نظرت إلى الغرفة قليلًا، ثم جذب انتباهها شيء موضوع على الطاولة، فذهبت إليه وكادت أن تمسكه، ولكن سمعت صوتًا من خلفها لا يبشر بالخير يقول بغضب: "أنتي بتعملييييي إيييييي! فزعت من صوته والتفتت فجأة، ولكن على حين غرة اصطدمت يديها بالبلورة الموضوعة على الكومود ووقعت على الأرضية وتهشمت. نظرت بصدمة إليها ونظرت إليه بخوف وقالت بتلعثم: "أ.. أنا آسفة، وقعت غصب عني، أ.. أنا."
كان ينظر للبلورة بصدمة، هُشمت آخر ذكريات زوجته له، يشعر أن قلبه هو الذي انكسر وليس البلورة. رفع عينيه إليها والغضب يعميها. أردف بصوت عالٍ جدًا: "أنتي عملتيييي إيييي! تقهقرت للوراء بذعر ونظرت له بخوف. كان يوزع نظراته بين البلورة المهشمة وبينها. أروى: "أنا؟ رفع يديه ليضربها وهو لا يعي ماذا يفعل من شدة غضبه، فخبأت وجهها بخوف، ولكنه أحكم غضبه وزجرها وقال: "امشي من وشي! مش عايز أشوفك قدامي! يلاااا برااا!
هرولت من أمامه والدموع متحجرة في عينيها وخرجت من الغرفة، وما إن خرجت حتى أطلقت العنان لدموعها. جلست على الأرضية واحتضنت وجهها وبكت، وفجأة شعرت بيد تملس على شعرها، فرفعت عينيها الملتمعة بالدموع فوجدتها ذلك الملاك الصغير. أردفت لؤلؤة بحزن طفولي: "بتعيطي ليه يا ماما؟ أزالت دموعها سريعًا واحتضنت الطفلة وقالت: "مفيش يا روحي." قامت من مكانها وقالت: "يلا عشان أحكيلك قصة حلوة."
أومأت الصغيرة بحماس، فقبلتها من خدها وأخذتها واتجهوا لغرفتها. أما عنده، كان يجلس وسط الزجاج المتناثر وينظر له بألم وكأن روحه هي التي تناثرت. بدأت ذكريات الماضي تغزو قلبه، يتذكر كل شيء بها، ضحكاتها، ابتسامتها، حزنها، كل شيء بها، صوتها الذي لا يفارق صداه أذنيه. لقد اشتاق قلبه لها كثيرًا، اشتاقت أذنيه لسماع كلمة "أحبك" منها، اشتاق لذكرياتهم. قام من مكانه وجلب صورتها ونظر إليها والدموع تتلألأ في عينيه وقال:
"وحشتيني أوي." احتضن الصورة لقلبه وأغمض عينيه عله يغيب عن الواقع المرير قليلًا ويقابلها في أحلامه. أما على الجانب الآخر، كان ذلك العاشق يجلس أسفل بنايتها وينظر للشرفة ويتوق رؤيتها. أردف صديقه بملل وقال: "يا ابني بطل تفكر فيها بقى! رضوى مش شبهك ولا أنت شبهها، وأمها مستحيل ترضى بيك، أمها عايزة واحد متريش، هتديلها أنت إيه وأنت بتشتغل في ورشة حدادة ويدوبك تقوي نفسك؟ وبعدين إيه الميزة فيها يعني؟
ده ماشية رافعة مناخيرها ولا كأنها وزيرة ومعاملتها لا تُذكر مع الناس، فوق يا سالم، أنتوا الاثنين مش شبه بعض." تنهد سالم وقال: "عارف، بس أنا متأكد إنها كويسة، لكن طبع أمها مسيطر عليها. أنا مش هستسلم إلا لما أطلع الحلو اللي فيها وتبقى حلالي إن شاء الله." هز عز رأسه بيأس من صديقه وقال:
"براحتك، اعمل اللي يريحك. أتمنى قلبك يرتاح وتاخد اللي بتتمناه إن شاء الله. أنا هقوم أشوف الشغل وأنت كمان يلا، مش هتفضل قاعد حاطط عينك كده على البلكونة ليل نهار." نظر إلى الشرفة نظرة أخيرة ثم قام معه ليباشر عمله. أما عندها بالأعلى، كانت تقف وراء باب الشرفة فكانت هي الأخرى تراقبه.
تنهدت بحزن وابتعدت عن الباب وذهبت باتجاه الفراش وجلست وهي تفكر. تعترف لنفسها أنها تحبه كثيرًا، ولكن بسبب أن أمها ولدت الغيرة لها من ابنة خالها، فكانت دائمًا تقارن بينهما، فبسبب ذلك أحست بالغيرة منها وبدأت أن تجرحها بكلماتها حتى أصبحت هكذا، لا تعرف ماذا تريد. هي تحبه ولكن كلمات أمها تتحكم في عقلها وتريد أن تأخذ سعادة أروى، لكن ضميرها يمنعها.
