تحميل رواية «مملكة سفيد» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
َ قد كساكَ بُحزنهِما ذنبُ صُبحِكَ أن يراكَ حزينا؟!”.صلوا على نبي الرحمة_________________تسير والحذر رفيقها، تشعر أنها تود لو تطير متجاوزة تلك المنطقة، لا ترغب أن تمر بها وتعرض آذانها العزيزة لصيحات النساء، وتهكمات الثرثارات منهن، الأمر وما فيه أنها ملت كل ذلك، والأصح أنها ملت الحياة في تلك المنطقة، ولولا كسرة الخبز الجافة التي تتناولها كل يوم في غرفتها الرطبة العفنة، لكانت رحلت عن المكان بأكمله، لكن ماذا تفعل وحياة التقشف تناديها وتغريها .وقع بصرها فجأة على عربة فواكهة بها اطباق جاهزة من فواكهة...
رواية مملكة سفيد الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم رحمة نبيل
مرحبًا بكم على أعتاب النهاية .
صلوا على نبي الرحمة
_____________
يجلسون في القاعة التي تتوسط القصر، المياه تقطر من جميع الأجساد، جميع الرجال مجتمعين، الكل يحدق صوب إيفان الذي كان يجلس في منتصفهم يضم كفيه معًا مستندًا بهما على قدميه شاردًا فيهما يسمع فقط صوت همسات جواره يدرك مصدرها، كما يدرك مصدر الضحكات المكبوتة ..
رفع عيونه ينظر بطرف عيونه صوب أرسلان الذي كان يضع يده أمام فمه كل ثانية ليكبت ضحكاته، لكن يبدو أن ذلك لم يكن كافيًا، إذ وفجأة حين لمح مظهر إيفان وهو يقطر مياه من كل شبر في جسده وينظر له بغضب، انفجر في موجة ضحك صاخبة جعلت إيفان ينتفض عن المقعد صارخًا بجنون وكأنه كان ينتظر منه هذه البادرة ليحرر شياطينه ..
" طفح الكيل "
وفي ثواني كان الإثنان ملقيان ارضًا يتبادلان الضربات بقوة دون التفكير في شيء، إيفان يزداد عنفًا وارسلان يزداد ضحكًا .
" سأقتلك أيها الحقير، اقسم أنني سأجعلك لا تصلح للعيش بعد الآن "
ازدادت ضحكات أرسلان أكثر وأكثر وكأن كلمات إيفان تحفزه لذلك، يحاول دفعه وهو يردد بصعوبة بسبب ضحكاته :
" أنت حقير تستغل عدم قدرتي على ضربك بسبب ضحكي، كان عليك أن ترى وجهك "
نظر آزار صوب بارق وهو يردد بتفكير :
" إذن ؟؟"
أجابه بارق ببساطة :
" لنذهب ونفتتح الولائم لا بد أنهم انتهوا من اطعام النساء وحان دورنا"
وافقه آزار بهزة رأس صغيرة، ثم تحرك معه بكل هدوء وكأن لا معركة قائمة في الاسفل بين ثورين، وتميم يراقب ما يحدث بعدم فهم، يحاول التفكير فيما يجب فعله ليهدأ الأوضاع، والعريف قرر أن يلحق بآزار وبارق لتناول الغداء .
" لنرحل مرجان، دعنا نتناول وليمة الزواج "
راقبهم دانيار مبتسمًا بسخرية وهو يردد :
" لو أنهم لم يحضروا طعام للزفاف، ما حضر أحدهم"
نظر مهيار بقلق صوب القتال يحاول التحرك صوبه ليهدأ الأوضاع، لكنه كل ثانية يتراجع حين تتدحرج الأجساد صوبه، كلما أراد التقدم خطوة تراجع اثنتين يقول بتفكير :
" إذن ما الذي سنفعله الآن ؟!"
أجابه تميم بجدية وهو يراقب القتال :
" نلحق بالعجائز قبل أن يستنزفوا جميع الطعام !؟"
هز دانيار رأسه يوافقه الحديث، ثم هم بالتحرك مع تميم، لولا يد مهيار التي اوقفتهم لا يصدق ما يفعلونه مشيرًا صوب القتال :
" أي طعام ؟؟ أنا اسألكم الحل لهذا القتال ؟"
توقف الاثنان بتعجب ثم نظرا صوب القتال سريعًا قبل أن يقول تميم بإدراك :
" أوه هذا القتال، لا دعهم حتى ينتهون، فلا قوة بعد الله قادرة على إيقافهم غير سالار، وأين هو القائد سالار الآن ؟"
صمت مهيار يفكر في كلماته وكأنه يبحث عن إجابة لسؤاله، لكن دانيار جذب يد مهيار خارج القاعة بأكملها :
" لا أحد غير الله يعلم أين هو، لذا دعهم حتى تنفذ قواهم، وهذا سيستغرق وقت طويلًا، وقت يكفي لتناول الطعام وأخذ راحة لساعات، والقيام برحلة لتفقد أحوال مشكى، ومن ثم العودة للجلوس بعض الوقت في الخارج وتأمل هذه الأجواء الشتوية الرائعة، واخيرًا نعود هنا لنرى إن انتهت هذه المعركة أم لا "
ختم حديثه يخرج من المكان يسحب الجميع خلفه، ثم نظر نظرة سريعة صوب الأجساد المتلاحمة ارضًا، ومن ثم تحرك مع الجميع يتمتم بحنق :
" أين القائد سالار حين نحتاجه ؟؟"
________________
" إذن هل تحتاجين المزيد من الدجاج ؟!"
رفعت تبارك رأسها عن الطعام وهي تحاول ابتلاع ما يضع سالار أمامها إذ انعزل بها عن الجميع صوب الدرج يجلس جوارها يأخذ صحنها لملئه، كلما اقتربت من الانتهاء ..
ابتلعت الطعام بصعوبة تردد :
" اعتقد أن هذا يكفي سالار، لقد شبعت حقًا "
نظر لها ثواني بعدم رضا قبل أن يبتسم ويهز رأسه، ثم جلس يستريح جوارها واخيرًا بعدما تأكد أنه سد جوع زوجته .
وهي ابتسمت له بلطف ولم تكد تعدل من وضعية حجابها كعادتها حين تشعر بالتوتر، هذا التوتر النابع من تواجد هذا الرجل جوارها .
لكن توقفت أناملها قبل بلوغ رأسها حتى حين سماعها صوته يتحدث بحنان وكأنه ينشد على آذانها اعذب الاشعار :
" إذن هل أحضرتي ادويتك ؟؟"
نظرت له تبارك بانتباه شديد، قبل أن تحاول التذكر، لكنها في النهاية هزت رأسها وقالت ببساطة :
" نعم، في غرفتي "
أومأ لها سالار، ثم نظر أمامه بتردد، يخشى التطرق لهذا الأمر، لكنه بحاجة لغلقه قبل المضي قدمًا في حياته معها .
" لا بأس إذن سأذهب لاحضره لكِ قبل الانشغال مع الجميع و....تبارك هل أنتِ بخير الآن ؟؟"
نظرت له تبارك بعدم فهم وفسرت سؤاله على حالتها الصحية لتبتسم له بلطف شديد :
" نعم، الحمدلله بخير حال، كما أنني اتناول ادويتي بانتظام كذلك لذا لا داعي للقلق و..."
" ليس هذا ما قصدته تبارك، أعني أنا بالطبع اطمئن على حالتك، لكن سؤالي هذا أعني به قلبك، كيف هو الآن عزيزتي ؟؟"
ابتسمت تبارك وأدركت ما يرنو له بحديثه، لتحاول بيأس إبعاده عن هذه النقطة تقول مبتسمة بسمة واسعة تدعي بها براءة لا تمتلك قطرة منها في هذه اللحظة :
" بخير دامك تسكنه سالار "
رفع سالار حاجبه بذهول من كلماتها التي رسمت دون شعور منه بسمة متعجبة على فمه، لكن هذا لم يمنعه من التقاط نظرات تبارك الواضحة له :
" اقدر كلماتك الجميلة تبارك، لكن صدقيني هذا لن ينجح في صرف انتباهي عما أريد"
" وما الذي تريده سالار ؟!"
" الاطمئنان عليكِ "
" أنا بخير "
" نعم أرى هذا، لكنني احتاج للتأكد "
نظرت له بعدم فهم :
" وكيف تتأكد ؟؟"
امسك يديها بين كفيه، ثم نظر في عيونها بقوة يقول بهدوء وصوت جامد بعض الشيء كما لو كان يأمر أحد جنوده بمهمة ما، صوت أجبر تبارك على الانصياع لكل ما سيصدر منه في هذه اللحظة .
" قصي عليّ كل شيء تبارك، أخبريني كيف علمتي عنوان والدتك إذ أنكِ اخبرتيني أنكِ عشتي وحيدة، ولماذا الانتظار كل هذا الوقت للمواجهة، والأهم ما سبب تصرفك وهل ستستطعين العيش براحة بال لاحقًا ؟؟"
اسئلة كثيرة دارت في عقل تبارك لا تدرك حقًا بأي سؤال تبدأ، كانت تود التملص من انياب ماضيها بين أحضانه، لكن يبدو أن تلك الانياب لم تفلتها كما ظنت، بل غُرزت في جسدها تمتص دمائها، وعليها أن تنتزعها قبل أن تنتهي منها، وهذا الخلاص يتمثل في سالار وإزاحة همومها لتغلق باب ماضيها ..
" لقد ...لقد حصلت على عنوان منزلها قبل خمسة أعوام تقريبًا، ولم اتجرأ منذ ذلك الوقت على الذهاب لها، كنت أجبن من مواجهة امرأة لم تكن لتتذكرني، كنت أقف أمام منزلها بالساعات مترددة في طرق المنزل قبل أن ارحل خالية الوفاض .."
" وكيف وصلتي لها؟؟"
رمشت قبل أن تهمس بشرود :
" مسؤولة التمريض في المشفى التي اعمل بها اشفقت عليّ في إحدى المرات حين رأتني ابكي، وعندما أخبرتها قصتي بإيجاز، وعدتني أن تحصل لي على عنوان والدتي فهي كان لديها من المعارف الكثير، وبالفعل اعطتني عنوان بيت جدي الذي حصلت منه على عنوان منزل زوج والدتي طبعًا دون اخبارهم أنني حفيدتهم "
صمتت تتنفس بصوت مرتفع ثم نظرت صوب سالار الذي كان يتأمل ملامحها بشرود أكبر، لتبتسم تحاول غلق هذا الباب كليًا :
" وحين كنت جواري شعرت أن لا وقت مناسب أكثر من هذا الوقت، شعرت بالقوة لوجودك جواري فتجرأت وواجهت، أردت التأكد أنني لن اندم مستقبلًا على الرحيل دون فرصة للحديث معها والشعور بالراحة "
ابتسم لها بسمة صغيرة يهمس مدركًا إجابة سؤاله قبل طرحه :
" وهل حدث وشعرتي بالراحة تبارك ؟! "
نظرت له مبتسمة تهز رأسها بقوة :
" نعم للغاية، أنت لا تدرك مقدار الراحة التي تسربت لصدري حين رأيتها، ورأيت كيف كانت سعيدة ومتحمسة لأجل خطبة اختي في حين أنني هنا مضطرة لقضاء يوم زفافي وحدي، بالطبع أنا...أنا في غاية الراحة و..."
صمتت تنفجر في بكاء عنيف آخر جعل سالار يجذب جسدها له بحنان شديد دون أن ينبس بكلمة واحدة، أرادها أن تخرج ما بداخلها وحدث، الآن سيتركها لتتنفس وتستوعب ما يحدث حولها قبل أن يتدخل ويرمم شروخها الداخلية ..
دقائق كانت وهي مستمرة بالبكاء بين أحضانه تقول بتعب ووجع كبير :
" أحتاج لها، أنا كنت أحتاج لها طوال الوقت، في احلك اوقات طفولتي احتجت لها، ولم أجدها، لطالما فعلت، لطالما كنت وحيدة سالار، كنت ..."
" ولم تعودي "
توقفت عن البكاء تنظر له من بين دموعها ليجففها بشفقة وحنان :
" لم تعودي وحيدة ولن تكوني طالما اكرمني الله بقلب ينبض داخلي تبارك، والله سأعوضك "
وهي فقط استمرت في البكاء وإن كان بدون صوت، وهو فقط يربت على ظهرها يردد بصوت خافت آيات من القرآن الكريم، يحاول بها أن يرأب الصدع داخلها، مقتنعًا تمام الاقتناع أن لا انيس كالقرآن ..
بدأت شهقات تبارك تنخفض شيئًا فشيء حتى استقرت أنفاسها بين أحضانه، ليتنهد سالار براحة ينظر لوجهها محاولًا رؤيتها، لكن ارتخاء رأسها بهذا الشكل انبأه أنها بالفعل في هذه اللحظة لا تعي لما يحدث .
ابتسم ينهض ببطء شديد، ثم نهض يحملها بحنان شديد يتأكد من ثوبها أنه لا يصف أي شيء بها أثناء حملها، ومن ثم تحرك بهدوء شديد وبسمة واسعة صوب غرفتهم ..
يضم جسدها له يخشى أن يلمحها رجل بوضع لا يجب أن تظهر به وهو يحملها بهذا الشكل .
يسير مبتسمًا دون أن يحيد بنظره عنها .
في اللحظة ذاتها كان الجنود في الممرات يهرولون صوب القاعة التي يتشاجر بها أرسلان وإيفان، بعدما انتشر الخبر بين الجميع وظنوا أن الخلاف اشتعل مجددًا بينهم .
ففي حين أن أجساد الحراس كانت تندفع بفزع وأوجه مرتعبة صوب القاعة، فبدى المشهد كما لو كان بالابيض والاسود وهناك طبول حرب تقرع في خلفية المشهد، كان مشهد سالار بينهم ملونًا مع صوت عصافير وخرير مياه، يسير للجهة المعاكسة يحمل بين ذراعيه تبارك، وهناك بسمة راضية هادئة على فمه لا يعي ولا يهتم لكل ما يحدث حوله في الحقيقة، هي بين ذراعيه وهذا يكفيه، فليحترق العالم وتبقى هي .
كان الأمر كما لو أنه يحمل زوجته ويحلق بها فوق سحابة وردية وسط سماء ملبدة بالغيوم مهددة بالامطار.
سالار كان يحيا في عالمه الخاص، حاملًا بين ذراعيه عالمه الأكثر دفئًا .....
__________________
" إذن هو لم يقترب منك او يتواقح البتة ؟؟"
نفت كهرمان وهي تنظر بتعجب وصدمة لزمرد التي بُهتت ملامحها تردد بإدراك فجأة :
" عجبًا، ظننت أن اخي سيكون وقحًا بعد الزواج، الرجل كادت أنفاسه تُزهق لأجل الحصول عليكِ من يتوقع ألا يتواقح ؟! "
نفت كهرمان برأسها وهي تتذكر كم كان إيفان مراعيًا حنونًا ولبقًا، ألقى لها بكلمات مست قلبها ومن ثم منحها بسمة وقبلة صغيرة، ثم تحرك صوب حفل الزفاف، مع وعد بلقاء اطول.
كل هذا لم يكن ليعجب زمرد التي أرادت لشقيقها سعادة اكبر من مجرد قبلة جبين :
" هذا الإيفان يا ويلي منه، كاد يقتلنا ضجرًا من تكرار رغبته الزواج منكِ، حتى ظننت أنه بمجرد الزواج سيكون أكثرهم وقاحة، لكن يبدو أن ضبط النفس عند هذا الرجل عالٍ و....."
فجأة صمتت تنظر صوب برلنت تتتساءل بجدية لشيء في رأسها :
" ماذا عنكِ برلنت ؟؟"
انتبهت لها برلنت بعدم فهم :
" ماذا ؟؟"
" أيتها الحمقاء انتبهي معي، هل تواقح معكِ زوجك بعد عقد القرآن ؟!"
نظرت لها برلنت ثواني قبل أن تبتسم بسخرية :
" أي واحد فيهم؟؟ فأنا عقدت في طفولتي واشهرت في شبابي، فإن كنتِ تسألين عن العقد فنعم تواقح وبشدة بعده، احضر لي حلوى فراولة وانا أفضلها بالعنب، وأخذت اتذمر حتى راضاني ونمت يهدهدني كالرضيع"
نظرت لها زمرد بعدم فهم لتوضح برلنت بسخرية لاذعة :
" كنت في الثانية عشر حينها، اما إن كنتِ تتساءلين عن الاشهار وانا شابة فهذا ...بارك الله في أبي لم يدع للرجل فرصة التنفس وهو يخرب علينا الاشهار"
رمتها زمرد بحنق تردد :
" كان سؤالًا برلنت لا حاجه لتقصي عليّ كل هذه المآسي، فقط قولي لا وانتهينا "
صمتت ثم نظرت لهن تفكر بصوت شبه مسموع :
" إذن معنى حديثكما الآن أن جميع الرجال هنا مراعيين مقدرين عدا زوجي هو الوحيد الوقح؟! "
نظر لها الأثنان بعدم فهم قبل أن تتساءل كهرمان وهي تتجاوز عن كل هذا :
" إذن أين تبارك الآن، هذه الفتاة لم أرها منذ تحركنا لموكب استقبال الهدايا "
انتفض جسد زمرد فجأة مبتسمة بسمة واسعة وهي تردد بأمل لمع فجأة وسط ظلام يأسها :
" نعم تبارك، تبقى تبارك، ربما زوجها هذا يخفي وقاحة كزوجي الـ "
فجأة توقفت حين لمحت نظرات البلاهة تعلو وجوه الاثنين، لتبتلع ريقها تتنحنح وهي تقول :
" أنا كنت اقصد أن...صحيح أين هي تبارك، لم أرها منذ كنا في قاعة النساء، وكذلك زوجها لم يظهر، اعتقد أنها معه "
وقبل أن يبادر أحدهم بكلمة واحدة، سمعوا صوت طرقات الباب الخاص بجناح كهرمان وصوت الحارس يهتف من الخارج :
" الملك إيفان يطلب الاذن بالدخول ..."
اتسعت أعين كهرمان وازداد قرع قلبها بقوة وقد نظرت حولها بسرعة تبحث عن حجاب تخفي خلفه خصلاتها المبتلة أو شيء ترتديه فوق فستانها الخفيف الذي يظهر جزء من ذراعيها بسبب قماشته الشفافة .
لكن إن كانت تظن أنها ستحرم إيفان ذلك المسكين واخيرًا فرصة رؤية زوجته بهذا المظهر بعد طول صبره، فعليها أن تفكر مجددًا .
تحركت زمرد في لمح البصر تخفض غطاء وجه برلنت بسرعة، تهتف بكلمات سريعة :
" دعه يدخل رجاءً"
ختمت حديثها تسحب برلنت بسرعة خلفها، وبرلنت المسكينة والتي كان غطاء وجهها شبه مبتل بسبب الامطار تحاول الحديث :
" يا ويلي هل تنتوين قتلي، انتظري "
لكن زمرد لم تمنحها فرصة التوقف حتى وهي تهمس بحدة :
" هيا دعي الرجل يأخذ فرصته قبل أن يقفز لنا شقيقها المتغطرس "
فُتح الباب وظهر إيفان الذي كان يرتدي ثياب في غاية البساطة تتكون من بنطال قماشي اسود اللون مع ثياب بيضاء من فوق يضم يديه خلف ظهره مبتسمًا بسمة صغيرة رغم بعض الخدوش التي عكرت صفو ملامحه بسبب الشجار الذي انتهى لرحمة الله بهما، وعودة سالار بعدما انتهى من زوجته ليعطيه هو وارسلان لكمات عديدة وكلمات موبخة ومن ثم دفعهم عن بعضهم البعض .
فإن كان هناك سلام بين شعب سفيد ومشكى فالفضل بعد عناية ورحمة الله بالشعبين يعود لسالار .
نظرت زمرد لأخيها بصدمة، لكنه فقط ابتسم يومأ لها برقي هي وبرلنت لتتحرك للخارج وهي تتمتم بغضب مسموع :
" هذا الثور المتغطرس، أعان الله شعبه عليه "
ابتسم إيفان يراقبهما حتى خرجا، يغلق الباب، ثم استدار ببطء يمنحها النظرة الأولى منذ دخل إذ خشى أن تفضحه نظراته أمام الجميع وكأنه لا يعي بعد أنها أضحت زوجته .
لكنها كانت لحظة، لحظة واحدة فقط توقفت بها أنفاسه والعالم وضربات قلبه، كل شيء في هذه الغرفة توقف اجلالًا واحترامًا لهذا المشهد البديع الذي يبصره ربما لمرته الثانية ..
المرة الأولى في مرحاض جناحه، والثانية في مخدعها الخاص الأن ...
لكن شتان بين المرتين، تلك كانت لامرأة ظنها خائنة فلم يشفع جمالها لها وقتها، أما هذه فهي زوجته والتي هزمه مظهرها شر هزيمة .
خصلاتها المبتلة وثوبها الخفيف، كل شيء كان يحفز خلايا عقله لتذكر ذلك المشهد الذي لم يتجرأ يومًا على تذكره مخافة أن يسحبه شيطانه بين امواج العصيان، ذلك اليوم حينما جذب جسدها بين ذراعيه واضعًا سيفه على رقبتها، لحظات يشعر بها الآن وبكل همسة خرجت منها وقتها ..
طال صمته وهذا ما لم يساعد كهرمان، لتبتلع ريقها تقول بصوت مرتجف من الموقف تحاول الابتسام تقنع نفسها أنه زوجها :
" مرحبًا ... أسعد الله مساءك مولاي "
" إيفان"
" ماذا ؟!"
ابتسم يتقرب منها كالمخمور :
" اسمعيني اسمي مجددًا "
اقترب بشكل خطير لتشعر أنها على وشك السقوط ارضًا وهي تتراجع بأقدام مرتجفة :
" مولاي .."
التقط إيفان خصرها يضمها له ببطء شديد يهمس لها مرة أخرى بنبرة شبه مترجية :
" إيفان، اطربيني بنطق اسمي سمو كهرمان "
وإن كان يأمل في سماع اسمه فلا تعتقد أن الأمر ممكنًا الآن، ليس بعدما نطق هو خاصتها بهذه النبرة التي جعلتها تشعر أنها غير قادرة على التحدث بكلمة واحدة فما بالكم بنطق اسمه مجردًا .
نظرت لعيونه تشرد في خضرتها وهالتها نظرات الرجاء بها، نظرات جعلتها تنحي خجلها جانبًا وهي تردد :
" إيفان.."
ابتسم إيفان بسمة واسعة أكثر من أي مرة مضت يهمس لها وهو يستند برأسه على خاصتها :
" لبيكِ ..."
وهذا كان أكثر مما تطلب، وهو انتبه لنظراتها يهمس بصوت اكثر خفوتًا لعب بمهارة على اوتار ثباتها، أو ما تبقى منها :
" استمري بنطق اسم بهذه الطريقة وسأستجيب لأيٍ كان ما تريدينه كهرمان "
كان ينطق اسمها وكأنه يتذوقه، وهي فقط حاولت تمالك نفسها تردد بصوت منخفض :
" هلّا ابتعدت قليلًا ؟؟"
" عدا هذا الطلب "
نظرت له بعدم فهم ليبتسم لها مرددًا :
" سأستجيب لأيٍ كان ما تريدينه عدا ابتعادي عنكِ كهرماني "
وهذه " الياء " التحببية المتملكة التي اضافها في نهاية حديثه كان لها تأثيرًا أكبر مما يتخيل هو، تأثيرًا ساهم في توقف كهرمان عن محاولة الابتعاد تنظر في عيونه بلهفة وهو فقط ابتسم يقول :
" مرحبًا في حياتي ومملكتي جلالة الملكة "
ختم حديثه يضمها له بحنان وهي فقط استكانت، استكانت تمنح قلبها واخيرًا هدنة ليستريح من كل كل مر به، واخيرًا نالت كهرمان سلامها بين ذراعيه، ونال هو راحته بين أحضانها....
_________________________
" هل أنتِ متأكدة أن لا شيء يحزنك ؟؟"
رفعت برلنت عيونها لتميم تهز رأسها بلا مبتسمة وقد كانت على وشك النوم حين عودتها من جلستها مع الفتيات، لكن فجأة اقتحم عليها تميم المكان .
تحرك تميم بهدوء صوبها يجلس على ركبتيه أمام الفراش وأمامها يقول بهدوء :
" هل تخدعيني أم تخدعين نفسك برلنت ؟! ملامحك تشي بالكثير، أخبريني أنكِ بخير وأنتِ تنظرين صوب عيوني "
ترددت برلنت ثواني قبل أن ترفع عيونها له تقول بصوت منخفض :
" تميم، أنا أريد زفافًا "
نظر لها تميم ثواني دون فهم قبل أن يهتف :
" ماذا ؟؟"
ظنت هي أن استنكاره ينم عن اعتراضٍ في نفسه لتهتف بتردد أكبر تفرك كفيها، تشعر أن لا وجه لها لتطلب زفاف منه بعد كل ما مروا به سويًا، مروا بالكثير وابتعدوا عن بعضهم بما يكفي وكل هذا بسببها هي وعائلتها :
" اريد زفافًا، ليس بالضرورة أن يكون كزفاف اليوم، فأنا أعلم أن هذا زفاف أميرة و....."
" وما الذي ينقصك عن الأميرة برلنت لنقيم لكِ زفافًا مماثلًا عزيزتي ؟!"
رفعت عيونها له تقول بكل بساطة :
" أنا لست أميرة "
" بل أنتِ كذلك، منذ طفولتك وأنتِ اميرتي وصغيرتي المدللة بيرلي، لذا إياكِ أن تقللي من قيمة نفسك عزيزتي، ثم من أخبرك أنني لن أقيم لنا زفافًا، ليس بعد كل هذه الأعوام اتزوجك هكذا بكل بساطة دون زفاف "
التمعت عيون برلنت بقوة وقد شعرت أن روحها رُدت لها تهمس بصوت سعيد :
" حقًا ؟؟ هل تقول الصدق تميم ؟؟"
" ومنذ متى كان الكذب من شيمي برلنت؟! نحن سنصنع لنا زفافًا لطيفًا يتحاكى به جميع ساكني القصر صغيرتي "
ختم حديثه يربت على خصلاتها بحنان شديد وهو يقف أمام، وهي فقط ابتسمت تضم خصره بقوة تستند برأسها على معدته تردد بسعادة :
" دامك الله لي تميم، لقد ...لقد كنت احلم كل يوم بإقامة زفاف وارتداء ثوب الزفاف كالجميع "
" وانا أحيا لاحقق احلامك، ثم لا تظن أن الزفاف حلمٌ لكِ وحدك، فوالله ما أحب على قلبي أكثر من رؤيتكِ تُزفين لي "
اتسعت بسمتها أكثر تردد بصوت متحمس :
" أنا لا اصدق أنني سأ..."
فجأة توقفت عن الحديث وسُحب اللون من وجهها وبُهت فجأة وكأنها لتوها استوعبت شيئًا فاتها خلال موجة الحماس التي عاشتها، وتميم انتبه لكل هذا يحاول معرفة ما تفكر فيه، بينما هي شردت في منطقة بعيدة تبتلع ريقها بتردد :
" أُزف لك ..."
لا يدري أكانت نبرتها مستنكرة أو متسائلة، لكنه الآن فهم ما تريد قوله ليتنهد بصوت مرتفع لا يصدق أنه سيقول هذا، لكن لأجلها سيفعل أي شيء :
" سيزفك والدك لي ولو كان دون إرادته حبيبتي "
رفعت عيونها له بصدمة أن فهم مقصدها دون الحاجة للحديث، وهو فقط ابتسم يداعب خصلاتها بحنان :
" إن أردتي يمكنني الذهاب له والحديث معه بهدوء وود، وإن لم يرضخ هددته لاجلك، أما إن رفض فسيضطر لزفكِ لي مُكبلًا بالاصفاد مجبرًا "
فتحت عيونها بذهول من حديثه وهو ابتسم بلطف ليس وكأنه كان يهدد والدها منذ ثواني يقول بحنان :
" راضية ؟؟"
وهي لم تجب بكلمة، بل ظلت تنظر له طويلًا لتتسع بسمته يقول :
" هذا جيد، والآن هل يمكنني مشاركتك الفراش الليلة ؟؟"
نظرت له بفزع ليبتسم هو بكل براءة ينزع حذاءه، ثم صعد على الفراش بكل هدوء يشير على الجزء الفارغ جواره يقول بكل هدوء :
" اقتربي بيرلي لن تكون المرة الأولى التي أنام جوارك "
" لكن أنت...نحن لسنا بالقصر و..."
رفع تميم حاجبه بعدم فهم :
" وماذا في ذلك ؟؟ أنتِ زوجتي داخل وخارج القصر وفي السماء والأرض وفي كل مكان وعلى الجدران، عقد زواجي بكِ ليس محصورًا على سفيد حبيبتي، هيا اقتربي وتوقفي عن الحماقة "
وقبل أن تفكر في شيء اضافي استقام هو بنصفه العلوي عن الفراش بشكل جعلها تتراجع بسرعة حتى كادت تنهض كليًا عن الفراش وتتحرك بعيدًا لولا أن سحبها بسرعة كبيرة جعلت وجهها يلتصق بالفراش ومن ثم جرها صوبه يكتفها بين أحضانه سعيدًا :
" هذا رائع حقًا ومريح ..."
وهي رفعت عيونها له وقد كان وجهها ملتصقًا بصدمة حتى أن خدها كان مضغوطًا بشكل مضحك :
" نعم ...رائع ومريح "
___________________
" أنت حقير سالار "
زفر سالار بضيق وهو ينظر صوب أرسلان بحنق شديد يرفع إصبعه في وجهه محذرًا :
" هذه المرة الرابعة التي تصفني بها بهذا اللقب منذ ساعة تقريبًا، حذاري غضبي أرسلان "
" انزل اصبعك، ولا تهددني فأنا لا أُهدد "
قلب سالار عيونه بملل :
" للاسف لا تفعل، الآن ماذا تريد مني ؟؟ هل أنت غاضب لأنني منعتك قتل إيفان ومنعته قتلك ؟! "
" بل غاضب لأنك أيها الـ "
صمت بسبب نظرة سالار التي حدجه بها، ليس خوفًا منه معاذ الله، لكن خوفًا أن يزيد عن حده دون شعور ويغضب سالار منه أو يقاطعه كما كان يفعل بعض الأوقات .
" أنا فقط غاضب لانك طوال الوقت تقاطع تفاهمي مع إيفان، كلما كدنا نصل لنقطة تفاهم تتدخل وتقاطع كل ذلك لنعود أنا وهو لنقطة الصفر ونضطر لبدء النقاش منذ البداية مجددًا "
لوح سالار بيده مبتسمًا بصدمة :
" نقاش ؟؟ تفاهم ؟؟ أنت لم تتعلم العربية في طفولتك ؟؟ استخدامك لهذه الألفاظ ليس في موضعه الطبيعي حتى، يا ويلي لينجدني الله منكم، أنا سأذهب لزوجتي بعيدًا عن هذا العالم المقرف"
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عن أرسلان الذي رمق ظهره بحنق يصرخ بصوت مرتفع :
" نعم أذهب لزوجتك ومن الأفضل أن تلزم جوارها، ولا تتدخل في مناقشاتي مرة أخرى "
ختم حديثه يتمتم بحنق شديد :
" رجال سفيد هؤلاء ..."
كان يتحدث بحنق وهو يدور بعيونه في المكان قبل أن ينتفض جسده فجأة حين أبصر وبشكل مفاجئ جسد العريف الذي ظهر له من العدم، وضع يده على قلبه يهتف بنبرة حاول جعلها طبيعية :
" بسم الله، من أين ظهرت أنت ؟!"
تجاهل العريف كلماته تلك يقول ببسمة واسعة :
" رأيت معاناتك منذ ثواني مع رجال سفيد، واشفقت عليك "
تشنج وجه أرسلان ليقول باندفاع وتلقائية :
" خسـ ..."
لكنه توقف يدرك أنه الآن أمام رجل كبير في العمر :
" استغفر الله، لم يولد بعد من يشفق عليّ "
" بلى يا فتى لقد وُلد قبل سنوات من ولادتك، والآن هل تريد مساعدتي أم لا؟؟"
نظر له أرسلان بعدم :
" كيف ستفعل ذلك ؟!"
ابتسم له العريف بسمة خبيثة يقول ممازحًا لكن بنبرة جادة حتى إذا سمعها أحدهم سيصدق ما يقوله :
" مُدني بجيش من عندك ننقلب على إيفان ونسلبه عرشه وامنحه لي، وأنا اعدك أنني وبمجرد اعتلائي عرش سفيد سأقطع علاقتي بمشكى بالكامل "
تراجع أرسلان ينظر له بصدمة :
" هل أنت جاد ؟؟"
" نعم، إذن اتفقنا ؟؟"
هز أرسلان رأسه بيأس يتنهد بصوت مرتفع وهو يضرب كف بكف متحركّا بعيدًا عن العريف محدثًا نفسه :
" يا ويلي ما الذي يفعله إيفان بشعبه ليكن له كل هذا الحب والوفاء ؟؟"
بينما العريف راقبه يبتعد وهو يضحك بصوت خافت على ملامحه، وقد أعجبته هذه اللعبة حقًا، إثارة جنون الجميع حوله بعدما كانوا هم من يفعلون له ذلك، دارت الحياة وانقلبت الأدوار ....
_________________________
بعد يومين وأمام قصر سفيد ...
كان أرسلان يضم كهرمان له وهو يشعر بالضعف يتمكن من اطرافه، جاء ليزف أخته مع جنوده وبنفسه صوب قصر زوجها، سلمها له وحان الآن وقت الوداع، لا يصدق أنه يفعلها الأن ..
ابتعد ببطء يهمس بصوت خافت :
" سأشتاق لكِ، اعتني بنفسك لأجلي حبيبتي "
ابتسمت له كهرمان تمسح دموعها بصعوبة وهي تردد :
" وأنت أخي اعتني بنفسك حتى تأتي من تعتني بك عزيزي ؟؟"
ابتسم يمازحها ليمحو نظرة الحزن التي تعلو وجهها تلك :
" أنا في أشد الشوق لرؤيتها، عسى ألا يطول غيابها لهذه المرأة، فقط تكون مثلك ولن اطلب من الحياة أكثر"
ابتسمت له ولم تكد تجيبه حتى شعرت بيد تضم كتفها وصوت إيفان يردد ببسمة واسعة حنونة :
" الحياة تمتلك كهرمان واحدة عزيزي أرسلان، وأنا كنت المحظوظ الذي فاز بها، لذا لا تطمح لأخرى تشبه امرأتي "
نظر له أرسلان بسخرية :
" أنا اقبل بأي امرأة طالما أنها لا تمتلك صفة أنت تمتلكها إيفان "
ابتسم له إيفان يهمس باستفزاز :
" غدًا نرى عزيزي، فما تخشاه هو مصيرك بالفعل "
زفر أرسلان بحنق يهمس :
" اللهم والصبر من عندك على هذا الانسان"
نظر حوله ثم قال بجدية :
" إذن أنا سأرحل الآن، لدي العديد من الأمور لافعلها"
نظرت له كهرمان بأعين دامعة تهمس وهي تتمسك بثيابه كصغيرة تخشى رحيل والدها بعدما اوصلها للروضة في اليوم الأول لها :
" ابق قليلًا أرسلان "
" حبيبتي يعز عليّ رفض طلبك، لكن أنتِ تعلمين أنني لا يمكنني، سأعود مجددًا بعد أيام قليلة لأجل زفاف سالار، لذلك عليّ الانتهاء مما امتلك قبل المجئ هنا "
ختم حديثه يميل مقبلًا جبينها، ثم ابتعد يداعب وجنتها بحنان هامسًا بكل اللطف الذي يكنه في صدره :
" اعتني بنفسك حبيبتي "
رفع عيونه لإيفان يردد بجدية بعيدًا عن أي مزاح :
" اعتني بها إيفان، وإلا جئتك بكفنك "
ابتسم له إيفان يتحرك صوبه يعانقه بكل هدوء ثم همس له بصوت هادئ منخفض :
" قبلها سأحضر لك كفنك عزيزي "
ابتعد ليبتسم له أرسلان بسمة جانبية وهو ربت على كتفه يقول له بنظرات علمها أرسلان :
" تصحبك السلامة يا صديق"
ابتسم له أرسلان يتحرك صوب خيله يصعد عليه وهو يهتف بصوت لم يسمعه سوى إيفان وكهرمان :
" سأعود مجددًا يا قذر ..."
وبهذه الكلمات ختم أرسلان وجوده في سفيد لينطق بسرعة البرق مع جنوده صوب المملكة بعدما هتف بصوته الجهوري بهم يحثهم على الرحيل :
" لنتحرك يا رجال "
وهكذا ابتعد أرسلان الممازح المستفز، ليعود أسد مشكى الجاد الصلب يقود رجاله صوب بلاده ليبدأ رحلته الطويلة في إعمار بلاد انهكتها الحروب ودمرتها يد الخراب ...
تاركًا خلفه كهرمان تراقبه بأعين لامعة وشعور بالخواء، شعور غير إرادي سرعان ما بدأ ينسحب ويتلاشى حين شعرت بيد إيفان تضم يدها وهو يردد ببسمة :
" جاهزة لحياة جديدة جلالة الملكة ؟"
تنفست كهرمان بصوت مرتفع تحاول تجهيز نفسها نفسيًا لما هي مقبلة عليه، ثم ابتسمت له بسمة صغيرة مترددة تهز رأسها، ليشدد هو على كفها يهتف بصوت مرتفع آمرًا الجميع أمامه:
" أظهروا الترحيب لملكتكم يا رجــــــال "
وبالفعل اعتدل الجميع بوقفتهم يرفعون السيوف في حركة ترحيبية منهم الملكة لتسير بينهم كهرمان وهي تحاول الاعتياد على هذه الحياة، عليها الاعتياد على حقيقة أنها الآن لم تعد أميرة مشكى، فقدت هذا اللقب واكتسبت لقب آخر بمسؤليات أكبر..
أضحت ملكة سفيد ...
_____________________
" تدللي زمرد، هل هذا أمر صعب ؟؟ "
نظرت له زمرد بعدم فهم وهي تلوح يخنجرها في وجهه بعدما اقتحم غرفتها عقب وصولهم من مشكى يطالبها بالجلوس معه في البداية ومن ثم بدأ يتجرأ ويطالبها بالدلال ؟؟ حقًا ؟؟
" ابتعد أيها الوقح للخلف، لقد علمت أي من الرجال أنت ؟؟"
نظر دانيار صوب الخنجر الذي تحمله بملل :
" كل هذا لأنني اطالبك بالدلال ؟؟ أتساءل إن طالبتك بقبلة ماذا سيكون مصيري ؟؟ إعدام بالرجم في ميدان عام ؟؟ "
اشتد خجل زمرد من كلماته وهي تهتف بتوتر لشدة خجلها وقد بدأت يدها تهتز من حملها للخنجر :
" أنت...تأدب دانيار وإلا..."
" وإلا ماذا ؟؟ شكوتني للملك ؟؟ ستخبريه أن زوجك الوقح الحقير خرج عن الملة وطالبك بالدلال ؟؟ "
صمت ثم قال بتفكير وجدية :
" جيد أنني لم اصرح برغبتي في رؤيتك ترقصين "
انتفض فجأة بسبب صرخة زمرد وهي تهتف بصدمة من أفكاره التي بدأت تنحرف لاتجاه بعيد كل البعد عما تفكر هي :
" تراني ارقص لك ؟؟"
نظر لها بصدمة لصراخها، ثم رفع حاجبه يقول بسخرية لاذعة :
" يا امرأة لقد قابلتك للمرة الأولى ترقصين في الحديقة، هل اصبح محرمًا أن ترقصي لأجل زوجك، لكن لا بأس بعباد الله جميعهم ؟؟ أي منطق هذا !؟"
رفع اصبعها في وجهه وهي تردد بكلمات غير منتظمة لشدة خجلها من حديثه :
" اولًا هذا لم يكن رقص ولا بأي شكل من الأشكال "
" أرأيتي أنا نقي كالاكسجين لدرجة أنني ظننت ما رأيت رقصًا، حسنًا لا بأس علميني كيف هو الرقص إن لم تكن تلك الحركات رقص"
توترت زمرد تقول بصوت خافت تكمل حديثها :
" ثانيًا، لقد كانت الحديقة فارغة "
" لكنني كنت هناك"
" هذا لأنك متلصص منحرف، لكن لم يرني أحدهم عداك "
" هذا من حسن حظك وحظه "
ولم تكن الجملة الأخيرة بنبرة ممازحة أو لينة كعادته، يا كانت مخيفة بحق ، لكن سرعان ما لانت مجددًا يقول ببسمة واسعة :
" إذن ستعلمينني كيف يكون الرقص ؟! اعدك بالتزام الصمت "
نظرت له ترفع حاجبها وهو فقط ينظر لها بكل براءة وبسمة واسعة ترتسم على فمه ينتظر رفضها ليستفزها مرة أخرى ويرى حمرة وجهها ويستمتع بها كما العادة، لكن ما لم يتوقعه هو كلماتها التي خرجت منها بعدما اخفضت الخنجر تنظر له نظرات غريبة وهي تقول :
" لك ذلك ..."
سيكون كاذبًا إن قال أنه لم يُصدم في هذه اللحظة، لكن هذه الصدمة تلاشت بسرعة أو تداركها وهو ينظر لها بسعادة كبيرة يردد بحماس طفل على وشك نيل هدية العيد :
" أصدقًا ما تقولين زمردتي ؟؟"
هزت رأسها له تبتسم بسمة واسعة، ليسارع بالقول وهو يرفع حاجبه مبتسمًا بخبث :
" الآن ؟؟ لدي كتيبة لتدريبها، يمكنني إلغاء ذلك والجلوس هنا طوال اليوم إن أردتِ"
لكن كل هذه الحماسة مُحت في ثواني وهو يراها تقترب منه تقول بهدوء وبسمة :
"ليس اليوم "
التوى ثغره بحنق يقول :
" إذن متى ؟!"
" يوم أُزف لك دانيار "
" عفوًا منكِ ؟!"
" يوم زفافنا دانيار "
تشنجت ملامح دانيار بغيظ شديد وقد شعر فجأة أنها حطمت جميع آماله التي كان يحلق بها عاليًا ليسقط بقوة ارضًا وتكسر عنقه لشدة السقطة :
" ماذا تفضلتي ؟؟ يوم زفافنا ؟؟ لماذا التشويق إذن إن لم يكن الآن يا امرأة، يا الله لقد بنيت آمالًا واحلامًا تنافس الجبال طولًا "
تراجعت زمرد للخلف بصدمة من انفعاله هذا وهو لم يصمت لها بل أخذ يحرك إصبعه في الهواء باعتراض :
" لا سامحك الله زمرد، لا سامحك الله يا امرأة، لقد بنيت طموحات اسقطتيها فوق رأسي منذ ثواني"
ختم حديثه يتحرك للخارج بغضب شديد يتمتم بكلمات غير مفهومة تحت نظرات زمرد المصدومة التي ابتسمت بغير تصديق من ردة فعله، وهو فقط توقف أمام الباب قبل الخروج يردد بحنق شديد :
" انظري إليّ، سأذهب لاقضي نهاري بين رجال بوجوه جامدة ألقي السهام حتى تتحطم عظام كتفي، بدلًا من الجلوس هنا ومشاهدتك تتمايلين بدلال، واستخدم عضلات كتفي في التصفيق بدلًا من رمي السهام، لا سامحك الله يا امرأة "
وبعد هذه الكلمات لم تسمع زمرد سوى صوت قرع الباب العنيف لتنفض للخلف بصدمة، تبعتها ضحكة صاخبة تهمس بغير تصديق لما آلت لها حالتها :
" يا الله مع أي نوع من الرجال علقت أنا؟؟؟"
____________________
تحركت بين الممرات وهي تحمل بين يديها حقيبة وسلة أخرى مبتسمة، تحيي هذا وذاك، ولا أحد كالعادة ينظر لها حتى، كانوا كالتماثيل تمامًا لا يبصرون ولا يسمعون، وهي كانت في البداية تغضب لأجل هذه التصرفات، لكن الآن لا تفعل فقد اعتادت الأمر وهذا التجاهل، أو بالأحرى احترامهم وعدم رفعهم أبصارهم في النساء، لكلٍ طريقته في الاحترام وهي تتقبلهم جميعهم، حسنًا هي تتقبل كل شيء طالما كان ينتمي له، وهذا عالمه إذن تتقبله بعيوبه قبل مميزات طالما أنه ملحق باسمه، طالما أنه عالم سالار ...
وعلى ذكر رجل الكهف الأرقى في حياتها، وسيد الرجال في فلكها، ابتسمت تبارك بسمة واسعة من أسفل غطاء الوجه تتحرك كالفراشة بين الممرات تحمل له الفطور سعيدة، لكن وقبل أن تذهب لتعطيه له، قررت الانتهاء من شيء في البداية قبل كل شيء ...
وصلت صوب المشفى لتقتحمها وقد اقتحمت ذكريات اول مرة جاءت هنا وتوبيخ سالار لها لأجل دخول مشفى الرجال، وحسنًا هو حتى الآن يفعل نفس الشيء ولا يسمح لها بدخولها إلا في حالات الطوارئ عدا ذلك فقد تسلمت وظيفتها مع طبيبة القصر تساعدها ..
لكن هي هنا لسبب آخر غير ذلك ..
" صباح الخير مهيار "
وصوت في عقلها هتف بنبرة خشنة ( طبيب مهيار ) وكأن ضميرها تلبس ثوب سالار لتسرع وتقول :
" اقصد طبيب مهيار، مرحبًا"
رفع مهيار عيونه صوب تبارك يقول ببسمة :
" مولاتي ؟!"
ابتسمت له بسمة لم تظهر بسبب غطاء وجهها:
" لم أعد مولاتي مهيار ولم أكن يومًا، كهرمان هي الملكة الآن"
ابتسم لها مهيار يقول وهو يحرك كتفه بهدوء :
" لكنك في النهاية أميرة زوجة احد رجال العائلة الحاكمة هنا، لذا لا ضير في بعض الالقاب "
ابتسمت له تتحرك صوبه ثم وضعت حقيبة بيضاء بلاستيكية على المكتبة وهو نظر لها بعدم فهم يلتقطها يقرأ الاحرف عليها باهتمام وفضول :
" صيدلية دكتور طارق مكاوي ؟؟"
رفع عيونه لها لا يفهم ما هذا :
" لا أفهم ؟؟"
أشارت هي برأسها له وهي ما تزال تحمل سلة الطعام بيدها الأخرى تقول ببسمة :
" فقط أفرغ محتوياتها، هذه أدوية مهدئة للتشنجات التي تصيب ليلا، فكرت أن أحضرها لك معي لتجربتها وإن أظهرت تحسنًا في حالتها، سوف نكلف صامد وصمود لاحضارها مع ادويتي كل شهر إن أردت "
نظر مهيار بذهول صوب الحقيبة البلاستيكية وهو يشعر بالصدمة من حديثها، لقد ذهبت لتحضر علاجًا لحالتها ورغم ذلك تذكرت زوجته، رفع عيونه لها والتي كانت قد امتلئت بالامتنان يبتلع ريقه مرددًا :
" أنا ... أنا عاجز عن ...عاجز عن الحديث، أنا..."
