هادية أخدت مليحة ورجعت على البيت وهما الاتنين طايرين من الفرحة. هادية طول الطريق عمالة تحمد ربنا وتشكر فيه وتدعي له إنه يتمم فضله عليها والحكاية تتم على خير. أول ما وصلوا البيت، هادية قالت لمليحة: "تعالى بقى احكيلي إيه اللي حصل بالظبط." مليحة باستغراب: "حصل إيه؟ هادية: "إيه حكاية السلسلة اللي دكتور منعم كان بيحكيلك عليها وكنتوا بتضحكوا وتهزروا مع بعض عنها؟ مليحة باستيعاب: "آه، بصي يا ستي...
وابتدت تحكيلها من أول تنمر زميلتها عليها لحد ما منعم قعد معاها في مكتبه وقعد يعلمها إزاي تشبك شوية حروف مع بعضها. هادية ابتسمت وقالت بفضول: "وعرفتي تعملي زي ما قال لك؟ مليحة: "آه يا ماما دي طلعت سهلة أوي، قالي كل حرف بيبقى له ديل، وإحنا بس محتاجين ننيم الديل ده ونشبكه في اللي بعده." هادية: "يعني خلاص كده عرفتي كل الحروف؟ مليحة:
"لأ.. لسه، بس هو قالي إن كل يوم في البريك الكبير هروح عنده وهو هيعرفني على باقي الطريقة السحرية." هادية بابتسامة: "ربنا يجازيه كل خير." مليحة بسعادة وهي بتفتح دراعاتها على الآخر: "أنا بحبه أوي أااااد كده." هادية طبطبت على راس مليحة وقالت لها: "طب يلا عشان تغسلي إيدك وشك، وغيري هدومك على ما أحطلك تاكلي." مليحة بامتعاض: "وبرضه مش هتاكلي معايا؟ هادية بابتسامة: "معلش يا حبيبتي، إن شاء الله تتعدل وهرجع آكل معاكي."
منعم كمان رجع على بيته وحكى لفوز على كل اللي حصل. ففوز قالت له: "طب هتقول إيه لميس نادية؟ لازم تفكر من دلوقتي عشان ما تفكرش إنك عاوز تستغنى عنها، خصوصًا إن صحتها مابقتش زي الأول." منعم: "لأ ماتقلقيش، أنا قبل ما أجي طلعت قرار بترقيتها، وبلغتهم إننا هنحتفل بيها يوم الأحد إن شاء الله، وإني هجيب مدرسة جديدة تبقى تحت إشرافها." فوز: "تفتكر نادية مش هتضايق؟ منعم بتفكير:
"كل اللي هقدر أعمله.. إني أحاول ألاقي لها مسؤوليات تانية تتناسب معاها وفي نفس الوقت ماتبقاش مرهقة ليها." فوز: "ربنا ييسر الخير يا ابني."
تاني يوم هادية أخدت مليحة وراحوا صلوا الجمعة ورجعوا على البيت. مليحة شالت قطتها وخرجوا يتمشوا في الشمس. كانوا ماشيين في الشارع بتاعهم اللي فيه فيلتهم وفيلا منعم وفوز، ومليحة كانت مبسوطة إنها خارجة بالقطة بتاعتها. لحد ما مروا من قدام فيلا منعم، واللي كانت هادية تعرف البواب بتاعهم واللي شافته قاعد قدام الباب فقالت بابتسامة: "صباح الخير.. إزيك يا عم عبده؟ عبده ببشاشة وترحاب:
"يا صباح الأنوار، إزيك يا ست هادية وإزي أحوالك، وإزيك يا مليحة عاملة إيه يا بنتي؟ مليحة بضحك: "شايلة كيتي وبفسحها معايا." عبده: "الله يسعدك يا بنتي، وإنتي يا ست هادية.. لو احتاجتي أي حاجة في أي وقت أؤمريني وأنا رقبتي سدادة." هادية: "تسلم يا عم عبده." لسه هتاخد مليحة وتتحرك من مكانها كان منعم راجع بعربيته من برة ويادوب ركنها ونزل من العربية وهو بيقول بابتسامة: "مليحة وقطتها عندنا.. يا أهلا يا أهلا." مليحة بسعادة:
"شفت كيتي قطتي حلوة إزاي." هادية: "صباح الخير يا دكتور." منعم وهو بيمد إيده يشيل كيتي ويطبطب عليها: "صباح الخير. واقفين برة ليه كده؟ ده كلام برضه يا عم عبده، مش تعزم عليهم يتفضلوا جوة؟ هادية باحراج: "لأ لأ لأ.. جوة فين؟ كتر خيرك، ده بس مليحة كانت عاوزة تتمشى شوية بالقطة بتاعتها." منعم وهو بيشاور على فوز اللي قاعدة في الجنينة ومتابعة اللي بيحصل من بعيد:
"على فكرة والدتي قاعدة هناك أهي، وتعرفك على فكرة، ولولا بس رجلها تعباها شوية كانت جت عزمت عليكي بنفسها." هادية شاورت براسها لفوز اللي ابتسمت لها وقالت لها بصوت عالي: "اتفضلوا." منعم وهو داخل الفيلا بتاعته: "بلاش تكسفوها بقى، تعالوا اتفضلوا." هادية ومليحة بصوا لبعض ودخلوا ورا منعم باحراج لحد ما وصلوا للمكان اللي قاعدة فيه فوز واللي قالت لهم بترحاب: "يا ألف خطوة عزيزة، أهلا يا بنتي نورتي." هادية:
"أهلا بحضرتك، إحنا آسفين على الإزعاج." فوز: "إزعاج إيه بس؟ ده أنا بتنشق على حد أشوفه وأتكلم معاه، اتفضلي استريحي." وبصت لمليحة وقالت لها: "وإنتي بنتك القمر دي ماشاء الله، منعم بيحبها أوي وطاير بيها.. ربنا يبارك لك فيها يا بنتي." هادية بابتسامة: "الله يبارك لحضرتك، متشكرة أوي." منعم وهو لسه شايل كيتي: "ها.. تشربوا إيه بقى؟ هادية: "متشكرة أوي، ولا حاجة، إحنا لازم نرجع البيت على طول عشان مليحة عندها واجبات لازم تعملها."
فوز: "لأ يمكن أبداً، لازم تشربوا حاجة وكمان تتغدوا معانا." هادية: "لأ والله ماينفع، مرة تانية إن شاء الله." فوز: "يا بنتي ده إحنا جيران.. يعني أهل، ولازم يبقى فيه بينا عيش وملح." هادية: "ونعم الأهل والجار يا طنط، بس معلش.. اعذرينا النهاردة وخليها مرة تانية." منعم: "خلاص يا ماما، سيبيها براحتها.. بلاش غدا، بس هنشرب حاجة مع بعض، وبعدين ده إحنا مش جيران بس، ده إحنا كمان هنبقى زملاء." هادية لسه هتعترض راح منعم قال لها:
"ماهو ياتشربي حاجة يا هنتغدى سوا.. ها.. تختاري إيه؟ هادية بقلة حيلة: "خلاص.. يبقى أشرب شاي لو أمكن." منعم التفت لمليحة وقال لها: "وإنتي يا مليحة تشربي إيه؟ مليحة بصت لهادية وهي بتستفسر منها بعنيها. فمنعم قال لهادية: "أنا عارف إنها مش هتطلب حاجة من غير ما تسمحي لها، فممكن تسمحي لها؟ هادية باحراج: "أي حاجة.. الموجود." منعم جه يدخل الفيلا من جوة فمليحة قالت له: "هو إنت واخد كيتي ورايح فين؟ منعم وهو بيضحك:
"هخليها معايا على ما أرجع عشان أضمن إنكم ماتمشوش." وفعلا سابهم ودخل طلب من الشغالة اللي عاوزة ورجع لهم. وفي الأثناء دي كانت ابتدت فوز تتكلم مع هادية وقالت لها: "سامحيني يا بنتي إني ما زورتكيش تاني من وقت العزا، بس اديكي شفتيني قاعدة إزاي." هادية: "يا خبر يا طنط، حضرتك كتر خيرك.. ربنا يديكي الصحة." فوز: "هو إنتي يا بنتي أصلاً من هنا من القاهرة؟ هادية: "الحقيقة لأ، أنا أصلاً من الشرقية." فوز بابتسامة:
"يعني بلد الكرم كله." هادية: "الله يكرمك." فوز: "يمكن ما كنتش أعرف جوزك الله يرحمه معرفة شخصية، لكن الحقيقة ما كنتش أسمع عنه غير كل خير." هادية بحزن: "الله يرحمه، كان كل حاجة في حياتنا." منعم واللي كان رجع على جملة فوز: "الله يرحمه، الحقيقة أنا اتكلمت معاه مرة واحدة بس." هادية: "أكيد وقت التقديم لمليحة في المدرسة." منعم:
"الحقيقة لأ، أنا كمان ما كنتش أعرف إن له بنت في المدرسة عندي. أنا كنت قابلته وقت صلاة الجمعة وكان وقتها بيقترح على أهل الحي إننا نخصص مكان نمنع فيه سير العربيات ونخصصه لركوب العجل بس للأطفال." هادية وهي بتبص لمليحة: "أيوه كان نفسه يعلم مليحة إنها تسوق العجلة لوحدها ويبقى في مكان مخصوص تركب فيه من غير ما نبقى قلقانين عليها." منعم:
"الحقيقة فكرته لاقت تشجيع من كتير من اللي موجودين، بس للأسف اتفاجئنا بعدها بكام يوم بخبر وفاته." فوز وهادية: "الله يرحمه." هادية بريبة: "يعني حضرتك لما شفت مليحة في المدرسة، ما كنتش تعرف هي بنت مين؟ منعم بصدق: "أبدا والله، بس فعلاً صدفة عظيمة." فوز: "ماتآخذينيش يا بنتي لو كنت هتدخل في حاجة ماتخصنيش.. أنا كنت سمعت إن في مشاكل حصلت بينك وبين أهل جوزك بعد وفاته بسبب الميراث." هادية بتنهيدة: "أيوه." فوز:
"وليه سكتتي عن حقك؟ ليه ما اشتكيتيهومش؟ هادية: "الحقيقة.. أنا مش عاوزة أعمل مشاكل معاهم." منعم: "اسمحلي… هما اللي عملوا مشاكل مش إنتي، بس إنتي اتخاذلتي وفرطتي في حقك وحق بنتك." هادية بدفاع عن نفسها: "أنا ما اتخاذلتش، كمان رحم الله امرؤ عرف قدر نفسه. أهل فاروق مش قليلين، ولا سهلين وأنا ماليش حد بعد ربنا غير مليحة وبس. فاروق اللي كان حاميني منهم، وأنا ما عنديش أي استعداد إني أخسر بنتي عشان الفلوس." فوز:
"وإنتي هتخسري بنتك ليه يا بنتي؟ هادية وهي بتبص بحزن لمليحة: "لأني اتهددت بيها وإنهم ياخدوها مني لو فكرت أعمل لهم أي دوشة أو قلق. ثم كمان فاروق الله يرحمه زي ما يكون كان قلبه حاسس، وكان محذرني منهم ومن غدرهم ووصاني إن مهما يحصل، أحاوط على مليحة وأبعد عنهم تمامًا." فوز بتفهم: "عشان كده كان كاتب الفيلا باسمك." هادية وهي بتهز رأسها بالموافقة:
"أيوه.. والحمد لله إن ربنا هداه إنه يعمل كده، وإلا كان زماننا في الشارع دلوقتي." فوز: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الناس اتشالت من قلوبها الرحمة.. ده بدل ما يحاوطوا على البنت اليتيمة دي اللي تعتبر بقت أمانة في رقبتهم." هادية: "ربنا يبعدهم عنا وإحنا إن شاء الله هنبقى بخير." فوز: "وإنتي يا بنتي مالكيش حد خالص.. أقصد يعني أخ أو أخت.. أي حد يعني يبقى جنبك وسند ليكي." هادية بابتسامة:
"سندي ربنا، أنا ما كانليش حد غير والدي الله يرحمه واتوفى بعد سنة واحدة من جوازي، وماليش إخوات." منعم: "عموماً يا مدام هادية.. أنا تحت أمرك في أي حاجة تحتاجيها وفي أي وقت. إنتي ماتعرفيش أنا بحب مليحة قد إيه." مليحة بسعادة: "أد إيه بقى.. عشان أشوف مين فينا بيحب التاني أكتر." منعم بضحك: "طب إنتي بتحبيني قد إيه؟ مليحة وهي بتفتح إيدها على الآخر: "أنا بحبك اااااد كده." منعم هو كمان فرد إيديه وهو بيقول بمرح:
"وأنا كمان اااااد كده. شفتي بقى يبقى أنا بحبك أكتر ما إنتي بتحبيني عشان أنا إيديا أكبر من إيديكي." مليحة ضحكت أوي وقالت له: "بكرة هكبر وإيديا هتكبر." هادية وقفت وقالت بهدوء: "اسمحلونا إحنا بقى نستأذن." وبصت لفوز وقالت: "أنا اتشرفت بالتعرف على حضرتك." فوز: "الشرف لينا يا بنتي، وأتمنى إني أشوفك من وقت للتاني، واعتبرينا أهلك." هادية: "ده شرف ليا… متشكرة أوي."