مر وقت طويل في صراع بين عقلها وضميرها حتى اتخذت قرارها وقررت أن تنفذه غدًا وتعلم أمها به. مر الليل سريعًا وأشرقت شمس يوم جديد. في غرفة مالك، داعب نور الشمس وجهه، فوضع يديه على عينيه بضيق ثم فتح عينيه وقام من مكانه وذهب ليغتسل. بعد قليل انتهى ثم خرج من غرفته وكاد أن يترجل لأسفل ولكنه سمع صوت ضحكات ابنته، التفت ونظر وراءه فوجدها تمسك بيد أروى والاثنتين تضحكان.
رفعت أروى نظرها عن لؤلؤة وما إن رأته أمامها حتى اختفت ابتسامتها. هرولت لؤلؤة لمالك بسعادة فنزل لمستواه وحملها، فقبلته من خده وقالت: "صباح الخير يا بابا." مالك بابتسامة: "صباح الخير يا قلب بابا." لؤلؤة: "بابا، أنا عايزة أروح الملاهي النهارده." مالك: "بس كده، عيوني ليكي." لؤلؤة: "يحيا بابا! بس كمان هناخد ماما معانا، ماشي؟ كاد أن يرد على الصغيرة ولكن سبقته أروى وقالت:
"لا يا حبيبتي أنا تعبانة، روحي أنتي مع بابا وانبسطي." لؤلؤة: "لا، أنا هنبسط وأنا معاكم أنتوا الاثنين. بليز يا بابا اقنع ماما." نظر مالك لها قليلًا وتوترت من نظراته الحادة ثم التفت وقال ببرود: "جهزي نفسك، هنخرج الساعة 4." لم يعطها فرصة لتقول أي شيء لأنه تركها وترجل بابنته لأسفل. تضايقت منه وقالت: "أستغفر الله يا رب صبرني." أما عند رضوى، خرجت من غرفتها ووجدت أمها تقف على باب الشقة فعقدت حاجبيها وقالت:
"واقفة كده ليه يا ماما؟ التفتت إليها سميحة بابتسامة واسعة وقالت: "كان عندنا ضيف." عقدت حاجبيها وقالت بتساؤل: "ضيف مين؟ سميحة: "اسمعي، خلينا ننسى موضوع البنت دي خالص دلوقتي، إحنا حالنا عرض بمليون جنيه." رضوى: "تقصدي إيه يا ماما؟ سميحة: "يعني خلاص غيرت رأيي، هاسيب بنت مها تعيش حياتها ما دام جالك اللي هيعيشنا في نعيم وننسى موضوعها خالص." رضوى: "نعيم إيه؟ بتتكلمي على إيه يا ماما؟ سميحة:
"المعلم عطوة طلبك للجواز وأنا وافقت وعرضه ما يتعوضش وهيعيشك عيشة ما تحلميش بيها وهيخرجنا من الحارة المعفنة دي." صرخت رضوى بصدمة وقالت: "أنتي بتقولي إيه؟ عطوة ده متجوز اثنين! عايزة تبيعيني يا ماما عشان خاطر الفلوس؟ سميحة: "وأنتي لاقية يا فقرية؟ ده هيأكلك الشهد." رضوى: "وأنا مش موافقة، مستحيل! أمسكتها سميحة من شعرها وقالت:
"هتوافقي غصب عنك يا روح أمك، ولا مفكراني عمياء ومش واخدة بالي إنك بتحبي الواد المعفن اللي اسمه سالم ده؟ بعدك فاهمة؟ هتمشي زي ما أنا عايزة. غوري من وشي، كتب كتابك هيبقى بالليل." رضوى: "مستحيل! مستحيل! أنا هاموت نفسي قبل ما تفكري في كده." ذهبت باتجاه الشرفة ووقفت إلى السور، فصرخت أمها لكي تعود وبدأت الناس تلتئم بالشارع. أما هو فكان يعمل ورأى الناس يهرولون، فخرج من الورشة ليرى ماذا هناك وتفاجأ بما رأى. هرول
ناحية بنايتهم وقال بذعر: "رضوى! انزلي! أنتي اتجننتي؟ كان الجميع يصرخ من حولها ولكن لم تستمع لأحد وتأهبت لكي تنهي كل شيء. خاف عليها بشدة فلم يستطع الوقوف وهو عاجز هكذا، فصعد سريعًا إلى شقتهم وكسر الباب ودخل بلهفة وقال: "رضوى! انزلي بالله عليكي! لم تستمع له وتقدمت أكثر وفجأة صرخ سالم بأعلى صوته باسمها: "رضواااااااه!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!