صمت يحاول تجميع كلماته وقد شعر بالأمل بعدما كان يجلس منذ ثواني يحمل هموم العالم فوق كتفيه لتفكيره بليلا وما تعانيه .
التمعت عيونه يهمس لها بشكر عجز عن التعبير عنه بشكل جيد :
" أشكرك لقد ...لقد اسديتي لي للتو صنيعًا والله لن اوفيكِ حقك في رده، فقط أنا أدين لكِ بحياتي سمو الأميرة "
شعرت تبارك بالسعادة تملئ صدرها لقد نسيت هذا الشعور منذ شهور، شعور التقدير حين تساعد أحدهم، ذلك الشعور الذي كانت تناله مصحوبًا بدعوة أم بشرتها بنجاة وليدها، أو ابنة بشرتها بصحة والدها .
" فقط جربه في البداية ثم اشكرني لاحقًا مهيار "
" حتى إن لم ينجح الأمر، يكفيني أنكِ تذكرتي ليلا، أنا أدين لكِ بالكثير، رجاءً إن شعرتي يومًا بأنني قادر على مساعدتك في شيء لا تترددي "
ابتسمت له تشكره، ثم قررت التحرك بعدما أخبرته سريعًا الطريقة التي أخبرها بها الطبيب الصيدلي، ومن ثم خرجت وهي تبتسم بسعادة، ما أجمل تلقي الثناء من الناس و ما ألطف مهيار!
فجأة توقفت بسرعة قبل أن تصطدم في المدفعية التي كادت تعبر فوق جثتها، تلتصق في الجدار خلفها بسرعة تبتعد عن طريقه، بينما تحرك دانيار بجدية وعصبية صوب غرفة مهيار وهو يردد دون حتى أن ينظر لها :
" معذرة منك يا آنسة "
لم يكن منتهبًا لمن يتحدث ولم يهتم في الواقع، يا فقط توجه صوب مكتب شقيقه لترمش تبارك من أسفل غطائها وهي تردد بصدمة تتحرك للخارج :
" صحيح البطن قلابة"
وفجأة وبكل بساطة تجاهلت كل ما يحدث عداه هو ...
ذلك الرجل الذي يقف هناك بين الرجال بملامح صخرية جامدة مخيفة من بعيد ومن قريب للحق، محببة لقلبها .
ابتسمت دون وعي تتأكد أن غطاء وجهها يخفي ملامحها كي لا يصب رجل الكهف خاصتها غضبه عليها .
اخذت تتأمل به بكل بلاهة وهي تضم سلة الطعام لها دون وعي ودون اهتمام بشيء .
بينما عند رجل الكهف خاصتها، كان يدور بنظره بين الجميع وهو يهتف بنبرة شبه جامدة :
" من قال أن عدوك انتهى للأبد ؟؟ ربما هو فقط ينتظرك لتضع سلاحك وتسترخي حتى يعلن عن مولد جديد له، لا تمنح لنفسك فرصة الاسترخاء إلا في قبرها، تحفز طوال الوقت لأي همسة جوارك، و...."
توقف عن الحديث حين أبصرت عيونه جسد امرأة يبعد عنهم بضع خطوات، جسد يدركه جيدًا ولو غطته هي بخيمة وسارت بها ..
والأدهى أن هذا الجسد لم يكن يقف بشكل طبيعي .
إذ كانت تبارك تحاول أن تقف على أطراف أصابعها كي تظهر لزوجها من خلف كل هذه الأجساد الضخمة، إذ كان الجميع يعطي لها ظهروهم عداه هو فقط الذي يواجهها، اخذت تلوح بيديها وهي تحاول أن تقف على أطراف أصابعها ليبصرها .
وهو فقط ابتسم دون وعي يمسح وجهه بيأس يراها تلوح له وكأنها تلقي التحية على رفيق لها :
" يا الله متى تتوقف هذه المرأة عن تلك التصرفات ؟؟"
انتبه الجنود لنظراته التي تركزت خلفهم وقبل أن يستدير أحدهم نصف استدارة هتف هو بقوة وبكلمات صارمة :
" انتباه .."
نظر الجميع له بسرعة وهو قال يمنع أحدهم من رؤية زوجته وهي تقفز بهذا الشكل :
" اعتقد أن ما قلت منذ دقائق واضح للجميع، أي سؤال؟!"
هز الجميع رؤوسهم بالنفي، ليهز هو رأسه يشير صوب تميم الذي اقترب منهم بجدية وبخطوات قوية :
" تميم تولى الاشراف حتى اعود، عودوا للتدريبات "
ختم حديثه وهو يتحرك بسرعة صوبها يشمر اكمامه يشير لها برأسه أن تتوقف وهي بمجرد أن أبصرته يقترب حتى اتسعت بسمة غير مرئية له تمد يدها له بالطعام وكأنها بذلك تحبط أي غضب كان يمكن أن ينبثق منه لاقتحامها منطقة الرجال .
" احضرت لك بعض الطعام سالار"
هل عليها أن تكون بهذا اللطف حقًا ؟؟
تنفس بعنف وغيظ شديد وهو يمسك معصمها بلطف، ثم سحبها جانبًا يوبخها بغيظ شديد :
" كم مرة أخبرتك أنني لا أحبذ أن تأتي لمنطقة الرجال ؟؟"
" كثير من المرات، لكن أنت قلت أنك لا تحبذ، ولم تمنعني بكل صراحة "
" إذن أنا امنعك وبكل صراحة تبارك ألا تخطين تلك المنطقة الملغمة بالرجال مجددًا، يا الله لا امرأة في هذا القصر تتجرأ على الاقتراب لهذه المنطقة وأنتِ تأتين لها اكثر من ذهابك لغرفتك "
ابتسمت وهي ترفع الغطاء عن وجهها تقول بجدية :
" هذا لأنك تقضي الكثير من الوقت هنا، صدقني إن قضيته مثلًا في مكان آخر سأتوقف عن المجئ هنا والحقك للمكان الآخر"
رفع حاجبه يرى جدالها له، وهي التي لم تكن تتحدث معه سابقًا سوى ببعض الكلمات الحانقة أو الحزينة، لكنها في النهاية كانت محرك كلمات تعبر عن البلاهة، والآن تجادله بشكل عقلاني .
وكل ما استطاع فعله هو أنه ربت على رأسها بفخر :
" أنا فخور بكِ، اصبحتي شخص عقلاني يجيد الرد على الأحاديث بشكل صحيح تبارك، فخور بكِ فخر الآباء بصغارهم "
اتسعت أعين تبارك والتمعت بقوة تقول :
" حقًا ؟!"
" نعم حقًا "
وفجأة تلاشت بسمته يقول بصرامة مريبة لا تمت لحنانه ولا كلماته السابقة بصلة :
" والآن تحركي خارج منطقة الرجال قبل أن أمرهم بوضع لافتة تمنع دخولك على بداية المنطقة "
رمشت دون فهم قبل أن ترفع الطعام أمامه تردد نفس الكلمات مجددًا وبكل براءة جعلته يشعر كم هو حقير ليتعامل بهذا الشكل مع هذه القارورة القابلة للتهشم :
" لقد أحضرت لك الطعام، فأنت لم تتناول الطعام منذ عدنا "
نظرت صوب سلة الطعام قبل أن يتنهد مبتسمًا :
" شكرًا لكِ عزيزتي، كنت اتضور جوعًا حقًا، جزاكِ الله عني خيرًا بركتي "
ختم حديثه يميل على رأسها مقبلًا بحنان، ثم اعتدل يردد بجدية :
" والآن تبارك تحركي للخارج رجاءً، ومرة أخرى إن أردتِ التواصل معي ارسلي لي احد الجنود وأنا سآتي لكِ اتفقنا ؟"
" لكنني افضل مشاهدتك تتدرب "
" لا بأس سأحضر سيفي واتدرب أمامك كل يوم قبل النوم إن أردتِ ؟؟"
" حقًا ؟؟"
هو كان يمزح، لكن إن كان هذا سيسعدها ويجعلها تختفي الآن من هذه المنطقة الملغمة بالرجال، فسيوافق :
" نعم.."
صمتت ثواني تطيل النظر له بشكل جعله يتعجب معتقدًا أنها لم تنتبه لكلماته، لكنها فاجئته تقول :
" اشتقت لقتالك سالار "
ارتفع حاجب سالار شيئًا فشيء ودون أن يشعر اتسعت بسمته بقوة وقد شعر بالحماس لهذه الفكرة، منذ متى لم يقاتلها؟! يعترف أنه اهمل الأمر، عليه أن يتأكد إلى أي مستوى وصلت هي .
قاطعت افكاره تقول باستفزاز مبتسمة :
" اشتقت لأذيقك الهزيمة "
رد لها البسمة بالمثل يجيب بنبرة ذكرتها بسالار القديم الذي لا يزال مساحة من عقلها وقلبها حتى الآن رغم احتلال النسخة الحنونة لجزء كبير منهما بالفعل :
" إذن المساء موعدنا .....مولاتي "
__________________
" انتباه، ملكة البلاد الملكة كهرمان تدخل القاعة الآن"
نهض جميع رجال البلاد والمستشارين وكذلك الجنود وكل من له شأن، الجميع نهض لأجل استقبال ملكة البلاد للتتويج على مملكتهم .
كانت تتحرك وهي تخفض رأسها تسير بفستان فضي اللون، تحاول أن تتلاشى النظر لأحدهم كي لا تتوتر، لكن وحينما أبصرت نظرات زمرد لها والتي منحتها بسمة واسعة تشجعها، حتى بادلتها بأخرى تبصر تبارك وبرلنت وليلا ينظرن لها باحترام وتقدير .
وكل ما فعلته أنها هزت رأسها لهم، ثم انتبهت تنظر أمامها تثبت عيونها عليه، كان هو قد نهض عن عرشه يرتدي ثيابه الملكية الرسمية يرمقها ببسمة ..
وهي سارت وقد تطاير حجابها الطويل خلفها تبادله البسمة بأخرى هادئة وبمجرد أن وصلت له توقفت أمامه تمسك طرف ثوبها تميل نصف ميلة قائلة بهدوء :
" مولاي .."
وهو فقط وضع يده على صدره يميل لها كذلك مرددًا ببسمة يتذوق لقبها الذي تعهد يومًا على منحها إياه:
" جلالة الملكة .."
استقامت هي تنظر لعيونه وهو منحها نظرة دعم، ثم مد لها يده لتضع هي كفها بين كفيه ليتلقفه ويشدد عليه بقوة وحنان مناقض لقوته .
يجذبها لتقف جواره، ثم أبعد عيونه عنها بصعوبة يردد :
" اشكركم لتشريفكم لنا اليوم، لا يخفى عليكم أن رحلتي الأخيرة لمشكى لم تكن مجرد زيارة عادية لصديق عمري الملك أرسلان، بل كانت رحلة لطلب ود أميرة مشكى سابقًا، ملكة سفيد الحالية، لذا نحن هنا لاعلن زوجتي كهرمان بيجان ملكة رسمية للبلاد "
وبعد هذه الكلمات ضجت القاعة بالتصفيق والتهاني والتبارك لكهرمان التي فقط كل ما استطاعت فعله هو هز رأسها لهم باحترام ومنحهم بسمة واسعة تردد بهدوء وشكر :
" اشكركم، أقدر لكم كلماتكم "
كان إيفان يراقب ثقتها التي بدأت تنتشر شيئًا فشيء في جميع ملامحها لتستقيم وهي تنظر للجميع بهدوء وثقة .
أدرك في هذه اللحظة أنه لو جلس يرسم امرأة بكل المواصفات في عقله، يفصلها كما يحب ويرضى، والله ما خرجت بمثل هذه المثالية .
فجأة استدارت كهرمان له تنظر له بتعجب تحرك رأسها وكأنها تتساءل عن سبب نظراتها، وهو فقط ابتسم بسمته الجانبية، ثم نظر أمامه بكل هدوء يقول :
" فقط كنت أحسب عدد الأعوام التي احتاجها لتجاوز افتتاني بكِ "
اتسعت عيون كهرمان بصدمة من تصريحه، تنظر له وهو ما يزال ينظر أمامه للجميع وقد اتسعت بسمته يجيب دون أن يبعد عيونه عن شعبه :
" وجدت أنني احتاج لأعمار عديدة لافعل، ولن أفعل"
ابتسمت بخجل شديد تخفض وجهها ارضًا تحاول تجاوز ما قاله في الوقت الحالي على الأقل، فشعرت يقبضته تمسك يدها وصوته يردد :
" يومًا لا تخفضي بصرك ولو كان خجلًا مولاتي "
رفعت عيونها تنظر في خاصته قبل أن تهز رأسها ببسمة واسعة، ثم استقامت تنظر للجميع وهي تحاول الثبات بعد هذا الحوار القصير وكل عقلها يدور في نقطة واحدة .
هذا وهي تقف مع بين الجميع، يا ويلي كيف ستتعايش مع فكرة وجودها رفقة هذا الرجل في مكان واحد ويجمعهما سقف واحد دون أن تذوب وتنهار ؟؟
وعلى بُعد صغير كانت تقف تراقب ما يحدث بأعين سعيدة وهي تشعر أن كلًا خلق ليحتل مكانته التي قُدرت له، بالله كيف ظن هؤلاء القوم يومًا أنها قد تصبح ملكة لسفيد؟؟ أين هي وأين كهرمان بثقتها وكبريائها ورقتها الذي ينضح من كل همسة وحركة.
" بما أنتِ شاردة ؟!"
استدارت صوب سالار ترى نظراته التي تركزت عليها، وهو فقط كان لا يهتم لكل ما يحدث، ولا يهتم لأحد سواها.
" فقط كنت أفكر أن كهرمان خُلقت لتكون ملكة، سبحان الذي يوزع الأرزاق، لا اعتقد أنني كنت سأصلح لهذا الدور بأي شكل من الأشكال "
امسك سالار كتفها يجبرها على الاستدارة ومواجهته ليقول بصرامة :
" جيد أن يدرك كل امرئ قدر نفسه، لكن هذا لا يعني أن تقللي من نفسك، لن أسمح لأحد أن يقلل منكِ ولو كنتِ أنتِ شخصيًا، أنتِ وإن وضعتي في مكانة ملكة والله ما كان للعرش من ملكة بعدك، أنتِ عزيزتي اثبتي وعن جدارة أنكِ تليقين بكل دورٍ وضعتي به"
صمت ينظر لعيونها بجدية كي يدخل الكلمات في عقلها ويعلمها قدر نفسها :
" جئتِ عالم لا تنتمين له، أُجبرتي على أمور لا تفقهيها كحمل السيوف والسهام والفروسية، لكن هل فشلتي ؟!"
كادت تفتح فمها لتجيب، لكنه قاطعها بجدية وقسوة وكأنه عادل لنفس الرجل الذي كان يدربها قديمًا، الآن لم يكن سالار زوجها، بل كان معلمها:
" والله لم تفعلي، وليتجرأ أحدهم على قول عكس ذلك لاجزن عنقه، ما كان لتلميذتي أن تفشل، لقد نجحتي واثبتِ أنكِ تلميذة نجيبة، مقاتلة ماهرة، فارسة بارعة، وفتاة حنونة، وامرأة ذكية، أنتِ هي أفضل نساء هذا العالم، ضعي هذا العالم في عقلك، كي لا اجبرك على الأمر "
تراجعت تبارك بضع خطوات للخلف وهي تراه يرمقها بتحذير، بل وتهديد وكأنه جاد، وما لم تعلمه هي أنه كان كذلك ..
ابتسمت تراقب نظراته تقول بجدية وهي تحدق في المكان حولها قبل أن تقترب منه في غفلة عن أعين الجميع المتوجهة لكهرمان وإيفان، تهمس بصوت منخفض وبخجل شديد .
" أنا أقدر كل ما ذكرته للتو سالار حقًا، لكن أنا ومن بين كل هذه الأدوار التي ذكرتها لي، لا يهمني سوى دور واحد فقط "
نظر لها بفضول يقول ببسمة حين أبصر خجلها الواضح في عيونها الظاهرة من اللثام وقد كانت ترتدي لثامًا بنيًا يلائم حجابها .
" وما هو هذا الدور ؟؟"
أجابته دون تفكير :
" زوجتك ...."
___________________
وقد كان لتبارك ما تريد، فها هي تقف أمام المرآة تراقب نفسها ترتدي ثوب زفافها على سالار، لا تصدق أنها وصلت واخيرًا لهذا المشهد من قصتها الطويلة البائسة، هل كتب الله لها نهاية سعيدة كما قصص الاميرات التي كانت تشاهدها في طفولتها ؟؟
رمقت نفسها في المرآة ترتدي فستانًا من اللون الازرق يتداخل مع اللون الابيض بشكل مبهر، فستان لا تدري من أين أحضره سالار ولا كيف صُنع بهذه المهارة، لكنها فقط كانت تدرك أنه يلائمها بشكل مرعب، وإن أخبرها أحدهم أنها ستُزف يومًا لفارسها بفستان ازرق لكانت ضحكت، لكن هل تفعل الآن ؟!
طالت نظراتها بالمرآة وكأنها لا تصدق أنها تحدق بنفسها، نفسها الفتاة البائسة التي كانت كلما ابصرتها في المرآة قديمًا اشفقت عليها وعلى من سيضطر لتحملها، لكن سالار وخلال هذه الشهور جعلها تدرك أنها تمتلك أكثر مما ترى ..
وعلى ذكر تلك الفتاة البائسة التي كانت تراها في المرآة، تذكرت حديثها في المركب حين عودتها مع سالار للبلاد وهي تخبره عما حدث معها قديمًا حين تحطمت المرآة وخرج منها نورًا ساطعًا حتى ظنت أنه جني .
وكان رده حينها بسمة وكلمات ممازحة :
" اعذريها فربما لم تتحمل تلك المسكينة مقدار الجمال الذي انبثق منكِ صوبها "
وقد كان هذا أكثر رد مبهر وتبرير عجيب قد تسمعه منه، لكنه اعجبها وللحق، وهو فقط ابتسم لها يضمها يفسر الأمر بكل بساطة :
" لكل شيء تفسير، لكن ربما كان هذا النور انعكاس لنور آخر، وتحطم المرآة ربما كان بسبب هشاشتها، فقط استعيذي بالله إن حدث معكِ شيء كهذا مجددًا احيانًا جهلنا ببعض الأمور نعمة "
وفي نفسه كان هو يفكر في تفسير للأمر وشك أنه ربما المرآة هناك تمثل نفس وظيفة الكرة التي كان يصطحبها معه لعالمها، وعزم على مناقشة الأمر مع العريف .
أفاقت من شرودها بقوة على صوت فتح الباب وشهقات الفتيات التي خرجت بقوة حين أبصرن إطلالتها.
نبست كهرمان بانبهار متسعة الأعين:
" تبارك الرحمن، أنتِ مبهرة تبارك "
استدارت تبارك صوبهم وهي تحدق بالفتيات بتوتر شديد :
" هل تعتقدون هذا ؟؟"
اندفعت لها زمرد تقول بسعادة :
" بل في غاية الجمال، يا ويلي اعتقد أن آن لهذه الصخرة التي ستتزوجين بها أن تلين "
ابتسمت لها برلنت تهز لها رأسها موافقة على حديث زمرد وكذلك ليلا التي قالت بلطف :
" تبدين جميلة للغاية "
التفت جميع النساء حول تبارك بسرعة يتأكدن أن لا شيء ينقصها وقد شعرت تبارك بالسعادة والألفة الشديدة، وتناست أنها في هذه المناسبة وحيدة .
وكيف تكون وحيدة وهي ستكتمل بعد دقائق بوجوده .....
_______________
أما عنه هو ..
تحرك في ممرات القصر يتبعه جميع الرجال، يرتدي الاسود الذي زاده هيبة فوق هيبته الفطرية، يتحرك مع الجميع صوب زوجته وقلبه يسبقه بخطوات، سينفذ وعده لها، سيزفها لنفسه، والله أنه يستحق مكافأة نفسه بعد كل سنوات عمره باهداء نفسه اغلى وأثمن القوارير .
توقف أمام باب جناحها يحاول التنفس بشكل طبيعي الأمر لم يكن سهلًا بأي شكل من الأشكال، وخلفه يقف جميع الرجال، الجميع يرتقب الخطوة الأولى التي سيأخذها صوب زوجته ...
سيزفها لنفسه وخلفه يزفه أكثر رجال الممالك الأربعة شأنًا، جميع الملوك والعريف، الجميع جاء ليسير خلفهم ويزفونه مع زوجته .
تنفس بصوت مرتفع، ثم استدار صوب الجميع وكأنه يسألهم المعونة، ليتحدث إيفان وهو يدفعه بهدوء صوب الباب مبتسمًا يدرك كم يصارع نفسه الآن كي لا يقتحم الغرفة وينتزعها من بين الجميع، وفي الوقت ذاته يخشى أن تتهشم بين أصابعه لشدة مشاعره، أولم تكن هذه هي نفسها مشاعره :
" هيا تقدم يا أخي، خذ نصيبك من السعادة "
ابتسم له سالار، ثم حرك عيونه بين الجميع ليتنحى جميع الرجال جانبًا بعيدًا عن باب الجناح وهو طرقه بهدوء يهتف :
" تبارك، هل انتهيتِ ؟؟"
سمع رد بصوت غيرها يأتيه، ومن ثم اصوات حركات من الداخل، حتى واخيرًا وبعد دقائق قصيرة فُتح الباب لتطل هي عليه، رفع عيونه ببطء حينما أبصر طرف الثوب الذي أحضره لها بنفسه، مرت عيونه ببطء عليه حتى وصل واخيرًا لوجهها الذي كان يختبأ أسفل غطاء من اللون الابيض اللامع، شعر بموجة مشاعر قوية تضرب جسده بأكمله ليتحرك ببطء صوبها وهي تنظر ارضًا تشعر بالأرض تدور بها، ثواني فقط انتظرت أن يصل سالار لها ليأخذ بيدها صوب الخارج، لكن وأثناء خفض نظرها ارضًا سمعت صوت شهقات مرتفعة حولها، ولم تفهم سبب تلك الشهقات حتى رأت جسد سالار أمامها على ركبتيه وقد أخرج سيفه يستند عليه قائلًا وهو ينظر لعيونها التي كانت تخفضها:
" هاكِ إعلان خسارتي للمعركة المائة وأربعة وعشرين ..."
_______________________
نهاية وليست خاتمة
ترقبوا الخاتمة لباقية الأحداث ....
ستكون غدًا إن يسر الله أو بعد غد أو ربما سأخبركم قبلها
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم رحمة نبيل
هذه الخاتمة كانت جزء من الفصل السابق لكن ولحجمه الكبير قُسم على جزئين.
هنا وبكامل الأسف أخبركم للمرة الأخيرة في سفيد..
قراءة ممتعة .
صلوا على نبي الرحمة
__________________________
كانت خطوة واحدة اتخذها هو، وهي لم تستطع أن تؤتي بردة فعل، وكيف تفعل وهي شعرت بجميع أطرافها تُشل، هذا الذي يركع الآن أمامها يعلن خسارته على مرأى ومسمع من الجميع هو نفسه سالار ..
وعقلها في لمحة سريعة عرض صورًا له يحارب ويتحرك فوق حصانه بكبرياء، ويأمر الجنود، لمحات خاطفة لسالار القائد، تقارنها بهذا العاشق هنا، لترى أنها أحبت كلاهما بنفس المقدار .
وكل ما استطاعت أن تفعله هي أن رفعت أطراف ثوبها بصعوبة وبيد مرتجفة، ثم جلست ارضًا أمام سالار ترفع عيونها له من خلف الغطاء تتمنى لو استطاعت رفعه، لكنها في الوقت ذاته شاكرة للغطاء الذي استطاع احتواء مشاعرها عن أعين الجميع .
كان الجميع يتابع باهتمام شديد ما يحدث ولم يتجاوزوا بعد صدمتهم لما حدث، لا أحد يصدق ما حدث سالار يعلن خسارته بكل فخر أمام أحدهم ؟ حتى وإن كان هذا الاحدهم هو زوجته، فهو كان الشخص الذي يتباهى بعدم خسارته لأي حرب، ولم يدرك هؤلاء المساكين أن سالار سبق وأعلن خسارته في ثلاث معارك هذه رابعتهم .
مدت تبارك يدها تمسك خاصته، تهمس له بصوت مرتجف من هول مشاعرها :
" لا عاش من يتسبب في خسارتك يا قائد، وإن كان فوزي يعني خسارتي فأنا أعلنه خسارة، ولا حاجة لي بفوزٍ ضدك، لنعلنها معركة تعادل، لا فائر ولا رابح "
ابتسم لها متمنيًا رفع ذلك الغطاء والتأمل في ملامحها بحرية، لكن ليس الآن، رفع كفها لفمه يطبع على باطنه قبلة حنونة هامسًا :
" الخسارة لا تخزيني إن كانت أمام عيونك تبارك "
صمت ثم نظر لها يقول ببسمة :
" أنتِ الآن تبدين ....تبارك "
ضحكت بصوت خافت تهمس :
" وأنت تبدو سالار "
" يسعدني أن أكون الآن زوجكِ، مولاتي "
ختم حديثه ينهض وهو ينهضها بلطف شديد رافضًا أن تظل جالسة ارضًا بهذا الشكل، ثم مال بجسده يعدل لها من وضعية ثيابها يتأكد أنه لم يتأثر بجلستها ومن ثم استقام يضع سيفه في ثوبه، يمد يده لها يقول ببسمة :
" إذن مولاتي اسمحي لي بأن ازفك لنفسي "
ابتسمت تشعر بالسعادة وارادت أن تضيف بعضًا من الحركات الملكية على ما يحدث فأمسكت طرف فستانها ترفعه بخفة في الهواء، ليتراجع جسد سالار بحركة تلقائية منه لم يتحكم بها جعلتها تنظر له بعدم فهم .
وفي ثواني كانت هناك ضحكة تصدح في المكان بأكمله ولم تكن هذه الضحكة سوى ضحكة إيفان الذي تابع خوف سالار المرضي من هذه الحركة منذ بداية القصة، يا الله متى مر كل هذا بهذه السرعة ؟؟
ابتسم سالار يكتم ضحكته، لكنه لم يتمكن من فعل ذلك فشارك إيفان الضحك يمسك بكف تبارك يقول :
" إذن نتحرك سمو الأميرة ؟؟"
أبتسمت رغم عدم فهمها لشيء، وتحركت معه ليفسح لهم الجميع الطريق ويتحركوا بينهم صوب الخارج وخلفهم جميع الملوك في منظر مهيب، ومن ثم النساء خلف الجميع بعدما أغلقن الجناح وتحركن .
وفي الحقيقة كانت جملة " النساء اولًا " غير متبعة بشكل كبير في الممالك، ليس لافتقداهم اللباقة المطلوبة أو ما شابه، بل لثقتهم الكاملة أنه حتى وإن احتوت هذه الحركة على احترام دفين للمرأة، فهي مرفوضة إن كانت مع نساء لسن بنساءك ..
خرج الجميع ووصلوا لساحة القصر التي كانت قد زُينت بالكامل بالعديد من المصابيح الزيتية ذات الأشكال المبهرة، مصابيح أنارت الحديقة بأكملها وبددت الظلام صانعة لوحة جعلت تبارك تشهق وهي ترى هذا التنظيم، ابتسم لها سالار يقودها معه لمنتصف الساحة ..
وبدأ الجميع يصفق وكلمات المباركة تترد حولهم، وتبارك فقط تراقب ما يحدث بانبهار وسعادة لم تعتقد يومًا أنها قد تمتلكها، وفي خضم كل ما يحدث تناست تبارك ذلك الشعور الذي اعتقدت أنه سيلازمها خلال زفافها، نست شعور اليتم جواره .
ابتسم سالار ثم ترك كفها تقف هناك هامسًا لها :
" رغم أنني لا أحب أن أفعل ذلك، وفعلته مرغمًا المرة السابقة لأجل وعدي لإيفان، إلا أنني لا اجد أفضل من هذه الطريقة للتعبير عن حبي لكِ، تحركي مع النساء عزيزتي "
ختم حديثه بكلمات غير مفهومة لتبارك ليتحرك بهدوء صوب منتصف الساحة يلتقط الدف من دانيار، وهي فقط نظرت له بفضول شديد تراه يغمز لها غمزة سريعة، ثم شرع يغني بصوته الجهوري القوي وحوله الرجال يشاركونه ضرب الدفوف ..
وهي لم تشعر سوى بليلا تجذبها بخفة وهي تردد :
" هيا سنتحرك صوب قاعة النساء تبارك "
وهي فقط تحركت بصعوبة وعيونها مثبتة على سالار متعجبة من هذه الكلمات التي تشعر أنها تهز دواخلها رغم عدم فهمها لما يقول، فقد كانت كلماته بلغة غير مفهومة خمنت بسهولة أنها فارسية، يبدو الأمر كما لو أنها انشودة فلكلورية أو ما شابه، تحركت مع النساء بصعوبة تقول :
" ما هذه الأنشودة ليلا ؟!"
نظرت لها ليلا ببسمة تقول :
" هذه انشودة قديمة تحكي عن أسطورة كانت الأجيال تتناقلها عن قصة عشق، تحولت فيما بعد لأنشودة ينشدها البعض تعبيرًا عن حبه العميق، تعبر عن الوصول واخيرًا للحب بعد سنوات انتظار طويلة كما حدث مع بطل الأسطورة، ويبدو أن القائد يكن لكِ مشاعر عميقة إذ أن جميع كلماته تخرج لكِ ونظراته مصوبة لكِ تحديدًا "
وإن ظنت أن إجابة ليلا قد تقتل بعض فضولها، فقد اخطأت، ففضولها قد زاد لمعرفة تلك القصة الأسطورية، وقررت أن تسمعها، لكن منه هو فقط ..
تحركت بعيدًا مع النساء وهو ابتسم بسمة واسعة واستمر في ضرب الدف مع الرجال والغناء بسعادة لأجل نفسه ولاجلها، يحمد الله أنه لم يبصر أي نظرة حزن في عيونها .
فجأة وجد أحدهم ينتزع الدف من بين يديه وهو يلقيه لأحد الرجال ليكمل هو قرع الدف وجذب سالار لمنتصف الساحة حيث يحتفل الرجال يجبره على مشاركته الرقص وهو يحرك يديه في الهواء، ولم يكن ذلك الشخص سوى إيفان الذي تخلى عن كل ما يمكن أن يقيده لأجل الاحتفال بابن العم والاخ والصديق الاقرب له .
بدأت الحماسة تزيد بين الجنود وهم يزيدون من التصفيق بحماس شديد لا يصدقون أن الملك يشارك قائد الجيوش في الرقص يحركون الاقدام والأيدي بطريقة وحركات معروفة بينهما، وفجأة اقتحم أرسلان المكان دون أي دعوة أو إجبار يشاركهم الأمر تبعه دانيار وتميم ومهيار وكذلك مرجان الذي دفعه العريف يقول :
" أذهب يا فتى وشاركهم "
شعر مرجان بالتردد من الأمر، ما الذي سيفعله هو بينهم، هم اصدقاء وأكبر منه في المكانة والعمر حتى، وقبل أن يفكر أكثر أجبره العريف وهو يصرخ به :
" أذهب يا دودة الكتب أنت وتوقف عن التحليل، ألا تنفع في شيء سوى القراءة والدراسة ؟؟ يا ويلي منك مرجان اذهب وشاركهم الرقص يا رجل "
وقبل أن يعترض مرجان شعر بمن يجذبه وقد كان سالار الذي أبصر ما يحدث بينه وبين العريف وأدرك تردده ليبتسم وهو يجذبه يقول :
" لا يُرد طلبٌ لابي دارا يا فتى "
أُجبر مرجان بطريقة أو بأخرى على مشاركتهم الاحتفال، ليندمج دون أن يشعر وهو يضحك بصوت مرتفع وسعادة كبيرة وقد بدأ الجنود والرجال والملوك بأكملهم يشاركون، إذ بدد هذا الاحتفال أي قيود قد توضع بين ملكٍ وجندي، فترى أرسلان يضع يديه على كتف أحد الجنود وهو يتحرك معه للأمام والخلف وإيفان يصفق للجميع ويشاركهم بسعادة وبسمة، ولمَ لا واليوم زفاف سالار، والسعادة واجبة للجميع ...
رجال تراهم في ساحة الحرب ترتعب من ملامحهم، فمن كان يعتقد أن أشخاص مرعبين حين حملهم للسيوف كسالار وأرسلان، وأشخاص ترتعب لنظرة منهم كإيفان، وآخرين لا تستطيع مناقشتهم إذا ما منحتهم سلاحهم كدانيار وتميم، قد يندمجون بهذا الشكل مع الجميع ويتضاحكون ويغنون بهذه الطريقة؟؟
أما عن طبيبنا الهادئ، فتحفظه الدائم تلاشى وهو يشاركهم الاحتفال بسعادة كبيرة ..
وكل ذلك تحت أنظار آزار الذي كان يراقب سعادة سالار بقلب مضخم بالشجن، سعيد ومبتهج لأجل صغيره وربيب يده الذي كبر وجعله أكثر رجال العالم حظًا ليحظى به، فقد ابنًا واكتسب آخر.
وعلى ذكر ابنه الأول غامت أعين آزار بحزن شديد وهو ينظر حوله وسؤال واحد يتردد في عقله " لماذا يا نزار؟؟ ما الذي كان ينقصك لتخون وطنك وعائلتك ومن قبلهم ربك وتتعاون مع اوساخ دمروا بلادك وقتلوا اخوتك ؟؟"
سؤال رماه آزار يومًا في وجه ولده الذي يحتبسه في أحد السجون منتظرًا أن يمده الله بالقوة والتجبر الذي يجعله قادرًا على رؤيته يُعدم، لكنه لم يستطع حتى الآن، كلما أخذ قراره حاربته صور طفله الصغير المبتسم الذي كان يركض خلفه من مكانٍ لآخر، الأمر اصعب مما تخيل، أصبح وحيد في هذه الحياة بلا وريث، لكن الله ما كان ليظلمه ويقسم ظهره في ولده إلا وعوضه بقطعة من شقيقته، يشبهها تمامًا بهذه البسمة ...
محى دمعة كادت تهبط على وجهه حين أبصر سالار يستدير صوبه مبتسمًا، فابتسم له يراقبه بحب، وسالار رد له البسمة، ثم تحرك صوبه يعانقه بحب شديد :
" شكرًا لك يا أبي، لولا الله ومن بعده أنت، لكنت الآن هائمًا لا أجد لي مرسى "
وكلمة أبي التي خرجت من فم سالار أجبرت دموعه على الهطول مجددًا وهو يجيب بصوت متهدج :
" بارك الله لي بك يا بني، وليكون اليوم بداية سعادتك الكبرى عزيزي، تستحق كل الخير، فأنت لم تقدم سواه، ليت الجميع سالار "
ختم حديثه بتمنى خرج من اعماق صدره، ليدرك سالار ما يشعر به في هذه اللحظة يربت على ظهره هامسًا :
" هوّن على نفسك يا أبا نزار، فالنفوس متقلبة، ولا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا "
ختم حديثه وهو يبتعد عنه مبتسمًا يؤازره يفكر في زيارة قريبة بعد الزفاف لخاله ليرى أمور نزار، متمنيًا في صدره أن يرزقه الله بالتوبة قبل أن يتسبب في أذية والده حزنًا وقهرًا.
ثواني وسمع صوت إيفان يناديه لتقديم الهدايا ..
ابتسم يتحرك بلهفة شديدة صوب مكان الجلوس المخصص له ولزوجته وما هي إلا دقائق قليلة وسمع طرق الدف المعلن عن وصول النساء، قرع قلبه بانتظام وتزامن مع قرع الدف، حتى وصلت هي وتوقفت أمامه ليبتسم بسمة واسعة وهي فقط ظلت مخفضة الرأس لا تدري ما يجب فعله، رغم أنها جاهدت في زفاف كهرمان لحفظ تفاصيله، لكن لشدة توترها نست كل شيء .
ابتسم سالار وهو يستدير صوب نزار الذي تحرك صوبه يمنحه صندوق خشبي عليه الكثير من النقوش البديعة وهو يبتسم له، فتح سالار الصندوق يلتقط منه اسورة مزينة بشكل مبهر، ثم أمسك يد تبارك يرفعها له يلبسها السوار مرددًا بحنان :
" هذه هدية والدك "
رفعت تبارك وجهها بسرعة وصدمة من كلماته، تعابير لن تظهر بسبب غطاء وجهها الذي كان يشف بعض ملامحها .
ابتسم سالار يلبسها اسورة أخرى يهمس لها :
" هذه هدية والدتك "
ومن ثم اتبعها بسلسال رقيق يميل قليلًا كي يلبسها إياه هامسًا :
" وهذه هدية زوجك "
انتهى من باقي الحديث يحمل الصندوق من خاله يضعه بين يديها مرددًا :
" وهذه هدايا عاشقٍ لكِ مولاتي ....."
شعرت تبارك أنها أُصيبت بالخرس ولم تقوى على قول كلمة واحدة والجميع حولهم يتابع بسعادة كبيرة ما يحدث .
امسك سالار كتفها يديرها لتصبح في مواجهته وهو يعطي ظهره للجميع يكاد يخفيها بجسده ينزع عنها الغطاء، ثم أخرج شيئًا من جيب سترته يمسك كفها يضعه به :
" وهذا مهرك عزيزتي "
وتبارك التي كانت ما تزال في صدمتها لا تعي ما يحدث ولم تفق إلا حين شعرت بشيء معدني بارد وُضع في كفها، تحركت عينها ببطء لتبصر مفتاح غريب الشكل يبدو قديمًا بعض الشيء، رفعت عيونها له ليبتسم هو لها قائلًا :
" مهرك وحقك عليّ زوجتي "
" أنا.... أنا لا ...لا افهم "
ابتسم يشرح لها والجميع حوله يكاد الفضول يقتلهم لمعرفة ما قدم لزوجته عدا إيفان الذي كان يبتسم بسعادة كبيرة مدركًا هوية الهدية، وارسلان الذي كان يرمقهم بصدمة يقول :
" يا ويلي لا تخبرني أنه ما أفكر به "
هز ايفان رأسه بنعم لتتسع أعين أرسلان أكثر وأكثر يردد :
" حقًا ؟!"
ابتسم سالار على نظرات تبارك يقول :
" لا تفهمين ماذا تبارك ؟! هذا مهرك، حقٌ عليّ، وأنا لم اجد اغلى من هذا لاهديكِ إياه"
ونظرات الفضول التي علت وجهها وهي ترمق المفتاح جعلته يوضح لها أكثر :
" قصر عائش ..."
رفعت عيونها تحدق في وجهه بفضول اكبر ليبتسم قائلًا :
" القصر الذي يتوسط حدود سفيد مع آبى "
قاطعه إيفان بسخرية :
" يتوسط ؟؟ بل يحتل الحدود بأكملها "
ابتسم له سالار يكمل وهو يتذكر والده الذي بذل كل جهده ليقيم قصرًا لوالدته خارج هذا المكان بعدما أحالت شهرزاد أيامها لتعاسة، لكن الموت كان اسرع منهما :
" نعم، القصر الذي يحتل حدود سفيد مع آبى، قصر بناه والدي قديمًا لأمي ليكون قريبًا من حدود بلادها، وقد بناه بنفسه وبكل قرش يمتلكه تقريبًا، واستمر الأمر لسنوات طويلة حتى انتهى منه ولم ...لم يسكنه أحد منذ ذلك الوقت "
صمت ولم يوضح أكثر لتفهم تبارك ما يقصد، يبدو أنهم رحلوا قبل حتى أن يسكنوا به، لكن سالار لم يرد أن يفسد يومه بالحزن :
" الآن أصبح هذا القصر لكِ بكل ما فيه بالكامل "
نظرت له تبارك بصدمة كبيرة وعجزت عن الرد .
بينما أرسلان ابتسم بصدمة :
" أهداها قصر والديه ؟؟ يا ويلي لقد ...لقد كان لا يسمح لإنسان في هذه الحياة بأن يخطوه حتى، يهديه لها مهرًا "
ابتسم إيفان يضم يديه لصدره وهو يردد :
" أراد أن يمنحها مهرًا لم يُمنح لسواها، فمن يمنح زوجته قصرًا بحجم نصف قرية تقريبًا ؟؟"
نظر له أرسلان ثواني قبل أن يقول :
" أوه هكذا، إذن امنح شقيقتي سفيد "
استدار له إيفان متشنجًا ليبتسم له أرسلان ممازحًا باستفزاز كعادته :
" اريدك أن تمنح أختي مهرًا اكبر من خاصة سالار "
ربت إيفان بغيظ على كتفه مبتسمًا بسمة حانقة:
" حينما تمنح زوجتك المستقبلية مشكى سأفكر بذلك"
رفع له أرسلان حاجبه وهو يضم يديه لصدره :
" وما حاجة زوجتي العزيزة بمشكى إن كانت ستمتلكني؟"
" أوه"
ضحك أرسلان على ردة فعله ينتبه لسالار الذي كان قد بدأ يتلقى الهدايا من الجميع ليجذب يد أرسلان يقول :
" هيا دعنا نكون اول من يقدم الهدايا لهما ..."
تحرك معه إيفان بسرعة وقد بدأ المكان يمتلئ بهجة وسعادة والجميع يحدق بالعروسين في سعادة وعدم تصديق .
فها هو القائد وبعد ثلاثة عقود تقريبًا يقرر التخلي عن عزوبيته والرضوخ للزواج ويسلم حريته لامرأة، وليست أي امرأة، بل أمرأة من عالم المفسدين .....
وهكذا استمر الزفاف لمدة ساعات، حتى انتهى الجميع ونهض سالار يسحب يد زوجته يردد ببسمة :
" هيا سنتحرك "
نظرت له بتعجب وهي تسير خلفه تحت بسمات الجميع والتصفيق :
" إلى أين؟؟"
نظر لها بسعادة يهتف وهو يمسكها من خصرها يضعها على الحصان لتصبح جالسها وهي تضع كلتا قدميها في جهة واحدة وهو قفز خلفها يمسكها جيدًا هامسًا وقد تحرك حصانه بسرعة كبيرة بعيدًا عن الجميع ليبدأ الزوار بالتفرق للرحيل وقد بدأ البعض ينثر الورود على سالار وتبارك :
" إلى قصر عائش، سنقضي مساء زفافنا الاول هناك مولاتي ...."
_______________________
ويبدو أن المساء لم يكن موعدًا حصريًا لهما، بل كان كذلك لقاء مرتقب مؤجل منذ ايام طويلة ...
فبعد ساعات من انتهاء الزفاف ورحيل الجميع، وخلود البعض للنوم .
كانت تقف في نفس الساحة حيث بداية القصة، نفس الوقفة ونفس النظرات القديمة لكن مع لمحة مشاعر دخيلة على مشاعرهم القديمة .
شدد هو على مقبض سيفه وهو ينظر لها بأعين تظهر من لثامه الاسود، يراقب كل حركة تصدر من جسدهاء قبل أن يتخذ وضعية الدفاع يرفع إصبعه مرددًا بصوت خافت :
" أرني ما لديكِ جلالة الملكة "
اتسعت بسمتها وهي تحرك السيف بمهارة بين كفها، تقترب منه خطوات قصيرة بطيئة كنمر يتربص لفريسته، وهو كان يستمتع برؤيتها تلعب دور الصياد في لعبة هي فريستها من الأساس...
فجأة اندفع جسد كهرمان بقوة صوب إيفان الذي تلقى ضربتها بملامح جادة وهو يعتدل يدفع سيفها للخلف بسرعة وقبل أن تدارك صده لها بسهولة كان هو يهاجمها بضربة عكسية جعلتها تميل للخلف بقوة حتى كادت تسقط ارضًا، وهو مال عليها يهمس لها :
" يبدو أن مرونة جسدك ليست حصرية للرقص فقط جلالة الملكة "
رمقته بغضب وحنق تعترض على خداعه لها، ليهمس حين فهم نظراتها :
" لا بأس، كل شيء مباح في الحب والحرب مولاتي "
اتسعت أعين كهرمان التي تظهر له في كامل وجهها ترمقه بحدة ليبتسم لها هامسًا :
" لا تنظري لي هكذا، فأنا لا أخشى عيون القطط خاصتك"
رفعت حاجبها تبتسم بسمة صغيرة انعكست في نظراتها ليبتعد هو ببطء مرددًا :
" بل اذوب بها.."
اعتدلت كهرمان تتنفس بقوة وهي تعدل من وضعية اللثام، ثم رمقته بتحفز وهو أشار لها :
" سأمنحك فرصة هجوم ثانية فلا تضيعنها، أنا لن اكون بهذا الكرم طوال الوقت "
وبمجرد انتهاء كلماته حتى اخذت ضربات وهجمات كهرمان تتابع عليه كالسيل، حتى كاد يسقط سيفه سهوًا منه، لولا أن تمكن منه في اللحظة الأخيرة بسرعة يردد بجدية :
" لا بأس بكِ "
أجابته بحاجب مرفوع :
" لا بأس ؟؟ بل أنا أكثر من هذا مولاي "
ابتسم لها يجيب بهدوء وبكل بساطة :
" أنا كنت أقيم قتالك لا اقيمك أنتِ، لكن إن أردتِ تقييم لكِ، فأنتِ أكثر من مجرد لا بأس كهرمان ..."