يوم الأحد هادية وصلت هي ومليحة المدرسة بالدراجة بتاعتها ولقيت الأمن بيرحبوا بيها وبيسمحوا لها إنها تدخل المبنى الإداري زي ما منعم وصاهم. سابت مليحة تروح على طابورها وراحت على مكتب منعم، ولسه هتخبط على الباب سمعت صوت منعم من وراها وهو بيقول: "يا صباح الأنوار." هادية بابتسامة واضح عليها القلق: "صباح الخير يا دكتور." منعم وهو بيفتح باب مكتبه: "صباح النشاط والحيوية. تعالي اتفضلي."
منعم فتح شباك مكتبه اللي بيطل على حوش المدرسة ووقف يراقب الولاد الصغيرين وهم بينتظموا في الطابور بتاعهم ونده لهادية وقال: "تعالي يا ميس هادية." هادية اطمنت إنه مارجعش في كلامه أما ندهلها بميس، وراحت وقفت جنبه وهو بيشاور لها على الطابور اللي مليحة واقفة فيه واللي كان كله عبارة عن الولاد الصغيرين وبس وبيقول: "مليحة هناك أهي." هادية بابتسامة وهي بتراقب مليحة وهي بتأدي تمارين الصباح:
"أنا أول مرة أعرف إنكم فاصلين طابور الولاد الصغيرين عن طابور الكبار." منعم بضحك: "ده حفاظًا على أرواحهم، وأرواحنا. إنتي ماتعرفيش إحنا بنبذل مجهود قد إيه عشان نفصل في المواعيد مابين دول ودول. طب وعلى إيه، كلها نص ساعة وهتشوفي بنفسك." وبعدين شاور على المكتب وقال لها: "تعالي اتفضلي." ولما قعدوا، طلع ملف من درج مكتبه وناوله لهادية وهو بيقول لها:
"ده العقد بتاعك، اقريه على مهلك قبل ما تمضي ولو مش فاهمة أي حاجة قوليلي وأنا أوضحه لك." هادية مسكت الملف وفتحته وابتدت تقرأه وعرفت إن العقد لمدة سنة قابلة للتجديد وفيه بنود كتيرة تحفظ حقوقها وحقوق المدرسة في نفس الوقت. وعرفوا إنهم هيأمنوا عليها فورًا من أول يوم. وفضلت تقرأ لحد ما جت لبند المرتب واللي كان مفاجأة ليها أما عرفت إنها هتقبض سبعة آلاف جنيه. فبصت لمنعم بذهول وقالت: "سبعة آلاف جنيه؟ منعم:
"إيه.. كتير ولا قليل؟ هادية: "الحقيقة أنا ما كنتش أتخيل أبداً المبلغ ده. أنا.. أنا كنت فاكرة إن هيبقى بالكتير أوي تلات آلاف مثلاً." منعم وهو بيهرش في رقبته: "ماتنسيش إن إنتي هتبقي تقريبًا واقفة على رجلك طول اليوم، لأن الشغل عندي للأمانة بيبقى مرهق جداً، فطبعًا لازم يكون الأجر على قد التعب. وبعدين كمان بيبقى فيه بدلات تانية مع الامتحانات وكمان زيادة سنوية." هادية وعيونها مدمعة من الفرحة:
"الحقيقة أنا مش عارفة أشكرك إزاي." منعم: "بإنك تقومي بشغلك كما ينبغي." هادية بحماس: "حضرتك أنا مستعدة لأي حاجة ولو في أي وقت قصرت هيبقى أكيد عن سوء فهم مني، ومش هبقى محتاجة غير بس تنبيه أو شرح ووقتها هعدل اللي قصرت فيه فورًا." منعم: "تمام، امضي بقى على العقد وأنا هوصلك لميس نادية… إحنا هنحتفل بترقيتها دلوقتي في طابور الكبار، وبعدين لما هتقعدي معاها هتفهمي كل حاجة."
