي تاني حتى لو قتلني، بس ماتمشيناش، مش هنعمل مشاكل تاني." التف باسل حول نفسه بغضب، كيف كيف يحدث هذا؟ كيف يكون هكذا عالم الأخ هو سبب أذية أخته؟ لم يجد بدًا سوى من شد خصلاته، وفجأة أدار جسده ليضرب ذلك المسجى أرضًا بقدمه، ثم نظر لها صارخًا بضيق: "وبعدين معاك يا ريحان؟
نظرت الفتاة أرضًا بخزي، لينظر جهة ذلك المسجى بضيق، ثم أومأ برأسه ومال عليه قائلاً بتحذير مع رفع سبابته: "أقسم بالله لولا إنها اترجتني كنت خليتك تندب زي الولايا، بس المشكلة الأكبر إنك بتستقوي على الولايا فعلاً، بس ماشي، ملحوقة." أومأ برأسه ليقف قائلاً بهسيس مخيف ونبرة شريرة:
"هتكمل شغل، بس لو حصل اللي حصل مرة تانية، ل والله ما أخلي الكلاب نفسها تعرف تلاقيلك مطرح، لأني قرفت منك، ولو إيدك اتمدت عليها أو شفت فيها خربوش واحد، مش هحاسب غيرك، إنت في عينك عليها، لأني فعلاً قرفت من الموال ده." ثم رمقه بنظرة أخيرة مرعبة ومهددة، ثم صرخ بصوت مخيف: "فاهم ولا أفهمك بطريقتي؟ تومئ الشاب برأسه برعب مجيبًا بخوف: "فاهم، فاهم." نظر له باسل بقرف ليضربه بساقه مرة أخرى جاعلا إياه يتلوى من الألم، في حين نظرت
الفتاة له قائلة بامتنان: "ربنا يخليك يا بيه." لف باسل وجهه جهتها، ولكن فجأة تلاشى كل شيء وهو يجد تلك التي تقف أمامه تتابع الموقف، في حين تناظره بذهول. وبجانبها يقبع صديقتيها، قطب جبينه بتعجب، هل يرى أسقط بحلم ووهم مرة أخرى أم ماذا؟ التف ينظر للفتاة يحاول تجميع كلماتها، ثم أعاد عينيه ينظر جهة جنا مرة أخرى، ولكنها كانت لا تزال واقفة مكانها بكامل جمالها وبراءتها ورقتها الملائكية البريئة.
ابتلع ريقه بتوتر، هل بالفعل هي هنا؟ هل حالته أصبحت مستعصية؟ لف عينيه جهة الاثنتين الأخريين ليجد إحداهن تناظره بشراسة، في حين تلك المشاكسة تناظره بمرح وهي ترفع حاجبها بشقاوة ويلتمع الشغب بعيونها العسلية المرحة. إذا، فـ هي هنا، هي بالفعل تعمل هنا. لم يشعر بنفسه سوى وهو يركض من المكان متجها صوب مكان بعينه، في حين نظرت شيرين بأثره قائلة بضيق: "حلوة النمرة اللي عملها دي." نظرت لها جنا بذهول، في حين
نظرت لها أميرة بضيق لتقول: "شيرين، لو سمحتي بلاش تتكلمي بالأسلوب ده، انتي مش بتتكلمي عن واحد مجنون ولا مهووس، ولا أنا يعني مارلين مونرو عشان يعمل عشاني كده." في حين قالت أميرة بضيق: "شيرين، بلاش أسلوب القاتل المتسلسل ده، وبعدين إحنا جايين وعارفين إننا هنقابله، وهو معملناش حاجة ولا جه جنبنا ولا خد باله مننا غير ظلوقتى، فارجوكي." صمتت شيرين بغيظ في حين انتبه الجميع لصوت الفتيات قائلين:
"ربنا يخليه مستر باسل، ده واقف للبت وحاميها ومطول باله على الآخر، ده بصراحة لو توفيق بيه عرف هيطردهم الاتنين." أومأت إحدى الفتيات قائلات: "بصراحة مستر باسل جدع وابن حلال، وقبل ما حد يطلبه بيلاقيه، وعمره ما قصر، ربنا يحميه لشبابه ويرزقه ببنت الحلال ويكتر خيره يارب." نظرت لها أميرة لتشير للفتيات قائلة: "اتفضلي، ولا دول كمان متواطئين معاه؟ صمتت شيرين بغيظ ولم تتحدث، في حين قالت جنا: "يلا كل واحدة على شغلها." ***
دخل المكتب بسرعة وقد أغلق الباب خلفه بغضب اهتز على أثره المبنى كله. ظل يدور حول نفسه يشد شعره بغيظ. هل هي هنا أم ذلك من نسج خياله؟ أصبح لا يصدق نفسه وما يراه هذه الأيام؟ ترى ماذا يحدث؟ ولكن لو كانت هنا لكان نبيل أخبره. تحرك يضرب سطح المكتب بغضب أعمى ليسقط الملفات أمامه أرضًا. نظر جهتها بضيق ليميل يحملها من على الأرض يضعها على سطح المكتب بترتيب دقيق وهو ينظر أمامه بضيق:
"إن كان منظم وحط الحاجة مكانها بنظام وترتيب يجراله حاجة."
كان يقول كلماته قاصدًا بها نبيل. نظر لإحدى الملفات أمامه يتطلع إليها بملل وبغير اهتمام حقيقي ليعلم ماهيتها فقط ليمط شفتيه بلا مبالاة. إذا، فهي ملفات تعيين الموظفين، ولكن فجأة اتسعت عيناه وسقطت الأوراق منه أرضًا حتى أنه تراجع للخلف بوجه باهت وكأنه رأى شبحًا وهو يجدها هي أمامه. صورتها بالملف أمامه أسفلها اسمها كامل. نظر جهتها بذهول وسحب الدم من عروقه. إذا لم يكن يتوهم، لم يكن يحلم. فهي هنا، هي هنا بالمكان.
أمسك الأوراق يقلب بها عن شئ بعينه ليجد ثلاثتهم أوراقهم ها هنا. إذا، فقد بدأوا العمل بالفعل. ظل ينظر للورق ولم يدرِ سوى وهو يجد باب المكتب يفتح ويطل عليه نبيل هو يتحدث بالهاتف. قطب نبيل جبينه وهو يجده بتلك الهيئة المزرية. اقترب منه بنظرات متسائلة، في حين ما يزال يتحدث على الهاتف. ليتفاجأ به يلقي الملفات على المكتب صارخًا بغضب: "نبيل! التف نبيل جهته بتعجب ليجده رافعًا إحدى الملفات بيده صارخًا بغضب: "إيه ده؟
وعى نبيل إلى ما يقصد ليغلق الهاتف مع المتحدث بهدوء، ثم تحرك لينظر جهة الملف، ثم رفع حاجبه لينظر جهته قائلاً بلا مبالاة: "ملف توظيف." صرخ باسل بغضب: "ما أنا عارف إنه ملف توظيف، بس ليه معنديش خبر عن الموضوع ده؟ ليه ما قولتليش؟ نظر له نبيل ليقول بلا مبالاة: "لأنه مش تخصصك، ولا يعنيك الموضوع ده، تخصصي وبس، لكن أنت تخصصك التجارات والصفقات، ده أولًا." "ثانيًا بقى، تعرف ليه؟ إيه اللي بيربطك بيهم عشان تهتم؟ كان قرايبنا؟
معارفنا؟ واحدة منهم كانت مراتك؟ خطيبتك؟ لأ، يبقى ليه تعرف." نظر جهته بصدمة ليكمل نبيل ببرود: "أقولك ليه؟ عشان تعمل فضيحة؟ أنت قولت إنك خلاص هتعدي الموضوع ده ومش هتقف في طريقها ولا هتقل من نفسك، إيه؟ اتراجعت عن كلامك؟ ظل ينظر جهته بذهول ليبعده عن طريقه صارخًا بغضب: "ابعد، ده أنت إنسان بارد."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!