ختم حديثه يستغل شرودها يرفع سيفه يضرب خاصتها بقوة ليسقطه، ثم ضربه بقدمه ليلتقطه، يرفع السيفين في وجهها وهو يدور حولها :
" مازلتِ كما أتذكر، محاربة فاشلة وامرأة ساحرة"
استدارت له كهرمان بقوة وغضب تمنحه نظرة مشتعلة ليبتسم هو مضيفًا وقد احب رؤية ملامحها الغاضبة التي تعيد له ذكريات قديمة :
" لو كنتِ ماهرة في القتال بقدر بهائك كهرمان، لهزمتي جيوشًا بنظرة "
ابتسمت له تقول بنبرة تماثله هدوءًا وخبثًا :
" ولو كنتَ ماهرًا في القتال بقدر مهاراتك في الحديث إيفان، لحكمت العالم بكلمة "
اتسعت أعين إيفان وبسمته كذلك يردد بعدما تلقى كلماتها في منتصف صدره :
" أوه يا ويلي من لسانك الحاد "
" ليس بقدر خاصتك صدقني "
أطلق إيفان ضحكات مرتفعة وهو يلقي لها بالسيف يقول :
" حسنًا اعتقد أن معركة الحديث بيننا لن تنتهي بسهولة ولن نجد فيها رابحًا، عكس معركة السيوف من السهل تحديد الفائز بها، لذا جولة أخرى ؟؟"
التقطت كهرمان السيف بكل مهارة قبل أن تنزع اللثام عنها لتتنفس بشكل مريح تقول :
" جولة أخرى "
وهو فقط راقب وجهها يقول ببسمة واسعة :
" تشهرين جميع اسلحتك في هذه الجولة، وهذا ليس بعدلٍ "
اتخذت كهرمان وضعية الهجوم هذه المرة وهي تشير له تردد جملته بنفس بسمته تراقب الاستمتاع يلوح في نظراته وقد أدركت أن ليلتها مع هذا الرجل لن تنتهي بهذه السهولة وستكون أطول وأكثر ليالي حياتها جمالًا :
" لا بأس، كل شيء مباح في الحب والحرب مولاي ....."
ابتسم لها إيفان وهو يشير لها بالهجوم قائلًا ببسمة :
" اجعليها حربًا أو حبًا، لا يهمني طالما أنكِ طرفًا في أي منهما"
هجمت عليه كهرمان بسرعة وهو أخذ يصد ضرباتها تارة ويهاجمها تارة أخرى في استمتاع شديد، حتى صوبت نحوه ضربة عنيفة تجنبها بمعجزة وهو يميل ينصف جسده بسرعة مرعبة للخلف ينظر للسيف الذي كاد يخترقه :
" يا ويلي أنتِ جادة بهذا حقًا ؟! هل سلطّك شقيقك عليّ ؟؟؟"
نظرت له كهرمان ببسمة تقول :
" كنت اعلم أنك ستتجنبها "
اعتدل يقول وهو يدور حولها وكأنه يبحث عن مدخل لها :
" وإن لم أفعل ؟؟"
" كنت سأوقفها في الوقت المناسب، لا تقلق أنا لست بمثل هذا التجبر لأقتل نفسي بيدي مولاي "
ابتسم لها إيفان يقول :
" لا بأس سأسامح بالموت إن كان على يديكِ "
ختم حديثه يرفع سيفه عاليًا، ثم هبط عليها بقوة تصدت لها بسرعة وهي تتنفس بصوت مرتفع جعل بسمته تتسع، يلقي السيف جانبًا، يرفع يديه في الهواء :
" حسنًا ستتوقف هنا فلا نود أن يستيقظ الجميع في الغد ليجمعوا اشلائنا "
ضحكت كهرمان عليه ليقترب هو منها، يمسك يدها يقول ببسمة واسعة :
" ما رأيك في فعل شيء رائع آخر "
نظرت له بفضول تنتظر أن يشاركها ما يقصد، ليبتسم يجذب يديها خلفه وهي تبعته دون قول كلمة واحدة وهو كان يحقق أحلامه في هذه اللحظة، يقضيها مع امرأته في ليلة باردة لطيفة ...
توقف بها أمام الاسطبل يشير لها بعيونه صوب الخيل، لتتسع بسمة كهرمان بقوة وهي تقول متقدمة من الأحصنة :
" مُصر على تذوق الهزيمة مني في كافة المجالات اليوم ؟؟"
" سنرى "
وبعد دقائق قليلة كانت الخيول تنطلق بسرعة كبيرة خارج الاسطبل تحمل فوقها الاثنين وصوت ضحكات كهرمان يبدد صمت الليل الخانق ورؤيتها تسعد قلبه ليشعر إيفان واخيرًا أنه نال نصيبه من السعادة في هذه الحياة، بل ويزيد ...
علقت عيونه بكهرمان التي كان الهواء يداعب حجابها وبسمتها متسعة بقوة وسعادة لتصنع لعيونه اجمل لوحة قد يبصرها، اقترب منها بحصانه ينافسها يهمس لها :
" هيا أرني ما لديكِ "
" الكثير مولاي ...."
وبهذه الكلمات ختمت الحوار لتشتعل المنافسة وتحفر حوافر الأحصنة مكانها في أرضية القصر، وتُحفر قصتهما في التاريخ .
عن ملك وقع ضحية عشق لأميرة هاربة ......
__________________
نالها من طلبها ..
وعلى العكس هنا، هو لم يطلبها ونالها، لم يطلبها لكنه رغبها وسرّها في نفسه، على عكس شقيقه الذي طلبها صراحة ودون خجل ولم ينالها حتى الآن..
بمجرد أن خطى مهيار جناحه الذي يقطن به في المبنى المجاور للمشفى، نبض قلبه بسرعة يبصر أمامه ليلاه ترتدي فستان بالاسود يتخلله بعض الفضة، وهي تردد بعض التهويدات وتدور في حركات راقصة راقية لطيفة .
وهذا المسكين الذي في حياته كلها لم يختلط بالنساء سوى لمامًا، ولم يعرف من الزهور عداها، كان فقط يقف فارغًا فمه بدهشة يراقبها بذهول وكأنه جاء من عالم آخر يستكشف اسرار عالمها، وهي حينما رأته ابتسمت وأخذت تدور حوله، وهو فقط يحرك عيونه معها ببسمة غير مصدقة ..
وفجأة توقفت ليلا عن الحركة وهي تعيد خصلات شعرها للخلف تقول بسعادة ولطف وهي تضم كفيها أمامها بترقب :
" ما رأيك ؟!"
نظر لها مبتسمًا بذهول مرددًا بشبه بلاهة :
" في ماذا ؟؟"
" في هذا العرض الذي قدمته لك منذ ثواني مهيار ما بك "
اجاب ببسمة واسعة وصدق التمع في حدقتيه :
" حسنًا هو رائع، بل العرض الأفضل الذي رأيته حتى الآن، في حياتي لم أر عرضًا بهذا الجمال والابداع "
رفعت حاجبها تسأله ببسمة ممازحة:
" وكم عرضًا شاهدت سيدي الطبيب لتصنف خاصتي بالاول ؟؟"
" واحد فقط ...عرضك "
أطلقت ليلا ضحكات مرتفعة وهي تقول :
" إذن صنفت عرضي بالمركز الأول في منافسة لا تضم سواه، أي نوع من المشاهدين أنت ؟؟ "
اقترب منها بخطوات بطيئة قبل أن يتوقف أمامها يراقبها بانبهار، انبهار لا ينتهي، هو كل يوم ينبهر بها أكثر من سابقه:
" مشاهد مخلص لا يهتم بمشاهدة غير هذا العرض، ولن يمل مشاهدته لو قضي اعمارًا طويلة يفعل، ببساطة لأنه عاشق لهذا العرض ومن يؤديه "
تنفست ليلا بصوت مرتفع تتراجع خطوات للخلف:
" حسنًا نكتفي بهذا القدر للان، عندما استوعب ما تقوله يمكننا الاكمال "
أطلق عليها ضحكات وهو يراها تتحرك في الجناح تردد ببسمة واسعة، ترتب كل ما فسد أثناء تحضير هذه الليلة له :
" لقد كان الزفاف رائعًا، ألا تظن هذا ؟!"
" نعم كان كذلك، وأروع ما به وجودك ليلتي "
استدارت له نصف استدارة وهي تمنحه بسمة واسعة تردد بصوت خافت ممازح :
" انتبه لئلا اعتاد الدلال فأفسد سيدي الطبيب "
" تدللي كما تشائين "
ألقت ليلا الثياب في السلة المخصصة لها، ثم أشارت له أن يقترب :
" هيا اعددت لك الطعام "
نظر لها ثواني قبل أن يتحرك بعيونه صوب الاطباق المرتصة على الطاولة، ومقارنة سريعة بين هذه الحياة الدافئة الجميلة وحياته البائسة السابقة التي كان يعود فيها ليجد فراشه فيلقي عليه جسده ليستيقظ في الصباح يعيد نفس يومه السابق .
شتان بينهما .
اقترب من الطاولة ينظر لملامحها وهي اخذت تلملم خصلات شعرها في رباط صغير، ثم حملت بعض الثياب المريحة للنوم وتحركت صوب المرحاض :
" سأبدل ثيابي واعود "
هز رأسه ثم تحرك هو الآخر ليبدل ثيابه وحينا فتح خزانته تفاجئ بمجرد أن أبصر حقيبة الأدوية التي تناساها في خضم ما حدث، كيف نسيها .
حملها يلقيها على الفراش، ثم أخذ يبدل ثيابه ولم ينتبه على خطوات ليلا خلفه التي خرجت مبتسمة تراقبه بسعادة لا تصدق أن حلمها يتحقق الآن..
من كان يصدق أن الطبيب الذي عاشت عمرًا تهيم به سرًا، سيجمعها به مكان واحد وهي تراقبه دون خوف أو خجل .
ما أجمل أن يكون الحبيب هو نفسه النصيب ..
استدار لها مهيار ليبصرها تراقبه ببسمة شاردة فابتسم لها يقول متسائلًا وهو يتحرك صوبها :
" ماذا ؟؟"
" فقط احاول إدراك انتي أحيا احلامي في هذه اللحظة "
مد يده يضم وجهها بين كفيه، ثم اقترب منها يهمس أمام وجهها بصوت خافت :
" أخبركِ سرًا ؟؟"
رمقته بفضول وترقب فهمس لها :
" هذه كانت احلامي قبل أن تعي أنتِ معنى الاحلام"
اطالت نظراتها في عيونه ليبتسم هو لها بسمة واسعة يقص عليها متى بدأ هذا الحلم :
" اثناء دراستي الطب وترددي على محل والدك، ذلك اليوم الذي اتذكره جيدًا، دخلت المحل لإحضار بعض الأعشاب التي احتاجها في الدراسة، أخذت صدمة حياتي مدركًا أن السماء الصافية الممتلئة بالنجوم ليست المشهد الاجمل الذي رأيته في حياتي، هناك مشهد اجمل بكثير .."
نظرت له تحاول تذكر أول مرة دخل لها محل والدها، هي حقًا لا تتذكر وهو فقط ضحك على محاولتها يقبل وجنتها بحب يهمس جوار أذنها:
" ذلك اليوم حينما كنتِ ساقطة ارضًا حولك العديد من الزهور وبعض السلال المحطمة، كان ومازال ثاني اجمل المشاهد التي ابصرتها في حياتي "
ابتسمت تقول بصوت خافت :
" ثاني ؟!"
" الاول كان حين رأيتك تُزفين لي "
وهذا كان أكثر مما تتمنى هي لتلقي نفسها بين أحضانه تضم خصره بقوة تهمس :
" أحبك مهيار "
اتسعت بسمة مهيار بقوة وهو يشدد من ضمها له أكثر وأكثر وعيونه معلقة على الأدوية مبتسمًا، يدرك أن القادم معها سيكون فصل آخر في قصتهما، لكنه لأجلها يستطيع فعل أي شيء، سيخوض كل ما يمكن خوضه لأجلها ولأجل أن تكون بخير .
حتى إن اعتزل مهنته ووهب نفسه وحياته كلها لعلاجها هي، ستكون مريضته الوحيدة إن أرادت ..
" وأنا اعشقك ليلتي الجميلة ...."
___________________________
" أخبرتك يوم زفافنا دانيار "
رفع دانيار يديه في الهواء بكل براءة، فهو بمجرد أن دخل الغرفة الخاصة بها حتى باغتته بهذه الجملة ظنًا أنه جاء لأجل مطلبه، لكنه فاجئها يقول ببسمة حنونة هادئة :
" صدقي أو لا تصدقي، لكن غرض وجودي الآن، في غاية البراءة "
نظرت له ثواني دون تصديق، ليبتسم هو لها يتحرك داخل المكان وهو يضم يديه خلفه يحرك نظراته حوله وكأنه يبحث عن شيء فقده، وهي فقط تتابعه لا تدري سبب ما يفعل، حتى تحدث هو ببسمة صغيرة :
" جميل هذا المكان، غرفتك تبدو جميلة حقًا "
نظرت زمرد حولها بتعجب تتساءل هل هذه هي المرة الأولى التي يرى غرفتها، ويبدو أنها نطقت كلماتها بصوت مرتفع، ولم تدرك ذلك إلا بعدما سمعت رده يقول :
" نعم هذه المرة الأولى التي اتأمل بها غرفتك، فأنا في جميع زياراتي لكِ سابقًا، لم يكن لدي الوقت الكافي لأفعل كنت انشغل بأمور أخرى "
كان يتحدث بجدية وهو يحرك عيونه في المكان لتقوب هي بحاجب مرفوع مبتسمة :
" كالتواقح عليّ!!"
وإن ظنت أنها ستصمته وتخجله بهذا السؤال فهي مخطئة إذ ابتسم يقول بجدية :
" نعم صحيح، كالتواقح عليكِ "
صمت ثم أضاف بجدية :
" أنا حقًا لا ادري ما يمكن قوله الآن، لقد كان التواقح فكرة أفضل من محاولة إيجاد أي موضوع للتحدث به معكِ الآن "
ابتسمت تقترب منه وهي تردد ببسمة ممازحة :
" إذن أنت لم تأتي للتواقح كما تقول، ولا تمتلك شيئًا تتحدث به عدا التأمل في غرفتي ؟!"
صمتت ثم ضمت ذراعيها لصدرها تردد بجدية :
" إذن ما سبب تشريفك لي الآن سيدي قائد الرماة؟؟ "
حدق بها دانيار واطال التحديق قبل أن يقول بكل بساطة وتلقائية :
" فقط أردت الجلوس معكِ وتمضية الوقت، حتى وإن لم امتلك ما اتحدث به، يمكنني الجلوس صامتًا طوال الليل طالما اتأمل وجهكِ "
رمشت زمرد بصدمة وتراجعت للخلف، لم تتوقع هذه الإجابة، وقد اخرسها بكلماته ووترتها، تحاول ايجاد كلمات تجيبه، لكنه ابتسم يقول بهدوء :
" اجلس أمامك احدق بكِ طوال الليل، تبدو فكرة مغرية أكثر حتى من الرقص لي أو التواقح عليكِ، من الأساس استطيع قضاء المتبقي من عمري أفعل هذا دون الملل "
اقترب اكثر يقف على بعد خطوة واحدة هامسًا :
" فقط أنا وأنتِ وليلة لا تنتهي وأنا احدق بكِ، هذا جُلّ ما أتمناه "
ابتسمت له زمرد وهي تقترب منه تضم وجهه بين كفيها بحنان ليبتسم لها دانيار بكل الحب الذي يقبع داخل صدره لهذه المرأة والتي لا يدري من أين خرجت له، لكنه يدرك أنها هي مكافأة صبره في هذه الحياة، فإن لم تكن زمرد، فمن ستكون امرأته ؟؟
لا سواها يصلح ليكون معه ولا بغيرها يرتضي ....
ابتسمت تقول بصوت هامس وهي تقترب منه أكثر بحنان :
" انظر إليك كيف تكون رائعًا وأنت بهذه البراءة ؟؟ "
رفع حاجبه لها يقول ببسمة :
" أنا أكون رائعًا بجميع الأحوال عزيزتي "
" نعم وأنا أشهد بذلك، لكن حين تكون نظراتك صافية بريئة بهذا الشكل تزداد جاذبيتك "
ابتسم لها وقد مد يده ببطء صوب خصرها يضمها له يحرك رأسه لها :
" إذن مستعد أن أصبح بهذه البراءة طوال الوقت إن كان هذا يزيد من جاذبيتي في عيونك يا امرأة، سأكون ببراءة طفلٍ لأجلك إن أردتي "
نظرت له بشك من حديثه قبل أن تقول بهدوء وجدية :
" إذن هذا يعني أنك لا تريد ذلك العرض الراقص الذي كنت ارتبه لأجلك اليوم ؟؟"
اتسعت أعين دانيار بقوة وبحماس شديد يعدّل على حديثه السابق :
" أو ...يمكنك اعتباري مراهق فاسد، سيكون هذا مناسبًا أكثر"
دفعته زمرد بعيدًا تصيح بحنق شديد :
" والله كنت اعلم أنك لن تستقيم بهذه السرعة والبساطة، تدعي البراءة وأنت ابعد ما تكون عن البراءة، تخبرني اشعار عن اكتفائك بليلة تأمل فقط وأنت تتلهف لما وراء ذلك "
أطلق دانيار ضحكات مرتفعة وهو يحاول الامساك بها، لكنها عاندت وهي تتراجع للخلف، بينما دانيار استند بيديه على ركبتيه يحاول التحكم في ضحكاته :
" حسنًا أنا آسف، حقًا آسف، لقد كنت امزح معك اقسم لكِ، لا أريد رؤيتك ترقصين، كنت فقط امازحك"
نظرت له بشك وهو فقط ليثبت لها حسن نيته تنهد بصوت مرتفع، ثم مال وأحضر لها حجاب موضوع على المقعد يضعه على رأسها، ومن ثم تحرك بها لخارج الغرفة صوب النافذة يجلس على الأرضية، ثم جذبها لتجلس أمامه ونظر للسماء يأخذ نفسًا طويلًا :
" هذا ما قصدته بقضاء الليلة معكِ، أنا وأنتِ والسماء الصافية هذه وفقط "
كانت زمرد ما تزال تحاول استيعاب ما يحدث، قبل أن يرتخي جسدها شيئًا فشيء لينتهي بها الأمر مستندة على صدر دانيار بهدوء شديد، تستمتع بالهواء حولها، هذه الحياة التي تحياها الآن، انستها ما عانت في الماضي، هي لم تتخيل أن تخرج يومًا من مستنقعها، أو ان تحيا هكذا حياة، لكن رحمة الله بها كانت أكبر من أي شيء آخر...
" أنا أشعر بالراحة الشديدة "
نظر دانيار حوله يتأكد أن لا أحد سيبصرهما من هذا الارتفاع، وايضًا بسبب هذا الظلام، ليبتسم وهو يمد يده يزيح حجابها جانبًا، ثم أخذ يفرك لها خصلات شعرها بحنان لتتنهد زمرد براحة أكبر وتشعر بالنعاس الشديد .
" إذن كل يوم مستعد لقضاء الليلة بالطريقة ذاتها لاجلك إن أردتي "
ابتسمت له وهي ما تزال مغلقة عيونها تتمتم ببعض الكلمات الغير مفهومة، ليشعر دانيار أنها لم تعد تعي ما يحدث حولها، فابتسم واستند بظهره على جدار الشرفة خلفه يخفض رأسها ببطء حتى استقرت على قدمه، يجعلها تتمدد في وضع مريح، ثم مال يطبع قبلة صغيرة على وجهها :
" نومًا هنيئًا مليئًا بجميل الاحلام، مثلك زمردتي "
تمتمت هي قبل أن تغرق بشكل كامل في النوع :
" أنا أحب هذا، وأحبك"
ابتسم يستند برأسها على خاصتها يهمس بكل الحب :
" وأنا أحب هذا وذاك وكل ما ينتمي لك، واخيرًا مع كامل الحب أعشقك زمردتي ...."
رفع رأسه يستند بها على الجدار بعدما طبع قبلة أخرى رقيقة على جبينها، ثم نظر لها يحقق واخيرًا حلمه الذي أخذ يردده عليها منذ ساعة ..
يقضي ليلته بالكامل في تأمل عالمه وحياته القادمة، تأملها ......
__________________________
تراجع للخلف بعناد شديد يبعد عيونه عنهم رافضًا :
" أنت لا تستطيع اجباري على ما لا اريد "
انتفض تميم وهو يتحرك صوبه بتحفز شديد وغضب يواجهه بكل الحنق الذي يملئ صدره تجاه هذا الرجل الذي كان بلا قلب ليرفض طلب ابنته بأن يزفها له.
" أي نوع من الآباء أنت يا رجل ؟؟ بالله ما رأيت من هو بمثل ...."
صمت يكبت كلماته القادمة لأجل برلنت التي كانت تقف في ركن السجن وهي تبكي بصوت منخفض حزينة من رفض والدها لطلبها .
تحركت صوب تميم تجذب يده وهي تشعر بخطأها لحضورها هنا ومطالبته بأن يزفها بعد كل ما فعل، كان خطأ كبير على أية حال .
" لنرحل تميم، لقد غيرت رأيي، أنا لا أريد، لا أريد أن أُزف لك مع أبي، سوف ...سوف اجعل أمي تفعل، أو يمكنك أنت المجيء واخذي بنفسك و..."
كانت تتحدث بكلمات مرتعشة حزينة، رغم كل ما فعل بها، إلا أنها تغاضت عن الأمر حتى تُزف كجميع الفتيات، أرادت الشعور لمرة واحدة بحبه لها، لكن حتى هذا استكثره عليها .
توقفت عن الحديث بسبب صرخة تميم الجنونية التي هزت جدران السجن :
" تالله وبالله ووالله لن يزفك لي غير هذا الرجل، إن كان الأمر عنادًا فأنا اسوء منه، أردتي أن يزفك والدك وسيفعل ولو زفّك لي مكبلًا يدفعه الجنود دفعًا "
استدار صوب عبدالله الذي كان ينظر ارضًا دون الحديث بكلمة، فقط كلمة " لا " خافتة هي ما خرج منه منذ دخلوا عليه السجن.
وتميم كان في هذه اللحظة قد جن جنونه، إذ جذبه من تلابيب ثيابه بعنف جعل برلنت تتحرك صوبه برعب وهي تهمس :
" لا تميم، لا أريد، دعه "
لكن تميم لم يهتم وهو يهتف بغضب :
" سمعت عبدالله ؟؟ ستزف ابنتك لي ولو دون إرادتك، لن يزفها لي غيرك، تحلي ببعض الرجولة والإنسانية وعاملها كابنة لك، ارادتك أن تزفها بعد كل ما فعلت وتغاضت عن الأمر ليأتي الرفض منك ؟؟"
رفع عبدالله عيونه لتميم والتي كانت حمراء مليئة بالخزي يهتف بصوت موجوع :
" دع والدتها تزفها، لا أريد أن يفسد وجودي يومًا كهذا، أن يحضره أحد المساجين، هذا ...هذا لا اقبله لها، صدقني في المستقبل لن تكون ذكرى جيدة لتتذكرها "
تراخت يد تميم عن ثيابه شيئًا فشيء قبل أن يتراجع ببطء للخلف، وقد أخذ صوت بكاء عبدالله يرتفع وهو يهتف من بين دموعه :
" أنا لا أريد إفساد يومها كما أفسدت كامل حياتها، لا أريد فعل ذلك "
انفجرت برلنت في البكاء بقوة وهي تتحرك صوب عبدالله دون شعور تهتف بحزن لنبرته المكسورة تلك :
" ابي لا تقل هذا "
ختمت كلمتها وهي تضم نفسها لاحضانه لينفجر الأثنان في بكاء عنيف، أما عن تميم فتراجع للخلف يترك لهما مساحة للتعبير عما يجول في خاطر كل منهما، وبعد دقائق من البكاء أخذت برلنت تردد من بين شهقاتها :
" أنا لا اهتم لشيء بقدر تواجدك جواري أبي "
نظر لها عبدالله بضعف ليهتف تميم بصوت خافت :
" سأطلب من الملك اخراجك صبيحة زفافنا، وسأقدم طلبًا للعفو عنك سيد عبدالله، اتمنى فقط أن تكون قد تعلمت درسك وعلمت قيمة ابنتك التي ورغم كل ما فعلته بها لا تزال تراك ابًا تحبه وتبره "
ختم حديثه وهو ينظر صوب برلنت ثواني ومن ثم تحرك للخارج بسرعة تاركًا إياها مع والدها لتشعر بالرعب من فكرة أنه غضب منها لأي سببٍ كان .
كلمات سريعة قالتها لوالدها على وعد بالعودة، ثم هرولت للخارج تدعو الله ألا يكون قد ابتعد كثيرًا، لكن وبمجرد أن خرجت من باب الحجرة الخاصة بوالدها وكادت تهرول للخارج شعرت بيد تمسكها وتجذبها، ولم تكد تصرخ حتى سمعت صوته الحنون :
" انتهيتي ؟؟"
توقفت برلنت وهي تنظر له ينتظرها جوار الحجرة من الخارج :
" أنت هنا ؟؟ ظننتك رحلت "
" كيف ارحل واتركك بيرلي ؟؟"
ابتسمت له برلنت وهي تقترب منه قبل أن ترمي نفسها بين أحضانه وهي تدمع دون شعور منها، لطالما كان تميم الحامي والمنقذ لها والمدافع عنها من كل شرور هذا العالم، كان ومازال ...
" لِمَ البكاء بيرلي، ألستِ راضية الآن ؟؟"
هزت رأسها وهي لا تستطيع التحدث من بين دموعها ليتنهد وهو يتحرك بها صوب الخارج، ومن ثم تحرك صوب المعمل الخاص به والذي كان اول ما قابلهما، هنا حيث بدأ الفصل الجديد من قصتهما ...
اجلسها على فراشه هناك، ثم جلس أمامها يردد بصوت خافت :
" أخبريني ما يرضيكِ وافعله، فقط أطلبي "
" وجودك معي "
ابتسم لها بحنان وهو يداعب بأصابعه باطن كفها :
" هذا ليس طلب برلنت، بل واقع حبيبتي، وجودي معك واقع لا اخطط أن يتغير لا الآن ولا لاحقًا، يكفيني أعوام طويلة عشتها دونك، جربت شعور فقدك مرة ولا أريد تجربته ثانية "
نظرت له بأعين دامعة رغم بسمتها:
" إذن أنت تعدني أنك ستظل معي طوال الوقت؟! "
" اعدك "
" رغم كل ما أفعله من تصرفات غبية؟! "
" رغم كل ما تفعلينه من تصرفات غبية "
" ستحبني مهما مرت السنون ؟؟"
"سأفعل "
" وستظل تدللني كطفلة صغيرة؟!"
" لكِ كل الدلال "
ابتسمت وهي تضحك ضحكة خافتة بسبب يده التي بدأت تداعب وجهها بلطافة، ثم قالت وقد شعرت باشتياق شديد لفعل ذلك مجددًا :
" متى آخر مرة صنعت فيها فخار تميم ؟؟"
نظر لها تميم بعدم فهم لثواني قبل أن يجيب ببساطة :
" لا أتذكر في الحقيقة، لكن لماذا ؟"
" اريد أن نصنع واحدة سويًا، تمامًا كما كنا نفعل قديمًا، أريد استعادة ذلك الشعور الذي كان يدور داخل صدري حين تعلمني صناعة الفخار، هل يمكنك أخذي غدًا لفعل ذلك ؟؟ "
نظر لها ثواني قبل أن يبتسم بسمة واسعة وهو ينتفض من أمامها يجذب يدها بسرعة صوب غرفة جانبية في المعمل والتي كان بها باب يطل على الحديقة الخلفية يردد بحماس شديد وقد أثارت هذه الفكرة لهفته لماضٍ ولّى :
" الآن إن أردتي "
ولم تدري برلنت بنفسها سوى وهي تجلس في منطقة تبصرها للمرة الأولى في هذا الجزء من الحديقة وأمامها الكثير من الطمي وأداة صناعة الفخار، نزع عنه تميم سترته العلوية واحتفظ فقط بثوبه السفلي يشمر اكمامه وأمامه هي تجلس وقد ازداد الحماس بصدرها.
مدّ يده ببطء يضعهم على كفيها بعدما وضع قطعة طمي كبيرة على الآلة، واخيرًا بدأت جولة صناعة الفخار، لشيء غير معلوم الهوية حقًا، فلا هو يدري ما يريد صناعته ولا هي تهتم لذلك، وكل ما يفكران بهما أنها الآن يحيان ذكريات قديمة، ويغوصان في ماضٍ بعيد.
مال تميم برأسه يستند بها على كتف برلنت وهو يحرك يديها بحنان على الطمي ..
وهي فقط لا تستطيع التفكير بشيء سوى أنها الآن بين احضان تميم وانفاسه تداعب رقبتها وفجأة توقف قلبها للحظات حين سمعت صوته يهمس :
" ما تزال يدك مرتجفة كما السابق وضربات قلبك متسارعة، ألم نتجاوز كل هذا منذ سنوات صغيرتي؟!"
نظرت له برلنت وهي تستدير فقط برأسها له تهمس بصوت خافت :
" لا أظن سأستطيع ولو بعد مئات السنين تجاوز هذا الشعور تميم "
" وأنا لا أطمح لهذا، فهذا يساعدني على معرفة تأثير قربي عليكِ، وهذا للحق يعجبني "
ابعدت وجهها عنه تنظر للطمي تدعي التركيز به مبتسمة بسمة واسعة وهو اتسعت بسمته هو الآخر يضمها له أكثر، وهو يميل عليها كل ثانية يقبل وجنتها بسرعة، ثم يعود لإكمال عمله كأنه لم يفعل شيء، وهي كل ما تستطيع فعله هو الضحك من أفعاله، أما هو كان فقط يغرق في ضحكاتها كما سبق له وغرق في عشقها مذ كانت مراهقة صغيرة لا تفقه من الحياة سوى أنه رفيقها، ولا يعلم من الحياة سوى أنه عاشقها .
وها هي مرت الحياة لتكون من الإنصاف وتجمعهما بعد كل هذه السنوات .....
_____________________
ذلك المشهد الذي يظهر به البطل مع البطلة في نهاية أي مسلسل تلفزيوني أو فيلم، مشهد ختامي يرضي جميع المشاهدين المحبين للنهاية السعيدة، المشهد الذي يضم به البطل البطلة وهو يعدها بكل الحب والسعادة ومن ثم تُسدل الستارة عليهما وتنير كلمة النهاية الشاشة، ليغادر الجميع مبتسم سعيد حالم ...
كان ما يحدث معها في هذه اللحظة وما تحياه، يصلح ليكون أحد مشاهد النهاية السعيدة .
هي أمام سالار على حصانه يضمها ويتحرك بها بين الأشجار وأسفل السماء المليئة بالنجوم وعلى صوت أنفاسه تغمض عيونها، بالله أي مشهد آخر يصلح لتختم به قصتها ؟!
ابتسمت بسمة واسعة حين سمعت صوته يقول :
" لا احزن الله لكِ قلبًا عزيزتي، لكن ما سبب هذه البسمة ؟؟"
أجابته تبارك وهي تجيبه بسعادة كبيرة وما تزال عيونها مغلقة :
" اشعر فقط أنني، أنني وإن انتهت قصتي عند هذه اللحظة سأكون أكثر من راضية "
" أي نهاية مُهجتي، ونحن ما نزال نخط بداية القصة ؟؟ ما تزال هناك فصول عديدة نعيشها سويًا"
فتحت عيونها تنظر لعيونه الخضراء التي كانت تسحرها وخصلاته الصهباء التي تعشقها، وهي تجيب ببسمة واسعة :
" نعم ما يزال عليّ رؤية صغار يشبهونك سالار، هناك الكثير لاحياه معك، الكثير من الأحلام التي حلمت بها يومًا في يقظتي لم تتحقق بعد "
" إذن اسمحي لي مولاتي أن أهب حياتي لتحقيق كامل احلامك "
ابتسمت وهي تغمض عيونها تستند على صدره والحصان يتحرك بخفة صوب وجهتهما تقول بهدوء :
" يمكنك بدء تحقيق تلك الأحلام بأن تغني لي تلك الانشودة التي كنت تغنيها"
صمتت ثواني، ثم نظرت لعيونه تقول بجدية :
" أو تخبرني ما معناها تحديدًا ؟!"
ابتسم لها وهو يجذب جسدها أكثر حينما شعر بيده ترتخي عنها، ومن ثم قال :
" تلك انشودة فلكلورية قديمة تحكي قصة عشق قديمة لا أحد يدري أحقيقة كانت أم أسطورة "
" نعم أخبرتني ليلا ذلك، ما لم تخبرني به هو ما هي القصة تحديدًا "
بدأ الحصان يبطء من سيره شيئًا فشيء وهو ابتسم يقول بصوته الهادئ الاجش، نفسه الصوت الذي كان يرافقها في أحلامها :
" هي قصة تناقلتها الأجيال عن ملكٍ عاش حياته وحيدًا، آمن بالحب والحب لم يؤمن به، ولم يمنحه شرف عيش لذته، عاش الملك وحيدًا يبحث بين الوجوه عمن تشاركه حياته، لكنه ما عثر عليها يومًا، حتى وصل لعمر الخامسة والثلاثين وقرر أنه قد يأس ولن يضيع المتبقي من حياته على سرابٍ يحياه، ومن هنا بدأ يزداد تصلبًا وكأنه سلّح قلبه بالجمود..."
صمت ثم رأى الفضول يضغي على وجهها يكمل ببسمة :
" إلى أن هجمت غارة من الأعداء على إحدى قرى الحدود الخاصة به فذهب مع جيشه لحربٍ ضدهم، وحين وصل وخاض حربه، غدر به أحد الأعداء ليصيبه ويسقطه ارضًا، فتقهقر جيشه مرتعبًا وهُزم في تلك المعركة ظنًا أنهم خسروا ملكهم، وحينها ظهرت امرأة من نساء تلك القرية التي اغار عليها الأعداء لترى جسد أحد الرجال ملقى جانبًا مضجر في دماءه، فأخذته للعلاج وقضت شهور عديدة تفعل ذلك "
كانت تبارك تسمع له متشوقة للنهاية وقد خمنت ما سيحدث وصدق تخمينها حين ابتسم هو يقول :
" نعم تمامًا ما تفكرين به، كانت هي المنشودة، اول ما أبصر الملك حين أفاق من غيبوبته ليسقط في عشقها من النظرة الأولى ويلين قلبه وهو يخبرها أول ما نطق أن تتزوجه ..."
ابتسمت تبارك تقول بمزاح :
" محظوظة هذه الفتاة الرجل سقط في عشقها من نظرة واحدة، ليس كأحدهم أخذ شهور لينطق كلمة "
نظر لها سالار بحاجب مرفوع، ثم قال ساخرًا :
" كان عليكِ رؤية نظراتي حين رأيتك المرة الأولى في المشفى وسرت خلفك كالمسحور "
نظرت له تبارك بأعين ملتمعة منبهرة بما يقول وهو ابتسم لها، ثم مال يقول بمزاح :
" أظن أن هذا ما دعم نظرية صامد وصمود أنكِ قمتي بسحري "
ابتسمت له تقول وهي تبعد عيونها عنه بخجل :
" ومن ثم ؟؟"
" لا شيء، فقط اخذت اقع بحبك كل ثانية أكثر، واتحين أي فرصة لوجودك جواري وأعاند أمام الجميع قربك، لكنني في داخلي كنت ابحث عن طيفك في كل ركن من أركان القصر معللًا ذلك بأنكِ مسؤولة مني منذ جئت بكِ "
ابتلعت ريقها لكل ما قال تهمس بصوت مهتز بعض الشيء :
" أنا أقصد ... أقصد القصة "
ضحك سالار عليها وهو يميل عليها هامسًا بصوت خافت جعلها ترتعش :
" نهاية قصتهما معروفة عزيزتي، الآن اتركي قصتهما واهتمي بخاصتنا، ولولا أنني اغار على اسمك من أن ينطقه لسان غيري لجعلت قصتنا انشودة تتناقلها الأجيال، فلا أظن أن قصة ذلك الملك تمثل شيئًا مما مررنا به سويًا "
ختم حديثه يتوقف بحصانه أمام بوابة حديدية ضخمة لترفع هي عيونها التي اتسعت بقوة وهي تتأمل ذلك الصرح العملاق ..
تحرك الحصان يدخل بهما للقصر الذي اناره سالار بالعديد من المصابيح يهمس لها بحب :
" مرحبًا في قصرك مولاتي ..."
كانت أنظار تبارك تمر على كل شيء حولها وهي تحاول استيعاب ما ترى عيونها، سمعت صوت خرير مياه لتهمس :
" نافورة ؟؟"
ابتسم ينفي وهو يشير لجزء بعيد في غرب القصر :
" بل شلال عزيزتي "
شهقت تبارك بنبهار وهي تراه يهبط ثم يساعدها لتفعل ومن ثم أمسك يدها يسحبها خلفه صوب منطقة الشلال التي نشر بها مصابيح ارضًا وبعض المصابيح العائمة في البحيرة التي تتوسط الحديقة يهمس لها :
" أعجبك ؟؟"
" قطعة من الجنة "
ابتسم بسعادة لانبهارها :
" كله لكِ الآن، إن أردتي الانتقال والعيش هنا سنفعل"
استدارت له ترمقه مصدومة تسأله إن كان جادًا، وهو ابتسم يؤكد لها كل كلمة نطق بها، لتقترب هي منه تقول ببسمة :
" ما أسعد على قلبي من العيش هنا المتبقي من عمري معك، لكن ....حياتك وعملك وجميع من يخصك هناك في القلعة سالار، لا استطيع انتزاعك من بينهم، وأنا... أنا انتمي حيث أنت "
" يمكنني الموازنة بين الأمرين تبارك، فقط أخبريني إن أردتي الاستقرار هنا "
نفت تهز رأسها تدرك أنها ستكون أنانية منها إن وافقت على هذا :
" يكفيني أن تحضرني كل اسبوع مرة لنقضي يوم معًا هنا، سيكون هذا كافيًا لي "
" سمعًا وطاعة مولاتي..."
اخذ بيدها يتحرك بها بين الحدائق صوب مدخل القصر الذي كان ممهدًا للسير يحده حدائق وزهور من كل مكان، حتى توقفوا أمام البوابة الداخلية والتي كانت من الالوان الابيض والازرق، دفعها سالار بهدوء لتتسع عين تبارك مما أبصرت، قصر ورغم بساطة تجهيزه إلا أنه كان مبهرًا، كانت كمن سُحبت داخل إحدى القصور القديمة الفاخرة في العصور الفكتورية، لكن بلمسة فارسية نابعة من تراثهم ...
اخذت تدور في المكان وهي تتلمس كل شيء حتى وصلت في النهاية لنقطة البداية أمامه حيث كان يتوسط البهو الرئيسي منتظرًا أن تنتهي من جولتها دون أن يقاطعها ..
" سالار هذا ....هذا ...هذا مبهر، بكل بساطة مبهر وأكثر من ذلك "
" سعيد أنه اعجبك، أنتِ أول شخص اسمح له بالدخول هنا "
نظرت له ثواني قبل أن تركض وتلقي نفسها بين أحضانه وهي تهتف له بحب :
" والله لا يهمني ما قدمت لي بقدر كلماتك تلك سالار، لا حرمني الله منك "
تراقص قلب سالار فرحًا من كلماتها يرفع جسدها عن الأرض وهو يضمها بقوة لدقائق لا يعلم هو مقدارها، وهي لم تهتم بحسابها، فقط لحظات مقتطعة من هذا العالم ..
ثواني وابتعدت عنه تقول ببسمة واعين ملتمعة من السعادة :
" لو عشت عمري بأكمله احلم بزفاف والله ما تجرأت وتخيلت نصف ما حدث لي "
" أخبرتك عزيزتي، احلمي وأنا احقق "
نظرت حولها تتنفس بصوت مرتفع من هول المشاعر التي تدور داخلها، ثم أمسكت كفه تضمه لها تقول بملامح غير مفسرة ولهفة واضحة في عيونها وبشدة :
" راقصني يا قائد "
نظر لها سالار بعدم فهم، لا يدرك ما تقصد أو تريد قوله، وهي اقتربت منه أكثر تمسك كفيه تضعهما على خصرها، ثم رفعت عيونها له تقول :
" لطالما حلمت برقصة مع زوجي يوم زفافنا"
ورغم جهله بما تريد، إلا أنه شدد يده على خصرها رغم أنه لم يقسو عليه، يجذبها صوب صدره أكثر متعقمًا في عيونها :
" لا افهم ما تقصدين "
" فقط غني لي..... وراقصني "
وهو فقط رأى الرجاء في عيونها ولم يدرك ما عليه فعله، إلا أنه فقط يدرك أنه لا يريد أن يرفض لها شيئًا ترغبه بهذا القدر :
" علميني "
ابتسمت وهي ترفع كفها تضعه على موضع صدره تمسك بالآخر طرف فستانها تبعد عن طريقها لتتحرك بحرية ثم قالت :
" فقط غني لي وضمني لك واجعلني اتمايل سالار "
وكان لها ما أرادت، لم يهتم لشيء لا لأنه لا يحب الغناء كثيرًا، أو أنه لا يفقه بما تتحدث عنه، لم يهتم سوى لرغبتها التي نفذها وهو يشدد ضمها له وبدأ يردد كلمات غير مفهومة على مسامعها بصوت هامس، يتحرك معها حركات بسيطة لطيفة وهي فقط أغمضت عيونها تحيا أحلامها ...
في ساحة القصر الواسعة وفي هذا المساء، بدئا الاثنان يتحركان بخفة وتبارك توجهه لما يفعل فكانت تدور حول نفسها تارة ويميل بها تارة، وهناك بسمة سعيدة ترتسم على شفتيها، لا تصدق أنها الآن جعلت قائد جنود لجيوش الفرس يراقصها في قصر متطرف على حدود بلاده .
كالحلم ها ؟!
لكن حتى وإن كان كالحلم، فقائدها تعهد أن يجعله واقعًا، وقد صدق وعده لها....
لتنقضي ليلة كالحلم على تبارك، ليلة تصلح نهاية سعيدة كما قالت لسالار، لكنها لا ترتضي بها نهاية، بل ستكون بداية لها، مع ذلك القائد الذي جاء واختطفها عنوة من عالمها ليزج بها في عالمه الخاص ويجبرها على التأقلم، حتى ترضخ هي لكل شيء طالما سيقربها منه .
وهو ذلك المتجبر الصخري الذي لان لأجلها فقط، وكأن الله ما أرسله ذلك اليوم لعالمها، سوى ليجد سكنه وسكناه ومسكنه، وجدها واختطفها من عالمها لتصبح هي عالمه ..
زوجته واميرته وملكة قلبه والمرأة التي كان وما يزال مستعدًا لإقامة حروب على العالم لأجلها، المرأة التي خسر وأحب الخسارة لأجلها .
وهذه يا سادة كانت الخسارة في المعركة المائة وخمس وعشرين للقائد سالار ......
____________________________
عوالم مختلفة اندمجت لتخلق لنا قصص كالاساطير، ورغم كل الاختلاف ورغم كل المعوقات إلا أن النهاية كانت واحدة.
فمن كان يتوقع أن قائد الجيوش الذي ارعب اعداءه، والذي ذهب لإحضار ملكة بلاده سيقع في عشقها ويأثم بحبها إن كان حبها إثمًا، بل ويقيم حروبًا إن طالبته بهذا ؟؟
أو من تخيل أن الملك الذي كان يزن كل كلمة منه ويحرص على كل نفس يخرجه، سيفقد تماسكه وتعقله أمام امرأة امتلكت كل ما أفقده عقله، ليأثم بحبها وأفكاره بها ...
أو تلك المسكينة التي عانت من ماضٍ مخزٍ وفرت من القرية الظالم أهلها، لتعيش بسلام بين جدران سفيد، فما وجدت سلامها إلى في عيون من لا تستطيع الاقتراب منه، وهو لم يهتم لكل ذلك، بل كان مستعدًا ليأثم بحبها ..
والتائه الذي عاش عمره هائمًا يبحث عن صغيرة بضفائر فقدها بين زحام الحياة وغدرها، أخذ يبحث عنها في كل الوجوه، متغافلًا أنها تراقبه من بعيد تنتظر فرصة لتعلن عن وجودها ....
وطبيب متزن لم يجد مسكنه سوى بين سماء ليلاه اللطيفة التي كان يتحجج بكل ما يمتلك فقط ليحظي بنظرة أو بسمة منها ....
سفيد لم تكن مجرد مملكة، بل كانت عالمًا، حللنا به ضيوفًا، عشنا معهم بين طرقات المملكة، خضنا معهم حروبهم واحتفلنا بأنتصاراتهم، سفيد ومشكى وأبى وسبز، بلاد في أواخر العالم انعزلوا عنا، لكننا هنا وفي هذه الحكايات عاندنا حكمهم واندمجنا بعالمهم دون علمهم، وها نحن نخرج من بوابة سفيد.
نتحرك بهدوء في الطريق الممهد صوب البوابة، بقلوب حزينة وجزء مشتاق، نستدير للخلف نلقي النظرة الأخيرة صوب القلعة على أمل بعودة قريبة...
قلعة سفيد، حيث صاحبنا أول الآثمين في رحلته، وها نحن نودعه صوب رحلة أخرى ومغامرة أخرى ..........
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
تمت بحمد الله
2024/7/22 م
1446/1/16 ه
رواية مملكة سفيد الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم رحمة نبيل
#ماقبل الاخير
بعتذر لو كان فيه تأخير في الفصول عن العادة، لكني بحاول التزم بفصل اسبوعيًا بعدما فشلت في اثنين كل اسبوع بسبب ظروف عملي التي تحتم عليّ ساعات تستهلك مني جهدًا، وبمجرد شعوري بأي لحظة راحة وشيكة، اسارع واستغلها للكتابة، كي لا أطيل عليكم، اعلموا أن أي تقصير مني غير مقصود، وبعوضكم بفصل كبير بحجم فصلين من أي رواية أخرى .
صلوا على نبي الرحمة
الفصل اهداء للجميلة ( manar saad ) بمناسبة تخرجها بتفوق ونجاح، مبارك لها والعقبى للجميع .
واخيرًا تفاعلكم على الفصول تقدير منه أنا بقدره، فبشكركم .....
_______________________
تحركت بين ممرات قصر أخيها وهي ترى نظرات الجميع حولها، فمن يخفى عليه في هذه اللحظة، ما فعل ملك سفيد لأجل أميرة مشكى .
وأميرة مشكى تلك المسكينة التي لا تدرك بعد ما حدث منذ ثواني، فعندما أخبرها أرسلان أنه ينتظر ردًا من إيفان على طلبه ليرى بشأن زواجهما، هل كان هذا ما يقصد ؟؟
ورغم إدراكها أن أرسلان لا يهتم لكل هذه المظاهر التي كان يسخر منها يوميًا، إلا أنها تقدر ما فعل ليُعلي من قيمتها بين الجميع .
ضربات قلبها التي كانت تنافس خطواتها اضطرابًا، وصلت واخيرًا صوب الشرفة الأمامية للقصر، لمكان يسمح لها برؤية افضل من شرفة غرفتها، تمسكت بالسور وهي تحدق بأعين مشتاقة على موكب أتى من بلاد رجلٍ ما تخيلت يومًا أن تجمعهما مشاعر .