هادية استلمت شغلها واتعرفت على نادية وكونت معاها علاقة طيبة جداً، واتعرفت على باقي فريق التدريس والإداريين واللي اكتشفت إنهم كلهم بلا استثناء بيتمتعوا بقدر عالي جداً من الخلق الطيب. وقدرت بمرور الأيام إنها تكون علاقة طيبة بالجميع وعلى رأسهم منعم واللي اكتشفت إنه بيتعامل مع الكل باحترام وسمو أخلاقي، وإنه بيتمتع بنوع خاص من الرقي في كل حاجة.
واتعودت إنها كانت كل ما تعدي على فيلا بتاعة منعم وتشوف فوز قاعدة في الجنينة، كانت تدخل تسلم عليها وأحياناً كانت تشرب معاها الشاي ويتكلموا مع بعض شوية. وطبعاً بعد فترة بسيطة بطلت تروح المدرسة بالدراجة بتاعتها، ومنعم أقنعها تجيب عربية صغيرة بالقسط عشان تقدر تتحرك بيها هي ومليحة.
لحد ما مر على شغلها مع منعم سنة ونص، وكانت امتحانات آخر السنة خلصت، ويعتبر المدرسة في حالة من الهدوء النسبي. وكانت هادية استأذنت من منعم إنها تاخد معاها مليحة المدرسة كل يوم وهو وافق عشان عارف ظروفها، ولأنه كمان كان شايف إن مليحة ما بتعملش أي دوشة ولا أي حاجة تضايق أي حد طول وجودها في المدرسة.
لحد ما في يوم منعم وهو بيمر على المدرسة وبيتابع أعمال الصيانة اللي متعودين يعملوها في الإجازة الصيفية… لقى مليحة قاعدة لوحدها في ركن في فصل من الفصول وهي عمالة كل شوية تمد إيدها تمسح حاجة من على وشها. ولما دقق في ملامحها لقاها بتعيط. فمنعم نده عليها وقال لها: "إيه يا مليحة، قاعدة ليه كده وبتعيطي ليه؟ إنتي ماما معاقباكي ولا إيه؟ مليحة وهي بتمسح وشها بإيديها الاتنين: "لأ.. ماما مش معاقباني، وماتقوللهاش إنك شفتني بعيط."
منعم باستغراب: "طب حاضر مش هقول لها، بس على شرط تقوليلي بتعيطي ليه." مليحة وهي بتقيس رد فعل منعم: "ومش هتقول لماما إني قلت لك حاجة." منعم بحنان: "ومش هقول لماما إنك قلت لي حاجة." مليحة: "النهاردة ماما أخدتني الصبح ورحنا نزور بابا.. عشان بقاله سنتين عند ربنا." منعم بأسى: "تعيشوا وتفتكروا يا حبيبتي، إنتي بتعيطي عشان بابا وحش؟ مليحة: "بابا وحشني أوي، بس مش بعيط عشان كده." منعم: "أومال بتعيطي ليه؟
مليحة وهي بتعيط من تاني: "عشان هناك قابلنا تيتا وعمو فهد وعمو فادي، وتيتا اتخانقت مع ماما وخلتها عيطت جامد وقالت لها كلام وحش كتير." منعم اتنهد واخد مليحة في حضنه وطبطب عليها وقال لها: "معلش يا حبيبتي ماتزعليش.. ماما شوية وهتنسى، وهي ربنا أكيد هيعاقبها." مليحة: "تيتا قالت لماما إنها هتخلي البوليس ياخدها ويحبسها، وإنها هتاخدني توديني مانجة." منعم باستفهام: "توديكي فين؟ مليحة:
"مانجة.. اللي هو بيبقى فيه كل الولاد اللي ما عندهمش باب." منعم بفهم: "ملجأ؟ مليحة: "آه.. هو ده، وأنا مش عاوزاهم ياخدوني من ماما." منعم: "طب هي ليه قالت كده؟ مليحة: "مش عارفة، هي قعدت تقول كلام كتير أنا مفهمتوش، بس أنا خايفة ياخدوني من ماما، أنا مابحبهمش." منعم وهو يربت عليها وهي بين أحضانه: "ماتخافيش، أنا مش هخلي حد ياخدك من ماما أبداً، أوعي تخافي طول ما أنا موجود."