بالله من يتخيل ؟؟ إيفان ؟! ملك سفيد الذي كان يزورهما أكثر من عدد أنفاسها شهريًا، ويجلس مطولًا مع أخيها ؟! الرجل الذي كانت تقابله في الشهر أكثر من ثلاث مرات تقريبًا، وتكتفي فقط بانحناءة بسيطة وتكمل سيرها دون أن تتوقف لتنظر له ولو بفضول، الآن جاء هذا الغريب سابقًا، الحبيب حاليًا، يطلب ودها ؟؟
اتسعت بسمتها وهي تتذكر قديمًا الحوار الوحيد الذي جمعهما من خلف حجاب، كانت وقتها تعبر أمام قاعة القصر بعد اجتماع جميع الملوك بها بكل هدوء، وكادت تصطدم به وهي تحمل سلال الفاكهة مع بعض العاملات تخفي وجهها ..
" أنا...اعتذر منك جلالة الملك "
توقفت اقدام إيفان، وهو يتراجع للخلف بسرعة شديدة، يقول بهدوء شديد مبتسمًا بسمة راقية يبعد عيونه ارضًا :
" لا بأس آنستي، هذا خطاي فأنا لم أكن منتبهًا "
ختم كلماته ينحني للجانب آمرًا رجاله بعيونه بالانحناء بعيدًا عن الطريق كذلك، يشير لها بيده في هدوء شديد مبتسمًا :
" تفضلي "
هزت له كهرمان رأسها تبتسم بسمة لم تظهر له، لكنها ظهرت في صوتها وهي تمسك طرف ثوبها بيدها الحرة تضم السلة لخصرها مرددة بصوت لطيف ونبرة رقيقة :
" شكرًا لك مولاي، يومًا سعيدًا "
ختمت ترحل بعيدًا عن إيفان الذي نظر لظهرها بتعجب شديد مبتسمًا:
" هل اتخيل أم أن تصرفات هذه العاملة اقرب للأميرات ؟؟"
لكنه لم يتوقف عند هذا اللقاء القصير، وهي لم تتوقف لتفكر ثانية فيه بعد هذا اللقاء، لكن الله كان قد قدر لهما منذ مولدهما، ألا يكون هذا اللقاء القصير آخر ما يجمعهما، بل كان مجرد مشهد افتتاحي لقصة طويلة بين الإثنين، قصة بدأت باغرب الطرق، فهي لم تبدأ كما هو متوقع بين جدران قصر مشكى في أحد الزيارات مثلًا .
بل بدأ بين جدران قصر سفيد في أحد المبارزات...
فاقت من شرودها على صوت هتاف أرسلان الذي رنّ في القصر بجملته الأخيرة معلنًا قدوم احتفال وشيك، كلمات جعلت ضربات قلب كهرمان تتضاعف وبشدة حتى شعرت أن من حولها يسمع صوتها، ابتلعت ريقها وهي تتحرك بسرعة بعيدًا عن المكان بأكمله تود الاختفاء خجلًا من نظرات الجميع ...
لكن وقبل أن تحتمي بغرفتها سمعت صوتًا يقول بهدوء :
" سمو الأميرة، كنت أبحث عنك، لقد طلب الملك وجودك لاستقبال نساء سفيد في الاسفل "
توقفت مع بدء تباطؤ ضربات قلبها وهي تهز رأسها بهدوء شديد خارجي فقط على الأقل، ثم تحركت بهدوء صوب بوابة القصر الداخلية تخرج بهدوء وثوبها يتطاير خلفها وكذلك حجابها وهي تشعر ببرودة مفاجئة تصيب اوصالها، ولم تدري إن كانت تلك برودة بسبب الأجواء، أم هي البرودة التي أصابتها بسبب نظراته الموجهة لها .
رفعت عيونها ببطء تبصر وقوف أخيها أمام رجال سفيد، ثم قال بهدوء وهو يرى وصولها :
" كهرمان، قودي النساء صوب الداخل رجاءً "
هزت كهرمان رأسها وهي تشعر باوصالها ترتعش من هول الموقف، وشعور داخلها يخبرها أن الجميع الآن ينظر لها الأن ..
وفي الحقيقة ربما كان الجميع ..هو فقط .
تحركت بهدوء تستقبل النساء بكلمات غير مرتبة تقودهن صوب الداخل تشغل نفسها بهن عن وجوده جوارها، لكن وبمجرد أن خرجت النساء من العربة حتى سارعت زمرد تحتضن كهرمان وهي تهتف بصوت مسموع :
" زوجة أخي الحبيبة، اشتقت لكِ "
اتسعت أعين كهرمان تستقبل أحضان زمرد بصدمة وهي تشعر برغبة عارمة في قتل تلك القذرة التي لا نختلف في خبثها عن شقيقها الذي عض شفتيه يبتسم وهو ما يزال ينظر ارضًا، فقط كبت ضحكته بصعوبة على كلمات زمرد، وتعليق أرسلان :
" يا ويلي من هذه العائلة، هيا كهرمان خذي النساء للداخل "
هزت كهرمان رأسها بوجه أحمر من الخجل وفي داخلها تتوعد بالويل لزمرد التي انستها الترحيب بالباقيات .
وأثناء تحركهم نظر سالار بطرف عيونه صوب تبارك التي كانت تتحرك مع النساء مرتدية ثوب مثلهن، كانت كما لو أنها ولدت وعاشت حياتها بين الممالك، ابتسم حين تذكره أنه هو من اختار لها الثوب، في الحقيقة هو من يختاره لها طوال الوقت وحتى تعتاد هي ما يجب ارتداؤه..
" أيها الرجل الأحمر، أين شردت ؟؟"
استدار سالار بسرعة صوب أرسلان يقول بانتباه :
" ماذا ؟؟ هل قلت شيئًا ؟؟"
" نعم عزيزي، أخبرتك أن تتحرك معي للداخل لتتلقى ضيافتك "
تنحنح سالار وهو يقول بصوت خافت بعض الشيء :
" لا بأس فقط اسبقوني أرسلان سأطمئن على أوضاع زوجتي واعود لكم "
" ألا تثق بضيافة الأميرة، سالار ؟؟"
نظر له سالار ينفي برأسه، يحاول القول أن الأمر لا يعتمد على ضيافته أو ضيافة شقيقته، هو فقط ...لا يطمئن في مكان إلا بعدما يطمئن أن تبارك بخير وكل أوضاعها بخير، ربما هو شعور لا ارادي داخله، فقط يطمئن أنها بخير وكل أمورها بخير، ثم حينها يبدأ التنفس والتفكير بشكل طبيعي .
" معاذ الله أن أفعل وانتم أهل كرم أرسلان، لكن الأمر أنني لن اطمئن إلا بعدما أرى أوضاع زوجتي بنفسي، لنصنف الأمر مرضًا إن أردت "
رفع أرسلان حاجبه بتعجب من كلمات سالار، ثم قال وهو يشير صوب أحد الحراس :
" قد القائد سالار صوب الجناح الغربي الخاص به يا فتى "
ابتسم له سالار بسمة صغيرة، ثم تحرك بسرعة تحت نظرات الجميع، ليبتسم دانيار بخبث شديد وهو يردد متحركًا :
" وأنا أيضًا سأذهب لاطمئن على زوجتي و..."
وقبل أن يتحرك امسكه إيفان يعيده جواره وهو يقول ببسمة :
" تطمئن على من يا بني ؟؟ امثال زوجتك لا نطمئن عليهن ممن حولهن، بل نطمئن على من حولهن منهن "
نظر له دانيار ينزع يده وهو يردد ببسمة :
" إذن اسمح لي مولاي، سأذهب للاطمئنان على من حولها منها "
وختم حديثه بالتحرك بسرعة دون أن يدع لإيفان فرصة للحديث، بينما مهيار انسحب بهدوء دون أن يشعر به أحدهم، وقد استغل ميزة هدوءه المعتادة والتي تجعل الجميع ينسون وجوده حتى، ليهرب ويذهب ليطمئن على صحة زوجته التي كانت هذه أول رحلة لهما سويًا بعد الزواج ...
ولم يتبقى سوى تميم الذي نظر له إيفان يقول وهو يشير بكفه صوب الداخل :
" أذهب واطمئن على زوجتك تميم "
ابتسم له تميم يجيب بجدية كاذبة وشوقه لبرلنت يظهر في عيونه واضحًا :
" حسنًا الأمر أنني فقط لا أود أن تنتبه زوجتي أن الجميع ذهب يطمئن على زوجته عداي، والله لتحيلن المتبقي من حياتي لجحيم، لذا أنا مضطر للذهاب وتقليد الجميع، وداعًا "
تحرك سريعًا بعد كلماته ولم يتبقى سوى الأربعة ملوك، استدار أرسلان صوب إيفان يقول ببسمة واسعة :
" ما كان عليك تكبد كل هذا العناء إيفان .."
نظر له إيفان باستنكار وهو يتحدث حانقًا :
" هذا ليس عناءً إن كان المقابل زوا...."
وقبل أن يكمل كلماته قاطعه أرسلان بصوت مستفز وبسمة أكثر استفزازًا :
" لم يكن عليك تكبد العناء وإحضار كل هذه الهدايا لأجل زيارة ودية فقط إيفان، لكن ماذا نقول وانتم يا أهل سفيد أهل كرم "
ابتسم إيفان بسمة غير مصدقة وكأنه لم يسمع ما قيل، يقترب خطوات متحفزة من أرسلان مرددًا كلماته باستنكار :
" زيارة ودية ؟؟"
" صحيح، أوتطمح لأكثر من هذا ؟!"
اتسعت أعين بارق وازار الذي ردد وهو يسحب يد بارق بعيدًا:
" تعال بارق سوف نذهب لنترتاح قليلًا حتى ينتهون من هذا الهراء، فأنا أعلمه جيدًا وجربته من قبل، في النهاية سينتهي الأمر بخروج إيفان من القصر ومعه الأميرة "
ختم حديثه ببسمة ساخرة يتجاوز الجميع مع بارق وهو يتذكر موقف مشابه للقائد جوبان الذي جاء وسرق منه عائش الصغيرة وخرج بكل وقاحة من قصره بها فقط لأنه تزوجها ..
بينما إيفان ما يزال يقف يشير على الجميع حوله قائلًا بهدوء مصطنع :
" وهذا الاحتفال حولنا ؟!"
" اه هذا ؟؟ نعم هذا احتفال بذكرى نطقي اولى كلماتي حين كنت طفلًا صغيرًا، في مثل هذا اليوم منذ أكثر من ثلاث عقود نطقت كلمتي الاولى "
صمت ثم قال ببسمة واسعة يوضح بها كلمته الاولى فخورًا :
" حقير .."
هز إيفان رأسه وهو يقول :
" أوه نعم، حقير، حقًا حقير أرسلان "
ختم كلماته ينقض على أرسلان الذي تراجع للخلف مبتسمًا بسمة مستفزة وإيفان فقط يصرخ في وجهه :
" والله إن لم تزوجني إياها لاجعلن ذكرى اولى كلماتك آخرها أرسلان "
نظر أرسلان ليده التي تمسك بتلابيبه، ثم انفجر في الضحك يقول :
" هذه نقطة تُحسب لي، أن استفزك كلك ببرودك لهي نقطة تُحسب لصالحي، مرحى لي "
دفعه إيفان للخلف يشير بإصبعه في وجهه بتحذير مدركًا كم تغضبه هذه الحركة وبشدة :
" سوف أريك الويل إن لم اخرج من هذا القصر بما جئت لأجله"
نظر أرسلان لاصبعه بغضب شديد، ثم رفع يده يصفع يد إيفان مرددًا :
" خسئت أنت واشباهك الأربعين إيفان، لا تهددني وإلا اقسم بالله أحيلن ليلتك لجحيم "
نظر له إيفان يدرك أي مختل هو لينفذ تهديده، لكن هل يخضع هو له ويصمت ؟؟ بل فقط ابتسم بسمة واسعة يردد :
" إذن كن أرسلان لطيفًا ودع ليلتي وليلتك وقبلهم ليلة شقيقتك تمر على خير "
رفع أرسلان حاجبه وقبل أن يتحدث بكلمة، وضع إيفان يده على كتف أرسلان يسحبه له بود و مشاكسة، ثم تحرك به صوب الداخل مبتسمًا :
" والآن تعال نتناقش في الداخل حول تجهيزات الزفاف يا خال ولي عهدي .."
_____________________
تقف أمام المرآة تتأمل تلك الغرفة البسيطة التي تتنافى تمامًا مع أجواء القصر التي تنبض بالبزخ، تتذكر كلمات كهرمان لها وهي ترشدها صوب الغرفة التي يحتلها سالار في كل زياراته لهم :
" حسنًا قد تبدو غرفة صغيرة متواضعة بعض الشيء، لكن ماذا نفعل وزوجك زاهدٌ لا يحب سوى هذا المكان لانعزاله التام عن جميع الغرف "
صمتت كهرمان وهي تميل هامسة بصوت منخفض :
" لا اخفيكِ سرًا فالجميع هنا يلقب زوجك بالوحش، معتقدين أنه يفضل غرفة بعيدة لأنه يتحول مساءً ولا يود أن تُكشف حقيقته "
خرجت تبارك من أفكارها وهي تحدق في الغرفة ضاحكة :
" تبدو غرفة صالحة لتحول أحدهم "
صمتت فجأة تستوعب ما قالت منذ ثواني :
" ايه ده ؟! أنا بكلم نفسي بالفصحى ليه ؟؟"
نظرت حولها بسرعة تشعر بالغباء من الأمر وبشدة، ثم ابتسمت وهي تفكر أن كثرة جلستها معهم جعلتها تتقن الفصحى كما لو أنها وُلدت وترعرعت على أيدي شعراء مخضرمين، حسنًا في أغلب الأحيان على الأقل، فهي يأتي عليها لحظات لا تُحسن انتقاء كلماتها.
فجأة سمعت صوت طرق على باب الغرفة تحدثت بانتباه :
" من ؟؟"
" هذا أنا تبارك "
تعجبت تبارك حين سماعها صوت سالار لتتحرك صوب الباب تفتحته بسرعة سامحة له بالدخول :
" سالار ؟! بتخبط ليه ؟؟"
نظر لها سالار يتحرك داخل الغرفة يغلق الباب خلفه مجيبًا بهدوء وبسمة صغيرة :
" لم اود افزاعك بدخولي دون مقدمات عليكِ، لكلٍ خصوصياته حتى على الزوج تبارك "
ختم حديثه يميل مقبلًا وجنتها بحب هامسًا :
" عسى طريقك كان مُيسّرًا عزيزتي "
رفعت تبارك عيونها له تقول ببسمة :
" كان في غاية اليسر، قضيناه في الحديث ولم نشعر بطوله "
ابتسم لها بحنان ثم تحرك ينزع عنه سترته الخارجية وهي فقط تنظر له ثواني قبل أن تقول بفضول :
" سالار ؟؟"
استدار لها سالار منتبهًا لتتساءل بما كانت تفكر به طوال الوقت :
" لماذا تناديني دائمًا عزيزتي ؟؟"
ابتسم سالار متعجبًا وهو يكمل خلع ثيابه مجيبًا ببساطة :
" لأنكِ عزيزتي، ألا تعجبك تلك الكلمة ؟؟"
ابتسمت له تقول بجدية :
" لا، لكن لِمَ هذه الكلمة تحديدًا، أعني أنت لم تناديني يومًا حبيبتي أو شيء من هذا القبيل "
ابتسم يترك ثيابه جانبًا، ثم تحرك لها عاري الجذع وهناك نظرات غامضة لم تفسرها بشكل صحيح تلوح على وجهه، أو أنها بالفعل فسرتها، لكنها خشيت أن تصرح له أنه يبدو في هذه اللحظة خبيثًا وقحًا، فيخبرها أنه ليس هكذا وأنه برئ كما يقول دائمًا .
" إذا أردتِ أن اناديكِ حبيبتي سأفعل، لكنني أرى أن عزيزتي أفضل، فأنتِ لستِ مجرد حبيبة، هذا اللقب الذي قد نطلقه على أيٍ كان، بل أنتِ عزيزة على القلب ولا عزيز له سواكِ "
" أوه، هذا يبدو رومانسيًا للغاية، و..."
توقف حين أبصرت اقترابه منها لتقول بشك :
" سالار أنت ستتواقح ؟؟ لا أريد ظلمك ككل مرة واخبارك أنك وقح ."
ابتسم سالار بسمة صغيرة يجذبها صوبه بسرعة من خصرها وهي اتسعت عيونها بصدمة من حركته المفاجئة، ليصارحها هو بكل براءة لا تليق أبدًا بكلماته التي أخرجها من فمه :
" حسنًا هذه كانت المرة الوحيدة التي يمكنك وصفي فيها بالوقح وستصدُقين "
نظرت له تبارك ثواني وكأنها تحاول موازنة الكلمات في رأسها، أخذ منها الأمر دقيقة ترقبها فيها سالار بصبر حتى تصل لمغزاه، وبمجرد أن اتسعت عيونها بصدمة كبيرة ابتسم يقول :
" نعم بالضبط "
شهقت تبارك تصرخ بصدمة :
" سالار ... أنت منهم ؟؟"
نظر لها سالار بعدم فهم :
" مِن مَن ؟؟"
" من الرجالة اللي هما مش صافيين ؟؟"
" ماذا تعنين ؟؟ أنا صافٍ خالٍ من الشوائب تمامًا "
رفعت حاجبها وهي تحاول دفعه :
" التصاقك بي بهذه الوقاحة وهذه الكلمات لا تخبرني هذا سالار، أنت وقح "
تأوه سالار باستنكار :
" ماذا؟ اقسم أنني لا اتواقح أنا اتصرف بشكل طبيعي، أنتِ امرأتي، وهذه غرفتنا وحدنا، أي تصرف تودين أن اتخذ في هذه الحالات إن لم التصق بكِ ؟؟"
نظرت له تبارك ثواني وكأنها تبحث عن إجابة لسؤاله في رأسها، ثم نفت دليلًا أنها لا تمتلك إجابة، وهذا منح سالار نصرًا يقول :
" ها رأيتِ ؟؟ كنت محقًا، والآن هيا ادخلي لاحضاني الدافئة، سأمنحك بعضًا من قوى الحب عزيزتي "
ابتسمت تبارك تلقي نفسها بين أحضانه وهي تضحك بخفوت على كلماته، وذلك اللقب الذي أضحى يطلقه على أحضانه منذ ما حدث منذ ايام، في زيارتهم الأخيرة قبل أن يعودوا هنا، تلك الزيارة التي أجلتها سنوات بحثًا عن الوقت المناسب، حتى وجدته برفقته، برفقة زوجها ...
عادت بذاكرتها لذلك اليوم، إذ توقفت جوار سالار في الطريق، لينظر لها سالار بفضول :
" إذن ما الذي نفعله هنا ؟؟ "
ابتسمت بسمة صغيرة تشير صوب أحد المنازل مرددة :
" هناك من أوصاني بأن أوصل رسالته، وأنا أردت أن أفعل بما أننا عدنا لهنا، لا أود أن اخلف وعدي، فقد وعدته أن رسالته ستصل، وانتظرت وقتًا مناسبًا ولا أجد انسب من وقتٌ أنت معي به"
لم يفهم سالار مقصدها بالكامل، لكنه رغم ذلك هز رأسه يتحرك معها صوب أحد المنازل، توقفت تسمع صوت سالار يتساءل بفضول لم يكن يصيبه البتة إلا عندما يتعلق الأمر بها هي .
" من صاحب الرسالة ؟؟"
نظرت له تبارك تقول ببسمة :
" فتاة صغيرة كانت رفيقة لي في الملجأ الذي تربيت به، وقد ...اوصتني أن أوصل الرسالة هذه نيابة عنها"
ختمت حديثها تطرق الباب وهي تنتظر أي رد، ثواني هي حتى فتح لها أحد المراهقين الباب ينظر لها بفضول قبل أن يبتسم يقول :
" أنتِ الكوافيرة اللي هتمكيج صابرين ؟!"
نظرت له تبارك بعدم فهم :
" كوافيرة ؟؟"
ولم تكد تتبع تلك الكلمة بثانية حتى توقف سالار أمامها يشكل حاجزًا بينها وبين هذا المراهق الفارع الطول يقول بهدوء :
" لا اسمح لك بسب زوجتي يا هذا، فالتزم حدودك كي لا ينالك مني ما لا يسرك "
رمقه الفتى بعدم فهم يفتح فمه باتساع مرددًا :
" ها ؟؟ نعم ؟؟"
" نعم ماذا ألا تفهم حديثي ؟؟ تلك السبة التي القيتها على مسامع زوجتي لا تكررها وإلا كانت كلمتك الأخيرة "
نظر الفتى خلفه صوب المنزل وهو يتحدث بصوت مرتفع :
" ماما، فيه واحد بشعر احمر واقف بيكلمني زي الناس بتوع النشرة الجوية "
جذبت تبارك طرف كم سالار وهي تحاول إجباره على الانحناء صوبها لتهمس بصوت منخفض :
" سالار، كوافيرة هذه ليست سبة عزيزي، هذه وظيفة"
" وظيفة سيئة ؟؟"
" لا وظيفة عادية، تزيين النساء عزيزي، كما رأيت في الطرقات هذه الزينة على الوجه، هذه هي الوظيفة "
" إذن هي سيئة.."
صمت ثم عقب بصوت منخفض :
" ثم أنا لم أرى أي نساء، لا أسير محدقًا بالنساء"
ختم حديثه في الوقت الذي خرجت به سيدة في منتصف سنوات عمرها تقول بتعجب وهي تدفع ابنها صوب الداخل :
" ادخل خد من اختك الفستان وروح اكويه، خلاص المغرب هيأذن وأهل العريس هيجوا، خلينا نخلص قبل الخطوبة "
ابتسمت تبارك بسمة صغيرة وهي تنظر لوجه تلك المرأة التي انتبهت تقول :
" أيوة، عايزين حد ؟؟"
صمتت ثم قالت وهي تحدق في تبارك :
" أنتِ جاية عشان خطوبة صابرين يا حبيبتي ؟؟"
نفت تبارك برأسها وهي تقول ببساطة تخرج ورقة كانت تحتفظ بها في خزانة العمل لتسلمها إلى صاحبها، مدتها للمرأة تقول :
" لا يا طنط هو أنا بس كنت جاية اوصل رسالة ليكِ من شخص معين "
نظرت لها السيدة ثواني، ثم حركت عيونها صوب يد تبارك تمسك الورقة بعدم فهم :
" رسالة ؟؟ ليا أنا ؟؟"
هزت تبارك رأسها تقول :
" مش حضرتك مدام فرح ؟؟"
هزت فرح رأسها وهي تقلب الرسالة بين أناملها بفضول شديد :
" أيوة، أنا "
" تمام الرسالة دي ليكِ، فيه شخص سلمها ليا وطلب مني اسلمها ليكِ شخصيًا واقولك أنه كان نفسه يسلمها ليكِ بس مقدرش "
نظرت السيدة للورقة وسارعت بفتحها بفضول ولهفة، تمر عيونها على الكلمات ليشحب وجهها فجأة ويهتز جسدها بقوة وهي تتراجع للخلف لولا الجدار خلفها لكانت سقطت ارضًا وقد اتسعت عيونها بصدمة وهي تهمس بصوت جاء من بئر سحيق :
" ده ...ده ...هي ...هي فين ؟؟ اللي عطيتك الرسالة دي فين ؟!"
نظرت لها تبارك ببسمة صغيرة تقول بهدوء وشفقة على تلك السيدة :
" هي ...ماتت، ماتت وكان آخر حاجة وصتني بيها إني اسلمك الرسالة دي واقولك أنها كانت بتحبك اوي، ورغم كل اللي حصل فضلت تحبك لغاية آخر يوم في حياتها، وماتت وهي لسه بتحبك، وكانت ...كانت مستنياكِ لغاية آخر لحظة "
سقطت دموع السيدة وهي تشهق بعنف وقد بدأت دموعها تهبط بقوة تراقب رسالة خطتها بيدها منذ سنوات طويلة توصي فيها الملجأ على الاعتناء بابنتها الرضيعة وهي تتركها أمام أبوابه وتهرب، الآن تحمل بيدها رسالتها تحتوي كلماتها وكلمات إضافية ردًا من ابنتها كلمات حطمتها وهي تقرأها .
كتبت هي منذ ثواني ( خدوا بالكم منها كويس )
وردت طفلتها بخط طفلة شبه متعرج ( محدش أخد باله مني، كنت مستنياكِ ترجعي عشان تاخدي أنتِ بالك مني )
لكن هل عادت ؟؟
بل تناست أنها تركت خلفها طفلة، كادت تنسى الأمر برمته بعد الزواج وانجابها ثلاث اطفال آخرين أكبرهم ستُخطب اليوم .
شهقت السيدة بعنف مما رأت، لتسقط ارضًا تحت أنظار سالار المفزوعة، وقبل أن يتحرك خطوة شعر بيد تبارك تمسك كفه وهي تجذبه للرحيل :
" البقاء لله يا مدام فرح، بنتك كانت بتحبك ...تقدري تكملي حياتك عادي وبعتذر لو نكدت عليكِ في يوم زي ده، بس مكنش عندي علم أنك عندك مناسبة ومكانش ينفع امشي من غير ما اسلم الأمانة، عن أذنك "
ختمت حديثها تستدير بسرعة وهي تتحرك بسالار بعيدًا وقد بدأ جسدها يهتز وعيونها تمتلئ دموع تسمع صوت سالار يردد بصدمة مما يرى :
" ما الذي يحدث ومن هذه تبارك ؟؟"
سقطت دموع تبارك بقوة تهتف من بين شهقاتها :
" امي ..."
اتسعت أعين سالار بصدمة يستدير صوب تلك المرأة التي التف حولها البعض يحاولون أن يفيقوها يهمس بصدمة كبيرة :
" والدتك ؟؟ كيف ...كيف ...أنتِ أخبرتها أن صاحبة الرسالة ماتت "
نظرت تبارك لعيونه باكية :
" نعم هذا صحيح، تلك الطفلة التي كانت تحتفظ برسالة والدتها ماتت منذ سنوات طويلة سالار، تلك الرسالة الاخيرة التي تركتها مع رضيعة بعمر ايام توصي عليها غرباء وهي والدتها ونبذتها، لقد ...لقد نبذتني ونستني، عاشت حياتها وكأن شيئًا لم يكن"
توقفت تقول بصوت مذبوح تصرخ بوجع مشيرة لنفسها :
" كان عندي امل، كان عندي امل غبي إن اجي الاقيها فاكراني أو على الأقل في لمحة حزن في عيونها على بنتها اللي رمتها، أنا لغاية آخر لحظة كنت مستنياها يا سالار، كنت مستنياها تيجي تقولي أنا آسفة وأنا والله العظيم كنت هسامحها "
ختمت حديثها تنفجر في بكاء عنيف ليجذبها سالار صوب أحضانه بقوة يهمس لها بصوت حنون :
" لا بأس، لا بأس، أنا هنا، أنا هنا، إن نبذك العالم، فلعنة الله على ذلك العالم ولارحب أنا بكِ بين احضاني، ولتكتفي بها عالمًا عزيزتي "
استمر بكائها دقائق، حتى تمتمت تبارك بكلمات غير مفهومة بسبب دفنها وجهها بين احضان سالار، ليبعدها الاخير يتساءل بعدم فهم وهو يمسح دموعها:
" ماذا قلتي ؟؟"
نظرت له تقول بصوت خافت من شدة بكائها :
" كان ...كان نفسي تحضني زي أي أم ما بتحضن عيالها، كان نفسي اعرف يعني ايه حضن الام سالار "
تأوه سالار يجذبها لاحضانه مرددًا :
" لا بأس يمكنك الاستغناء عن الجميع وأنا سأعوضك عزيزتي، استغني عن العالم بي، أما عن الاحضان فأنا كفيل بجعلك تكتفين ذاتيًا من الاحضان، سأمنحك ما تشائين منها"
ابتسمت تبارك تهمس له باستكانة :
" أنا بالفعل اكتفي باحضانك عن العالم سالار، احضانك تنسيني كل ما يدور "
ابتسم يهمس لها بمزاح :
" نعم هذه تسمى قوى الحب عزيزتي "
أطلقت تبارك ضحكات خافتة ليقبلها بلطف يفكر أنه سيتحدث معها لاحقًا عن كل شيء، لكن ليس الآن، ليس وهي بهذه الحالة .
تنهد ينظر حوله، ها هي مهتهم في هذا العالم انتهت، وقد حان واخيرًا وقت العودة، فقط ليبتعد بزوجته عن جميع من يبكيها، وعلى ذكر العودة .
" أين هما هذين الاحمقين ؟؟"
أفاقت تبارك من أفكارها على هزة من يد سالار الذي ابتسم قائلًا :
" الم أخبرك أن أحضاني كالسحر، انظري لنفسك، لقد سُحرتي داخلها بالكامل "
ابتسمت تبارك بسمة واسعة :
" كل ما بك يسحرني سالار "
اتسعت بسمة سالار يقول بجدية :
" هذا اطراء مستعد أن اسمعه كل يوم دون أن أمل، يسعدني أنني افعل مولاتي .."
مدت تبارك يدها بتردد قبل أن تتحسس وجه سالار الذي اشتد جسده بترقب يستشعر لمساتها له وقد كاد يذوب منها، وهي فقط ابتسمت تقول :
" لطالما فعلت يا قائد ....."
____________________
أن تأتي لمشكى وتقطن بقصر الملكي، شيء لم تعتاده بعد ولا تظن أنها ستفعل، هي في الحقيقة لم تستوعب بعد أنها زُفت لمهيار من الأساس .
ابتسمت بسمة واسعة، تتذكر ما حدث ...
خرجت من منزل والدها وزُفت حتى القصر حين أصر مهيار أن يتم عقد القرآن هناك، زُفت في عربة جميلة استأجرها مرجان لها خصيصًا، مرجان العزيز الذي كان سيبكي ذلك اليوم وهو ينظر لها كل ثانية بأعين دامعة يصارع نفسه كي لا ينفجر بالبكاء أمام الجميع .
وصلت عربة العروس صوب القصر لتتسع أعين ليلا بصدمة هي وعائلتها _ عدا والدها _ من رؤية ما حدث ليستوعب الجميع فجأة أن هذا لم يكن عقد قرآن، بل كان زفافًا ؟؟
خدعهم الطبيب وفعلها، باتفاق مع شقيقه ووالدها خططوا لزفافها مباشرة دون المرور بمرحلة عقد القرآن.
وحين توقفت أمامه مصدومة تتساءل عما يحدث، ابتسم لها أكثر بسمة بريئة في هذه الحياة وهو يقول بلطف :
" حسنًا آنستي، في الحقيقة رأيت أن الجميع حولي يعقد قرآنه دون الوصول لمرحلة الزفاف، حتى بدأت اعتقد أنها ربما لعنة أصابت رجال هذا القصر؛ لذا فكرت أن أكون أول من يكسر هذه اللعنة ويبدأ مباشرة بمرحلة الزفاف و......"
صمت ثم أشار خلفه للاحتفالات التي أقامها دانيار لأجله :
" مرحبًا بكِ في زفافك، بالله لقد انرتيه وانرتي القصر"
وكان هذا أكثر شيء عبثي سمعته ليلا في حياتها، لكن عبث محبب جعلها تبتسم دون وعي، ودون انتباه لنظرات مرجان الذي كان يقف جوارها يعقد ذراعيه باعتراض على ما يحدث جواره بينما والده يحاول التحدث له وإقناعه، وهو فقط لا يفكر سوى أن الطبيب سلبه شقيقته .
في تلك اللحظة سمع الجميع صوت ضرب الدفوف وصوت غناء مرتفع، والنساء تحركن صوب ليلا لجرها صوب غرفة للتجهز لعقد القرآن في البداية .
ومهيار فقط يتابعها ببسمة واسعة وسعادة طاغية قبل أن يشعر بيد تجذبه وسط بعض الرجال يغني ويراقصه، وبالطبع لم تكن تلك اليد سوى لشقيقه الحبيب الذي كان سعيدًا أكثر منه حتى، وعده دانيار وأوفى بوعده ....
وبعد دقائق استطاع الجميع الإفلات واخيرًا من حصار دانيار لهم بالغناء والتصفيق، تحركوا صوب المسجد لعقد القرآن .
وأثناء ذلك كان مرجان يقف جانبًا وهو يراقب والده يردد خلف الشيخ مع مهيار كلمات موافقته على الزواج .
وهو فقط يضم ذراعيه لصدره يكتم دموعه بصعوبة، يرفع كفه كل ثانية يمسح دمعه، ومن ثم يتنفس بعمق يسمع بأذنه كلمات منح شقيقته لرجل ليسلبها منه .
وبمجرد أن سمع صوت المأذون يتمم عقد القرآن، سقطت دموعه ليشعر بيد تربت على كتفه :
" ما بك يا مرجان، أليست هذه ليلا التي كنت تتشاجر معها كل ليلة وصباح، تماسك يارجل وانظر للجانب الإيجابي هي ستصبح معك هنا في القصر وقت أطول "
استدار مرجان يرمق العريف بحزن شديد يهمس :
" لقد أخذ مني شقيقتي "
وقبل أن يجيبه العريف سمع صوت والده يناديه ليسلم ليلا لمهيار .
مسح مرجان دموعه، ثم تحرك بسرعة صوب شقيقته كي لا يتأخر عليها، وبمجرد أن ابصرها تقف بين الجميع تتلقى التهاني ابتسم لها بحنان، وهي استدارت له مبتسمة واقتربت منه لتعانقه، وبمجرد أن ضمته حتى انفجر مرجان بالبكاء يضمها بقوة، وليلا تشعر بالدموع تلسعها وهي تربت على كتفه، ومرجان يبكي .
كان لا يمر يوم دون أن يتشاجرا، بل ويتضاربا، لكن في النهاية هي شقيقته التي شاركته عمره بأكمله، شاركته لحظات حزنه وفرحه، الأن حين يعود حزينًا للمنزل لن تقفز له لغرفته بالطعام لتسعده، لن تظل تقفز كل ثانية لتزعجه .
كل تلك الذكريات سويًا مرت على مرجان ليزداد بكاؤه، وليلا تردد بحب :
" والله لن ابتعد مرجان، سوف اظل كما أنا وسأقفز لك كل ثانية في المكتبة حتى يطردنا العريف سويًا "
ضحك مرجان من بين دموعه يبتعد عنها يمسح دموعها مرددًا بحب :
" أنتِ تبدين جميلة، هذا ما نسيت اخبارك به منذ الصباح، مبارك جميلتي "
ابتسمت له ليلا بسعادة، ليمد هو يده يطلب منها أن تتأبط ذراعه، ثم تحرك بها .
البارحة فقط كان يمسك يدها ليساعدها على تعلم أولى خطواتها، واليوم يمسك يدها ليزفها لعريسها، الحياة اسرع مما نتخيل .
وقف مهيار في منتصف ساحة المسجد يضم كفيه خلفه منتظرًا أن تطل عليه رفقة والدها، وقد حدث لتتسع بسمته دون تصديق يهتف وكأنه مسحور :
" يا ويلي أبالفردوس أنا ؟؟"
نظر له دانيار مبتسمًا بسمة واسعة يقول بهمس :
" شعور جميل ها ؟؟ أدرك ما تشعر به في هذه اللحظة "
وبمجرد أن توقفت ليلا أمام مهيار ظل يحدق فيها بانبهار شديد وكأنه لا يصدق أنها أضحت زوجته، فقط يراقبها ببسمة واسعة، وكل ما استطاع فعله هو أن مد كفه لها بتوتر يقول :
" مرحبًا "
تشنجت ملامح دانيار وهو يجذب له مهيار يهمس بحنق :
" مرحبًا من أيها الاحمق، هل تقابل رفيقًا لك بعد عودته من السفر ؟؟ هذه زوجتك يا بني "
نظر له مهيار بتوتر يشعر أنه نسي جميع أساليب التعامل في مثل هذه المواقف، ليهز رأسه بسرعة وهو يقترب يفتح ذراعيه ليعانقها، لولا يد دانيار التي جذبته بسرعة وهو يقول بتدارك :
" تعال هنا يا مصيبة، ما الذي تفعله مهيار ؟؟ ليس هنا يا بني، خذ زوجتك وانعزل بها في الغرفة الملحقة "
زاد توتر مهيار الذي لم يكن يستوعب ما يحدث ليشير صوب ليلا أن تسبقه يقول بصوت خافت :
" حسنًا اسبقيني آنستي "
نظر له دانيار يمسح وجهه يهتف :
"يبدو أنني تسرعت بالزفاف، الفتى أصبح احمقًا من صدمته "
ربت على كتف مهيار يردد وهو يوفر بضيق :
" أذهب يا بني، اذهب لزوجتك "
ابتسم له مهيار بسمة واسعة ثم تحرك بسرعة صوبها، لكنه توقف فجأة وعاد يضم دانيار بقوة :
" احبك كثيرًا أخي "
اتسعت بسمة دانيار وزادت سعادته وهو يربت على كتفه، ثم دفعه صوب زوجته، ليمسك مهيار بكفها يستشعر ارتجافتها، وفي الحقيقة هو لم يكن أقل منها، لكنه تماسك أكثر يميل عليها هامسًا :
" مرحبًا بكِ في حياتي آنستي. ..."
" بما أنتِ شاردة ليلتي المضيئة ؟؟"
خرجت ليلا من أفكارها على صوت خلفها ويد امتدت تحتضن خصرها، ابتسمت تقول ببسمة صغيرة :
" كنت شاردة بيوم الزفاف، أنا حتى هذه اللحظة لا استوعب أنني أصبحت زوجتك مهيار، وربما لن افعل قريبًا "
ابتسم مهيار يقبل كتفها ثم استند عليه بذقنه يردد :
" سيسعدني أن أقدم لكِ كامل الإثباتات لتصدقي أنكِ الآن اضحيتي زوجتي رسميًا ليلتي الجميلة ."
ابتسمت تقول بمزاح :
" لا بأس لك كامل الوقت لتقدم اثباتاتك سيدي الطبيب ...."
_____________________
" أنت لن تجعل هذا يمر بالطريقة السهلة صحيح ؟!"
رفع أرسلان عيونه صوب إيفان الذي كان يجلس أمامه على طاولة الطعام ما جميع الرجال بعدما جمعهم لتناول الغداء .
عاد ونظر صوب طبق الطعام أمامه:
" ماذا ألم تعجبك اطباقنا ملك إيفان ؟!"
ابتسم له إيفان ينظر له بشر وهو يستند بظهره على ظهر المقعد يضم ذراعيه لصدره يتحفز، بينما سالار يتناول الطعام بكل هدوء وكأن لا شيء يحدث حوله، بل فقط أخذ يلتقط ما يريد ويتناوله بشهية مفتوحة يراقب باستمتاع ما سيحدث وكأنه يشاهد فيلمًا .
" أرسلان لا تتلاعب معي، متى الزفاف ؟!"
ابتسم أرسلان وهو يشير له على الطعام :
" تناول طعامك إيفان، لا تجعلني أشعر أن طعامنا لا يعجبك، هذه وقاحة "
نظر له إيفان ثواني، قبل أن يذكر اسم الله ويحمل ملعقته وبدأ يأكل، ليس لأن أرسلان أمره بذلك، بل لأنه من الوقاحة _ كما ذكر أرسلان _ أن يتجاهل الطعام وينشغل بالحديث .
وازار بمجرد أن رأى الحرب تهدأ تنفس الصعداء يشير صوب بارق قائلًا :
" مُدّ ذلك الدجاج الحار بارق، والله ما جئت إلا لأجل طعام مشكى الحار، هذا الزواج كله لا يهمني من الاساس، هذا وجع قلب ليس زواجًا "
ختم حديثه ينظر صوب أرسلان وهو يبتلع ما بفمه متحدثًا بهدوء :
" انظر يا بني كل ما تعيشه الآن عشته أنا، عاندت واستفززت واخّرت في الزفاف، لكن هل أثر هذا على ما حدث؟؟"
صمت ثم أشار على سالار الذي كان مندمجًا في الطعام :
"لو كان فعل ما كان ذلك الرجل الأحمر يجلس معنا يتناول طعامه باستمتاع وكأن لا شيء يحدث أمامه، لذا أرضخ للأمر وهونها على نفسك "
توقف سالار عن تناول الطعام حين شعر أن الحديث يدور حوله، رفع عيونه لهم يقول :
" عفوًا ؟؟ "
ابتسم له ازار يقول بحنان :
" لكن رغم ذلك هل ابتأس ؟؟ لا والله لا أفعل، هذا الرجل الأحمر هو آخر ما تبقى لي من شقيقتي وذكراها وأنا اقدر هذه النعمة، صحيح أنه يذكرني بجوبان كلما أبصرته، لكن لا بأس طالما أنه يحمل الكثير من عائش "
استنكر أرسلان حديثه :
" ماذا؟ الأميرة عائشة كانت تشبه هذا الوجه، استغفر الله، امي تقول أنها كانت رقيقة رحمة الله عليها "
ابتسم سالار يرفع حاجبه ضاربًا الطاولة بيده لتهتز الاطباق هزة صغيرة وهو يهمس من أسفل ضروسه :
" هل سيصبح الحديث حول تحديد نسبة التشابه بيني وبين والديّ، ألم يكن منذ ثواني عن طريقة مراوغة أرسلان لعدم إتمام زواج إيفان ؟؟ "
صمت يدور بعيونه بين الجميع يقول ببسمة خطيرة :
" إذن تبقوني خارج الحوار أم أقلب هذه الطاولة أعلى رؤوس الجميع الآن ؟؟"
ولم يتحدث أحدهم بكلمة واحدة ليبتسم ببساطة :
" هذا ما ظننته أنا أيضًا "
صمت ليعود إلى طعامه، قبل أن يتذكر شيئًا فيرفع عيونه صوب آزار وبارق يقول باحترام :
" طبعًا هذا الحديث غير موجه لكما خالي وملك بارق"
ابتسم له بارق يهز رأسه بهدوء واستفزاز لجنون أرسلان :
" ندري بني أنت لست أرسلان في النهاية "
اتسعت عين أرسلان بصدمة يشير على نفسه، هل يقصد أنه وقح ؟؟ والله لم يفعلها يومًا ويتخطى حدوده مع أي إنسان في هذه الحياة سوى إيفان وسالار ومائة وأربعين آخرين...
" عذرًا متى اسأت للعجائز ملك بارق ؟؟"
كاد بارق يبتلع طعام قبل أن يتوقف وهو ينظر له بصدمة على كلماته ليقول :
" الآن فعلت أرسلان ؟!"
" فعلت ماذا ؟؟ هل تقصد عجائز ؟؟ يا الله هذه صفة ملك بارق وليست إهانة، أخبرهم يا عريف أنني حينما اصفكم بالعجائز ثلاثتكم لا اتقصد أي إهانة "
توقف العريف عن الطعام فجأة وقد حدث ما كان يخشاه منذ بداية الطعام، تذكروا أنه يجلس معهم .
رفع عيونه لارسلان يقول بحنق وضيق :
" رجاءً لا تقحمني في كل هذا الهراء، أنا من الأساس اتحمل هذا العدد من الأشخاص حولي بصعوبة، لقد جمعتني في غرفة واحدة وعلى طاولة واحدة مع أكثر رجال العالم استفزازًا لي، فلا تكن واحدًا منهم لـ ...أو لحظة أنت بالفعل واحد منهم، أنا لا يمنعني شيء عن النهوض الآن وترككم سوى ذلك الرز مع هذه البهارات اللذيذة، لذا دعني خارج هذا الحوار أيها الملك الوقح "
ختم حديثه وهو ينظر للجميع يهتف بحنق :
" ملك متسلط واخر وقح وقائد جيوش مستبد وقائد رماة مستفز، وصانع أسلحة مختل، في أي عالم احيا أنا "
تشنجت ملامح تميم يردد بعدم فهم :
" وماذا فعلت أنا الآن ؟؟ أنا حتى لم انطق بكلمة "
همس له دانيار بسخرية وهو يرتشف بعض المياه :
" الأمر ليس شخصيًا تميم، لكن العريف يعز عليه ذكر جملة يزم فيها أحدهم دون أن يشمل الباقيين بها "
تنفس العريف يشير صوب مهيار الذي كان يراقب الأمر بهدوء :
" أنا فقط اجلس معكم إكرامًا لهذا المحترم، وإلا والله لاعتزلتكم جميعًا "
ابتسم له مهيار بسمة واسعة يرى أن العريف عاد لعادته القديمة .
ضرب إيفان على الطاولة يقول بجدية :
" أنا لا أرى فائدة من هذا الحديث، نحن لم نتفق بعد على موعد زفافي ؟؟"
نظر له أرسلان ثم تنهد يقول :
" عجبًا أنت لم تنس الأمر، يبدو أن لا مفر من هذا، ألا مجال لتتجاهل الأمر وأعطيك ضعف ما أتيت به وترحل !!"
ابتسم له إيفان يقول ببرود شديد :
" بل أنا أعطيك ضعفين ما أتيتُ به وعليهم العريف، ما رأيك ؟؟"
نظر له العريف باستنكار، بينما أرسلان رمق العريف بغيظ يقول :
" بل اعطيك خزينة البلاد بأكملها وتحتفظ بعريفك "
اعترض العريف على كل ما يحدث :
" مهلًا من قال أنني سأقبل بترك بلادي ومكتبتي ؟؟"
همس له مرجان :
" ما رأيك بالبقاء هنا أيها العريف وتأكل كل يوم من هذا الارز مع البهارات اللذيذة "
" تود التخلص مني لأجل تنصيبك عريفًا ؟؟ على جثتي "
ابتسم إيفان يتجاهل كل ذلك يقول بجدية :
" إذن متى ننصب زينة الزفاف عزيزي أرسلان ؟!"
نظر له أرسلان ثواني قبل أن يقول :
" بعد اسبوعين "
" اسبوع "
" ثلاثة أسابيع "
" خمسة أيام "
رفع أرسلان حاجبه يزداد عناده :
" ثلاثون يومًا "
نظر له إيفان وهو يبادله تحدي الكلمات :
" ثلاثة أيام، وإن زدت كلمة واحدة والله لاقيمنه اليوم وخلال ساعة واحدة انصب خيمة الزواج واعلنها بين طرقات مملكتك أن شقيقتك أضحت بشرع الله زوجتي "
ابتسم له أرسلان يعجبه أن يصر إيفان على شقيقته بهذه الاستماتة، هذا يجعله يتناسى بعضًا من وجعه لرحيلها، أن الله سيعوضها من يحنو عليها كما يفعل هو، حتى إذا ما رحل عن هذه الحياة لا يتركها تعاني صعوبات المعيشة او يموت خائفًا ويجرب شعور عاشه سابقًا وهو يشعر بنصل السيف يخترق جسده، ومن بعد لا حامي لشقيقته ..
صمته جعل إيفان يدرك أنه لن يرضخ بهذه السهولة لذا تنهد يقول :
" أرسلان...."
قاطعه أرسلان بما جعل أعين الجميع تتسع والافواه تتدلى بصدمة مما قيل :
" بعد خمسة أيام سنقيم الزفاف في ساحة مشكى ....."
______________________
وما اسرع الايام، فها هي الخمسة أيام التي وضعها أرسلان قبل الزفاف مضت وانقضت ساعاتها بسرعة لم يتوقعها أرسلان...
وها هو يقف في شرفة القصر يتابع بعيونه الزينة المنصوبة لأجل شقيقته، شيء جعل صدره ينقبض حزنًا، لكن جزء داخله كان مرتاحًا، سعيدًا لأن شقيقته نالت من تحب، هو ليس احمقًا ليتجاهل التماع عيونها حين ذكر اسم إيفان ..
اليوم واحد من أضخم حفلات الزفاف التي ستقام في الممالك بأكملها، تحالف وتعاون كبير بين مملكتين بحجم سفيد ومشكى، رغم الصداقة التي كانت تجمع الملكين ببعضهما البعض، إلا أن ذلك الشرخ الذي أصابها لشهور جعل الجميع يعتقد أن لا عودة لهما، ليأتيا هما ويشددا من قوة هذا التحالف بين المملكتين بزواج أميرة مشكى من ملك سفيد ...
في أحد جهات القصر كانت تتحرك بسرعة وهي تحمل على ذراعيها ثوب مخفي أسفل غطاء، تتحرك بسرعة قبل أن تصطدم بأحدهم يمسكها بجدية .
" مهلًا على رسلك زمرد ما الذي حدث لتركضي بهذا الشكل في الممرات ؟!"
توقفت زمرد تنظر له نظرات متعجبة قبل أن تدرك أنها تقف الأن أمام دانيار، لترتسم بسمة واسعة مشرقة وهي تردد بسعادة كبيرة ترفع يدها بفستان اخضر اللون :
" كنت ذاهبة لابحث عنك، هيا تعال سوف اجعلك تراني وأنا ارتدي ثياب مشكى، لقد أهدتني كهرمان هذا الثوب مخبرة إياي أنه الثوب التقليدي هنا "
أمسكت يده تجذبه خلفها وهي تتوجه صوب الغرفة التي كانت تجلس بها، بينما دانيار يتحرك معها دون فهم لكن هناك بسمة ارتسمت على وجهه يتابع حماستها بسعادة .
وزمرد التي كانت في هذه اللحظة لا تفكر في أيٍ مما يدور بعقل زوجها، كانت فقط متحمسة لتريه كيف تبدو بالثوب التقليدي لمشكى، كطفلة تجرب ثياب العيد لوالديها .
وصلت الغرفة تشير لدانيار أن ينتظر حتى تبدل ثيابها، ثم تحركت صوب المرحاض، لكن دانيار كان يتحرك خلفها ببسمة واسعة، حتى دخلت هي المرحاض وجاءت لتغلق الباب فتفاجئت بتحركه خلفها :
" ماذا ؟! "
رفع دانيار حاجبه بعدم فهم :
" ماذا ؟!"
" إلى أين، أخبرتك أن تنتظر لتشاهدني وانا ارتدي الثوب "
تراجع دانيار للخلف سريعًا وقد ابتسم ببلاهة يحك رقبته بحرج من اندفاعه بسبب لهفته عليها مشيرًا للرمحاض :
" معذرة، نعم تفضلي رجاءً وخذي كامل الوقت "
نظرت له تضيق عيونها قبل أن تهز رأسها تهتف له بهدوء :
" إذن انتظرني هنا، واستعد لتبصر أجمل ما سترى عيونك خلال سنوات حياتك البائسة هذه "
ختمت حديثها وهي تغلق الباب ليزفر هو بضيق من تسرعه وغبائه، يتحرك صوب المقعد يجلس عليه يضم ذراعيه لصدره يتمتم بكلمات غير مفهومة لمدة دقائق قبل أن ينفجر بغيظ شديد من نفسه، ينتظر وينتظر حتى مرت دقائق طويلة أوصلته للملل، لذا تحرك عن المقعد يحرك يديه في الهواء باعتراض على كل هذا مرددًا بصوت مرتفع :
" أنا اترك الرجال الآن وافوت مشاهدة أخيكِ يتلظى من نيران الانتظار، فقط لأنني ظننت أنني سأقضي جلسة لطيفة معك لا مع جدران غرفتك و....."
فجأة توقفت الكلمات في حلقه يشاهد زمرد تخرج من المرحاض يضم جسدها فستان من اللون الاخضر مع بعض الاشغال اليدوية التي تمتاز بها مشكى، كانت جميلة بشكل جعله يكاد ينهار على مقعده مرة أخرى، وابتسم بكل بلاهة يتناسى كل ما قاله منذ ثواني :
" يا ويل قلبي .."
اقتربت منه زمرد بخجل من نظراته :
" ما رأيك ؟؟"
" فاتنة "
" إذن هل يناسبني ؟! "
" بل لا يناسب سواكِ "
اتسعت بسمة زمرد تقول وهي تدور حول نفسها :
" إذن جيد، سوف احضر به الزفاف "
نظر لها دانيار ثواني ببلاهة مبتسمًا قبل أن يقول فجأة :
" ماذا ؟؟ لا بالطبع لن تفعلي، أنتِ لن تخرجي بهذا الشكل و...أنتِ تبدين فاتنة زمرد، هذا قاسٍ"
ختم حديثه بخفوت لتقترب منه زمرد تتعجب كلماته الغير مرتبة :
" ما الذي تقصده دانيار، أنا احببت هذا الثوب وأريد أن أحضر زفاف أخي به "
" سأحضر لكِ اخر إن اردتي، سوف اتحرك الآن للسوق وا..."
عاندت برجاء وهي ترى الرفض يلوح في عيونه واضحًا، وقد أدركت أنها مهما قالت من مبررات أو عاندت فهو سيرفض، لذا لجئت لآخر شيء قد تستخدمه ضده، حبه لها ..
" لا دانيار أنا أريد هذا تحديدًا، ارجوك لا تكسر سعادتي يوم زفاف أخي "
ولم تكن بحاجة للتوسل أو الرجاء، والله كان يكفيها نظرتها هذه فقط ليرضخ لها دانيار يقول بصوت خافت :
" حسنًا لكن زمرد ...لا تتركي منطقة النساء رجاءً "
ابتسمت زمرد بسمة واسعة تقترب منه :
" هل تغار دانيار ؟؟"
" بل اشتغل غيرة زمردتي "
ابتسمت له، تقترب أكثر وقد رأت أنه يستحق مكافأة لطيفة على كلماته هذه، لكن فجأة توقفت تقول باعتراض :
" زمردتي ؟؟"
هز رأسه بنعم لا يفهم اعتراضها هذا، وهي فقط قالت متذمرة على تلك الكلمة :
" تناديني زمردتي وأنا الزمرد كله ؟؟"
" وما شأني بالزمرد كله يا امرأة؟! وأنا لا يعنيني منه سوى زمردة واحدة "
رفعت حاجبها تقول ببسمة جانبية :
" هل هذه قناعة في حبي دانيار "
جذبها دانيار صوب أحضانه يهمس لها بحب :
" بل اكتفاءً بكِ زمردتي ...."
______________________
" حسنًا إيفان فقط تمالك نفسك، وإلا أخرج أرسلان سيفه وطعنك به الآن "
نظر إيفان صوب أرسلان الذي كان يقف مع بعض الرجال لترتيب الزفاف، وهو كل ثانية يرمقه بتحذير الاقتراب، وقد أخذ إيفان يقفز له كل ثانية يتساءل عن وقت خروج كهرمان لعقد القرآن..
" محظوظ أنت سالار؛ لأن زوجتك لا تمتلك اخًا حقيرًا كأرسلان أو مثلي "
ابتسم سالار، قبل أن يضحك بصوت مرتفع على حالة إيفان الذي كان يقف كما لو أنه يقف على جمرٍ ملتهب .
ثواني وتنفس الصعداء حين أبصر أرسلان يتحرك للقصر، إذن حانت اللحظة لتطل عليه، ذهب أرسلان ليحضرها، مرحى .
كان يردد تلك الجملة داخله يتخيل جميع أعضائه تصيح بسعادة وتنثر الورورد الملونة داخله احتفالًا بقربها...
وارسلان تحرك بين الممرات صوب جناح صغيرته، مهما أخّر تلك اللحظة ففي النهاية ستحين، حاول قدر الإمكان أن يحتفظ بها لنفسه اطول وقت، توقف في الممرات في ركن لا يظهر جسده، ثم مال يستند بيديه على ركبتيه يتنفس بصوت مرتفع، الأمر أصعب مما يتخيل، يشعر بفراغ مخيف يملء صدره، كهرمان ستغادره .
ثواني استغرقها يلملم انهياره الداخلي، فعلى عكس إيفان كانت جميع دواخل أرسلان تعلن حالة حداد وسواد داخله، ليس الأمر أنه يكره سعادة شقيقته، بل والله يشهد أنه لم يكن يومًا بمثل هذه السعادة لأنه يدرك يقينًا أنه سيسلم شقيقته لمن يحبها ويدللها فوق الدلال دلالًا، لكنه شعور غير ارادي منه، شعور أن إيفان يسلب منه شقيقته .
" صعب هذا الشعور ها ؟؟"
ارتفعت رأس أرسلان بسرعة صوب صاحب تلك الكلمات ليبصر آزار الذي كان جاء ليتحدث معه حينما رأى ملامحه في الخارج .
" هو صعب في البداية، لكن صدقني كل تلك المشاعر السيئة داخلك ستتلاشى حينما تبصر بسمتها الواسعة مع من اختارها واخترته، ستنسى كل حزنك وهذا الانقباض في صدرك سينّفك شيئًا فشيء حينما تبصر جزء صغير من شقيقتك يناديك بخالي، سعادتها تستحق صدقني "
تنفس أرسلان بصوت مرتفع يمسح وجهه يهز رأسه، يدرك أن آزار يشعر بما يشعر به، فآزار كان أكثر منه تعليقًا بعائشة، حتى أن البعض كان يشفق عليها ظنًا أنها لن تتزوج يومًا بسبب شقيقها، بينما هو كان يفتح الباب أمام من يستحق ليتقدم إلى اميرته، لكنه لم يدرك أن الأمر سيكون بمثل هذه الصعوبة .
ربت آزار على كتفه مبتسمًا :
" هيا اذهب وأحضر العروس، فالجميع ينتظرها "
ابتسم له أرسلان يهمس :
" نعم سأفعل، شكرًا عم آزار، اقدر كلماتك هذه "
رفع آزار حاجبه يقول بمزاح :
" الملك أرسلان يتواضح ويشكر ؟؟"
ضحك أرسلان يتحرك صوب جناح كهرمان :
" لنعتبر أنها لحظة لا وعي ليس إلا مولاي "
ختم حديثه يطلق نفسًا لخارج رئتيه يتوقف أمام الغرفة وهو يطرقها متحدثًا بصوت مسموع لمن بالداخل :
" انتهيتي كهرمان ؟؟"
دقائق مرت بعدما سمع اصوات متداخلة، قبل أن يُفتح الباب وتطل عليه كهرمان التي جعلت قلبه يتوقف لثواني يبصرها ترتدي فستانًا ابيضًا مع اللون الذهبي، تمامًا كما خطط إيفان سابقًا .
ردد أرسلان دون وعي منه :
" ماشاء الله .."
تقدمت صوبه كهرمان تقول بخجل وبسمة مشرقة :
" نعم انتهيت أخي"
امسك أرسلان يدها، يجذب رأسها لفمه يقبلها هامسًا :
" لو سألوني عن أكثر الرجال حظًا في هذا العالم، والله ما ترددت وأنا اجيبهم أنه إيفان لا شك "
صمت ينظر في عيونها ثم قبل كفها بحب :
"محظوظ هذا الإيفان "
التمعت أعين كهرمان بدموع كادت تهبط منها وهو فقط سار بها يضم يدها لذراعه، ثم تحرك صوب الخارج حيث ينتظرهم الجميع، وخلفهم الفتيات، ومن بينهن تبارك التي كانت عيونها ملتمعة بدموع التأثر، سعيدة لكهرمان وبشدة، تحمد الله أن كل شيء سار بخير ..
أغلقت باب الغرفة خلفها وهي تكتم آهة عزاء ورثاء لوحدتها، هي لن تحيا يومًا هذه اللحظات، لا شقيق ولا أب يزفها لسالار، لن تعيش هذا الشعور يومًا، وكم اوجعتها هذه الحقيقة .
مسحت دمعة كادت تفر منها وهي ترفع أطراف فستانها الازرق _ لون سالار المفضل _ تتحرك خلف الجميع .
بمجرد أن خطى أرسلان للخارج مع كهرمان، ارتفعت أصوات التهليل والسعادة وهي فقط لا تبصر من بين الجميع فقط تخفض رأسها، حتى وصلت في النهاية لمسجد القصر ..
ذلك المسجد الذي كان شبه مُدمر، فهو كان أول ضحية لهؤلاء الملاعنين، بعض جدرانه مليئة بالشروخ وسقفه كان شبه مدمر، مشكى اجمل الممالك كانت مليئة بالجروح تمامًا كشعبها.
لم تكن حريتها نهاية القصة، بل كانت بداية ...
أرسلان بدأ يحاول إعادة بناء بلاده، وبدأ بالمنازل الخاصة بشعبه قبل قصره، أبى أن يقف أمام الله ويُسأل عن صبي نام في برد الشتاء لأنه انشغل عنهم بإعادة إعمار قصره .
ورغم كل ذلك التدمير، إلا أن المسجد كان ما يزال شامخًا بجدرانه التي أبت الانحناء أمامهم كما شعبه.
جلست كهرمان بين الفتيات وهي تشعر بقلبها ينبض، كم مرة عاشت هذه اللحظة لغيرها، الآن تحياها لنفسها .
ثواني حتى صدح صوت الشيخ في أرجاء القصر يردد كلماته المعتادة، يردد مع الجميع دعوات للزوجين حتى بدأ يعلن ..
" نحن اليوم مجتمعين لنشهد زواج ملك سفيد الملك إيفان تقيّ الدين، على أميرة مشكى الأميرة كهرمان بيجان...."
أن يُذكر اسمها جوار اسمه في مجرد جملة عادية كان أكثر ما يحلم به، فما بالكم أن يُذكر مقترنًا باسمه في جملة ؟؟
كان إيفان في هذه اللحظة لا يعي لما يحدث حوله، كان فقط يطوف على سحابه سعادته، سقط من عليها حين سمع جملة الشيخ :
" بالرفاء والبنين إن شاء الله "
وهنا أخذ إيفان نفسًا طويلًا كأن كان يغوص، ولم يشعر سوى بسالار الذي ضمه له يردد بسعادة كبيرة :
" مبارك لك يا أخي، عسى أن يجعل الله جميع أيامك سعادة وخير "
ربت عليه إيفان مبتسمًا وقد فقد قدرته على الرد والحديث، أكثر ما كان يستطيع فعله هو الحديث والردود الودودة، الآن أفقده ما يحدث النطق، ويبدو أن أرسلان لم يكتفي بذلك، بل زاده عليه وهو يتحرك مع كهرمان صوبه .
وإيفان لا يؤتي بأي حركة هو فقط اخفض رأسه يغمض عيونه، يضع يده جهة صدره يحاول تحسس أي نبض، هل هو حي حتى؟؟
أخذ يتنفس بوتيرة سريعة وهو فقط يغمض عيونه قبل أن يسمع صوت سالار خلفه يهمس :
" إيفان، افتح عيونك، الأميرة أضحت على بُعد خطوة واحدة منك "
فتح إيفان عيونه يقول بتصحيح وبسمة :
" بل ملكة سالار، هي ملكة "
ملكة بلادي وملكة قلبي ..كلمات أسرها في نفسه وهو يستدير صوبها يرى عيونها مُخفضة ارضًا وأرسلان يسلمه يدها يردد بصوت خافت وعيون لامعة لا يدري إيفان أكانت دموع أم هُيأ له :
" اعتني بجوهرتي إيفان، والله إن احزنتها ثانية، احزنت شعبك عليك عمرًا "
ابتسم له إيفان يجيب وهو يتسلم يد كهرمان يقاوم رجفته :
" أتوصيني بنفسي أرسلان ؟؟"
ربت أرسلان على كتفه ثم قال بصوت خافت :
" يمكنك الجلوس مع زوجتك في الغرفة الملحقة بالمسجد، حتى ننتهي من تجهيزات الزفاف في الساحة في الخارج"
ابتسم له إيفان بامتنان ولم يكد يشكره، حتى أبصر عودة أرسلان الحقير مجددًا :
" أمامك خمس دقائق فقط "
ختم أرسلان حديثه يشير للجميع بالخروج، ليضحك سالار بصوت مرتفع وهو يقول :
" ألقاك في الخارج يا أخي.."
أوقفها إيفان يقول بجدية :
" أنت لم تنس وعدك لي سالار صحيح ؟؟"
توقف سالار في خطواته، ثم نظر له ثواني بغموض وقال ببسمة قبل أن يتحرك :
" وهل حنثت بوعدٍ لي يومًا إيفان ؟؟ "
ابتسم إيفان يعود بعيونه وكله صوب كهرمان التي كانت في هذه اللحظة تحاول تمالك نفسها والتعامل بشكل طبيعي، لكن كل تلك اللحظات التي قضتها لتتماسك ضاعت هباءً حين شعرت بقبلة تسقط على رأسها وصوت إيفان يردد بنبرة أسرت المتبقي من ضربات قلبها المقاومة لأسره :
" مرحبًا بكِ في قلبي ساكنة ومالكة مولاتي ...."
________________________
خرجت مع الجميع صوب الساحة لتحضر الزفاف، وقد كان ثاني زفاف لها بعد حضورها زفاف مهيار وليلا، لكن هذا الزفاف كان مختلفًا، مختلفًا كليًا ..
فهذا ليس زفافًا عاديًا، زفاف يحمل به زوجها دف ويقرعه بقوة مغنيًا كلمات غير مفهومة لها لكنها قوية جهورية، بالطبع ليس زفافًا عاديًا .
وعند سالار كان يقف في منتصف الساحة يجمع حوله الرجال يطرقون الدف بقوة وهو ينفذ وعده لإيفان، لم يكن يومًا ليغني أو يعرض موهبته الخفية في قرع الدف إلا لأجل وعده الذي قطعه يومًا لإيفان وهو يردد بثقة :
" فقط تزوج إيفان، والله يوم زفاف لاطرقن الدف حتى تتكسر عظامي إن أردت، وسأغني حتى يتلاشى صوتي سعادة بك، فقط تزوج ودع الزهود لمن هم مثلي "
وأين هو الآن وأين إيفان وأين الزهود ؟؟ كلاهما متزوج بامرأة استطاعت بكل مهارة عجز عنها أعتى الرجال في جعلهم ينحنون ....
ومن بين كلماته لبعض الانشودات التقليدية التي كانت تردد قديمًا في الزفاف، ابصرها ..
المرأة التي غلبت جميع أعداءه وهزمته شر هزيمة، ابتسم دون وعي وهو يكمل غناء بكلماته شعرت تبارك الجاهلة لمعناها أنه يوجهها لها ..
وقد صدق شعورها، إذ كانت كل كلمة تخرج من فم سالار موجهة لها بالفعل، يكمل غناء بقوة، قبل أن يشير لها بعيونه خفية وهناك بسمة حنونة على فمه أن تتحرك مع النساء .
وتبارك التي شردت به أدركت فجأة أنها تقف مقابل منطقة الرجال في الساحة وتتابعه، وحين وعت لما تفعل خجلت تتحرك بسرعة .
وسالار اتسعت بسمة أكثر حتى ملئت فمه وهو يكمل غناءه مع الرجال وطرق الدفوف الذي شاركه به تميم ومهيار، بينما دانيار كان يكتفي بالتصفيق لهم ومشاركتهم الغناء، وارسلان يقف بعيدًا يراقب ما يحدث ببسمة واسعة، يراقب شعبه المصدوم من سالار في هذه اللحظة .
في النهاية اكتشف أهل مشكى وخاصة ساكني قصره أن سالار، ربما ...ربما كان إنسانًا طبيعيًا، وليس بوحش أو مستذئب، ربما .....
___________________
وعند النساء كانت تبارك تراقب الجميع يرقص ويتحرك بشكل مبهر، نساء من جميع الممالك وكلٌ بهوية مختلفة عن الآخر، كل رقص وكل ثوب يختلف من مملكة لأخرى.
أمر مبهر آخر تكتشفه تبارك في هذه الحياة التي اختارتها بعد عناد معها ..
بعد دقائق طويلة فجأة سمعت التهليلات بوجود العروس، رفعت عيونها لترى كهرمان تتحرك داخل المكان بفستان من اللون الاحمر بعدما بدلت الاول وارتدت اخر أكثر خفة في التحرك، تحركت لمنتصف الساحة لتبدأ النساء في غناء انشودة، جعلت برلنت تنتفض وهي تجذب يده كهرمان لمنتصف الساحة وكذلك فعلت مع زمرد، فقد كانت تدرك مقدار عشق كهرمان لهذه الانشودة التي تذكرها بوالدتها ودورس الرقص والغناء الخاصة بها .
كادت تجذب تبارك معهن، لكن تبارك اتسعت عيونها تتمسك بأحد العمدان جوارها بفزع :
" ايه؟؟ أنا عملت ايه ؟!"
ضحكت برلنت تحاول جذبها :
" هيا شاركينا الرقص سوف يعجبك الأمر "
" برلنت حبيبتي انا مفسدة هل تتذكرين ؟؟ أي رقص هذا أنا لا ادرك شيء "
ولم تهتم لها برلنت تجذبها بالاجبار :
" حركات هذه الرقصة سهلة، هيا سأعلمك "
وبالفعل جذبتها لمنتصف القاعة التي تحتفل بها النساء وقد بدأت اصوات الغناء تعلو، وبدأت كهرمان الرقص قبل الجميع وهي تبتسم بسمة واسعة تحرك يديها، ثم هزت رأسها لزمرد التي بدأت تباريها في الحركات وبقوة شديدة .
بينما برلنت بدأت تتحرك بهدوء شديد وهي تشير بعيونها لتبارك لتقلدهم، وتبارك فقط تفتح فمها بصدمة وانبهار مما رأت، ويبدو أن هذه الرقصة اتفق عليها جميع نساء الممالك، وللحق كن يتقنها بشكل مرعب ..
وقد علمت لاحقًا أنهم يسمونها ( رقصة الأغصان) .
كانت كهرمان تغني وهي تحرك خصرها ويديها وكتفها بحركات مرنة، تنظر مبتسمة لزمرد التي ترد لها الحركة بالمثل، ومن ثم تستدير صوب برلنت تقوم بحركة ثالثة في سلاسة مبهرة، جعلت تبارك تتنحى جانبًا فقط تراقبهم وقد أخذت عهدًا أن تطالبهم بتعلميها تلك الانشودة وهذه الحركات .
توسطت كهرمان برلنت وزمرد وبدأت حركات الثلاثة تزداد حماسًا وهن يدرن حول بعضهن، واعين تبارك تزداد اتساعًا وكذا بسمتها تردد :
" أكاد اتخيل مظهر سالار إن شاهدني ارقص بهذه الحركات "
بعد دقائق..
دخلت إحدى العاملات تقول ببسمة واسعة وسعادة :
" الملك أرسلان يخبركن أنه حان وقت تقديم المباركة للعروسين "
وفي ثواني رأت تبارك النساء ينتفضن ويجهزن كهرمان للخروج، قبل أن تخفض غطاء الوجه وتتحرك وخلفها النساء يقرعن الدفوف لأجلها دون الغناء بكلمة واحدة، إشارة لجميع الرجال بالخارج أن النساء قادمات، حتى وصلوا لمنتصف ساحة القصر حيث استقر هناك مقعدين كبيرين حولهما الزينة من كل مكان والجميع مصطف في انتظار حضورها، مشاهد تحياها تبارك للمرة الأولى.
وبمجرد أن وصلت حتى كان أول من استقبلها هو أرسلان يقدم لها الهدية الأولى، أخرج من جيب ثوبه اسورة من الذهب الابيض وبعض الاحجار الكريمة يضعها في كفها ثم قبل رأسها بحنان، ومن ثم تحركت صوب الزوج والذي كان صاحب الهدية الثانية، إذ أخرج سلسال ذهبية يلبسه إياها من أسفل الغطاء ومن ثم مال يقبل رأسها بالمثل، يمسك يدها متحركًا صوب المقاعد ليبدأ الاثنان في تقبل المباركات والهدايا التي أحضرها الجميع لاجلهما .
وتبارك فقط تتابع باهتمام شديد حتى شعرت بيد تضم كتفها، لم تفزع ولم تخف، فما لأحد القوة ليمسكها بهذه الطريقة عداه .
نظرت له تهتم بانبهار :
" هذا ...هذا يبدو مذهلًا، أتساءل ما الذي ستفعله كهرمان بكل هذه الهدايا "
ابتسم لها سالار يشرح لها بهدوء :
" ستخرجهم صدقة "
نظرت له تبارك بصدمة وعدم فهم ليوضح الأمر بهدوء :
" الزوجة لا تحتفظ بأي هدايا عدا مهرها، وهدية الاب والزوج، وفي حالة كهرمان ستحتفظ بهدية أرسلان وإيفان فقط، والباقي كله يخرج لوجه الله، كصدقة من الزوجين، لبدء حياة جديدة بطاعة، لذا فالجميع هنا يسارع لبذل افضل ما عنده فهو لله قبل المحتاجين، يمكنك القول أنها طريقة للتعبير عن تقدرينا، وتصدق في الوقت ذاته، هذه أعراف هنا "
ولم تجب تبارك بكلمة، بل فقط نظرت صوب كهرمان وإيفان، هي في حياتها لن تكتشف كل ما يخفيه هذا العالم .
ورغم نفي سالار للأمر سابقًا، إلا أنها الآن أضحت تشعر أنها تحيا في المدينة الفاضلة حقًا ....
ولم تفق من شرودها سوى على صوت سالار يهمس لها بحب :
" العقبى لكِ بركة حياتي "
نظرت له بعدم فهم ليقبل رأسها بحنان شديد يهمس لها قائلًا وقد انتبه لنظراتها لارسلان وكهرمان :
" لقد فكرت بشيء ما، لن اجعل أحدهم يزفك لي، أنا سأزفك لنفسي، سأقدم لنفسي أكبر هدية، فنفسي تستحق أن ادللها بقربك، ما رأيك؟!"
نظرت له تبارك في عيونه بعيون متأثرة لامعة وقد شعرت برغبة في البكاء، فهذا الأمر يؤلمها وبشدة، خاصة حين رأت اهتمام والدتها بخطبة أختها .
وسالار فقط أبى أن يبصر أحدهم ضعف زوجته، يشتغل انشغال الجميع بتقديم الهدايا والزوجين، يجذب رأسها لصدره هامسًا :
" لا أبكى الله لكِ عينًا حبيبتي، ليبكي العالم بأكمله ولتسعدي أنتِ بركتي"
كان يتحدث وهو يضم رأسها لصدره ويده تمسك يدها بقوة يتحسس نبضها بحنان وكل ثانية يقبل رأسها هامسًا :
" والله سيجازيكِ الله خيرًا لصبرك ومصابك حبيبتي، محظوظة أنتِ تبارك "
صمت ثم همس لها :
" ألا يكفيكِ وجودي عزيزتي، رزقني الله بكِ، وما أجمل الرزق إن كان تبارك !"
زادت دموع تبارك تأثرًا من محاولاته المستميتة ليسعدها، وكلماته التي جعلتها تدرك أن الله بالفعل رزقها بسالار، ربما أخذ منها الكثير، لكن الله حشاه أن يظلم عبدًا، فمقابل ما فقدته، رُزقت به .
وابتسمت وهي تمسح وجهه في ثوبه ليبتسم لها يقول وهو يمد لها يده ممازحًا :
" هاكِ كُمي تمسحي به إن امتلئت ثيابي بدموعك "
ضحكت تبارك من بين دموعها وهي تبتعد عنه، ثم نظرت له تقول :
" لا خلاص أنا خلصت "
ابتسم لضحكتها يمسح المتبقي من دموعها:
" جيد، الآن عزيزتي استمتعي بالزفاف، وحين ننتهي سنتحرك لنصب الولائم، عادة نبدأ بالنساء، سآتي لاخذك لتجلسي وتأكلي سأحضّر لكِ طبقك بيدي هاتين "
وكم كان سالار في هذه اللحظة أشبه بالام وقت الزفاف، تركض خلف ابنائها لتتأكد أنهم تناولوا الطعام، ودون أن يشعر استطاع سالار أن يمثل لها عائلة بأكملها..
" اوافق على هذا الأمر فأنا اتضور جوعًا"
كانت كلمات نطقتها بكل عفوية، قبل أن ترى حاجبي سالار يلتقيان في المنتصف حين انتبه لما قالت :
" أنتِ لم تتناولي الفطور ؟؟"
نظرت له لثواني ولم تكد تتحدث، حتى امسك يدها يقول بجدية :
" حسنًا لا أظن أن أرسلان أو إيفان سيمانعان افتتاح الوليمة مبكرًا لأجل زوجتي، هيا سأطعمك "
ابتسمت تبارك وهي تسير خلفه دون مقاومة أو ممانعة، فهي كانت سعيدة باهتمامه بها، وايضًا جائعة .
ونعم كان سالار في هذه اللحظة كالام تمامًا، و...لحظة فقط أوليس هذا الدور الذي لعبه منذ وطأت البلاد، لحظة استيعاب صغيرة منها أن سالار كان يلعب دور الراعي والمسؤول عليها طوال الوقت منذ جاءت هنا، كان طوال الوقت يأخذها صوب المطبخ لتتناول الطعام رغم إظهاره التأفف، يرشدها إن ضلت، ويؤدبها إن اخطأت، ويعتني بها إن مرضت..
سالار منذ اللحظة الأولى كان ملاكها الحارس .
حامي حمى سفيد، أضحى حامي حماها ....
_____________________
كان أرسلان يقف جوار الجميع يتلقى التهاني ولم ينس بالطبع أن يمارس هوايته المفضلة في إزعاج إيفان، كل ثانية حتى صرخ به إيفان بغضب :
" اقسم أنني الآن سأخرج سيفي واجز عنقك إن لم تتوقف أرسلان "
" وتحرم ابناءك من خالهم الحنون الذي سيربيهم بنفسه "
رفع إيفان حاجبه متشنجًا :
" وهل أخبرك أحدهم أنني من الغباء الذي يجعلني اترك ابنائي بين قبضتك ؟؟ يا اللهي الأمر أشبه بالقاء صغاري بالجحيم "
" وهل تظن تواضعي وتربيتي أبناء أنت والدهم جحيم ؟؟ خسئت أنت واشباهك الأربعين "
مسحت كهرمان وجهها بتعب ويأس من كل هذا .
بينما إيفان ابتسم يقول :
" ابتعد عن وجهي الآن أرسلان فلا أريد أن أفسد مزاجي يوم زفافي بالتعامل مع أشخاص مثلك "
نظر له أرسلان بحنق ولم يكد يتحدث :
" هذا الزفاف، زفاف شقيقتي و..."
قبل أن يكمل أحدهم كلمة واحدة فجأة سمع الجميع صوت صاخب في الإرجاء تبعته صيحة أحد الرجال وهو يهتف بصوت مرتفع :
" اصوات الرعد تعلو، ويبدو أن الأمطار ستهطل وبـ"
وقبل أن يتم الرجل جملته فجأة هطلت أمطار كثيفة أطاحت كل ما حولها ليشاهد إيفان بأعين متسعة الجميع يركض يحتمي بالقلعة والمباني حولهم والزينة تسقط بسبب الامطار ..
ولم يفيقه سوى صوت أرسلان الذي كان يكبت ضحكاته بصعوبة على مظهر إيفان:
" جئت وجاء الخير معك إيفان، جاء وفيرًا في الحقيقة ."
صمت قبل أن يتحرك بسرعة لينقل كل شيء للداخل بسرعة تاركًا إيفان يقف وحده أسفل الأمطار مع كهرمان التي أمسكت يده تقول :
" اركض إيفان، تحرك معي للداخل "
وإيفان تناسى ما يحدث حوله ولم يهتم سوى لأنها للمرة الأولى تنطق اسمه مجردًا وهذا سبب كافي ليحتفل .
ولم تدرك كهرمان ما يحدث إذ فجأة وجدت نفسها تنتقل من برد الأمطار لدفء أحضانه .
أوليس هذا بكافٍ لتستكين وتقضي آخر لحظات زفافها السعيد مرتاحة ؟؟؟
_____________________
ما يزال هناك حفل زفاف لم نشهده، وما زال هناك فصل في هذه الحكاية لم ينتهي، مازال هناك فصلٌ لنقرأه .
حكايتنا لم تنتهي بعد .......
دمتم سالمين .
رحمة نبيل .
رواية مملكة سفيد الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم رحمة نبيل
مرحبًا بكم على أعتاب النهاية .
صلوا على نبي الرحمة
_____________
يجلسون في القاعة التي تتوسط القصر، المياه تقطر من جميع الأجساد، جميع الرجال مجتمعين، الكل يحدق صوب إيفان الذي كان يجلس في منتصفهم يضم كفيه معًا مستندًا بهما على قدميه شاردًا فيهما يسمع فقط صوت همسات جواره يدرك مصدرها، كما يدرك مصدر الضحكات المكبوتة ..
رفع عيونه ينظر بطرف عيونه صوب أرسلان الذي كان يضع يده أمام فمه كل ثانية ليكبت ضحكاته، لكن يبدو أن ذلك لم يكن كافيًا، إذ وفجأة حين لمح مظهر إيفان وهو يقطر مياه من كل شبر في جسده وينظر له بغضب، انفجر في موجة ضحك صاخبة جعلت إيفان ينتفض عن المقعد صارخًا بجنون وكأنه كان ينتظر منه هذه البادرة ليحرر شياطينه ..
" طفح الكيل "
وفي ثواني كان الإثنان ملقيان ارضًا يتبادلان الضربات بقوة دون التفكير في شيء، إيفان يزداد عنفًا وارسلان يزداد ضحكًا .
" سأقتلك أيها الحقير، اقسم أنني سأجعلك لا تصلح للعيش بعد الآن "
ازدادت ضحكات أرسلان أكثر وأكثر وكأن كلمات إيفان تحفزه لذلك، يحاول دفعه وهو يردد بصعوبة بسبب ضحكاته :
" أنت حقير تستغل عدم قدرتي على ضربك بسبب ضحكي، كان عليك أن ترى وجهك "
نظر آزار صوب بارق وهو يردد بتفكير :
" إذن ؟؟"
أجابه بارق ببساطة :
" لنذهب ونفتتح الولائم لا بد أنهم انتهوا من اطعام النساء وحان دورنا"
وافقه آزار بهزة رأس صغيرة، ثم تحرك معه بكل هدوء وكأن لا معركة قائمة في الاسفل بين ثورين، وتميم يراقب ما يحدث بعدم فهم، يحاول التفكير فيما يجب فعله ليهدأ الأوضاع، والعريف قرر أن يلحق بآزار وبارق لتناول الغداء .
" لنرحل مرجان، دعنا نتناول وليمة الزواج "
راقبهم دانيار مبتسمًا بسخرية وهو يردد :
" لو أنهم لم يحضروا طعام للزفاف، ما حضر أحدهم"
نظر مهيار بقلق صوب القتال يحاول التحرك صوبه ليهدأ الأوضاع، لكنه كل ثانية يتراجع حين تتدحرج الأجساد صوبه، كلما أراد التقدم خطوة تراجع اثنتين يقول بتفكير :
" إذن ما الذي سنفعله الآن ؟!"
أجابه تميم بجدية وهو يراقب القتال :
" نلحق بالعجائز قبل أن يستنزفوا جميع الطعام !؟"
هز دانيار رأسه يوافقه الحديث، ثم هم بالتحرك مع تميم، لولا يد مهيار التي اوقفتهم لا يصدق ما يفعلونه مشيرًا صوب القتال :
" أي طعام ؟؟ أنا اسألكم الحل لهذا القتال ؟"
توقف الاثنان بتعجب ثم نظرا صوب القتال سريعًا قبل أن يقول تميم بإدراك :
" أوه هذا القتال، لا دعهم حتى ينتهون، فلا قوة بعد الله قادرة على إيقافهم غير سالار، وأين هو القائد سالار الآن ؟"
صمت مهيار يفكر في كلماته وكأنه يبحث عن إجابة لسؤاله، لكن دانيار جذب يد مهيار خارج القاعة بأكملها :
" لا أحد غير الله يعلم أين هو، لذا دعهم حتى تنفذ قواهم، وهذا سيستغرق وقت طويلًا، وقت يكفي لتناول الطعام وأخذ راحة لساعات، والقيام برحلة لتفقد أحوال مشكى، ومن ثم العودة للجلوس بعض الوقت في الخارج وتأمل هذه الأجواء الشتوية الرائعة، واخيرًا نعود هنا لنرى إن انتهت هذه المعركة أم لا "
ختم حديثه يخرج من المكان يسحب الجميع خلفه، ثم نظر نظرة سريعة صوب الأجساد المتلاحمة ارضًا، ومن ثم تحرك مع الجميع يتمتم بحنق :
" أين القائد سالار حين نحتاجه ؟؟"
________________
" إذن هل تحتاجين المزيد من الدجاج ؟!"
رفعت تبارك رأسها عن الطعام وهي تحاول ابتلاع ما يضع سالار أمامها إذ انعزل بها عن الجميع صوب الدرج يجلس جوارها يأخذ صحنها لملئه، كلما اقتربت من الانتهاء ..
ابتلعت الطعام بصعوبة تردد :
" اعتقد أن هذا يكفي سالار، لقد شبعت حقًا "
نظر لها ثواني بعدم رضا قبل أن يبتسم ويهز رأسه، ثم جلس يستريح جوارها واخيرًا بعدما تأكد أنه سد جوع زوجته .
وهي ابتسمت له بلطف ولم تكد تعدل من وضعية حجابها كعادتها حين تشعر بالتوتر، هذا التوتر النابع من تواجد هذا الرجل جوارها .
لكن توقفت أناملها قبل بلوغ رأسها حتى حين سماعها صوته يتحدث بحنان وكأنه ينشد على آذانها اعذب الاشعار :
" إذن هل أحضرتي ادويتك ؟؟"
نظرت له تبارك بانتباه شديد، قبل أن تحاول التذكر، لكنها في النهاية هزت رأسها وقالت ببساطة :
" نعم، في غرفتي "
أومأ لها سالار، ثم نظر أمامه بتردد، يخشى التطرق لهذا الأمر، لكنه بحاجة لغلقه قبل المضي قدمًا في حياته معها .
" لا بأس إذن سأذهب لاحضره لكِ قبل الانشغال مع الجميع و....تبارك هل أنتِ بخير الآن ؟؟"
نظرت له تبارك بعدم فهم وفسرت سؤاله على حالتها الصحية لتبتسم له بلطف شديد :
" نعم، الحمدلله بخير حال، كما أنني اتناول ادويتي بانتظام كذلك لذا لا داعي للقلق و..."
" ليس هذا ما قصدته تبارك، أعني أنا بالطبع اطمئن على حالتك، لكن سؤالي هذا أعني به قلبك، كيف هو الآن عزيزتي ؟؟"
ابتسمت تبارك وأدركت ما يرنو له بحديثه، لتحاول بيأس إبعاده عن هذه النقطة تقول مبتسمة بسمة واسعة تدعي بها براءة لا تمتلك قطرة منها في هذه اللحظة :
" بخير دامك تسكنه سالار "
رفع سالار حاجبه بذهول من كلماتها التي رسمت دون شعور منه بسمة متعجبة على فمه، لكن هذا لم يمنعه من التقاط نظرات تبارك الواضحة له :
" اقدر كلماتك الجميلة تبارك، لكن صدقيني هذا لن ينجح في صرف انتباهي عما أريد"
" وما الذي تريده سالار ؟!"
" الاطمئنان عليكِ "
" أنا بخير "
" نعم أرى هذا، لكنني احتاج للتأكد "
نظرت له بعدم فهم :
" وكيف تتأكد ؟؟"
امسك يديها بين كفيه، ثم نظر في عيونها بقوة يقول بهدوء وصوت جامد بعض الشيء كما لو كان يأمر أحد جنوده بمهمة ما، صوت أجبر تبارك على الانصياع لكل ما سيصدر منه في هذه اللحظة .
" قصي عليّ كل شيء تبارك، أخبريني كيف علمتي عنوان والدتك إذ أنكِ اخبرتيني أنكِ عشتي وحيدة، ولماذا الانتظار كل هذا الوقت للمواجهة، والأهم ما سبب تصرفك وهل ستستطعين العيش براحة بال لاحقًا ؟؟"
اسئلة كثيرة دارت في عقل تبارك لا تدرك حقًا بأي سؤال تبدأ، كانت تود التملص من انياب ماضيها بين أحضانه، لكن يبدو أن تلك الانياب لم تفلتها كما ظنت، بل غُرزت في جسدها تمتص دمائها، وعليها أن تنتزعها قبل أن تنتهي منها، وهذا الخلاص يتمثل في سالار وإزاحة همومها لتغلق باب ماضيها ..
" لقد ...لقد حصلت على عنوان منزلها قبل خمسة أعوام تقريبًا، ولم اتجرأ منذ ذلك الوقت على الذهاب لها، كنت أجبن من مواجهة امرأة لم تكن لتتذكرني، كنت أقف أمام منزلها بالساعات مترددة في طرق المنزل قبل أن ارحل خالية الوفاض .."
" وكيف وصلتي لها؟؟"
رمشت قبل أن تهمس بشرود :
" مسؤولة التمريض في المشفى التي اعمل بها اشفقت عليّ في إحدى المرات حين رأتني ابكي، وعندما أخبرتها قصتي بإيجاز، وعدتني أن تحصل لي على عنوان والدتي فهي كان لديها من المعارف الكثير، وبالفعل اعطتني عنوان بيت جدي الذي حصلت منه على عنوان منزل زوج والدتي طبعًا دون اخبارهم أنني حفيدتهم "
صمتت تتنفس بصوت مرتفع ثم نظرت صوب سالار الذي كان يتأمل ملامحها بشرود أكبر، لتبتسم تحاول غلق هذا الباب كليًا :
" وحين كنت جواري شعرت أن لا وقت مناسب أكثر من هذا الوقت، شعرت بالقوة لوجودك جواري فتجرأت وواجهت، أردت التأكد أنني لن اندم مستقبلًا على الرحيل دون فرصة للحديث معها والشعور بالراحة "
ابتسم لها بسمة صغيرة يهمس مدركًا إجابة سؤاله قبل طرحه :
" وهل حدث وشعرتي بالراحة تبارك ؟! "
نظرت له مبتسمة تهز رأسها بقوة :
" نعم للغاية، أنت لا تدرك مقدار الراحة التي تسربت لصدري حين رأيتها، ورأيت كيف كانت سعيدة ومتحمسة لأجل خطبة اختي في حين أنني هنا مضطرة لقضاء يوم زفافي وحدي، بالطبع أنا...أنا في غاية الراحة و..."
صمتت تنفجر في بكاء عنيف آخر جعل سالار يجذب جسدها له بحنان شديد دون أن ينبس بكلمة واحدة، أرادها أن تخرج ما بداخلها وحدث، الآن سيتركها لتتنفس وتستوعب ما يحدث حولها قبل أن يتدخل ويرمم شروخها الداخلية ..
دقائق كانت وهي مستمرة بالبكاء بين أحضانه تقول بتعب ووجع كبير :
" أحتاج لها، أنا كنت أحتاج لها طوال الوقت، في احلك اوقات طفولتي احتجت لها، ولم أجدها، لطالما فعلت، لطالما كنت وحيدة سالار، كنت ..."
" ولم تعودي "
توقفت عن البكاء تنظر له من بين دموعها ليجففها بشفقة وحنان :
" لم تعودي وحيدة ولن تكوني طالما اكرمني الله بقلب ينبض داخلي تبارك، والله سأعوضك "
وهي فقط استمرت في البكاء وإن كان بدون صوت، وهو فقط يربت على ظهرها يردد بصوت خافت آيات من القرآن الكريم، يحاول بها أن يرأب الصدع داخلها، مقتنعًا تمام الاقتناع أن لا انيس كالقرآن ..
بدأت شهقات تبارك تنخفض شيئًا فشيء حتى استقرت أنفاسها بين أحضانه، ليتنهد سالار براحة ينظر لوجهها محاولًا رؤيتها، لكن ارتخاء رأسها بهذا الشكل انبأه أنها بالفعل في هذه اللحظة لا تعي لما يحدث .
ابتسم ينهض ببطء شديد، ثم نهض يحملها بحنان شديد يتأكد من ثوبها أنه لا يصف أي شيء بها أثناء حملها، ومن ثم تحرك بهدوء شديد وبسمة واسعة صوب غرفتهم ..
يضم جسدها له يخشى أن يلمحها رجل بوضع لا يجب أن تظهر به وهو يحملها بهذا الشكل .
يسير مبتسمًا دون أن يحيد بنظره عنها .
في اللحظة ذاتها كان الجنود في الممرات يهرولون صوب القاعة التي يتشاجر بها أرسلان وإيفان، بعدما انتشر الخبر بين الجميع وظنوا أن الخلاف اشتعل مجددًا بينهم .
ففي حين أن أجساد الحراس كانت تندفع بفزع وأوجه مرتعبة صوب القاعة، فبدى المشهد كما لو كان بالابيض والاسود وهناك طبول حرب تقرع في خلفية المشهد، كان مشهد سالار بينهم ملونًا مع صوت عصافير وخرير مياه، يسير للجهة المعاكسة يحمل بين ذراعيه تبارك، وهناك بسمة راضية هادئة على فمه لا يعي ولا يهتم لكل ما يحدث حوله في الحقيقة، هي بين ذراعيه وهذا يكفيه، فليحترق العالم وتبقى هي .
كان الأمر كما لو أنه يحمل زوجته ويحلق بها فوق سحابة وردية وسط سماء ملبدة بالغيوم مهددة بالامطار.
سالار كان يحيا في عالمه الخاص، حاملًا بين ذراعيه عالمه الأكثر دفئًا .....