كانت هادية موجودة في أوضة التدبير المنزلي واللي بتعمل لها جرد هي وميس نادية، وكانت هادية بتحاول تنسى اللي حصل بإنها تركز في شغلها لدرجة إنها ما حستش بمنعم وهو واقف بيراقبها لحد ما سمعت نادية بتقول لمنعم: "إحنا قربنا نخلص يا دكتور ماتقلقش، على بكرة الضهر إن شاء الله هكون جهزتلك كشف بكل حاجة." هادية التفتت بصت على منعم ونادية ورجعت كملت شغل من غير ما تعلق. فمنعم قال لها: "الله ينور يا ميس هادية، مش عاوزة مساعدة."
هادية بصوت مبحوح ويادوب مسموع بالعافية: "تسلم يا دكتور." منعم: "ألف سلامة.. إنتي تعبانة ولا إيه؟ تحبي تروحي." هادية برفض: "لأ أبداً أنا كويسة، أنا بس الظاهر التراب أثر على صوتي.. شوية بس كده وهبقى كويسة." منعم: "تمام.. ربنا معاكم." منعم خرج من عندهم رجع مكتبه واتصل بفوز وحكالها باختصار عن اللي حكيتهوله مليحة. فوز: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هما عاوزين منهم إيه تاني." منعم:
"أنا متكتف، ومش هقدر أساعدها إلا لو حكت وقالت اللي حصل بالظبط وسببه إيه." فوز: "عندك حق، طب إيه رأيك، أنا هتصل بيها وأقول لها إني محتاجاها، وإما تيجي نمسك فيها على الغدا وأنا هحاول أجرجرها في الكلام يمكن تحكي حاجة." منعم: "ماشي، وأهي محاولة." وفعلاً.. فوز اتصلت بهادية وقالت لها إنها عاوزاها ضروري في حاجة مهمة بعد الشغل وإنها لازم تعدي عليها قبل ما ترجع البيت. وهادية اتكسفت تعتذر لها ووعدتها إنها هتروح لها.
وفعلاً بعد المدرسة هادية عدت على فوز واللي لقيتها قاعدة في الفرندة مستنياها وأول ما شافتها شاورت لها تدخل الفيلا. وفوز قابلتها في الليفنج بترحاب شديد جداً وهي بتقول: "بقى كده يا هادية، هو أنا يا بنتي لازم أكلمك عشان أشوفك." هادية باحراج: "يا خبر يا طنط، ده حضرتك تأمرينى، بس والله أنا تقريباً مابخرجش إلا نادر جداً وحتى لما بعدي من قدام الفيلا مابلاقيش حضرتك قاعدة في الجنينة زي عادتك." فوز:
"الدنيا حر على الجنينة، مابخرجش برة غير بعد العصر بحبة حلوين. تعالي احكيلي أخبارك إيه وانتِ يا مليحة، مالك كده زعلانة… إنتي معيطة ولا إيه يا بنتي." مليحة بصت في الأرض وعيونها ابتدت تدمع من تاني، ففوز قالت: "مالها بنتك يا هادية." هادية: "أبدا يا طنط ماتقلقيش، بس حصل موقف الصبح ضايقها شوية." منعم وهو داخل من برة: "مين اللي يقدر يضايق مليحة وأنا موجود؟
إيه اللي حصل يا مدام هادية.. ده لو مافيهوش تدخل يضايقك مني أو من ماما." هادية بامتنان: "يعلم ربنا إني بقيت أعتبركم أهلي وبأعتبر طنط زي والدتي بالظبط، والحقيقة كنت ناوية ألجأ لحضرتك يا دكتور وأطلب منك لو تعرف محامي يكون أمين وشاطر." منعم: "خير أؤمرينى… وأنا تحت أمرك." هادية: "الحقيقة فاروق الله يرحمه ماسابليش الفيلا بس." منعم: "مش فاهم." هادية:
"فاروق سايبلي وديعة في البنك باسمي بخمسة مليون جنيه. الوديعة دي عملها لمدة عشر سنين وفوايدها تتحط في حساب برضه باسمي وإني لما ييجي معاد فك الوديعة أرجع أجددها من تاني لمدة خمس أو ست سنين على حسب المتاح وقتها، ووصاني إن الفلوس دي ماتتلمسش قبل ما مليحة تجيب واحد وعشرين سنة، ووصاني إن ما فيش مخلوق يعرف عنها حاجة لو حصل له أي حاجة في أي وقت، وإن الفلوس دي تبقى بتاعة مليحة، وعملها باسمي برضه عشان مامته ماتقدرش تحط إيدها عليها، وأنا عملت بالوصية ومديتش إيدي على مليم منه."