__________________
" إذن هو لم يقترب منك او يتواقح البتة ؟؟"
نفت كهرمان وهي تنظر بتعجب وصدمة لزمرد التي بُهتت ملامحها تردد بإدراك فجأة :
" عجبًا، ظننت أن اخي سيكون وقحًا بعد الزواج، الرجل كادت أنفاسه تُزهق لأجل الحصول عليكِ من يتوقع ألا يتواقح ؟! "
نفت كهرمان برأسها وهي تتذكر كم كان إيفان مراعيًا حنونًا ولبقًا، ألقى لها بكلمات مست قلبها ومن ثم منحها بسمة وقبلة صغيرة، ثم تحرك صوب حفل الزفاف، مع وعد بلقاء اطول.
كل هذا لم يكن ليعجب زمرد التي أرادت لشقيقها سعادة اكبر من مجرد قبلة جبين :
" هذا الإيفان يا ويلي منه، كاد يقتلنا ضجرًا من تكرار رغبته الزواج منكِ، حتى ظننت أنه بمجرد الزواج سيكون أكثرهم وقاحة، لكن يبدو أن ضبط النفس عند هذا الرجل عالٍ و....."
فجأة صمتت تنظر صوب برلنت تتتساءل بجدية لشيء في رأسها :
" ماذا عنكِ برلنت ؟؟"
انتبهت لها برلنت بعدم فهم :
" ماذا ؟؟"
" أيتها الحمقاء انتبهي معي، هل تواقح معكِ زوجك بعد عقد القرآن ؟!"
نظرت لها برلنت ثواني قبل أن تبتسم بسخرية :
" أي واحد فيهم؟؟ فأنا عقدت في طفولتي واشهرت في شبابي، فإن كنتِ تسألين عن العقد فنعم تواقح وبشدة بعده، احضر لي حلوى فراولة وانا أفضلها بالعنب، وأخذت اتذمر حتى راضاني ونمت يهدهدني كالرضيع"
نظرت لها زمرد بعدم فهم لتوضح برلنت بسخرية لاذعة :
" كنت في الثانية عشر حينها، اما إن كنتِ تتساءلين عن الاشهار وانا شابة فهذا ...بارك الله في أبي لم يدع للرجل فرصة التنفس وهو يخرب علينا الاشهار"
رمتها زمرد بحنق تردد :
" كان سؤالًا برلنت لا حاجه لتقصي عليّ كل هذه المآسي، فقط قولي لا وانتهينا "
صمتت ثم نظرت لهن تفكر بصوت شبه مسموع :
" إذن معنى حديثكما الآن أن جميع الرجال هنا مراعيين مقدرين عدا زوجي هو الوحيد الوقح؟! "
نظر لها الأثنان بعدم فهم قبل أن تتساءل كهرمان وهي تتجاوز عن كل هذا :
" إذن أين تبارك الآن، هذه الفتاة لم أرها منذ تحركنا لموكب استقبال الهدايا "
انتفض جسد زمرد فجأة مبتسمة بسمة واسعة وهي تردد بأمل لمع فجأة وسط ظلام يأسها :
" نعم تبارك، تبقى تبارك، ربما زوجها هذا يخفي وقاحة كزوجي الـ "
فجأة توقفت حين لمحت نظرات البلاهة تعلو وجوه الاثنين، لتبتلع ريقها تتنحنح وهي تقول :
" أنا كنت اقصد أن...صحيح أين هي تبارك، لم أرها منذ كنا في قاعة النساء، وكذلك زوجها لم يظهر، اعتقد أنها معه "
وقبل أن يبادر أحدهم بكلمة واحدة، سمعوا صوت طرقات الباب الخاص بجناح كهرمان وصوت الحارس يهتف من الخارج :
" الملك إيفان يطلب الاذن بالدخول ..."
اتسعت أعين كهرمان وازداد قرع قلبها بقوة وقد نظرت حولها بسرعة تبحث عن حجاب تخفي خلفه خصلاتها المبتلة أو شيء ترتديه فوق فستانها الخفيف الذي يظهر جزء من ذراعيها بسبب قماشته الشفافة .
لكن إن كانت تظن أنها ستحرم إيفان ذلك المسكين واخيرًا فرصة رؤية زوجته بهذا المظهر بعد طول صبره، فعليها أن تفكر مجددًا .
تحركت زمرد في لمح البصر تخفض غطاء وجه برلنت بسرعة، تهتف بكلمات سريعة :
" دعه يدخل رجاءً"
ختمت حديثها تسحب برلنت بسرعة خلفها، وبرلنت المسكينة والتي كان غطاء وجهها شبه مبتل بسبب الامطار تحاول الحديث :
" يا ويلي هل تنتوين قتلي، انتظري "
لكن زمرد لم تمنحها فرصة التوقف حتى وهي تهمس بحدة :
" هيا دعي الرجل يأخذ فرصته قبل أن يقفز لنا شقيقها المتغطرس "
فُتح الباب وظهر إيفان الذي كان يرتدي ثياب في غاية البساطة تتكون من بنطال قماشي اسود اللون مع ثياب بيضاء من فوق يضم يديه خلف ظهره مبتسمًا بسمة صغيرة رغم بعض الخدوش التي عكرت صفو ملامحه بسبب الشجار الذي انتهى لرحمة الله بهما، وعودة سالار بعدما انتهى من زوجته ليعطيه هو وارسلان لكمات عديدة وكلمات موبخة ومن ثم دفعهم عن بعضهم البعض .
فإن كان هناك سلام بين شعب سفيد ومشكى فالفضل بعد عناية ورحمة الله بالشعبين يعود لسالار .
نظرت زمرد لأخيها بصدمة، لكنه فقط ابتسم يومأ لها برقي هي وبرلنت لتتحرك للخارج وهي تتمتم بغضب مسموع :
" هذا الثور المتغطرس، أعان الله شعبه عليه "
ابتسم إيفان يراقبهما حتى خرجا، يغلق الباب، ثم استدار ببطء يمنحها النظرة الأولى منذ دخل إذ خشى أن تفضحه نظراته أمام الجميع وكأنه لا يعي بعد أنها أضحت زوجته .
لكنها كانت لحظة، لحظة واحدة فقط توقفت بها أنفاسه والعالم وضربات قلبه، كل شيء في هذه الغرفة توقف اجلالًا واحترامًا لهذا المشهد البديع الذي يبصره ربما لمرته الثانية ..
المرة الأولى في مرحاض جناحه، والثانية في مخدعها الخاص الأن ...
لكن شتان بين المرتين، تلك كانت لامرأة ظنها خائنة فلم يشفع جمالها لها وقتها، أما هذه فهي زوجته والتي هزمه مظهرها شر هزيمة .
خصلاتها المبتلة وثوبها الخفيف، كل شيء كان يحفز خلايا عقله لتذكر ذلك المشهد الذي لم يتجرأ يومًا على تذكره مخافة أن يسحبه شيطانه بين امواج العصيان، ذلك اليوم حينما جذب جسدها بين ذراعيه واضعًا سيفه على رقبتها، لحظات يشعر بها الآن وبكل همسة خرجت منها وقتها ..
طال صمته وهذا ما لم يساعد كهرمان، لتبتلع ريقها تقول بصوت مرتجف من الموقف تحاول الابتسام تقنع نفسها أنه زوجها :
" مرحبًا ... أسعد الله مساءك مولاي "
" إيفان"
" ماذا ؟!"
ابتسم يتقرب منها كالمخمور :
" اسمعيني اسمي مجددًا "
اقترب بشكل خطير لتشعر أنها على وشك السقوط ارضًا وهي تتراجع بأقدام مرتجفة :
" مولاي .."
التقط إيفان خصرها يضمها له ببطء شديد يهمس لها مرة أخرى بنبرة شبه مترجية :
" إيفان، اطربيني بنطق اسمي سمو كهرمان "
وإن كان يأمل في سماع اسمه فلا تعتقد أن الأمر ممكنًا الآن، ليس بعدما نطق هو خاصتها بهذه النبرة التي جعلتها تشعر أنها غير قادرة على التحدث بكلمة واحدة فما بالكم بنطق اسمه مجردًا .
نظرت لعيونه تشرد في خضرتها وهالتها نظرات الرجاء بها، نظرات جعلتها تنحي خجلها جانبًا وهي تردد :
" إيفان.."
ابتسم إيفان بسمة واسعة أكثر من أي مرة مضت يهمس لها وهو يستند برأسه على خاصتها :
" لبيكِ ..."
وهذا كان أكثر مما تطلب، وهو انتبه لنظراتها يهمس بصوت اكثر خفوتًا لعب بمهارة على اوتار ثباتها، أو ما تبقى منها :
" استمري بنطق اسم بهذه الطريقة وسأستجيب لأيٍ كان ما تريدينه كهرمان "
كان ينطق اسمها وكأنه يتذوقه، وهي فقط حاولت تمالك نفسها تردد بصوت منخفض :
" هلّا ابتعدت قليلًا ؟؟"
" عدا هذا الطلب "
نظرت له بعدم فهم ليبتسم لها مرددًا :
" سأستجيب لأيٍ كان ما تريدينه عدا ابتعادي عنكِ كهرماني "
وهذه " الياء " التحببية المتملكة التي اضافها في نهاية حديثه كان لها تأثيرًا أكبر مما يتخيل هو، تأثيرًا ساهم في توقف كهرمان عن محاولة الابتعاد تنظر في عيونه بلهفة وهو فقط ابتسم يقول :
" مرحبًا في حياتي ومملكتي جلالة الملكة "
ختم حديثه يضمها له بحنان وهي فقط استكانت، استكانت تمنح قلبها واخيرًا هدنة ليستريح من كل كل مر به، واخيرًا نالت كهرمان سلامها بين ذراعيه، ونال هو راحته بين أحضانها....
_________________________
" هل أنتِ متأكدة أن لا شيء يحزنك ؟؟"
رفعت برلنت عيونها لتميم تهز رأسها بلا مبتسمة وقد كانت على وشك النوم حين عودتها من جلستها مع الفتيات، لكن فجأة اقتحم عليها تميم المكان .
تحرك تميم بهدوء صوبها يجلس على ركبتيه أمام الفراش وأمامها يقول بهدوء :
" هل تخدعيني أم تخدعين نفسك برلنت ؟! ملامحك تشي بالكثير، أخبريني أنكِ بخير وأنتِ تنظرين صوب عيوني "
ترددت برلنت ثواني قبل أن ترفع عيونها له تقول بصوت منخفض :
" تميم، أنا أريد زفافًا "
نظر لها تميم ثواني دون فهم قبل أن يهتف :
" ماذا ؟؟"
ظنت هي أن استنكاره ينم عن اعتراضٍ في نفسه لتهتف بتردد أكبر تفرك كفيها، تشعر أن لا وجه لها لتطلب زفاف منه بعد كل ما مروا به سويًا، مروا بالكثير وابتعدوا عن بعضهم بما يكفي وكل هذا بسببها هي وعائلتها :
" اريد زفافًا، ليس بالضرورة أن يكون كزفاف اليوم، فأنا أعلم أن هذا زفاف أميرة و....."
" وما الذي ينقصك عن الأميرة برلنت لنقيم لكِ زفافًا مماثلًا عزيزتي ؟!"
رفعت عيونها له تقول بكل بساطة :
" أنا لست أميرة "
" بل أنتِ كذلك، منذ طفولتك وأنتِ اميرتي وصغيرتي المدللة بيرلي، لذا إياكِ أن تقللي من قيمة نفسك عزيزتي، ثم من أخبرك أنني لن أقيم لنا زفافًا، ليس بعد كل هذه الأعوام اتزوجك هكذا بكل بساطة دون زفاف "
التمعت عيون برلنت بقوة وقد شعرت أن روحها رُدت لها تهمس بصوت سعيد :
" حقًا ؟؟ هل تقول الصدق تميم ؟؟"
" ومنذ متى كان الكذب من شيمي برلنت؟! نحن سنصنع لنا زفافًا لطيفًا يتحاكى به جميع ساكني القصر صغيرتي "
ختم حديثه يربت على خصلاتها بحنان شديد وهو يقف أمام، وهي فقط ابتسمت تضم خصره بقوة تستند برأسها على معدته تردد بسعادة :
" دامك الله لي تميم، لقد ...لقد كنت احلم كل يوم بإقامة زفاف وارتداء ثوب الزفاف كالجميع "
" وانا أحيا لاحقق احلامك، ثم لا تظن أن الزفاف حلمٌ لكِ وحدك، فوالله ما أحب على قلبي أكثر من رؤيتكِ تُزفين لي "
اتسعت بسمتها أكثر تردد بصوت متحمس :
" أنا لا اصدق أنني سأ..."
فجأة توقفت عن الحديث وسُحب اللون من وجهها وبُهت فجأة وكأنها لتوها استوعبت شيئًا فاتها خلال موجة الحماس التي عاشتها، وتميم انتبه لكل هذا يحاول معرفة ما تفكر فيه، بينما هي شردت في منطقة بعيدة تبتلع ريقها بتردد :
" أُزف لك ..."
لا يدري أكانت نبرتها مستنكرة أو متسائلة، لكنه الآن فهم ما تريد قوله ليتنهد بصوت مرتفع لا يصدق أنه سيقول هذا، لكن لأجلها سيفعل أي شيء :
" سيزفك والدك لي ولو كان دون إرادته حبيبتي "
رفعت عيونها له بصدمة أن فهم مقصدها دون الحاجة للحديث، وهو فقط ابتسم يداعب خصلاتها بحنان :
" إن أردتي يمكنني الذهاب له والحديث معه بهدوء وود، وإن لم يرضخ هددته لاجلك، أما إن رفض فسيضطر لزفكِ لي مُكبلًا بالاصفاد مجبرًا "
فتحت عيونها بذهول من حديثه وهو ابتسم بلطف ليس وكأنه كان يهدد والدها منذ ثواني يقول بحنان :
" راضية ؟؟"
وهي لم تجب بكلمة، بل ظلت تنظر له طويلًا لتتسع بسمته يقول :
" هذا جيد، والآن هل يمكنني مشاركتك الفراش الليلة ؟؟"
نظرت له بفزع ليبتسم هو بكل براءة ينزع حذاءه، ثم صعد على الفراش بكل هدوء يشير على الجزء الفارغ جواره يقول بكل هدوء :
" اقتربي بيرلي لن تكون المرة الأولى التي أنام جوارك "
" لكن أنت...نحن لسنا بالقصر و..."
رفع تميم حاجبه بعدم فهم :
" وماذا في ذلك ؟؟ أنتِ زوجتي داخل وخارج القصر وفي السماء والأرض وفي كل مكان وعلى الجدران، عقد زواجي بكِ ليس محصورًا على سفيد حبيبتي، هيا اقتربي وتوقفي عن الحماقة "
وقبل أن تفكر في شيء اضافي استقام هو بنصفه العلوي عن الفراش بشكل جعلها تتراجع بسرعة حتى كادت تنهض كليًا عن الفراش وتتحرك بعيدًا لولا أن سحبها بسرعة كبيرة جعلت وجهها يلتصق بالفراش ومن ثم جرها صوبه يكتفها بين أحضانه سعيدًا :
" هذا رائع حقًا ومريح ..."
وهي رفعت عيونها له وقد كان وجهها ملتصقًا بصدمة حتى أن خدها كان مضغوطًا بشكل مضحك :
" نعم ...رائع ومريح "
___________________
" أنت حقير سالار "
زفر سالار بضيق وهو ينظر صوب أرسلان بحنق شديد يرفع إصبعه في وجهه محذرًا :
" هذه المرة الرابعة التي تصفني بها بهذا اللقب منذ ساعة تقريبًا، حذاري غضبي أرسلان "
" انزل اصبعك، ولا تهددني فأنا لا أُهدد "
قلب سالار عيونه بملل :
" للاسف لا تفعل، الآن ماذا تريد مني ؟؟ هل أنت غاضب لأنني منعتك قتل إيفان ومنعته قتلك ؟! "
" بل غاضب لأنك أيها الـ "
صمت بسبب نظرة سالار التي حدجه بها، ليس خوفًا منه معاذ الله، لكن خوفًا أن يزيد عن حده دون شعور ويغضب سالار منه أو يقاطعه كما كان يفعل بعض الأوقات .
" أنا فقط غاضب لانك طوال الوقت تقاطع تفاهمي مع إيفان، كلما كدنا نصل لنقطة تفاهم تتدخل وتقاطع كل ذلك لنعود أنا وهو لنقطة الصفر ونضطر لبدء النقاش منذ البداية مجددًا "
لوح سالار بيده مبتسمًا بصدمة :
" نقاش ؟؟ تفاهم ؟؟ أنت لم تتعلم العربية في طفولتك ؟؟ استخدامك لهذه الألفاظ ليس في موضعه الطبيعي حتى، يا ويلي لينجدني الله منكم، أنا سأذهب لزوجتي بعيدًا عن هذا العالم المقرف"
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عن أرسلان الذي رمق ظهره بحنق يصرخ بصوت مرتفع :
" نعم أذهب لزوجتك ومن الأفضل أن تلزم جوارها، ولا تتدخل في مناقشاتي مرة أخرى "
ختم حديثه يتمتم بحنق شديد :
" رجال سفيد هؤلاء ..."
كان يتحدث بحنق وهو يدور بعيونه في المكان قبل أن ينتفض جسده فجأة حين أبصر وبشكل مفاجئ جسد العريف الذي ظهر له من العدم، وضع يده على قلبه يهتف بنبرة حاول جعلها طبيعية :
" بسم الله، من أين ظهرت أنت ؟!"
تجاهل العريف كلماته تلك يقول ببسمة واسعة :
" رأيت معاناتك منذ ثواني مع رجال سفيد، واشفقت عليك "
تشنج وجه أرسلان ليقول باندفاع وتلقائية :
" خسـ ..."
لكنه توقف يدرك أنه الآن أمام رجل كبير في العمر :
" استغفر الله، لم يولد بعد من يشفق عليّ "
" بلى يا فتى لقد وُلد قبل سنوات من ولادتك، والآن هل تريد مساعدتي أم لا؟؟"
نظر له أرسلان بعدم :
" كيف ستفعل ذلك ؟!"
ابتسم له العريف بسمة خبيثة يقول ممازحًا لكن بنبرة جادة حتى إذا سمعها أحدهم سيصدق ما يقوله :
" مُدني بجيش من عندك ننقلب على إيفان ونسلبه عرشه وامنحه لي، وأنا اعدك أنني وبمجرد اعتلائي عرش سفيد سأقطع علاقتي بمشكى بالكامل "
تراجع أرسلان ينظر له بصدمة :
" هل أنت جاد ؟؟"
" نعم، إذن اتفقنا ؟؟"
هز أرسلان رأسه بيأس يتنهد بصوت مرتفع وهو يضرب كف بكف متحركّا بعيدًا عن العريف محدثًا نفسه :
" يا ويلي ما الذي يفعله إيفان بشعبه ليكن له كل هذا الحب والوفاء ؟؟"
بينما العريف راقبه يبتعد وهو يضحك بصوت خافت على ملامحه، وقد أعجبته هذه اللعبة حقًا، إثارة جنون الجميع حوله بعدما كانوا هم من يفعلون له ذلك، دارت الحياة وانقلبت الأدوار ....
_________________________
بعد يومين وأمام قصر سفيد ...
كان أرسلان يضم كهرمان له وهو يشعر بالضعف يتمكن من اطرافه، جاء ليزف أخته مع جنوده وبنفسه صوب قصر زوجها، سلمها له وحان الآن وقت الوداع، لا يصدق أنه يفعلها الأن ..
ابتعد ببطء يهمس بصوت خافت :
" سأشتاق لكِ، اعتني بنفسك لأجلي حبيبتي "
ابتسمت له كهرمان تمسح دموعها بصعوبة وهي تردد :
" وأنت أخي اعتني بنفسك حتى تأتي من تعتني بك عزيزي ؟؟"
ابتسم يمازحها ليمحو نظرة الحزن التي تعلو وجهها تلك :
" أنا في أشد الشوق لرؤيتها، عسى ألا يطول غيابها لهذه المرأة، فقط تكون مثلك ولن اطلب من الحياة أكثر"
ابتسمت له ولم تكد تجيبه حتى شعرت بيد تضم كتفها وصوت إيفان يردد ببسمة واسعة حنونة :
" الحياة تمتلك كهرمان واحدة عزيزي أرسلان، وأنا كنت المحظوظ الذي فاز بها، لذا لا تطمح لأخرى تشبه امرأتي "
نظر له أرسلان بسخرية :
" أنا اقبل بأي امرأة طالما أنها لا تمتلك صفة أنت تمتلكها إيفان "
ابتسم له إيفان يهمس باستفزاز :
" غدًا نرى عزيزي، فما تخشاه هو مصيرك بالفعل "
زفر أرسلان بحنق يهمس :
" اللهم والصبر من عندك على هذا الانسان"
نظر حوله ثم قال بجدية :
" إذن أنا سأرحل الآن، لدي العديد من الأمور لافعلها"
نظرت له كهرمان بأعين دامعة تهمس وهي تتمسك بثيابه كصغيرة تخشى رحيل والدها بعدما اوصلها للروضة في اليوم الأول لها :
" ابق قليلًا أرسلان "
" حبيبتي يعز عليّ رفض طلبك، لكن أنتِ تعلمين أنني لا يمكنني، سأعود مجددًا بعد أيام قليلة لأجل زفاف سالار، لذلك عليّ الانتهاء مما امتلك قبل المجئ هنا "
ختم حديثه يميل مقبلًا جبينها، ثم ابتعد يداعب وجنتها بحنان هامسًا بكل اللطف الذي يكنه في صدره :
" اعتني بنفسك حبيبتي "
رفع عيونه لإيفان يردد بجدية بعيدًا عن أي مزاح :
" اعتني بها إيفان، وإلا جئتك بكفنك "
ابتسم له إيفان يتحرك صوبه يعانقه بكل هدوء ثم همس له بصوت هادئ منخفض :
" قبلها سأحضر لك كفنك عزيزي "
ابتعد ليبتسم له أرسلان بسمة جانبية وهو ربت على كتفه يقول له بنظرات علمها أرسلان :
" تصحبك السلامة يا صديق"
ابتسم له أرسلان يتحرك صوب خيله يصعد عليه وهو يهتف بصوت لم يسمعه سوى إيفان وكهرمان :
" سأعود مجددًا يا قذر ..."
وبهذه الكلمات ختم أرسلان وجوده في سفيد لينطق بسرعة البرق مع جنوده صوب المملكة بعدما هتف بصوته الجهوري بهم يحثهم على الرحيل :
" لنتحرك يا رجال "
وهكذا ابتعد أرسلان الممازح المستفز، ليعود أسد مشكى الجاد الصلب يقود رجاله صوب بلاده ليبدأ رحلته الطويلة في إعمار بلاد انهكتها الحروب ودمرتها يد الخراب ...
تاركًا خلفه كهرمان تراقبه بأعين لامعة وشعور بالخواء، شعور غير إرادي سرعان ما بدأ ينسحب ويتلاشى حين شعرت بيد إيفان تضم يدها وهو يردد ببسمة :
" جاهزة لحياة جديدة جلالة الملكة ؟"
تنفست كهرمان بصوت مرتفع تحاول تجهيز نفسها نفسيًا لما هي مقبلة عليه، ثم ابتسمت له بسمة صغيرة مترددة تهز رأسها، ليشدد هو على كفها يهتف بصوت مرتفع آمرًا الجميع أمامه:
" أظهروا الترحيب لملكتكم يا رجــــــال "
وبالفعل اعتدل الجميع بوقفتهم يرفعون السيوف في حركة ترحيبية منهم الملكة لتسير بينهم كهرمان وهي تحاول الاعتياد على هذه الحياة، عليها الاعتياد على حقيقة أنها الآن لم تعد أميرة مشكى، فقدت هذا اللقب واكتسبت لقب آخر بمسؤليات أكبر..
أضحت ملكة سفيد ...
_____________________
" تدللي زمرد، هل هذا أمر صعب ؟؟ "
نظرت له زمرد بعدم فهم وهي تلوح يخنجرها في وجهه بعدما اقتحم غرفتها عقب وصولهم من مشكى يطالبها بالجلوس معه في البداية ومن ثم بدأ يتجرأ ويطالبها بالدلال ؟؟ حقًا ؟؟
" ابتعد أيها الوقح للخلف، لقد علمت أي من الرجال أنت ؟؟"
نظر دانيار صوب الخنجر الذي تحمله بملل :
" كل هذا لأنني اطالبك بالدلال ؟؟ أتساءل إن طالبتك بقبلة ماذا سيكون مصيري ؟؟ إعدام بالرجم في ميدان عام ؟؟ "
اشتد خجل زمرد من كلماته وهي تهتف بتوتر لشدة خجلها وقد بدأت يدها تهتز من حملها للخنجر :
" أنت...تأدب دانيار وإلا..."
" وإلا ماذا ؟؟ شكوتني للملك ؟؟ ستخبريه أن زوجك الوقح الحقير خرج عن الملة وطالبك بالدلال ؟؟ "
صمت ثم قال بتفكير وجدية :
" جيد أنني لم اصرح برغبتي في رؤيتك ترقصين "
انتفض فجأة بسبب صرخة زمرد وهي تهتف بصدمة من أفكاره التي بدأت تنحرف لاتجاه بعيد كل البعد عما تفكر هي :
" تراني ارقص لك ؟؟"
نظر لها بصدمة لصراخها، ثم رفع حاجبه يقول بسخرية لاذعة :
" يا امرأة لقد قابلتك للمرة الأولى ترقصين في الحديقة، هل اصبح محرمًا أن ترقصي لأجل زوجك، لكن لا بأس بعباد الله جميعهم ؟؟ أي منطق هذا !؟"
رفع اصبعها في وجهه وهي تردد بكلمات غير منتظمة لشدة خجلها من حديثه :
" اولًا هذا لم يكن رقص ولا بأي شكل من الأشكال "
" أرأيتي أنا نقي كالاكسجين لدرجة أنني ظننت ما رأيت رقصًا، حسنًا لا بأس علميني كيف هو الرقص إن لم تكن تلك الحركات رقص"
توترت زمرد تقول بصوت خافت تكمل حديثها :
" ثانيًا، لقد كانت الحديقة فارغة "
" لكنني كنت هناك"
" هذا لأنك متلصص منحرف، لكن لم يرني أحدهم عداك "
" هذا من حسن حظك وحظه "
ولم تكن الجملة الأخيرة بنبرة ممازحة أو لينة كعادته، يا كانت مخيفة بحق ، لكن سرعان ما لانت مجددًا يقول ببسمة واسعة :
" إذن ستعلمينني كيف يكون الرقص ؟! اعدك بالتزام الصمت "
نظرت له ترفع حاجبها وهو فقط ينظر لها بكل براءة وبسمة واسعة ترتسم على فمه ينتظر رفضها ليستفزها مرة أخرى ويرى حمرة وجهها ويستمتع بها كما العادة، لكن ما لم يتوقعه هو كلماتها التي خرجت منها بعدما اخفضت الخنجر تنظر له نظرات غريبة وهي تقول :
" لك ذلك ..."
سيكون كاذبًا إن قال أنه لم يُصدم في هذه اللحظة، لكن هذه الصدمة تلاشت بسرعة أو تداركها وهو ينظر لها بسعادة كبيرة يردد بحماس طفل على وشك نيل هدية العيد :
" أصدقًا ما تقولين زمردتي ؟؟"
هزت رأسها له تبتسم بسمة واسعة، ليسارع بالقول وهو يرفع حاجبه مبتسمًا بخبث :
" الآن ؟؟ لدي كتيبة لتدريبها، يمكنني إلغاء ذلك والجلوس هنا طوال اليوم إن أردتِ"
لكن كل هذه الحماسة مُحت في ثواني وهو يراها تقترب منه تقول بهدوء وبسمة :
"ليس اليوم "
التوى ثغره بحنق يقول :
" إذن متى ؟!"
" يوم أُزف لك دانيار "
" عفوًا منكِ ؟!"
" يوم زفافنا دانيار "
تشنجت ملامح دانيار بغيظ شديد وقد شعر فجأة أنها حطمت جميع آماله التي كان يحلق بها عاليًا ليسقط بقوة ارضًا وتكسر عنقه لشدة السقطة :
" ماذا تفضلتي ؟؟ يوم زفافنا ؟؟ لماذا التشويق إذن إن لم يكن الآن يا امرأة، يا الله لقد بنيت آمالًا واحلامًا تنافس الجبال طولًا "
تراجعت زمرد للخلف بصدمة من انفعاله هذا وهو لم يصمت لها بل أخذ يحرك إصبعه في الهواء باعتراض :
" لا سامحك الله زمرد، لا سامحك الله يا امرأة، لقد بنيت طموحات اسقطتيها فوق رأسي منذ ثواني"
ختم حديثه يتحرك للخارج بغضب شديد يتمتم بكلمات غير مفهومة تحت نظرات زمرد المصدومة التي ابتسمت بغير تصديق من ردة فعله، وهو فقط توقف أمام الباب قبل الخروج يردد بحنق شديد :
" انظري إليّ، سأذهب لاقضي نهاري بين رجال بوجوه جامدة ألقي السهام حتى تتحطم عظام كتفي، بدلًا من الجلوس هنا ومشاهدتك تتمايلين بدلال، واستخدم عضلات كتفي في التصفيق بدلًا من رمي السهام، لا سامحك الله يا امرأة "
وبعد هذه الكلمات لم تسمع زمرد سوى صوت قرع الباب العنيف لتنفض للخلف بصدمة، تبعتها ضحكة صاخبة تهمس بغير تصديق لما آلت لها حالتها :
" يا الله مع أي نوع من الرجال علقت أنا؟؟؟"
____________________
تحركت بين الممرات وهي تحمل بين يديها حقيبة وسلة أخرى مبتسمة، تحيي هذا وذاك، ولا أحد كالعادة ينظر لها حتى، كانوا كالتماثيل تمامًا لا يبصرون ولا يسمعون، وهي كانت في البداية تغضب لأجل هذه التصرفات، لكن الآن لا تفعل فقد اعتادت الأمر وهذا التجاهل، أو بالأحرى احترامهم وعدم رفعهم أبصارهم في النساء، لكلٍ طريقته في الاحترام وهي تتقبلهم جميعهم، حسنًا هي تتقبل كل شيء طالما كان ينتمي له، وهذا عالمه إذن تتقبله بعيوبه قبل مميزات طالما أنه ملحق باسمه، طالما أنه عالم سالار ...
وعلى ذكر رجل الكهف الأرقى في حياتها، وسيد الرجال في فلكها، ابتسمت تبارك بسمة واسعة من أسفل غطاء الوجه تتحرك كالفراشة بين الممرات تحمل له الفطور سعيدة، لكن وقبل أن تذهب لتعطيه له، قررت الانتهاء من شيء في البداية قبل كل شيء ...
وصلت صوب المشفى لتقتحمها وقد اقتحمت ذكريات اول مرة جاءت هنا وتوبيخ سالار لها لأجل دخول مشفى الرجال، وحسنًا هو حتى الآن يفعل نفس الشيء ولا يسمح لها بدخولها إلا في حالات الطوارئ عدا ذلك فقد تسلمت وظيفتها مع طبيبة القصر تساعدها ..
لكن هي هنا لسبب آخر غير ذلك ..
" صباح الخير مهيار "
وصوت في عقلها هتف بنبرة خشنة ( طبيب مهيار ) وكأن ضميرها تلبس ثوب سالار لتسرع وتقول :
" اقصد طبيب مهيار، مرحبًا"
رفع مهيار عيونه صوب تبارك يقول ببسمة :
" مولاتي ؟!"
ابتسمت له بسمة لم تظهر بسبب غطاء وجهها:
" لم أعد مولاتي مهيار ولم أكن يومًا، كهرمان هي الملكة الآن"
ابتسم لها مهيار يقول وهو يحرك كتفه بهدوء :
" لكنك في النهاية أميرة زوجة احد رجال العائلة الحاكمة هنا، لذا لا ضير في بعض الالقاب "
ابتسمت له تتحرك صوبه ثم وضعت حقيبة بيضاء بلاستيكية على المكتبة وهو نظر لها بعدم فهم يلتقطها يقرأ الاحرف عليها باهتمام وفضول :
" صيدلية دكتور طارق مكاوي ؟؟"
رفع عيونه لها لا يفهم ما هذا :
" لا أفهم ؟؟"
أشارت هي برأسها له وهي ما تزال تحمل سلة الطعام بيدها الأخرى تقول ببسمة :
" فقط أفرغ محتوياتها، هذه أدوية مهدئة للتشنجات التي تصيب ليلا، فكرت أن أحضرها لك معي لتجربتها وإن أظهرت تحسنًا في حالتها، سوف نكلف صامد وصمود لاحضارها مع ادويتي كل شهر إن أردت "
نظر مهيار بذهول صوب الحقيبة البلاستيكية وهو يشعر بالصدمة من حديثها، لقد ذهبت لتحضر علاجًا لحالتها ورغم ذلك تذكرت زوجته، رفع عيونه لها والتي كانت قد امتلئت بالامتنان يبتلع ريقه مرددًا :
" أنا ... أنا عاجز عن ...عاجز عن الحديث، أنا..."
صمت يحاول تجميع كلماته وقد شعر بالأمل بعدما كان يجلس منذ ثواني يحمل هموم العالم فوق كتفيه لتفكيره بليلا وما تعانيه .
التمعت عيونه يهمس لها بشكر عجز عن التعبير عنه بشكل جيد :
" أشكرك لقد ...لقد اسديتي لي للتو صنيعًا والله لن اوفيكِ حقك في رده، فقط أنا أدين لكِ بحياتي سمو الأميرة "
شعرت تبارك بالسعادة تملئ صدرها لقد نسيت هذا الشعور منذ شهور، شعور التقدير حين تساعد أحدهم، ذلك الشعور الذي كانت تناله مصحوبًا بدعوة أم بشرتها بنجاة وليدها، أو ابنة بشرتها بصحة والدها .
" فقط جربه في البداية ثم اشكرني لاحقًا مهيار "
" حتى إن لم ينجح الأمر، يكفيني أنكِ تذكرتي ليلا، أنا أدين لكِ بالكثير، رجاءً إن شعرتي يومًا بأنني قادر على مساعدتك في شيء لا تترددي "
ابتسمت له تشكره، ثم قررت التحرك بعدما أخبرته سريعًا الطريقة التي أخبرها بها الطبيب الصيدلي، ومن ثم خرجت وهي تبتسم بسعادة، ما أجمل تلقي الثناء من الناس و ما ألطف مهيار!
فجأة توقفت بسرعة قبل أن تصطدم في المدفعية التي كادت تعبر فوق جثتها، تلتصق في الجدار خلفها بسرعة تبتعد عن طريقه، بينما تحرك دانيار بجدية وعصبية صوب غرفة مهيار وهو يردد دون حتى أن ينظر لها :
" معذرة منك يا آنسة "
لم يكن منتهبًا لمن يتحدث ولم يهتم في الواقع، يا فقط توجه صوب مكتب شقيقه لترمش تبارك من أسفل غطائها وهي تردد بصدمة تتحرك للخارج :
" صحيح البطن قلابة"
وفجأة وبكل بساطة تجاهلت كل ما يحدث عداه هو ...
ذلك الرجل الذي يقف هناك بين الرجال بملامح صخرية جامدة مخيفة من بعيد ومن قريب للحق، محببة لقلبها .
ابتسمت دون وعي تتأكد أن غطاء وجهها يخفي ملامحها كي لا يصب رجل الكهف خاصتها غضبه عليها .
اخذت تتأمل به بكل بلاهة وهي تضم سلة الطعام لها دون وعي ودون اهتمام بشيء .
بينما عند رجل الكهف خاصتها، كان يدور بنظره بين الجميع وهو يهتف بنبرة شبه جامدة :
" من قال أن عدوك انتهى للأبد ؟؟ ربما هو فقط ينتظرك لتضع سلاحك وتسترخي حتى يعلن عن مولد جديد له، لا تمنح لنفسك فرصة الاسترخاء إلا في قبرها، تحفز طوال الوقت لأي همسة جوارك، و...."
توقف عن الحديث حين أبصرت عيونه جسد امرأة يبعد عنهم بضع خطوات، جسد يدركه جيدًا ولو غطته هي بخيمة وسارت بها ..
والأدهى أن هذا الجسد لم يكن يقف بشكل طبيعي .
إذ كانت تبارك تحاول أن تقف على أطراف أصابعها كي تظهر لزوجها من خلف كل هذه الأجساد الضخمة، إذ كان الجميع يعطي لها ظهروهم عداه هو فقط الذي يواجهها، اخذت تلوح بيديها وهي تحاول أن تقف على أطراف أصابعها ليبصرها .
وهو فقط ابتسم دون وعي يمسح وجهه بيأس يراها تلوح له وكأنها تلقي التحية على رفيق لها :
" يا الله متى تتوقف هذه المرأة عن تلك التصرفات ؟؟"
انتبه الجنود لنظراته التي تركزت خلفهم وقبل أن يستدير أحدهم نصف استدارة هتف هو بقوة وبكلمات صارمة :
" انتباه .."
نظر الجميع له بسرعة وهو قال يمنع أحدهم من رؤية زوجته وهي تقفز بهذا الشكل :
" اعتقد أن ما قلت منذ دقائق واضح للجميع، أي سؤال؟!"
هز الجميع رؤوسهم بالنفي، ليهز هو رأسه يشير صوب تميم الذي اقترب منهم بجدية وبخطوات قوية :
" تميم تولى الاشراف حتى اعود، عودوا للتدريبات "
ختم حديثه وهو يتحرك بسرعة صوبها يشمر اكمامه يشير لها برأسه أن تتوقف وهي بمجرد أن أبصرته يقترب حتى اتسعت بسمة غير مرئية له تمد يدها له بالطعام وكأنها بذلك تحبط أي غضب كان يمكن أن ينبثق منه لاقتحامها منطقة الرجال .
" احضرت لك بعض الطعام سالار"
هل عليها أن تكون بهذا اللطف حقًا ؟؟
تنفس بعنف وغيظ شديد وهو يمسك معصمها بلطف، ثم سحبها جانبًا يوبخها بغيظ شديد :
" كم مرة أخبرتك أنني لا أحبذ أن تأتي لمنطقة الرجال ؟؟"
" كثير من المرات، لكن أنت قلت أنك لا تحبذ، ولم تمنعني بكل صراحة "
" إذن أنا امنعك وبكل صراحة تبارك ألا تخطين تلك المنطقة الملغمة بالرجال مجددًا، يا الله لا امرأة في هذا القصر تتجرأ على الاقتراب لهذه المنطقة وأنتِ تأتين لها اكثر من ذهابك لغرفتك "
ابتسمت وهي ترفع الغطاء عن وجهها تقول بجدية :
" هذا لأنك تقضي الكثير من الوقت هنا، صدقني إن قضيته مثلًا في مكان آخر سأتوقف عن المجئ هنا والحقك للمكان الآخر"
رفع حاجبه يرى جدالها له، وهي التي لم تكن تتحدث معه سابقًا سوى ببعض الكلمات الحانقة أو الحزينة، لكنها في النهاية كانت محرك كلمات تعبر عن البلاهة، والآن تجادله بشكل عقلاني .
وكل ما استطاع فعله هو أنه ربت على رأسها بفخر :
" أنا فخور بكِ، اصبحتي شخص عقلاني يجيد الرد على الأحاديث بشكل صحيح تبارك، فخور بكِ فخر الآباء بصغارهم "
اتسعت أعين تبارك والتمعت بقوة تقول :
" حقًا ؟!"
" نعم حقًا "
وفجأة تلاشت بسمته يقول بصرامة مريبة لا تمت لحنانه ولا كلماته السابقة بصلة :
" والآن تحركي خارج منطقة الرجال قبل أن أمرهم بوضع لافتة تمنع دخولك على بداية المنطقة "
رمشت دون فهم قبل أن ترفع الطعام أمامه تردد نفس الكلمات مجددًا وبكل براءة جعلته يشعر كم هو حقير ليتعامل بهذا الشكل مع هذه القارورة القابلة للتهشم :
" لقد أحضرت لك الطعام، فأنت لم تتناول الطعام منذ عدنا "
نظرت صوب سلة الطعام قبل أن يتنهد مبتسمًا :
" شكرًا لكِ عزيزتي، كنت اتضور جوعًا حقًا، جزاكِ الله عني خيرًا بركتي "
ختم حديثه يميل على رأسها مقبلًا بحنان، ثم اعتدل يردد بجدية :
" والآن تبارك تحركي للخارج رجاءً، ومرة أخرى إن أردتِ التواصل معي ارسلي لي احد الجنود وأنا سآتي لكِ اتفقنا ؟"
" لكنني افضل مشاهدتك تتدرب "
" لا بأس سأحضر سيفي واتدرب أمامك كل يوم قبل النوم إن أردتِ ؟؟"
" حقًا ؟؟"
هو كان يمزح، لكن إن كان هذا سيسعدها ويجعلها تختفي الآن من هذه المنطقة الملغمة بالرجال، فسيوافق :
" نعم.."
صمتت ثواني تطيل النظر له بشكل جعله يتعجب معتقدًا أنها لم تنتبه لكلماته، لكنها فاجئته تقول :
" اشتقت لقتالك سالار "
ارتفع حاجب سالار شيئًا فشيء ودون أن يشعر اتسعت بسمته بقوة وقد شعر بالحماس لهذه الفكرة، منذ متى لم يقاتلها؟! يعترف أنه اهمل الأمر، عليه أن يتأكد إلى أي مستوى وصلت هي .
قاطعت افكاره تقول باستفزاز مبتسمة :
" اشتقت لأذيقك الهزيمة "
رد لها البسمة بالمثل يجيب بنبرة ذكرتها بسالار القديم الذي لا يزال مساحة من عقلها وقلبها حتى الآن رغم احتلال النسخة الحنونة لجزء كبير منهما بالفعل :
" إذن المساء موعدنا .....مولاتي "
__________________
" انتباه، ملكة البلاد الملكة كهرمان تدخل القاعة الآن"
نهض جميع رجال البلاد والمستشارين وكذلك الجنود وكل من له شأن، الجميع نهض لأجل استقبال ملكة البلاد للتتويج على مملكتهم .
كانت تتحرك وهي تخفض رأسها تسير بفستان فضي اللون، تحاول أن تتلاشى النظر لأحدهم كي لا تتوتر، لكن وحينما أبصرت نظرات زمرد لها والتي منحتها بسمة واسعة تشجعها، حتى بادلتها بأخرى تبصر تبارك وبرلنت وليلا ينظرن لها باحترام وتقدير .
وكل ما فعلته أنها هزت رأسها لهم، ثم انتبهت تنظر أمامها تثبت عيونها عليه، كان هو قد نهض عن عرشه يرتدي ثيابه الملكية الرسمية يرمقها ببسمة ..
وهي سارت وقد تطاير حجابها الطويل خلفها تبادله البسمة بأخرى هادئة وبمجرد أن وصلت له توقفت أمامه تمسك طرف ثوبها تميل نصف ميلة قائلة بهدوء :
" مولاي .."
وهو فقط وضع يده على صدره يميل لها كذلك مرددًا ببسمة يتذوق لقبها الذي تعهد يومًا على منحها إياه:
" جلالة الملكة .."
استقامت هي تنظر لعيونه وهو منحها نظرة دعم، ثم مد لها يده لتضع هي كفها بين كفيه ليتلقفه ويشدد عليه بقوة وحنان مناقض لقوته .
يجذبها لتقف جواره، ثم أبعد عيونه عنها بصعوبة يردد :
" اشكركم لتشريفكم لنا اليوم، لا يخفى عليكم أن رحلتي الأخيرة لمشكى لم تكن مجرد زيارة عادية لصديق عمري الملك أرسلان، بل كانت رحلة لطلب ود أميرة مشكى سابقًا، ملكة سفيد الحالية، لذا نحن هنا لاعلن زوجتي كهرمان بيجان ملكة رسمية للبلاد "
وبعد هذه الكلمات ضجت القاعة بالتصفيق والتهاني والتبارك لكهرمان التي فقط كل ما استطاعت فعله هو هز رأسها لهم باحترام ومنحهم بسمة واسعة تردد بهدوء وشكر :
" اشكركم، أقدر لكم كلماتكم "
كان إيفان يراقب ثقتها التي بدأت تنتشر شيئًا فشيء في جميع ملامحها لتستقيم وهي تنظر للجميع بهدوء وثقة .
أدرك في هذه اللحظة أنه لو جلس يرسم امرأة بكل المواصفات في عقله، يفصلها كما يحب ويرضى، والله ما خرجت بمثل هذه المثالية .
فجأة استدارت كهرمان له تنظر له بتعجب تحرك رأسها وكأنها تتساءل عن سبب نظراتها، وهو فقط ابتسم بسمته الجانبية، ثم نظر أمامه بكل هدوء يقول :
" فقط كنت أحسب عدد الأعوام التي احتاجها لتجاوز افتتاني بكِ "
اتسعت عيون كهرمان بصدمة من تصريحه، تنظر له وهو ما يزال ينظر أمامه للجميع وقد اتسعت بسمته يجيب دون أن يبعد عيونه عن شعبه :
" وجدت أنني احتاج لأعمار عديدة لافعل، ولن أفعل"
ابتسمت بخجل شديد تخفض وجهها ارضًا تحاول تجاوز ما قاله في الوقت الحالي على الأقل، فشعرت يقبضته تمسك يدها وصوته يردد :
" يومًا لا تخفضي بصرك ولو كان خجلًا مولاتي "
رفعت عيونها تنظر في خاصته قبل أن تهز رأسها ببسمة واسعة، ثم استقامت تنظر للجميع وهي تحاول الثبات بعد هذا الحوار القصير وكل عقلها يدور في نقطة واحدة .
هذا وهي تقف مع بين الجميع، يا ويلي كيف ستتعايش مع فكرة وجودها رفقة هذا الرجل في مكان واحد ويجمعهما سقف واحد دون أن تذوب وتنهار ؟؟
وعلى بُعد صغير كانت تقف تراقب ما يحدث بأعين سعيدة وهي تشعر أن كلًا خلق ليحتل مكانته التي قُدرت له، بالله كيف ظن هؤلاء القوم يومًا أنها قد تصبح ملكة لسفيد؟؟ أين هي وأين كهرمان بثقتها وكبريائها ورقتها الذي ينضح من كل همسة وحركة.
" بما أنتِ شاردة ؟!"
استدارت صوب سالار ترى نظراته التي تركزت عليها، وهو فقط كان لا يهتم لكل ما يحدث، ولا يهتم لأحد سواها.
" فقط كنت أفكر أن كهرمان خُلقت لتكون ملكة، سبحان الذي يوزع الأرزاق، لا اعتقد أنني كنت سأصلح لهذا الدور بأي شكل من الأشكال "
امسك سالار كتفها يجبرها على الاستدارة ومواجهته ليقول بصرامة :
" جيد أن يدرك كل امرئ قدر نفسه، لكن هذا لا يعني أن تقللي من نفسك، لن أسمح لأحد أن يقلل منكِ ولو كنتِ أنتِ شخصيًا، أنتِ وإن وضعتي في مكانة ملكة والله ما كان للعرش من ملكة بعدك، أنتِ عزيزتي اثبتي وعن جدارة أنكِ تليقين بكل دورٍ وضعتي به"
صمت ينظر لعيونها بجدية كي يدخل الكلمات في عقلها ويعلمها قدر نفسها :
" جئتِ عالم لا تنتمين له، أُجبرتي على أمور لا تفقهيها كحمل السيوف والسهام والفروسية، لكن هل فشلتي ؟!"
كادت تفتح فمها لتجيب، لكنه قاطعها بجدية وقسوة وكأنه عادل لنفس الرجل الذي كان يدربها قديمًا، الآن لم يكن سالار زوجها، بل كان معلمها:
" والله لم تفعلي، وليتجرأ أحدهم على قول عكس ذلك لاجزن عنقه، ما كان لتلميذتي أن تفشل، لقد نجحتي واثبتِ أنكِ تلميذة نجيبة، مقاتلة ماهرة، فارسة بارعة، وفتاة حنونة، وامرأة ذكية، أنتِ هي أفضل نساء هذا العالم، ضعي هذا العالم في عقلك، كي لا اجبرك على الأمر "
تراجعت تبارك بضع خطوات للخلف وهي تراه يرمقها بتحذير، بل وتهديد وكأنه جاد، وما لم تعلمه هي أنه كان كذلك ..
ابتسمت تراقب نظراته تقول بجدية وهي تحدق في المكان حولها قبل أن تقترب منه في غفلة عن أعين الجميع المتوجهة لكهرمان وإيفان، تهمس بصوت منخفض وبخجل شديد .
" أنا أقدر كل ما ذكرته للتو سالار حقًا، لكن أنا ومن بين كل هذه الأدوار التي ذكرتها لي، لا يهمني سوى دور واحد فقط "
نظر لها بفضول يقول ببسمة حين أبصر خجلها الواضح في عيونها الظاهرة من اللثام وقد كانت ترتدي لثامًا بنيًا يلائم حجابها .
" وما هو هذا الدور ؟؟"
أجابته دون تفكير :
" زوجتك ...."
___________________
وقد كان لتبارك ما تريد، فها هي تقف أمام المرآة تراقب نفسها ترتدي ثوب زفافها على سالار، لا تصدق أنها وصلت واخيرًا لهذا المشهد من قصتها الطويلة البائسة، هل كتب الله لها نهاية سعيدة كما قصص الاميرات التي كانت تشاهدها في طفولتها ؟؟
رمقت نفسها في المرآة ترتدي فستانًا من اللون الازرق يتداخل مع اللون الابيض بشكل مبهر، فستان لا تدري من أين أحضره سالار ولا كيف صُنع بهذه المهارة، لكنها فقط كانت تدرك أنه يلائمها بشكل مرعب، وإن أخبرها أحدهم أنها ستُزف يومًا لفارسها بفستان ازرق لكانت ضحكت، لكن هل تفعل الآن ؟!
طالت نظراتها بالمرآة وكأنها لا تصدق أنها تحدق بنفسها، نفسها الفتاة البائسة التي كانت كلما ابصرتها في المرآة قديمًا اشفقت عليها وعلى من سيضطر لتحملها، لكن سالار وخلال هذه الشهور جعلها تدرك أنها تمتلك أكثر مما ترى ..
وعلى ذكر تلك الفتاة البائسة التي كانت تراها في المرآة، تذكرت حديثها في المركب حين عودتها مع سالار للبلاد وهي تخبره عما حدث معها قديمًا حين تحطمت المرآة وخرج منها نورًا ساطعًا حتى ظنت أنه جني .
وكان رده حينها بسمة وكلمات ممازحة :
" اعذريها فربما لم تتحمل تلك المسكينة مقدار الجمال الذي انبثق منكِ صوبها "
وقد كان هذا أكثر رد مبهر وتبرير عجيب قد تسمعه منه، لكنه اعجبها وللحق، وهو فقط ابتسم لها يضمها يفسر الأمر بكل بساطة :
" لكل شيء تفسير، لكن ربما كان هذا النور انعكاس لنور آخر، وتحطم المرآة ربما كان بسبب هشاشتها، فقط استعيذي بالله إن حدث معكِ شيء كهذا مجددًا احيانًا جهلنا ببعض الأمور نعمة "
وفي نفسه كان هو يفكر في تفسير للأمر وشك أنه ربما المرآة هناك تمثل نفس وظيفة الكرة التي كان يصطحبها معه لعالمها، وعزم على مناقشة الأمر مع العريف .
أفاقت من شرودها بقوة على صوت فتح الباب وشهقات الفتيات التي خرجت بقوة حين أبصرن إطلالتها.
نبست كهرمان بانبهار متسعة الأعين:
" تبارك الرحمن، أنتِ مبهرة تبارك "
استدارت تبارك صوبهم وهي تحدق بالفتيات بتوتر شديد :
" هل تعتقدون هذا ؟؟"
اندفعت لها زمرد تقول بسعادة :
" بل في غاية الجمال، يا ويلي اعتقد أن آن لهذه الصخرة التي ستتزوجين بها أن تلين "
ابتسمت لها برلنت تهز لها رأسها موافقة على حديث زمرد وكذلك ليلا التي قالت بلطف :
" تبدين جميلة للغاية "
التفت جميع النساء حول تبارك بسرعة يتأكدن أن لا شيء ينقصها وقد شعرت تبارك بالسعادة والألفة الشديدة، وتناست أنها في هذه المناسبة وحيدة .
وكيف تكون وحيدة وهي ستكتمل بعد دقائق بوجوده .....
_______________
أما عنه هو ..
تحرك في ممرات القصر يتبعه جميع الرجال، يرتدي الاسود الذي زاده هيبة فوق هيبته الفطرية، يتحرك مع الجميع صوب زوجته وقلبه يسبقه بخطوات، سينفذ وعده لها، سيزفها لنفسه، والله أنه يستحق مكافأة نفسه بعد كل سنوات عمره باهداء نفسه اغلى وأثمن القوارير .
توقف أمام باب جناحها يحاول التنفس بشكل طبيعي الأمر لم يكن سهلًا بأي شكل من الأشكال، وخلفه يقف جميع الرجال، الجميع يرتقب الخطوة الأولى التي سيأخذها صوب زوجته ...
سيزفها لنفسه وخلفه يزفه أكثر رجال الممالك الأربعة شأنًا، جميع الملوك والعريف، الجميع جاء ليسير خلفهم ويزفونه مع زوجته .
تنفس بصوت مرتفع، ثم استدار صوب الجميع وكأنه يسألهم المعونة، ليتحدث إيفان وهو يدفعه بهدوء صوب الباب مبتسمًا يدرك كم يصارع نفسه الآن كي لا يقتحم الغرفة وينتزعها من بين الجميع، وفي الوقت ذاته يخشى أن تتهشم بين أصابعه لشدة مشاعره، أولم تكن هذه هي نفسها مشاعره :
" هيا تقدم يا أخي، خذ نصيبك من السعادة "
ابتسم له سالار، ثم حرك عيونه بين الجميع ليتنحى جميع الرجال جانبًا بعيدًا عن باب الجناح وهو طرقه بهدوء يهتف :
" تبارك، هل انتهيتِ ؟؟"
سمع رد بصوت غيرها يأتيه، ومن ثم اصوات حركات من الداخل، حتى واخيرًا وبعد دقائق قصيرة فُتح الباب لتطل هي عليه، رفع عيونه ببطء حينما أبصر طرف الثوب الذي أحضره لها بنفسه، مرت عيونه ببطء عليه حتى وصل واخيرًا لوجهها الذي كان يختبأ أسفل غطاء من اللون الابيض اللامع، شعر بموجة مشاعر قوية تضرب جسده بأكمله ليتحرك ببطء صوبها وهي تنظر ارضًا تشعر بالأرض تدور بها، ثواني فقط انتظرت أن يصل سالار لها ليأخذ بيدها صوب الخارج، لكن وأثناء خفض نظرها ارضًا سمعت صوت شهقات مرتفعة حولها، ولم تفهم سبب تلك الشهقات حتى رأت جسد سالار أمامها على ركبتيه وقد أخرج سيفه يستند عليه قائلًا وهو ينظر لعيونها التي كانت تخفضها:
" هاكِ إعلان خسارتي للمعركة المائة وأربعة وعشرين ..."
_______________________
نهاية وليست خاتمة
ترقبوا الخاتمة لباقية الأحداث ....
ستكون غدًا إن يسر الله أو بعد غد أو ربما سأخبركم قبلها
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم رحمة نبيل
هذه الخاتمة كانت جزء من الفصل السابق لكن ولحجمه الكبير قُسم على جزئين.
هنا وبكامل الأسف أخبركم للمرة الأخيرة في سفيد..
قراءة ممتعة .
صلوا على نبي الرحمة
__________________________
كانت خطوة واحدة اتخذها هو، وهي لم تستطع أن تؤتي بردة فعل، وكيف تفعل وهي شعرت بجميع أطرافها تُشل، هذا الذي يركع الآن أمامها يعلن خسارته على مرأى ومسمع من الجميع هو نفسه سالار ..
وعقلها في لمحة سريعة عرض صورًا له يحارب ويتحرك فوق حصانه بكبرياء، ويأمر الجنود، لمحات خاطفة لسالار القائد، تقارنها بهذا العاشق هنا، لترى أنها أحبت كلاهما بنفس المقدار .
وكل ما استطاعت أن تفعله هي أن رفعت أطراف ثوبها بصعوبة وبيد مرتجفة، ثم جلست ارضًا أمام سالار ترفع عيونها له من خلف الغطاء تتمنى لو استطاعت رفعه، لكنها في الوقت ذاته شاكرة للغطاء الذي استطاع احتواء مشاعرها عن أعين الجميع .
كان الجميع يتابع باهتمام شديد ما يحدث ولم يتجاوزوا بعد صدمتهم لما حدث، لا أحد يصدق ما حدث سالار يعلن خسارته بكل فخر أمام أحدهم ؟ حتى وإن كان هذا الاحدهم هو زوجته، فهو كان الشخص الذي يتباهى بعدم خسارته لأي حرب، ولم يدرك هؤلاء المساكين أن سالار سبق وأعلن خسارته في ثلاث معارك هذه رابعتهم .
مدت تبارك يدها تمسك خاصته، تهمس له بصوت مرتجف من هول مشاعرها :
" لا عاش من يتسبب في خسارتك يا قائد، وإن كان فوزي يعني خسارتي فأنا أعلنه خسارة، ولا حاجة لي بفوزٍ ضدك، لنعلنها معركة تعادل، لا فائر ولا رابح "
ابتسم لها متمنيًا رفع ذلك الغطاء والتأمل في ملامحها بحرية، لكن ليس الآن، رفع كفها لفمه يطبع على باطنه قبلة حنونة هامسًا :
" الخسارة لا تخزيني إن كانت أمام عيونك تبارك "
صمت ثم نظر لها يقول ببسمة :
" أنتِ الآن تبدين ....تبارك "
ضحكت بصوت خافت تهمس :
" وأنت تبدو سالار "
" يسعدني أن أكون الآن زوجكِ، مولاتي "
ختم حديثه ينهض وهو ينهضها بلطف شديد رافضًا أن تظل جالسة ارضًا بهذا الشكل، ثم مال بجسده يعدل لها من وضعية ثيابها يتأكد أنه لم يتأثر بجلستها ومن ثم استقام يضع سيفه في ثوبه، يمد يده لها يقول ببسمة :
" إذن مولاتي اسمحي لي بأن ازفك لنفسي "
ابتسمت تشعر بالسعادة وارادت أن تضيف بعضًا من الحركات الملكية على ما يحدث فأمسكت طرف فستانها ترفعه بخفة في الهواء، ليتراجع جسد سالار بحركة تلقائية منه لم يتحكم بها جعلتها تنظر له بعدم فهم .
وفي ثواني كانت هناك ضحكة تصدح في المكان بأكمله ولم تكن هذه الضحكة سوى ضحكة إيفان الذي تابع خوف سالار المرضي من هذه الحركة منذ بداية القصة، يا الله متى مر كل هذا بهذه السرعة ؟؟
ابتسم سالار يكتم ضحكته، لكنه لم يتمكن من فعل ذلك فشارك إيفان الضحك يمسك بكف تبارك يقول :
" إذن نتحرك سمو الأميرة ؟؟"
أبتسمت رغم عدم فهمها لشيء، وتحركت معه ليفسح لهم الجميع الطريق ويتحركوا بينهم صوب الخارج وخلفهم جميع الملوك في منظر مهيب، ومن ثم النساء خلف الجميع بعدما أغلقن الجناح وتحركن .
وفي الحقيقة كانت جملة " النساء اولًا " غير متبعة بشكل كبير في الممالك، ليس لافتقداهم اللباقة المطلوبة أو ما شابه، بل لثقتهم الكاملة أنه حتى وإن احتوت هذه الحركة على احترام دفين للمرأة، فهي مرفوضة إن كانت مع نساء لسن بنساءك ..
خرج الجميع ووصلوا لساحة القصر التي كانت قد زُينت بالكامل بالعديد من المصابيح الزيتية ذات الأشكال المبهرة، مصابيح أنارت الحديقة بأكملها وبددت الظلام صانعة لوحة جعلت تبارك تشهق وهي ترى هذا التنظيم، ابتسم لها سالار يقودها معه لمنتصف الساحة ..
وبدأ الجميع يصفق وكلمات المباركة تترد حولهم، وتبارك فقط تراقب ما يحدث بانبهار وسعادة لم تعتقد يومًا أنها قد تمتلكها، وفي خضم كل ما يحدث تناست تبارك ذلك الشعور الذي اعتقدت أنه سيلازمها خلال زفافها، نست شعور اليتم جواره .
ابتسم سالار ثم ترك كفها تقف هناك هامسًا لها :
" رغم أنني لا أحب أن أفعل ذلك، وفعلته مرغمًا المرة السابقة لأجل وعدي لإيفان، إلا أنني لا اجد أفضل من هذه الطريقة للتعبير عن حبي لكِ، تحركي مع النساء عزيزتي "
ختم حديثه بكلمات غير مفهومة لتبارك ليتحرك بهدوء صوب منتصف الساحة يلتقط الدف من دانيار، وهي فقط نظرت له بفضول شديد تراه يغمز لها غمزة سريعة، ثم شرع يغني بصوته الجهوري القوي وحوله الرجال يشاركونه ضرب الدفوف ..
وهي لم تشعر سوى بليلا تجذبها بخفة وهي تردد :
" هيا سنتحرك صوب قاعة النساء تبارك "
وهي فقط تحركت بصعوبة وعيونها مثبتة على سالار متعجبة من هذه الكلمات التي تشعر أنها تهز دواخلها رغم عدم فهمها لما يقول، فقد كانت كلماته بلغة غير مفهومة خمنت بسهولة أنها فارسية، يبدو الأمر كما لو أنها انشودة فلكلورية أو ما شابه، تحركت مع النساء بصعوبة تقول :
" ما هذه الأنشودة ليلا ؟!"
نظرت لها ليلا ببسمة تقول :
" هذه انشودة قديمة تحكي عن أسطورة كانت الأجيال تتناقلها عن قصة عشق، تحولت فيما بعد لأنشودة ينشدها البعض تعبيرًا عن حبه العميق، تعبر عن الوصول واخيرًا للحب بعد سنوات انتظار طويلة كما حدث مع بطل الأسطورة، ويبدو أن القائد يكن لكِ مشاعر عميقة إذ أن جميع كلماته تخرج لكِ ونظراته مصوبة لكِ تحديدًا "
وإن ظنت أن إجابة ليلا قد تقتل بعض فضولها، فقد اخطأت، ففضولها قد زاد لمعرفة تلك القصة الأسطورية، وقررت أن تسمعها، لكن منه هو فقط ..
تحركت بعيدًا مع النساء وهو ابتسم بسمة واسعة واستمر في ضرب الدف مع الرجال والغناء بسعادة لأجل نفسه ولاجلها، يحمد الله أنه لم يبصر أي نظرة حزن في عيونها .
فجأة وجد أحدهم ينتزع الدف من بين يديه وهو يلقيه لأحد الرجال ليكمل هو قرع الدف وجذب سالار لمنتصف الساحة حيث يحتفل الرجال يجبره على مشاركته الرقص وهو يحرك يديه في الهواء، ولم يكن ذلك الشخص سوى إيفان الذي تخلى عن كل ما يمكن أن يقيده لأجل الاحتفال بابن العم والاخ والصديق الاقرب له .
بدأت الحماسة تزيد بين الجنود وهم يزيدون من التصفيق بحماس شديد لا يصدقون أن الملك يشارك قائد الجيوش في الرقص يحركون الاقدام والأيدي بطريقة وحركات معروفة بينهما، وفجأة اقتحم أرسلان المكان دون أي دعوة أو إجبار يشاركهم الأمر تبعه دانيار وتميم ومهيار وكذلك مرجان الذي دفعه العريف يقول :
" أذهب يا فتى وشاركهم "
شعر مرجان بالتردد من الأمر، ما الذي سيفعله هو بينهم، هم اصدقاء وأكبر منه في المكانة والعمر حتى، وقبل أن يفكر أكثر أجبره العريف وهو يصرخ به :
" أذهب يا دودة الكتب أنت وتوقف عن التحليل، ألا تنفع في شيء سوى القراءة والدراسة ؟؟ يا ويلي منك مرجان اذهب وشاركهم الرقص يا رجل "
وقبل أن يعترض مرجان شعر بمن يجذبه وقد كان سالار الذي أبصر ما يحدث بينه وبين العريف وأدرك تردده ليبتسم وهو يجذبه يقول :
" لا يُرد طلبٌ لابي دارا يا فتى "
أُجبر مرجان بطريقة أو بأخرى على مشاركتهم الاحتفال، ليندمج دون أن يشعر وهو يضحك بصوت مرتفع وسعادة كبيرة وقد بدأ الجنود والرجال والملوك بأكملهم يشاركون، إذ بدد هذا الاحتفال أي قيود قد توضع بين ملكٍ وجندي، فترى أرسلان يضع يديه على كتف أحد الجنود وهو يتحرك معه للأمام والخلف وإيفان يصفق للجميع ويشاركهم بسعادة وبسمة، ولمَ لا واليوم زفاف سالار، والسعادة واجبة للجميع ...
رجال تراهم في ساحة الحرب ترتعب من ملامحهم، فمن كان يعتقد أن أشخاص مرعبين حين حملهم للسيوف كسالار وأرسلان، وأشخاص ترتعب لنظرة منهم كإيفان، وآخرين لا تستطيع مناقشتهم إذا ما منحتهم سلاحهم كدانيار وتميم، قد يندمجون بهذا الشكل مع الجميع ويتضاحكون ويغنون بهذه الطريقة؟؟
أما عن طبيبنا الهادئ، فتحفظه الدائم تلاشى وهو يشاركهم الاحتفال بسعادة كبيرة ..
وكل ذلك تحت أنظار آزار الذي كان يراقب سعادة سالار بقلب مضخم بالشجن، سعيد ومبتهج لأجل صغيره وربيب يده الذي كبر وجعله أكثر رجال العالم حظًا ليحظى به، فقد ابنًا واكتسب آخر.
وعلى ذكر ابنه الأول غامت أعين آزار بحزن شديد وهو ينظر حوله وسؤال واحد يتردد في عقله " لماذا يا نزار؟؟ ما الذي كان ينقصك لتخون وطنك وعائلتك ومن قبلهم ربك وتتعاون مع اوساخ دمروا بلادك وقتلوا اخوتك ؟؟"
سؤال رماه آزار يومًا في وجه ولده الذي يحتبسه في أحد السجون منتظرًا أن يمده الله بالقوة والتجبر الذي يجعله قادرًا على رؤيته يُعدم، لكنه لم يستطع حتى الآن، كلما أخذ قراره حاربته صور طفله الصغير المبتسم الذي كان يركض خلفه من مكانٍ لآخر، الأمر اصعب مما تخيل، أصبح وحيد في هذه الحياة بلا وريث، لكن الله ما كان ليظلمه ويقسم ظهره في ولده إلا وعوضه بقطعة من شقيقته، يشبهها تمامًا بهذه البسمة ...
محى دمعة كادت تهبط على وجهه حين أبصر سالار يستدير صوبه مبتسمًا، فابتسم له يراقبه بحب، وسالار رد له البسمة، ثم تحرك صوبه يعانقه بحب شديد :
" شكرًا لك يا أبي، لولا الله ومن بعده أنت، لكنت الآن هائمًا لا أجد لي مرسى "
وكلمة أبي التي خرجت من فم سالار أجبرت دموعه على الهطول مجددًا وهو يجيب بصوت متهدج :
" بارك الله لي بك يا بني، وليكون اليوم بداية سعادتك الكبرى عزيزي، تستحق كل الخير، فأنت لم تقدم سواه، ليت الجميع سالار "
ختم حديثه بتمنى خرج من اعماق صدره، ليدرك سالار ما يشعر به في هذه اللحظة يربت على ظهره هامسًا :
" هوّن على نفسك يا أبا نزار، فالنفوس متقلبة، ولا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا "
ختم حديثه وهو يبتعد عنه مبتسمًا يؤازره يفكر في زيارة قريبة بعد الزفاف لخاله ليرى أمور نزار، متمنيًا في صدره أن يرزقه الله بالتوبة قبل أن يتسبب في أذية والده حزنًا وقهرًا.
ثواني وسمع صوت إيفان يناديه لتقديم الهدايا ..
ابتسم يتحرك بلهفة شديدة صوب مكان الجلوس المخصص له ولزوجته وما هي إلا دقائق قليلة وسمع طرق الدف المعلن عن وصول النساء، قرع قلبه بانتظام وتزامن مع قرع الدف، حتى وصلت هي وتوقفت أمامه ليبتسم بسمة واسعة وهي فقط ظلت مخفضة الرأس لا تدري ما يجب فعله، رغم أنها جاهدت في زفاف كهرمان لحفظ تفاصيله، لكن لشدة توترها نست كل شيء .
ابتسم سالار وهو يستدير صوب نزار الذي تحرك صوبه يمنحه صندوق خشبي عليه الكثير من النقوش البديعة وهو يبتسم له، فتح سالار الصندوق يلتقط منه اسورة مزينة بشكل مبهر، ثم أمسك يد تبارك يرفعها له يلبسها السوار مرددًا بحنان :
" هذه هدية والدك "
رفعت تبارك وجهها بسرعة وصدمة من كلماته، تعابير لن تظهر بسبب غطاء وجهها الذي كان يشف بعض ملامحها .
ابتسم سالار يلبسها اسورة أخرى يهمس لها :
" هذه هدية والدتك "
ومن ثم اتبعها بسلسال رقيق يميل قليلًا كي يلبسها إياه هامسًا :
" وهذه هدية زوجك "
انتهى من باقي الحديث يحمل الصندوق من خاله يضعه بين يديها مرددًا :
" وهذه هدايا عاشقٍ لكِ مولاتي ....."
شعرت تبارك أنها أُصيبت بالخرس ولم تقوى على قول كلمة واحدة والجميع حولهم يتابع بسعادة كبيرة ما يحدث .
امسك سالار كتفها يديرها لتصبح في مواجهته وهو يعطي ظهره للجميع يكاد يخفيها بجسده ينزع عنها الغطاء، ثم أخرج شيئًا من جيب سترته يمسك كفها يضعه به :
" وهذا مهرك عزيزتي "
وتبارك التي كانت ما تزال في صدمتها لا تعي ما يحدث ولم تفق إلا حين شعرت بشيء معدني بارد وُضع في كفها، تحركت عينها ببطء لتبصر مفتاح غريب الشكل يبدو قديمًا بعض الشيء، رفعت عيونها له ليبتسم هو لها قائلًا :
" مهرك وحقك عليّ زوجتي "
" أنا.... أنا لا ...لا افهم "
ابتسم يشرح لها والجميع حوله يكاد الفضول يقتلهم لمعرفة ما قدم لزوجته عدا إيفان الذي كان يبتسم بسعادة كبيرة مدركًا هوية الهدية، وارسلان الذي كان يرمقهم بصدمة يقول :
" يا ويلي لا تخبرني أنه ما أفكر به "
هز ايفان رأسه بنعم لتتسع أعين أرسلان أكثر وأكثر يردد :
" حقًا ؟!"
ابتسم سالار على نظرات تبارك يقول :
" لا تفهمين ماذا تبارك ؟! هذا مهرك، حقٌ عليّ، وأنا لم اجد اغلى من هذا لاهديكِ إياه"
ونظرات الفضول التي علت وجهها وهي ترمق المفتاح جعلته يوضح لها أكثر :
" قصر عائش ..."
رفعت عيونها تحدق في وجهه بفضول اكبر ليبتسم قائلًا :
" القصر الذي يتوسط حدود سفيد مع آبى "
قاطعه إيفان بسخرية :
" يتوسط ؟؟ بل يحتل الحدود بأكملها "
ابتسم له سالار يكمل وهو يتذكر والده الذي بذل كل جهده ليقيم قصرًا لوالدته خارج هذا المكان بعدما أحالت شهرزاد أيامها لتعاسة، لكن الموت كان اسرع منهما :
" نعم، القصر الذي يحتل حدود سفيد مع آبى، قصر بناه والدي قديمًا لأمي ليكون قريبًا من حدود بلادها، وقد بناه بنفسه وبكل قرش يمتلكه تقريبًا، واستمر الأمر لسنوات طويلة حتى انتهى منه ولم ...لم يسكنه أحد منذ ذلك الوقت "
صمت ولم يوضح أكثر لتفهم تبارك ما يقصد، يبدو أنهم رحلوا قبل حتى أن يسكنوا به، لكن سالار لم يرد أن يفسد يومه بالحزن :
" الآن أصبح هذا القصر لكِ بكل ما فيه بالكامل "
نظرت له تبارك بصدمة كبيرة وعجزت عن الرد .
بينما أرسلان ابتسم بصدمة :
" أهداها قصر والديه ؟؟ يا ويلي لقد ...لقد كان لا يسمح لإنسان في هذه الحياة بأن يخطوه حتى، يهديه لها مهرًا "
ابتسم إيفان يضم يديه لصدره وهو يردد :
" أراد أن يمنحها مهرًا لم يُمنح لسواها، فمن يمنح زوجته قصرًا بحجم نصف قرية تقريبًا ؟؟"
نظر له أرسلان ثواني قبل أن يقول :
" أوه هكذا، إذن امنح شقيقتي سفيد "
استدار له إيفان متشنجًا ليبتسم له أرسلان ممازحًا باستفزاز كعادته :
" اريدك أن تمنح أختي مهرًا اكبر من خاصة سالار "
ربت إيفان بغيظ على كتفه مبتسمًا بسمة حانقة:
" حينما تمنح زوجتك المستقبلية مشكى سأفكر بذلك"
رفع له أرسلان حاجبه وهو يضم يديه لصدره :
" وما حاجة زوجتي العزيزة بمشكى إن كانت ستمتلكني؟"
" أوه"
ضحك أرسلان على ردة فعله ينتبه لسالار الذي كان قد بدأ يتلقى الهدايا من الجميع ليجذب يد أرسلان يقول :
" هيا دعنا نكون اول من يقدم الهدايا لهما ..."
تحرك معه إيفان بسرعة وقد بدأ المكان يمتلئ بهجة وسعادة والجميع يحدق بالعروسين في سعادة وعدم تصديق .
فها هو القائد وبعد ثلاثة عقود تقريبًا يقرر التخلي عن عزوبيته والرضوخ للزواج ويسلم حريته لامرأة، وليست أي امرأة، بل أمرأة من عالم المفسدين .....
وهكذا استمر الزفاف لمدة ساعات، حتى انتهى الجميع ونهض سالار يسحب يد زوجته يردد ببسمة :
" هيا سنتحرك "
نظرت له بتعجب وهي تسير خلفه تحت بسمات الجميع والتصفيق :
" إلى أين؟؟"
نظر لها بسعادة يهتف وهو يمسكها من خصرها يضعها على الحصان لتصبح جالسها وهي تضع كلتا قدميها في جهة واحدة وهو قفز خلفها يمسكها جيدًا هامسًا وقد تحرك حصانه بسرعة كبيرة بعيدًا عن الجميع ليبدأ الزوار بالتفرق للرحيل وقد بدأ البعض ينثر الورود على سالار وتبارك :
" إلى قصر عائش، سنقضي مساء زفافنا الاول هناك مولاتي ...."
_______________________
ويبدو أن المساء لم يكن موعدًا حصريًا لهما، بل كان كذلك لقاء مرتقب مؤجل منذ ايام طويلة ...
فبعد ساعات من انتهاء الزفاف ورحيل الجميع، وخلود البعض للنوم .
كانت تقف في نفس الساحة حيث بداية القصة، نفس الوقفة ونفس النظرات القديمة لكن مع لمحة مشاعر دخيلة على مشاعرهم القديمة .
شدد هو على مقبض سيفه وهو ينظر لها بأعين تظهر من لثامه الاسود، يراقب كل حركة تصدر من جسدهاء قبل أن يتخذ وضعية الدفاع يرفع إصبعه مرددًا بصوت خافت :
" أرني ما لديكِ جلالة الملكة "
اتسعت بسمتها وهي تحرك السيف بمهارة بين كفها، تقترب منه خطوات قصيرة بطيئة كنمر يتربص لفريسته، وهو كان يستمتع برؤيتها تلعب دور الصياد في لعبة هي فريستها من الأساس...
فجأة اندفع جسد كهرمان بقوة صوب إيفان الذي تلقى ضربتها بملامح جادة وهو يعتدل يدفع سيفها للخلف بسرعة وقبل أن تدارك صده لها بسهولة كان هو يهاجمها بضربة عكسية جعلتها تميل للخلف بقوة حتى كادت تسقط ارضًا، وهو مال عليها يهمس لها :
" يبدو أن مرونة جسدك ليست حصرية للرقص فقط جلالة الملكة "
رمقته بغضب وحنق تعترض على خداعه لها، ليهمس حين فهم نظراتها :
" لا بأس، كل شيء مباح في الحب والحرب مولاتي "
اتسعت أعين كهرمان التي تظهر له في كامل وجهها ترمقه بحدة ليبتسم لها هامسًا :
" لا تنظري لي هكذا، فأنا لا أخشى عيون القطط خاصتك"
رفعت حاجبها تبتسم بسمة صغيرة انعكست في نظراتها ليبتعد هو ببطء مرددًا :
" بل اذوب بها.."
اعتدلت كهرمان تتنفس بقوة وهي تعدل من وضعية اللثام، ثم رمقته بتحفز وهو أشار لها :
" سأمنحك فرصة هجوم ثانية فلا تضيعنها، أنا لن اكون بهذا الكرم طوال الوقت "
وبمجرد انتهاء كلماته حتى اخذت ضربات وهجمات كهرمان تتابع عليه كالسيل، حتى كاد يسقط سيفه سهوًا منه، لولا أن تمكن منه في اللحظة الأخيرة بسرعة يردد بجدية :
" لا بأس بكِ "
أجابته بحاجب مرفوع :
" لا بأس ؟؟ بل أنا أكثر من هذا مولاي "
ابتسم لها يجيب بهدوء وبكل بساطة :
" أنا كنت أقيم قتالك لا اقيمك أنتِ، لكن إن أردتِ تقييم لكِ، فأنتِ أكثر من مجرد لا بأس كهرمان ..."
ختم حديثه يستغل شرودها يرفع سيفه يضرب خاصتها بقوة ليسقطه، ثم ضربه بقدمه ليلتقطه، يرفع السيفين في وجهها وهو يدور حولها :
" مازلتِ كما أتذكر، محاربة فاشلة وامرأة ساحرة"
استدارت له كهرمان بقوة وغضب تمنحه نظرة مشتعلة ليبتسم هو مضيفًا وقد احب رؤية ملامحها الغاضبة التي تعيد له ذكريات قديمة :
" لو كنتِ ماهرة في القتال بقدر بهائك كهرمان، لهزمتي جيوشًا بنظرة "
ابتسمت له تقول بنبرة تماثله هدوءًا وخبثًا :
" ولو كنتَ ماهرًا في القتال بقدر مهاراتك في الحديث إيفان، لحكمت العالم بكلمة "
اتسعت أعين إيفان وبسمته كذلك يردد بعدما تلقى كلماتها في منتصف صدره :
" أوه يا ويلي من لسانك الحاد "
" ليس بقدر خاصتك صدقني "
أطلق إيفان ضحكات مرتفعة وهو يلقي لها بالسيف يقول :
" حسنًا اعتقد أن معركة الحديث بيننا لن تنتهي بسهولة ولن نجد فيها رابحًا، عكس معركة السيوف من السهل تحديد الفائز بها، لذا جولة أخرى ؟؟"
التقطت كهرمان السيف بكل مهارة قبل أن تنزع اللثام عنها لتتنفس بشكل مريح تقول :
" جولة أخرى "
وهو فقط راقب وجهها يقول ببسمة واسعة :
" تشهرين جميع اسلحتك في هذه الجولة، وهذا ليس بعدلٍ "
اتخذت كهرمان وضعية الهجوم هذه المرة وهي تشير له تردد جملته بنفس بسمته تراقب الاستمتاع يلوح في نظراته وقد أدركت أن ليلتها مع هذا الرجل لن تنتهي بهذه السهولة وستكون أطول وأكثر ليالي حياتها جمالًا :
" لا بأس، كل شيء مباح في الحب والحرب مولاي ....."
ابتسم لها إيفان وهو يشير لها بالهجوم قائلًا ببسمة :
" اجعليها حربًا أو حبًا، لا يهمني طالما أنكِ طرفًا في أي منهما"
هجمت عليه كهرمان بسرعة وهو أخذ يصد ضرباتها تارة ويهاجمها تارة أخرى في استمتاع شديد، حتى صوبت نحوه ضربة عنيفة تجنبها بمعجزة وهو يميل ينصف جسده بسرعة مرعبة للخلف ينظر للسيف الذي كاد يخترقه :
" يا ويلي أنتِ جادة بهذا حقًا ؟! هل سلطّك شقيقك عليّ ؟؟؟"
نظرت له كهرمان ببسمة تقول :
" كنت اعلم أنك ستتجنبها "
اعتدل يقول وهو يدور حولها وكأنه يبحث عن مدخل لها :
" وإن لم أفعل ؟؟"
" كنت سأوقفها في الوقت المناسب، لا تقلق أنا لست بمثل هذا التجبر لأقتل نفسي بيدي مولاي "
ابتسم لها إيفان يقول :
" لا بأس سأسامح بالموت إن كان على يديكِ "
ختم حديثه يرفع سيفه عاليًا، ثم هبط عليها بقوة تصدت لها بسرعة وهي تتنفس بصوت مرتفع جعل بسمته تتسع، يلقي السيف جانبًا، يرفع يديه في الهواء :
" حسنًا ستتوقف هنا فلا نود أن يستيقظ الجميع في الغد ليجمعوا اشلائنا "
ضحكت كهرمان عليه ليقترب هو منها، يمسك يدها يقول ببسمة واسعة :
" ما رأيك في فعل شيء رائع آخر "
نظرت له بفضول تنتظر أن يشاركها ما يقصد، ليبتسم يجذب يديها خلفه وهي تبعته دون قول كلمة واحدة وهو كان يحقق أحلامه في هذه اللحظة، يقضيها مع امرأته في ليلة باردة لطيفة ...
توقف بها أمام الاسطبل يشير لها بعيونه صوب الخيل، لتتسع بسمة كهرمان بقوة وهي تقول متقدمة من الأحصنة :
" مُصر على تذوق الهزيمة مني في كافة المجالات اليوم ؟؟"
" سنرى "
وبعد دقائق قليلة كانت الخيول تنطلق بسرعة كبيرة خارج الاسطبل تحمل فوقها الاثنين وصوت ضحكات كهرمان يبدد صمت الليل الخانق ورؤيتها تسعد قلبه ليشعر إيفان واخيرًا أنه نال نصيبه من السعادة في هذه الحياة، بل ويزيد ...
علقت عيونه بكهرمان التي كان الهواء يداعب حجابها وبسمتها متسعة بقوة وسعادة لتصنع لعيونه اجمل لوحة قد يبصرها، اقترب منها بحصانه ينافسها يهمس لها :
" هيا أرني ما لديكِ "
" الكثير مولاي ...."
وبهذه الكلمات ختمت الحوار لتشتعل المنافسة وتحفر حوافر الأحصنة مكانها في أرضية القصر، وتُحفر قصتهما في التاريخ .
عن ملك وقع ضحية عشق لأميرة هاربة ......
__________________
نالها من طلبها ..
وعلى العكس هنا، هو لم يطلبها ونالها، لم يطلبها لكنه رغبها وسرّها في نفسه، على عكس شقيقه الذي طلبها صراحة ودون خجل ولم ينالها حتى الآن..
بمجرد أن خطى مهيار جناحه الذي يقطن به في المبنى المجاور للمشفى، نبض قلبه بسرعة يبصر أمامه ليلاه ترتدي فستان بالاسود يتخلله بعض الفضة، وهي تردد بعض التهويدات وتدور في حركات راقصة راقية لطيفة .
وهذا المسكين الذي في حياته كلها لم يختلط بالنساء سوى لمامًا، ولم يعرف من الزهور عداها، كان فقط يقف فارغًا فمه بدهشة يراقبها بذهول وكأنه جاء من عالم آخر يستكشف اسرار عالمها، وهي حينما رأته ابتسمت وأخذت تدور حوله، وهو فقط يحرك عيونه معها ببسمة غير مصدقة ..
وفجأة توقفت ليلا عن الحركة وهي تعيد خصلات شعرها للخلف تقول بسعادة ولطف وهي تضم كفيها أمامها بترقب :
" ما رأيك ؟!"
نظر لها مبتسمًا بذهول مرددًا بشبه بلاهة :
" في ماذا ؟؟"
" في هذا العرض الذي قدمته لك منذ ثواني مهيار ما بك "
اجاب ببسمة واسعة وصدق التمع في حدقتيه :
" حسنًا هو رائع، بل العرض الأفضل الذي رأيته حتى الآن، في حياتي لم أر عرضًا بهذا الجمال والابداع "
رفعت حاجبها تسأله ببسمة ممازحة:
" وكم عرضًا شاهدت سيدي الطبيب لتصنف خاصتي بالاول ؟؟"
" واحد فقط ...عرضك "
أطلقت ليلا ضحكات مرتفعة وهي تقول :
" إذن صنفت عرضي بالمركز الأول في منافسة لا تضم سواه، أي نوع من المشاهدين أنت ؟؟ "
اقترب منها بخطوات بطيئة قبل أن يتوقف أمامها يراقبها بانبهار، انبهار لا ينتهي، هو كل يوم ينبهر بها أكثر من سابقه:
" مشاهد مخلص لا يهتم بمشاهدة غير هذا العرض، ولن يمل مشاهدته لو قضي اعمارًا طويلة يفعل، ببساطة لأنه عاشق لهذا العرض ومن يؤديه "
تنفست ليلا بصوت مرتفع تتراجع خطوات للخلف:
" حسنًا نكتفي بهذا القدر للان، عندما استوعب ما تقوله يمكننا الاكمال "
أطلق عليها ضحكات وهو يراها تتحرك في الجناح تردد ببسمة واسعة، ترتب كل ما فسد أثناء تحضير هذه الليلة له :
" لقد كان الزفاف رائعًا، ألا تظن هذا ؟!"
" نعم كان كذلك، وأروع ما به وجودك ليلتي "
استدارت له نصف استدارة وهي تمنحه بسمة واسعة تردد بصوت خافت ممازح :
" انتبه لئلا اعتاد الدلال فأفسد سيدي الطبيب "
" تدللي كما تشائين "
ألقت ليلا الثياب في السلة المخصصة لها، ثم أشارت له أن يقترب :
" هيا اعددت لك الطعام "
نظر لها ثواني قبل أن يتحرك بعيونه صوب الاطباق المرتصة على الطاولة، ومقارنة سريعة بين هذه الحياة الدافئة الجميلة وحياته البائسة السابقة التي كان يعود فيها ليجد فراشه فيلقي عليه جسده ليستيقظ في الصباح يعيد نفس يومه السابق .
شتان بينهما .
اقترب من الطاولة ينظر لملامحها وهي اخذت تلملم خصلات شعرها في رباط صغير، ثم حملت بعض الثياب المريحة للنوم وتحركت صوب المرحاض :
" سأبدل ثيابي واعود "
هز رأسه ثم تحرك هو الآخر ليبدل ثيابه وحينا فتح خزانته تفاجئ بمجرد أن أبصر حقيبة الأدوية التي تناساها في خضم ما حدث، كيف نسيها .
حملها يلقيها على الفراش، ثم أخذ يبدل ثيابه ولم ينتبه على خطوات ليلا خلفه التي خرجت مبتسمة تراقبه بسعادة لا تصدق أن حلمها يتحقق الآن..
من كان يصدق أن الطبيب الذي عاشت عمرًا تهيم به سرًا، سيجمعها به مكان واحد وهي تراقبه دون خوف أو خجل .
ما أجمل أن يكون الحبيب هو نفسه النصيب ..
استدار لها مهيار ليبصرها تراقبه ببسمة شاردة فابتسم لها يقول متسائلًا وهو يتحرك صوبها :
" ماذا ؟؟"
" فقط احاول إدراك انتي أحيا احلامي في هذه اللحظة "
مد يده يضم وجهها بين كفيه، ثم اقترب منها يهمس أمام وجهها بصوت خافت :
" أخبركِ سرًا ؟؟"
رمقته بفضول وترقب فهمس لها :
" هذه كانت احلامي قبل أن تعي أنتِ معنى الاحلام"
اطالت نظراتها في عيونه ليبتسم هو لها بسمة واسعة يقص عليها متى بدأ هذا الحلم :
" اثناء دراستي الطب وترددي على محل والدك، ذلك اليوم الذي اتذكره جيدًا، دخلت المحل لإحضار بعض الأعشاب التي احتاجها في الدراسة، أخذت صدمة حياتي مدركًا أن السماء الصافية الممتلئة بالنجوم ليست المشهد الاجمل الذي رأيته في حياتي، هناك مشهد اجمل بكثير .."
نظرت له تحاول تذكر أول مرة دخل لها محل والدها، هي حقًا لا تتذكر وهو فقط ضحك على محاولتها يقبل وجنتها بحب يهمس جوار أذنها:
" ذلك اليوم حينما كنتِ ساقطة ارضًا حولك العديد من الزهور وبعض السلال المحطمة، كان ومازال ثاني اجمل المشاهد التي ابصرتها في حياتي "
ابتسمت تقول بصوت خافت :
" ثاني ؟!"
" الاول كان حين رأيتك تُزفين لي "
وهذا كان أكثر مما تتمنى هي لتلقي نفسها بين أحضانه تضم خصره بقوة تهمس :
" أحبك مهيار "
اتسعت بسمة مهيار بقوة وهو يشدد من ضمها له أكثر وأكثر وعيونه معلقة على الأدوية مبتسمًا، يدرك أن القادم معها سيكون فصل آخر في قصتهما، لكنه لأجلها يستطيع فعل أي شيء، سيخوض كل ما يمكن خوضه لأجلها ولأجل أن تكون بخير .
حتى إن اعتزل مهنته ووهب نفسه وحياته كلها لعلاجها هي، ستكون مريضته الوحيدة إن أرادت ..
" وأنا اعشقك ليلتي الجميلة ...."
___________________________
" أخبرتك يوم زفافنا دانيار "
رفع دانيار يديه في الهواء بكل براءة، فهو بمجرد أن دخل الغرفة الخاصة بها حتى باغتته بهذه الجملة ظنًا أنه جاء لأجل مطلبه، لكنه فاجئها يقول ببسمة حنونة هادئة :
" صدقي أو لا تصدقي، لكن غرض وجودي الآن، في غاية البراءة "
نظرت له ثواني دون تصديق، ليبتسم هو لها يتحرك داخل المكان وهو يضم يديه خلفه يحرك نظراته حوله وكأنه يبحث عن شيء فقده، وهي فقط تتابعه لا تدري سبب ما يفعل، حتى تحدث هو ببسمة صغيرة :
" جميل هذا المكان، غرفتك تبدو جميلة حقًا "
نظرت زمرد حولها بتعجب تتساءل هل هذه هي المرة الأولى التي يرى غرفتها، ويبدو أنها نطقت كلماتها بصوت مرتفع، ولم تدرك ذلك إلا بعدما سمعت رده يقول :
" نعم هذه المرة الأولى التي اتأمل بها غرفتك، فأنا في جميع زياراتي لكِ سابقًا، لم يكن لدي الوقت الكافي لأفعل كنت انشغل بأمور أخرى "
كان يتحدث بجدية وهو يحرك عيونه في المكان لتقوب هي بحاجب مرفوع مبتسمة :
" كالتواقح عليّ!!"
وإن ظنت أنها ستصمته وتخجله بهذا السؤال فهي مخطئة إذ ابتسم يقول بجدية :
" نعم صحيح، كالتواقح عليكِ "
صمت ثم أضاف بجدية :
" أنا حقًا لا ادري ما يمكن قوله الآن، لقد كان التواقح فكرة أفضل من محاولة إيجاد أي موضوع للتحدث به معكِ الآن "
ابتسمت تقترب منه وهي تردد ببسمة ممازحة :
" إذن أنت لم تأتي للتواقح كما تقول، ولا تمتلك شيئًا تتحدث به عدا التأمل في غرفتي ؟!"
صمتت ثم ضمت ذراعيها لصدرها تردد بجدية :
" إذن ما سبب تشريفك لي الآن سيدي قائد الرماة؟؟ "
حدق بها دانيار واطال التحديق قبل أن يقول بكل بساطة وتلقائية :
" فقط أردت الجلوس معكِ وتمضية الوقت، حتى وإن لم امتلك ما اتحدث به، يمكنني الجلوس صامتًا طوال الليل طالما اتأمل وجهكِ "
رمشت زمرد بصدمة وتراجعت للخلف، لم تتوقع هذه الإجابة، وقد اخرسها بكلماته ووترتها، تحاول ايجاد كلمات تجيبه، لكنه ابتسم يقول بهدوء :
" اجلس أمامك احدق بكِ طوال الليل، تبدو فكرة مغرية أكثر حتى من الرقص لي أو التواقح عليكِ، من الأساس استطيع قضاء المتبقي من عمري أفعل هذا دون الملل "
اقترب اكثر يقف على بعد خطوة واحدة هامسًا :
" فقط أنا وأنتِ وليلة لا تنتهي وأنا احدق بكِ، هذا جُلّ ما أتمناه "
ابتسمت له زمرد وهي تقترب منه تضم وجهه بين كفيها بحنان ليبتسم لها دانيار بكل الحب الذي يقبع داخل صدره لهذه المرأة والتي لا يدري من أين خرجت له، لكنه يدرك أنها هي مكافأة صبره في هذه الحياة، فإن لم تكن زمرد، فمن ستكون امرأته ؟؟
لا سواها يصلح ليكون معه ولا بغيرها يرتضي ....