"لكن للأسف من أسبوعين كنت استأذنت من حضرتك إن أتأخر ساعتين الصبح." منعم بتذكر: "أيوه فعلاً." هادية: "ده كان معاد روحي البنك عشان كان معاد تحويل الفوايد السنوي، وعشان الحظ قابلت فادي أخو فاروق في البنك. ورغم إني حاولت إنه ما يشوفنيش، لكن شافني وجه اتكلم معايا وأنا قاعدة مع موظف خدمة العملاء. والظاهر إنه قدر يتطفل ويعرف كل حاجة بعد ما مشيت." منعم: "وافرضى.. طالما الوديعة باسمك ما يقدرش يعمل أي حاجة." هادية:
"مش ده اللي اتقالي النهاردة." فوز: "وإيه اللي اتقال لك يا بنتي." هادية وهي بتحاول تبقى متماسكة رغم دموعها اللي ملت عيونها: "والدته اتهمتني بالسرقة." فوز باستنكار: "سرقة إيه يا بنتي كفى الله الشر." هادية:
"من بعد موت فاروق الله يرحمه بأسبوع واحد ماشوفتش حد منهم، ولا حتى حاولوا يسألوا عايشين ولا ميتين ولا عايشين إزاي ولا منين، وكانوا عارفين إن والدتهم أخدت كل حاجة وما سابتليش غير الفيلا واللي كانت مامتهم مقهورة عشان فلّت منها. النهاردة لقيتها بتبص لي بغل وهي بتفصصني وبتفصص العربية وقالت لي." فلاش باك فادية بغل وهي عمالة تبص لهادية شوية وللعربية شوية:
"من زمان وأنا عارفة إنك لصّة وياما حذرت ابني منك، وادي اللي كنت عاملة حسابه حصل. ما صدقتي إن فات على موت ابني شوية وقت، وطلعتي السارقة اللي سرقتيها ونهبتيها منه." هادية بذهول: "سارقة إيه دي اللي بتتكلمي عنها." فادية: "العربية، والوديعة اللي بالملايين يا ست هادية." هادية وهي بتشاور على العربية: "العربية دي أنا جايباها بالقسط." فادية بسخرية: "يا حرام، ويا ترى بتدفعي فلوس القسط من فوايد الوديعة اللي سرقتيها من ابني."
هادية بغضب: "أنا ماسرقتش حاجة، وبدفع قسط العربية من شغلي اللي بصرف على نفسي وعلى بنتي منه بعد ما استوليتوا على حقوقنا بالكامل وأنا سكتت بس لأني مش عاوزة أعمل مشاكل." فادية بغل: "تقصدي عشان تكوشي على اليغمة الكبيرة لوحدك. تقدري تقوليلي جبتي الملايين بتاعة الوديعة دي منين." هادية وهي بتشاور على مليحة: "يا ناس حرام عليكم، هي دي مش لحمكم ودمكم؟ دي حفيدة، بنت ابنك اللي ساب الدنيا كلها وما فاضلش حاجة من ريحته غيرها."
فادية: "وإحنا نضمن منين إنها بنتنا، بس تعرفي… أنا هعترف إنها بنتنا وهاخدها منك وهحبسك يا حرامية يا نصابة، لكن بعد ما هحبسك هرميهالك في أقرب ملجأ يليق بيها وبنسلك." عودة من الفلاش باك منعم وهو بيحاول يسيطر على غضبه: "أوعي تقلقي، ما فيش في إيديهم أي حاجة يقدروا يعملوها." هادية: "بس أنا خايفة منها، أنا عارفة إنها مش هتسيبني في حالي غير لما تاخد الفلوس بتاعة الوديعة." منعم بإصرار:
"طول ما أنا موجود اتأكدي إنها مش هتقدر تهوب ناحيتكم نهائي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!