ابتسمت تقول بصوت هامس وهي تقترب منه أكثر بحنان :
" انظر إليك كيف تكون رائعًا وأنت بهذه البراءة ؟؟ "
رفع حاجبه لها يقول ببسمة :
" أنا أكون رائعًا بجميع الأحوال عزيزتي "
" نعم وأنا أشهد بذلك، لكن حين تكون نظراتك صافية بريئة بهذا الشكل تزداد جاذبيتك "
ابتسم لها وقد مد يده ببطء صوب خصرها يضمها له يحرك رأسه لها :
" إذن مستعد أن أصبح بهذه البراءة طوال الوقت إن كان هذا يزيد من جاذبيتي في عيونك يا امرأة، سأكون ببراءة طفلٍ لأجلك إن أردتي "
نظرت له بشك من حديثه قبل أن تقول بهدوء وجدية :
" إذن هذا يعني أنك لا تريد ذلك العرض الراقص الذي كنت ارتبه لأجلك اليوم ؟؟"
اتسعت أعين دانيار بقوة وبحماس شديد يعدّل على حديثه السابق :
" أو ...يمكنك اعتباري مراهق فاسد، سيكون هذا مناسبًا أكثر"
دفعته زمرد بعيدًا تصيح بحنق شديد :
" والله كنت اعلم أنك لن تستقيم بهذه السرعة والبساطة، تدعي البراءة وأنت ابعد ما تكون عن البراءة، تخبرني اشعار عن اكتفائك بليلة تأمل فقط وأنت تتلهف لما وراء ذلك "
أطلق دانيار ضحكات مرتفعة وهو يحاول الامساك بها، لكنها عاندت وهي تتراجع للخلف، بينما دانيار استند بيديه على ركبتيه يحاول التحكم في ضحكاته :
" حسنًا أنا آسف، حقًا آسف، لقد كنت امزح معك اقسم لكِ، لا أريد رؤيتك ترقصين، كنت فقط امازحك"
نظرت له بشك وهو فقط ليثبت لها حسن نيته تنهد بصوت مرتفع، ثم مال وأحضر لها حجاب موضوع على المقعد يضعه على رأسها، ومن ثم تحرك بها لخارج الغرفة صوب النافذة يجلس على الأرضية، ثم جذبها لتجلس أمامه ونظر للسماء يأخذ نفسًا طويلًا :
" هذا ما قصدته بقضاء الليلة معكِ، أنا وأنتِ والسماء الصافية هذه وفقط "
كانت زمرد ما تزال تحاول استيعاب ما يحدث، قبل أن يرتخي جسدها شيئًا فشيء لينتهي بها الأمر مستندة على صدر دانيار بهدوء شديد، تستمتع بالهواء حولها، هذه الحياة التي تحياها الآن، انستها ما عانت في الماضي، هي لم تتخيل أن تخرج يومًا من مستنقعها، أو ان تحيا هكذا حياة، لكن رحمة الله بها كانت أكبر من أي شيء آخر...
" أنا أشعر بالراحة الشديدة "
نظر دانيار حوله يتأكد أن لا أحد سيبصرهما من هذا الارتفاع، وايضًا بسبب هذا الظلام، ليبتسم وهو يمد يده يزيح حجابها جانبًا، ثم أخذ يفرك لها خصلات شعرها بحنان لتتنهد زمرد براحة أكبر وتشعر بالنعاس الشديد .
" إذن كل يوم مستعد لقضاء الليلة بالطريقة ذاتها لاجلك إن أردتي "
ابتسمت له وهي ما تزال مغلقة عيونها تتمتم ببعض الكلمات الغير مفهومة، ليشعر دانيار أنها لم تعد تعي ما يحدث حولها، فابتسم واستند بظهره على جدار الشرفة خلفه يخفض رأسها ببطء حتى استقرت على قدمه، يجعلها تتمدد في وضع مريح، ثم مال يطبع قبلة صغيرة على وجهها :
" نومًا هنيئًا مليئًا بجميل الاحلام، مثلك زمردتي "
تمتمت هي قبل أن تغرق بشكل كامل في النوع :
" أنا أحب هذا، وأحبك"
ابتسم يستند برأسها على خاصتها يهمس بكل الحب :
" وأنا أحب هذا وذاك وكل ما ينتمي لك، واخيرًا مع كامل الحب أعشقك زمردتي ...."
رفع رأسه يستند بها على الجدار بعدما طبع قبلة أخرى رقيقة على جبينها، ثم نظر لها يحقق واخيرًا حلمه الذي أخذ يردده عليها منذ ساعة ..
يقضي ليلته بالكامل في تأمل عالمه وحياته القادمة، تأملها ......
__________________________
تراجع للخلف بعناد شديد يبعد عيونه عنهم رافضًا :
" أنت لا تستطيع اجباري على ما لا اريد "
انتفض تميم وهو يتحرك صوبه بتحفز شديد وغضب يواجهه بكل الحنق الذي يملئ صدره تجاه هذا الرجل الذي كان بلا قلب ليرفض طلب ابنته بأن يزفها له.
" أي نوع من الآباء أنت يا رجل ؟؟ بالله ما رأيت من هو بمثل ...."
صمت يكبت كلماته القادمة لأجل برلنت التي كانت تقف في ركن السجن وهي تبكي بصوت منخفض حزينة من رفض والدها لطلبها .
تحركت صوب تميم تجذب يده وهي تشعر بخطأها لحضورها هنا ومطالبته بأن يزفها بعد كل ما فعل، كان خطأ كبير على أية حال .
" لنرحل تميم، لقد غيرت رأيي، أنا لا أريد، لا أريد أن أُزف لك مع أبي، سوف ...سوف اجعل أمي تفعل، أو يمكنك أنت المجيء واخذي بنفسك و..."
كانت تتحدث بكلمات مرتعشة حزينة، رغم كل ما فعل بها، إلا أنها تغاضت عن الأمر حتى تُزف كجميع الفتيات، أرادت الشعور لمرة واحدة بحبه لها، لكن حتى هذا استكثره عليها .
توقفت عن الحديث بسبب صرخة تميم الجنونية التي هزت جدران السجن :
" تالله وبالله ووالله لن يزفك لي غير هذا الرجل، إن كان الأمر عنادًا فأنا اسوء منه، أردتي أن يزفك والدك وسيفعل ولو زفّك لي مكبلًا يدفعه الجنود دفعًا "
استدار صوب عبدالله الذي كان ينظر ارضًا دون الحديث بكلمة، فقط كلمة " لا " خافتة هي ما خرج منه منذ دخلوا عليه السجن.
وتميم كان في هذه اللحظة قد جن جنونه، إذ جذبه من تلابيب ثيابه بعنف جعل برلنت تتحرك صوبه برعب وهي تهمس :
" لا تميم، لا أريد، دعه "
لكن تميم لم يهتم وهو يهتف بغضب :
" سمعت عبدالله ؟؟ ستزف ابنتك لي ولو دون إرادتك، لن يزفها لي غيرك، تحلي ببعض الرجولة والإنسانية وعاملها كابنة لك، ارادتك أن تزفها بعد كل ما فعلت وتغاضت عن الأمر ليأتي الرفض منك ؟؟"
رفع عبدالله عيونه لتميم والتي كانت حمراء مليئة بالخزي يهتف بصوت موجوع :
" دع والدتها تزفها، لا أريد أن يفسد وجودي يومًا كهذا، أن يحضره أحد المساجين، هذا ...هذا لا اقبله لها، صدقني في المستقبل لن تكون ذكرى جيدة لتتذكرها "
تراخت يد تميم عن ثيابه شيئًا فشيء قبل أن يتراجع ببطء للخلف، وقد أخذ صوت بكاء عبدالله يرتفع وهو يهتف من بين دموعه :
" أنا لا أريد إفساد يومها كما أفسدت كامل حياتها، لا أريد فعل ذلك "
انفجرت برلنت في البكاء بقوة وهي تتحرك صوب عبدالله دون شعور تهتف بحزن لنبرته المكسورة تلك :
" ابي لا تقل هذا "
ختمت كلمتها وهي تضم نفسها لاحضانه لينفجر الأثنان في بكاء عنيف، أما عن تميم فتراجع للخلف يترك لهما مساحة للتعبير عما يجول في خاطر كل منهما، وبعد دقائق من البكاء أخذت برلنت تردد من بين شهقاتها :
" أنا لا اهتم لشيء بقدر تواجدك جواري أبي "
نظر لها عبدالله بضعف ليهتف تميم بصوت خافت :
" سأطلب من الملك اخراجك صبيحة زفافنا، وسأقدم طلبًا للعفو عنك سيد عبدالله، اتمنى فقط أن تكون قد تعلمت درسك وعلمت قيمة ابنتك التي ورغم كل ما فعلته بها لا تزال تراك ابًا تحبه وتبره "
ختم حديثه وهو ينظر صوب برلنت ثواني ومن ثم تحرك للخارج بسرعة تاركًا إياها مع والدها لتشعر بالرعب من فكرة أنه غضب منها لأي سببٍ كان .
كلمات سريعة قالتها لوالدها على وعد بالعودة، ثم هرولت للخارج تدعو الله ألا يكون قد ابتعد كثيرًا، لكن وبمجرد أن خرجت من باب الحجرة الخاصة بوالدها وكادت تهرول للخارج شعرت بيد تمسكها وتجذبها، ولم تكد تصرخ حتى سمعت صوته الحنون :
" انتهيتي ؟؟"
توقفت برلنت وهي تنظر له ينتظرها جوار الحجرة من الخارج :
" أنت هنا ؟؟ ظننتك رحلت "
" كيف ارحل واتركك بيرلي ؟؟"
ابتسمت له برلنت وهي تقترب منه قبل أن ترمي نفسها بين أحضانه وهي تدمع دون شعور منها، لطالما كان تميم الحامي والمنقذ لها والمدافع عنها من كل شرور هذا العالم، كان ومازال ...
" لِمَ البكاء بيرلي، ألستِ راضية الآن ؟؟"
هزت رأسها وهي لا تستطيع التحدث من بين دموعها ليتنهد وهو يتحرك بها صوب الخارج، ومن ثم تحرك صوب المعمل الخاص به والذي كان اول ما قابلهما، هنا حيث بدأ الفصل الجديد من قصتهما ...
اجلسها على فراشه هناك، ثم جلس أمامها يردد بصوت خافت :
" أخبريني ما يرضيكِ وافعله، فقط أطلبي "
" وجودك معي "
ابتسم لها بحنان وهو يداعب بأصابعه باطن كفها :
" هذا ليس طلب برلنت، بل واقع حبيبتي، وجودي معك واقع لا اخطط أن يتغير لا الآن ولا لاحقًا، يكفيني أعوام طويلة عشتها دونك، جربت شعور فقدك مرة ولا أريد تجربته ثانية "
نظرت له بأعين دامعة رغم بسمتها:
" إذن أنت تعدني أنك ستظل معي طوال الوقت؟! "
" اعدك "
" رغم كل ما أفعله من تصرفات غبية؟! "
" رغم كل ما تفعلينه من تصرفات غبية "
" ستحبني مهما مرت السنون ؟؟"
"سأفعل "
" وستظل تدللني كطفلة صغيرة؟!"
" لكِ كل الدلال "
ابتسمت وهي تضحك ضحكة خافتة بسبب يده التي بدأت تداعب وجهها بلطافة، ثم قالت وقد شعرت باشتياق شديد لفعل ذلك مجددًا :
" متى آخر مرة صنعت فيها فخار تميم ؟؟"
نظر لها تميم بعدم فهم لثواني قبل أن يجيب ببساطة :
" لا أتذكر في الحقيقة، لكن لماذا ؟"
" اريد أن نصنع واحدة سويًا، تمامًا كما كنا نفعل قديمًا، أريد استعادة ذلك الشعور الذي كان يدور داخل صدري حين تعلمني صناعة الفخار، هل يمكنك أخذي غدًا لفعل ذلك ؟؟ "
نظر لها ثواني قبل أن يبتسم بسمة واسعة وهو ينتفض من أمامها يجذب يدها بسرعة صوب غرفة جانبية في المعمل والتي كان بها باب يطل على الحديقة الخلفية يردد بحماس شديد وقد أثارت هذه الفكرة لهفته لماضٍ ولّى :
" الآن إن أردتي "
ولم تدري برلنت بنفسها سوى وهي تجلس في منطقة تبصرها للمرة الأولى في هذا الجزء من الحديقة وأمامها الكثير من الطمي وأداة صناعة الفخار، نزع عنه تميم سترته العلوية واحتفظ فقط بثوبه السفلي يشمر اكمامه وأمامه هي تجلس وقد ازداد الحماس بصدرها.
مدّ يده ببطء يضعهم على كفيها بعدما وضع قطعة طمي كبيرة على الآلة، واخيرًا بدأت جولة صناعة الفخار، لشيء غير معلوم الهوية حقًا، فلا هو يدري ما يريد صناعته ولا هي تهتم لذلك، وكل ما يفكران بهما أنها الآن يحيان ذكريات قديمة، ويغوصان في ماضٍ بعيد.
مال تميم برأسه يستند بها على كتف برلنت وهو يحرك يديها بحنان على الطمي ..
وهي فقط لا تستطيع التفكير بشيء سوى أنها الآن بين احضان تميم وانفاسه تداعب رقبتها وفجأة توقف قلبها للحظات حين سمعت صوته يهمس :
" ما تزال يدك مرتجفة كما السابق وضربات قلبك متسارعة، ألم نتجاوز كل هذا منذ سنوات صغيرتي؟!"
نظرت له برلنت وهي تستدير فقط برأسها له تهمس بصوت خافت :
" لا أظن سأستطيع ولو بعد مئات السنين تجاوز هذا الشعور تميم "
" وأنا لا أطمح لهذا، فهذا يساعدني على معرفة تأثير قربي عليكِ، وهذا للحق يعجبني "
ابعدت وجهها عنه تنظر للطمي تدعي التركيز به مبتسمة بسمة واسعة وهو اتسعت بسمته هو الآخر يضمها له أكثر، وهو يميل عليها كل ثانية يقبل وجنتها بسرعة، ثم يعود لإكمال عمله كأنه لم يفعل شيء، وهي كل ما تستطيع فعله هو الضحك من أفعاله، أما هو كان فقط يغرق في ضحكاتها كما سبق له وغرق في عشقها مذ كانت مراهقة صغيرة لا تفقه من الحياة سوى أنه رفيقها، ولا يعلم من الحياة سوى أنه عاشقها .
وها هي مرت الحياة لتكون من الإنصاف وتجمعهما بعد كل هذه السنوات .....
_____________________
ذلك المشهد الذي يظهر به البطل مع البطلة في نهاية أي مسلسل تلفزيوني أو فيلم، مشهد ختامي يرضي جميع المشاهدين المحبين للنهاية السعيدة، المشهد الذي يضم به البطل البطلة وهو يعدها بكل الحب والسعادة ومن ثم تُسدل الستارة عليهما وتنير كلمة النهاية الشاشة، ليغادر الجميع مبتسم سعيد حالم ...
كان ما يحدث معها في هذه اللحظة وما تحياه، يصلح ليكون أحد مشاهد النهاية السعيدة .
هي أمام سالار على حصانه يضمها ويتحرك بها بين الأشجار وأسفل السماء المليئة بالنجوم وعلى صوت أنفاسه تغمض عيونها، بالله أي مشهد آخر يصلح لتختم به قصتها ؟!
ابتسمت بسمة واسعة حين سمعت صوته يقول :
" لا احزن الله لكِ قلبًا عزيزتي، لكن ما سبب هذه البسمة ؟؟"
أجابته تبارك وهي تجيبه بسعادة كبيرة وما تزال عيونها مغلقة :
" اشعر فقط أنني، أنني وإن انتهت قصتي عند هذه اللحظة سأكون أكثر من راضية "
" أي نهاية مُهجتي، ونحن ما نزال نخط بداية القصة ؟؟ ما تزال هناك فصول عديدة نعيشها سويًا"
فتحت عيونها تنظر لعيونه الخضراء التي كانت تسحرها وخصلاته الصهباء التي تعشقها، وهي تجيب ببسمة واسعة :
" نعم ما يزال عليّ رؤية صغار يشبهونك سالار، هناك الكثير لاحياه معك، الكثير من الأحلام التي حلمت بها يومًا في يقظتي لم تتحقق بعد "
" إذن اسمحي لي مولاتي أن أهب حياتي لتحقيق كامل احلامك "
ابتسمت وهي تغمض عيونها تستند على صدره والحصان يتحرك بخفة صوب وجهتهما تقول بهدوء :
" يمكنك بدء تحقيق تلك الأحلام بأن تغني لي تلك الانشودة التي كنت تغنيها"
صمتت ثواني، ثم نظرت لعيونه تقول بجدية :
" أو تخبرني ما معناها تحديدًا ؟!"
ابتسم لها وهو يجذب جسدها أكثر حينما شعر بيده ترتخي عنها، ومن ثم قال :
" تلك انشودة فلكلورية قديمة تحكي قصة عشق قديمة لا أحد يدري أحقيقة كانت أم أسطورة "
" نعم أخبرتني ليلا ذلك، ما لم تخبرني به هو ما هي القصة تحديدًا "
بدأ الحصان يبطء من سيره شيئًا فشيء وهو ابتسم يقول بصوته الهادئ الاجش، نفسه الصوت الذي كان يرافقها في أحلامها :
" هي قصة تناقلتها الأجيال عن ملكٍ عاش حياته وحيدًا، آمن بالحب والحب لم يؤمن به، ولم يمنحه شرف عيش لذته، عاش الملك وحيدًا يبحث بين الوجوه عمن تشاركه حياته، لكنه ما عثر عليها يومًا، حتى وصل لعمر الخامسة والثلاثين وقرر أنه قد يأس ولن يضيع المتبقي من حياته على سرابٍ يحياه، ومن هنا بدأ يزداد تصلبًا وكأنه سلّح قلبه بالجمود..."
صمت ثم رأى الفضول يضغي على وجهها يكمل ببسمة :
" إلى أن هجمت غارة من الأعداء على إحدى قرى الحدود الخاصة به فذهب مع جيشه لحربٍ ضدهم، وحين وصل وخاض حربه، غدر به أحد الأعداء ليصيبه ويسقطه ارضًا، فتقهقر جيشه مرتعبًا وهُزم في تلك المعركة ظنًا أنهم خسروا ملكهم، وحينها ظهرت امرأة من نساء تلك القرية التي اغار عليها الأعداء لترى جسد أحد الرجال ملقى جانبًا مضجر في دماءه، فأخذته للعلاج وقضت شهور عديدة تفعل ذلك "
كانت تبارك تسمع له متشوقة للنهاية وقد خمنت ما سيحدث وصدق تخمينها حين ابتسم هو يقول :
" نعم تمامًا ما تفكرين به، كانت هي المنشودة، اول ما أبصر الملك حين أفاق من غيبوبته ليسقط في عشقها من النظرة الأولى ويلين قلبه وهو يخبرها أول ما نطق أن تتزوجه ..."
ابتسمت تبارك تقول بمزاح :
" محظوظة هذه الفتاة الرجل سقط في عشقها من نظرة واحدة، ليس كأحدهم أخذ شهور لينطق كلمة "
نظر لها سالار بحاجب مرفوع، ثم قال ساخرًا :
" كان عليكِ رؤية نظراتي حين رأيتك المرة الأولى في المشفى وسرت خلفك كالمسحور "
نظرت له تبارك بأعين ملتمعة منبهرة بما يقول وهو ابتسم لها، ثم مال يقول بمزاح :
" أظن أن هذا ما دعم نظرية صامد وصمود أنكِ قمتي بسحري "
ابتسمت له تقول وهي تبعد عيونها عنه بخجل :
" ومن ثم ؟؟"
" لا شيء، فقط اخذت اقع بحبك كل ثانية أكثر، واتحين أي فرصة لوجودك جواري وأعاند أمام الجميع قربك، لكنني في داخلي كنت ابحث عن طيفك في كل ركن من أركان القصر معللًا ذلك بأنكِ مسؤولة مني منذ جئت بكِ "
ابتلعت ريقها لكل ما قال تهمس بصوت مهتز بعض الشيء :
" أنا أقصد ... أقصد القصة "
ضحك سالار عليها وهو يميل عليها هامسًا بصوت خافت جعلها ترتعش :
" نهاية قصتهما معروفة عزيزتي، الآن اتركي قصتهما واهتمي بخاصتنا، ولولا أنني اغار على اسمك من أن ينطقه لسان غيري لجعلت قصتنا انشودة تتناقلها الأجيال، فلا أظن أن قصة ذلك الملك تمثل شيئًا مما مررنا به سويًا "
ختم حديثه يتوقف بحصانه أمام بوابة حديدية ضخمة لترفع هي عيونها التي اتسعت بقوة وهي تتأمل ذلك الصرح العملاق ..
تحرك الحصان يدخل بهما للقصر الذي اناره سالار بالعديد من المصابيح يهمس لها بحب :
" مرحبًا في قصرك مولاتي ..."
كانت أنظار تبارك تمر على كل شيء حولها وهي تحاول استيعاب ما ترى عيونها، سمعت صوت خرير مياه لتهمس :
" نافورة ؟؟"
ابتسم ينفي وهو يشير لجزء بعيد في غرب القصر :
" بل شلال عزيزتي "
شهقت تبارك بنبهار وهي تراه يهبط ثم يساعدها لتفعل ومن ثم أمسك يدها يسحبها خلفه صوب منطقة الشلال التي نشر بها مصابيح ارضًا وبعض المصابيح العائمة في البحيرة التي تتوسط الحديقة يهمس لها :
" أعجبك ؟؟"
" قطعة من الجنة "
ابتسم بسعادة لانبهارها :
" كله لكِ الآن، إن أردتي الانتقال والعيش هنا سنفعل"
استدارت له ترمقه مصدومة تسأله إن كان جادًا، وهو ابتسم يؤكد لها كل كلمة نطق بها، لتقترب هي منه تقول ببسمة :
" ما أسعد على قلبي من العيش هنا المتبقي من عمري معك، لكن ....حياتك وعملك وجميع من يخصك هناك في القلعة سالار، لا استطيع انتزاعك من بينهم، وأنا... أنا انتمي حيث أنت "
" يمكنني الموازنة بين الأمرين تبارك، فقط أخبريني إن أردتي الاستقرار هنا "
نفت تهز رأسها تدرك أنها ستكون أنانية منها إن وافقت على هذا :
" يكفيني أن تحضرني كل اسبوع مرة لنقضي يوم معًا هنا، سيكون هذا كافيًا لي "
" سمعًا وطاعة مولاتي..."
اخذ بيدها يتحرك بها بين الحدائق صوب مدخل القصر الذي كان ممهدًا للسير يحده حدائق وزهور من كل مكان، حتى توقفوا أمام البوابة الداخلية والتي كانت من الالوان الابيض والازرق، دفعها سالار بهدوء لتتسع عين تبارك مما أبصرت، قصر ورغم بساطة تجهيزه إلا أنه كان مبهرًا، كانت كمن سُحبت داخل إحدى القصور القديمة الفاخرة في العصور الفكتورية، لكن بلمسة فارسية نابعة من تراثهم ...
اخذت تدور في المكان وهي تتلمس كل شيء حتى وصلت في النهاية لنقطة البداية أمامه حيث كان يتوسط البهو الرئيسي منتظرًا أن تنتهي من جولتها دون أن يقاطعها ..
" سالار هذا ....هذا ...هذا مبهر، بكل بساطة مبهر وأكثر من ذلك "
" سعيد أنه اعجبك، أنتِ أول شخص اسمح له بالدخول هنا "
نظرت له ثواني قبل أن تركض وتلقي نفسها بين أحضانه وهي تهتف له بحب :
" والله لا يهمني ما قدمت لي بقدر كلماتك تلك سالار، لا حرمني الله منك "
تراقص قلب سالار فرحًا من كلماتها يرفع جسدها عن الأرض وهو يضمها بقوة لدقائق لا يعلم هو مقدارها، وهي لم تهتم بحسابها، فقط لحظات مقتطعة من هذا العالم ..
ثواني وابتعدت عنه تقول ببسمة واعين ملتمعة من السعادة :
" لو عشت عمري بأكمله احلم بزفاف والله ما تجرأت وتخيلت نصف ما حدث لي "
" أخبرتك عزيزتي، احلمي وأنا احقق "
نظرت حولها تتنفس بصوت مرتفع من هول المشاعر التي تدور داخلها، ثم أمسكت كفه تضمه لها تقول بملامح غير مفسرة ولهفة واضحة في عيونها وبشدة :
" راقصني يا قائد "
نظر لها سالار بعدم فهم، لا يدرك ما تقصد أو تريد قوله، وهي اقتربت منه أكثر تمسك كفيه تضعهما على خصرها، ثم رفعت عيونها له تقول :
" لطالما حلمت برقصة مع زوجي يوم زفافنا"
ورغم جهله بما تريد، إلا أنه شدد يده على خصرها رغم أنه لم يقسو عليه، يجذبها صوب صدره أكثر متعقمًا في عيونها :
" لا افهم ما تقصدين "
" فقط غني لي..... وراقصني "
وهو فقط رأى الرجاء في عيونها ولم يدرك ما عليه فعله، إلا أنه فقط يدرك أنه لا يريد أن يرفض لها شيئًا ترغبه بهذا القدر :
" علميني "
ابتسمت وهي ترفع كفها تضعه على موضع صدره تمسك بالآخر طرف فستانها تبعد عن طريقها لتتحرك بحرية ثم قالت :
" فقط غني لي وضمني لك واجعلني اتمايل سالار "
وكان لها ما أرادت، لم يهتم لشيء لا لأنه لا يحب الغناء كثيرًا، أو أنه لا يفقه بما تتحدث عنه، لم يهتم سوى لرغبتها التي نفذها وهو يشدد ضمها له وبدأ يردد كلمات غير مفهومة على مسامعها بصوت هامس، يتحرك معها حركات بسيطة لطيفة وهي فقط أغمضت عيونها تحيا أحلامها ...
في ساحة القصر الواسعة وفي هذا المساء، بدئا الاثنان يتحركان بخفة وتبارك توجهه لما يفعل فكانت تدور حول نفسها تارة ويميل بها تارة، وهناك بسمة سعيدة ترتسم على شفتيها، لا تصدق أنها الآن جعلت قائد جنود لجيوش الفرس يراقصها في قصر متطرف على حدود بلاده .
كالحلم ها ؟!
لكن حتى وإن كان كالحلم، فقائدها تعهد أن يجعله واقعًا، وقد صدق وعده لها....
لتنقضي ليلة كالحلم على تبارك، ليلة تصلح نهاية سعيدة كما قالت لسالار، لكنها لا ترتضي بها نهاية، بل ستكون بداية لها، مع ذلك القائد الذي جاء واختطفها عنوة من عالمها ليزج بها في عالمه الخاص ويجبرها على التأقلم، حتى ترضخ هي لكل شيء طالما سيقربها منه .
وهو ذلك المتجبر الصخري الذي لان لأجلها فقط، وكأن الله ما أرسله ذلك اليوم لعالمها، سوى ليجد سكنه وسكناه ومسكنه، وجدها واختطفها من عالمها لتصبح هي عالمه ..
زوجته واميرته وملكة قلبه والمرأة التي كان وما يزال مستعدًا لإقامة حروب على العالم لأجلها، المرأة التي خسر وأحب الخسارة لأجلها .
وهذه يا سادة كانت الخسارة في المعركة المائة وخمس وعشرين للقائد سالار ......
____________________________
عوالم مختلفة اندمجت لتخلق لنا قصص كالاساطير، ورغم كل الاختلاف ورغم كل المعوقات إلا أن النهاية كانت واحدة.
فمن كان يتوقع أن قائد الجيوش الذي ارعب اعداءه، والذي ذهب لإحضار ملكة بلاده سيقع في عشقها ويأثم بحبها إن كان حبها إثمًا، بل ويقيم حروبًا إن طالبته بهذا ؟؟
أو من تخيل أن الملك الذي كان يزن كل كلمة منه ويحرص على كل نفس يخرجه، سيفقد تماسكه وتعقله أمام امرأة امتلكت كل ما أفقده عقله، ليأثم بحبها وأفكاره بها ...
أو تلك المسكينة التي عانت من ماضٍ مخزٍ وفرت من القرية الظالم أهلها، لتعيش بسلام بين جدران سفيد، فما وجدت سلامها إلى في عيون من لا تستطيع الاقتراب منه، وهو لم يهتم لكل ذلك، بل كان مستعدًا ليأثم بحبها ..
والتائه الذي عاش عمره هائمًا يبحث عن صغيرة بضفائر فقدها بين زحام الحياة وغدرها، أخذ يبحث عنها في كل الوجوه، متغافلًا أنها تراقبه من بعيد تنتظر فرصة لتعلن عن وجودها ....
وطبيب متزن لم يجد مسكنه سوى بين سماء ليلاه اللطيفة التي كان يتحجج بكل ما يمتلك فقط ليحظي بنظرة أو بسمة منها ....
سفيد لم تكن مجرد مملكة، بل كانت عالمًا، حللنا به ضيوفًا، عشنا معهم بين طرقات المملكة، خضنا معهم حروبهم واحتفلنا بأنتصاراتهم، سفيد ومشكى وأبى وسبز، بلاد في أواخر العالم انعزلوا عنا، لكننا هنا وفي هذه الحكايات عاندنا حكمهم واندمجنا بعالمهم دون علمهم، وها نحن نخرج من بوابة سفيد.
نتحرك بهدوء في الطريق الممهد صوب البوابة، بقلوب حزينة وجزء مشتاق، نستدير للخلف نلقي النظرة الأخيرة صوب القلعة على أمل بعودة قريبة...
قلعة سفيد، حيث صاحبنا أول الآثمين في رحلته، وها نحن نودعه صوب رحلة أخرى ومغامرة أخرى ..........
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
تمت بحمد الله
2024/7/22 م
1446/1/16 ه
رواية مملكة سفيد الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم رحمة نبيل
"أميرة الممالك "
مجرد مشهد صغير تم كتابته بناءً على طلب البعض ومن بعدها نرحل ..
ولو متعرفش فتم البارحة الإعلان عن غلاف الرواية الورقية الجديد واللي هي ( قصر الخواجة ) المهمة الرابعة من فريق العو.
جميع رواياتي الورقية ستكون متواجدة في معرض الكتاب .
صالة ٢ جناح C34
ــــــــــــــــ
كان الجميع يقف خارج الجناح دون كلمة، فقط هدوء يعم الإرجاء إلا من صوت خطوات أقدام عنيف يضرب الأرض كل ثانية، صوت زفرات غاضبة، وصوت همسات حانقة .
مال أرسلان ببطء على إيفان يتساءل بصوت منخفض وجاد وهو يراقب حالة سالار أمامه:
_ عساكم جهزتم الفطور إيفان، فزوجتي لم تتناول الفطور بعد .
اتسعت عيون إيفان وهو يرمق أرسلان بضيق، لكنه لم يهتم، يكمل باقي حديثه :
_ أخبرهم أن يكثروا الفاكهة رجاءً .
نظر إيفان أمامه صوب سالار الذي يكاد يخرج سيفه وينقض عليهم يقطع رؤوسهم واحدًا تلو الآخر محدثًا مجزرة على شرف طفله القادم :
_ اصمت أرسلان، سالار الآن بمزاج يسمح له بإباده كل من بالمكان ولن تصل للحظة الفطور هذه سالمًا .
رفع أرسلان عيونه صوب سالار الذي توقف واخيرًا أمام باب الجناح الخاص به ينتظر ردًا من الداخل، ينفخ بسخرية لاذعة ورغم ذلك لم يرفع صوته :
_ ماذا تحسبني أخشى ذو الشعر الأحمر ؟؟
_ لو لم تكن لما كنت تحدثت بهمس أرسلان.
_ ليس لأنني اعذره لحالته، واشفق عليه لأجل مولد صغيره المبكر، أنني أخشاه، خسئت أنت وهو والصغير الذي لم يولد بعد إيفان.
فتح إيفان فمه يكاد يجيب كلماته، لكن فجأة انتفضت اجسادهما على صوت سالار الذي صرخ بضيق :
_ يا الله يا مغيث، ما بها الطبيبة، كل هذا بالداخل ؟! ليخرج أحدهم ويطمئنني عليها فحتى هذه اللحظة لم أسمع صوتًا لا لزوجتي أو حتى صغيري .
اتسعت بسمة أرسلان يكبت تعليقه الذي ضرب عقله في هذه اللحظة، لكنه كتمه كما أخفى ضحكته بصعوبة بشكل واضح جعل نزار يبتسم ساخرًا:
_ بالله عليك لا تقل ما تفكر به .
ابتلع أرسلان ضحكاته يحاول الظهور بشكل جاد أمام الرجال يضم ذراعيه لصدره :
_ ماذا فعلت أنا الآن، أنا لم أتحدث بكلمة واحدة .
قلب إيفان عيونه :
_ حمدًا لله، عسى صمتك يستمر لـ
لكن أرسلان أبى أن يدعه يكمل حالة الاحتفال الذاتي وهو يكمل بجدية ما كان يكتم منذ ثواني وقد وجد أن لا داعي ليتخذ الكتمان وسيلة :
_كنت فقط أفكر أنه ربما أدرك الصغير في أي مملكة سيولد ولأي ملك سيحتكم وبأي اسم سيُنادى، لذا رفض إعلان وجوده .
رمقه إيفان بغضب شديد وكذلك سالار الذي بدا في هذه اللحظة أكثر من مستعد لقتال أرسلان حتى الموت، بينما الأخير لم يقل ما قال إلا رغبة منه في صرف انتباه سالار عن خوفه على زوجته، يدرك أن الأمر ليس بالهين على الرجل، وأنه لو كانت سلمى هي من تقبع خلف الأبواب في هذه اللحظة ربما كان قطع رؤوس الجميع لحين يبصر صغيره، لكن في النهاية نجحت خطته وها هو انتباه سالار يشرد بعض الشيء عما يحدث في الداخل .
ينظر له بغضب، حسنًا الغضب افضل من التوتر على أية حال .
_ أرسلان...
_ عيونه .
زفر سالار يغضب شديد وهو يحاول التحكم في عصبيته في هذه اللحظة :
_ أنت حقًا لا تريد أن تفسد مزاجي الآن أكثر صحيح !!
تمتم إيفان بصوت منخفض وهو يتلاشى النظر لسالار :
_ هذا باعتبار أن مزاجك في أكثر حالاته انتعاشًا .
أما عن أرسلان فابتسم وهو يلوح بيده ساخرًا :
_ يا ويلي، ليرحمني أحدكم منه، الرجل الأحمر سيفسد مزاجه علي .
زفر إيفان يجذب أرسلان للخلف بعيدًا عن أعين سالار :
_ تجاهله بالله عليك وضع في عقلك أن هذا أرسلان معنا.
_ تُرى ما الخير الذي قدمتوه لتنالوا هذا الشرف يا أخي ؟!
استدار إيفان خلفه لارسلان الذي ابتسم وهو يحرك عيونه صوب سالار المتوتر، ليدرك أن أرسلان كان يحاول في هذه اللحظة إخراج سالار عن حالة توتره ....وعن صبره كذلك .
عاد سالار صوب باب الغرفة يراقبه بأعين قلقة ينتظر فقط أي إشارة من الداخل تطمئنه على زوجته، أنها بخير وأن لا داعي لكل هذا الخوف، يخشى أن يؤثر مرضها المزمن على حالتها أثناء الولادة.
ورغم أن زوجة أرسلان طمئنته أنها ستكون معها أثناء الولادة إلا أنه ما يزال مرتابًا، ماذا إن تألمت وهو ليس هناك ليعلم، ماذا إن لم تكن بخير الآن ولم يخبره أحدهم لأنهم يخشونه ؟؟ ماذا إن كانت تبارك الآن تتأ....
فجأة انتفض صدر سالار وتوقفت أفكاره وتوقف العالم من حوله حينما سمع صراخ طفل صغير، ارتجفت قدمه وهو يقترب من الجناح أكثر يتوقف أمامه بتوق ولوعة، ولولا علمه أن نساء أخريات خلف الباب لكان اقتحم المكان الآن.
فُتح الباب واطلت الملكة سلمى عليه تحمل بين يديه قطعة صغيرة لا يرى منها شيء تصرخ بصوت مرتفع ليدرك أن هذه القطعة هي طفله .
_ فتاة جميلة تبارك الله .
ارتجف جسد سالار بقوة وهو ينظر بأعين متسعة لامعة صوب اللفة الصغيرة التي تحوي صغيرته، تأوه كاد يخرج منه وهو يبصر أرسلان يتحرك ليأخذ الصغيرة من بين ذراعي سلمى، يسحب طرف ثوبه على كفه مخافة أن يخدش كفه بشرتها الناعمة، يلتقطها بكل حب وكأنها طفلته الأولى، هامسًا لزوجته بلطف وصوت حنون :
_ العقبى لنا سليمى.
ابتسمت له سلمى بشوق وسعادة، ولم تكد تتحرك خطوة حتى تحدث سالار بلهفة وصوت متهدج بكلمات متقطعة :
_ تبارك ...هي ...تبارك ...بخير ؟!
ابتسمت له سلمى تجيبه قبل أن تختفي :
- بخير الحمدلله، دقائق وتفيق بالكامل .
ومن بعد هذه الكلمات اختفت تغلق الباب تاركة أرسلان يحدق بالصغيرة بين يديه بأعين ملتمعة بها، لا يصدق أن أول طفل يحمله بين ذراعيه هو طفل سالار، رفيقه وأخيه..
_ بسم الله، تبارك الخالق، صغيرتي أنتِ، كيف لملاك مثلك أن يكون طفلًا لهذا الوحش سالار ؟! سبحان الخالق !
مال يقبل رأسها بخفة وكأنه يخشى أن يمسها بسوء، يهمس بصوت حنون وقد سقط صريعًا للصغيرة، يرتجف صوته مراقبًا إياها بحب :
_ سأزوجك لولدي وآخذك لمشكى حيث ادللك كما تستحقين صغيرتي، ستكونين أميرة لمشكى حسنًا ؟! سأنصبك من الآن أميرة للبلاد .
اقترب منه إيفان بلهفة كبيرة وقد نسى أن سالار حتى الآن لم يمس الفتاة فقط يقف ويحدق بهم بصدمة، ينتزع الصغيرة من يد أرسلان بشوق :
_ أرني إياها أرسلان، ابنتي الصغيرة .
ابتعد أرسلان بالصغيرة عن إيفان:
_ صغيرتك من يا هذا ؟؟ هذه الفتاة ستكون معي، سأجعلها أميرة لمشكى، نحن لا نمتلك اميرات كثيرات على أية حال أنت تمتلك الكثير هنا، توقف عن كونك كثيرًا طماعًا إيفان.
انتزعها منه إيفان في غفلة منه يحدق به بتحدي :
_ خسئت أيها الحقير، هذه أميرة سفيد، وقريبًا تصبح ملكتها، ستتزوج ولدي وستكون .
ختم حديثه يحدق في الصغيرة بحب شديد وقد اتسعت بسمته أكثر وأكثر:
_ مرحبًا أميرتي، هذا أنا العم إيفان، انرتي سفيد حبيبتي .
اقترب منهم ازار مرتجفًا من الموقف بأكمله يهمس بشوق وهو يمد يديه يلتقط الصغيرة من ذراع إيفان يهمس بصوت متهدج :
_ ياويلي تشبه صغيرتي عائش، انظر سالار الفتاة تشبهك وتشبه والدتك .
همس أرسلان بحنق:
_ والله نظلم المرأة بتشبيهها بهذا الرجل سالار .
وسالار لم يكن حتى يدرك ما يحدث حوله وهو يراقب الصغيرة بين ذراعي خاله، وآزار دون شعور بكى وهو يقبل جبينها، يتذكر اللحظة التي حمل بها عائشة وهي رضيعة :
_ كم تشبهين جدتك، تشبهين أغلى امرأة على قلبي، ستكونين أجمل أميرة وملكة يومًا ما عزيزتي، أميرة لآبى وسفيد .
أضاف أرسلان وهو يطالب بحقه في الصغيرة :
- وحينما تتزوج طفلي ستكون كذلك لمشكى، وربما يمنحها العجوز بارق لقب أميرة لسبز فتصبح أميرة للمالك أجمع .
رفع له بارق عيونه بعدما كان يبتسم للصغيرة، ليردد أرسلان بجدية :
- اساسًا هذا شرف لسبز أن تقبل زوجة ابني لقب أميرة بها .
رماه إيفان بحنق :
- لماذا تتعامل كما لو أن زواجها بولدك الذي لم يولد بعد أمر مسلم به، الفتاة ستكبره بأعوام عديدة، وولدي أحق بها بالقرابة.
نفخ أرسلان دون اهتمام:
_ عسى أن يرزقك الله بفتاة أنت الآخر فلا تجد الصغيرة سوى ولدي .
اتسعت عيون إيفان بصدمة من مزاج أرسلان، والاخير ابتسم له باستفزاز، يعود بعيونه صوب الصغيرة يبتسم لها بحب شديد .
وآزار مال يقبل رأسها بحب، قبل أن يضمها له ضمة أخيرة، يستدير صوب سالار الذي كان ما يزال يحدق في الصغيرة بأعين مصدومة شاردة مبتسمًا دون وعي لها، فجأة وجد خاله أمامه يهتف بحب :
_ هيا سالار خذ ابنتك عزيزي وكَبّر لها .
رفع سالار عيونه لهم بعدم فهم قبل أن يشعر بجسد الصغيرة الرقيق ضد جسده الصلب، يمسكها بحرص وقد شعر بكامل جسده يرتجف يبلل شفتيه هامسًا بصوت منخفض بعدما مال برأسه جوار خاصته :
_ مرحبًا يا قلب أبيكِ أنتِ، انتظرتك طويلًا، واخيرًا انرتي حياتي .
صمت يلقي كلمات صغيرة وقد اتخذ عهده أمام الله وأمام صغيرته :
_ والدك سيحضر لكِ العالم حبيبتي .
فتحت الصغيرة عيونها ليشهق سالار وهو يبصر عيون تبارك تلتمع أمام بصره، رفعها أكثر يقبل خدها ببطء يخشى أن تخدش شفاهه بشرتها، ودون شعور بللت دمعة منه خدها ليسارع ويمسحها مبتسمًا على نظرات الصغيرة له، ونعم في هذه اللحظة التي أبصر عيونها اقسم بالله أنها لو طلبت الحياة بأكملها منه فسيعطيها لها ببسمة ...
كان صدره يرتجف بمشاعر عدة، وقد كانت هذه ربما ثاني افضل لحظات حياته بعد اللحظة التي سمع بها الشيخ يعلن تبارك زوجة له .
_ تبارك تنتظرك بالداخل مع الصغيرة، تريد أن تبصرها .
رفع سالار عيونه صوب كهرمان التي ابتسمت له وهي تشير له على الجناح ليتحرك بسرعة كبيرة ولهفة أكبر، يضم له الصغيرة بحرص بعدما أبصر جميع النساء وقد اخفضن الغطاء وتحركن للخارج بالفعل .
يدخل جناحه يستأذن من الجميع، ومن ثم اغلق الباب ينفرد بنفسه في مملكته أخيرًا مع ملكته واميرته الصغيرة، وهو كان الحارس لهما، ماذا يحتاج أكثر....
اقترب بخطوات مترددة منها لتبتسم له تبارك وهي تمد يدها له بحنان :
_ يا قائد..
هرول صوبها سالار في هذه اللحظة يندفع للفراش بحذر وبين يديه الصغيرة وكأنه اصبح ملجئها بالفعل :
_ تبارك أنتِ بخير ؟؟
_ أنا بخير سالار، أرني عائش اشتقت لها.
ابتسم بلطف وهو يرفع يده ليعطيها إياها قبل أن تتوقف يده في المنتصف بإدراك يراقبها بعدم فهم وهي فقط نظرت له لا تدري ما حدث .
_ ماذا ؟؟
_ ماذا قلتِ للتو ؟؟
_ ماذا قلت ؟ اعطني الصغيرة سالار احتاج لضمها لي و...
_ عائش ؟؟
ابتسمت وقد أدركت ما يقصد تأخذ الصغيرة لحضنها، تبتسم بحب شديد لها وقد التمعت عيونها حينما أبصرت خصلات الصغيرة بنفس خصلات سالار أمر لم تلاحظه حينما ضمتها للمرة الأولى بعد مخاضها.
_ نعم، لا أرى اسمًا يليق بها أكثر من عائشة، ولا أرى امرأة افضل من امرأة انجبتك لاُسمي ابنتي تيمنًا بها سالار .
تضخم صدر سالار بمشاعر عدة وقد شعر في هذه اللحظة برغبة عارمة في جذب تبارك لاحضانه بقوة، لكن منعه حالتها، فاكتفى بأن مال وقبل رأسها قبلة طويلة، ثم استند بجبينه على خاصتها بحنان والصغيرة بينهما ساكنة :
_ فزت بالدنيا بكِ تبارك، استجاب الله لأمنية عائشة الأخيرة، وتحققت فيكِ .
اتسعت بسمة تبارك وهي تغمض عيونها تستمتع بقربه وكفيه حول وجهها :
_ الله كريم بالجميع سالار، انظر استجاب الله لدعواتي وحصلت عائش على خصلات شعر مثلك.
استغرق سالار ثواني قبل أن يدرك ما تقول، ينفجر في ضحكات صاخبة وقد يقبل وجنتيها بحب تباعًا :
_ حمدًا لله أن أقر الله عينك برؤية خصلاتي على الصغيرة، لكن هذا لا يعني البتة أنني سأسمح لكِ بهجر خصلاتي وتأمل خصلات عائش.
ابتسمت من نبرته المشاكسة وهي تقبل وجنته :
_ أنت الأصل يا قائد.
اتسعت بسمة سالار وهو يتحرك عن الفراش بسرعة :
_ سأخبر أحدهم أن يحضر لكِ الطعام و....
وقبل التحرك أمسكت تبارك بيده بسرعة مبتسمة :
_ لا بأس تولت زمرد وكهرمان الأمر، أنا لا أريد شيء الآن سوى أن أنام لوقتٍ قصير داخل أحضانك سالار، أشعر بالإرهاق، فهل تفعل لأجلي؟!
ودون تفكير نزع حذائه يتحرك بسرعة يجذب تبارك لاحضانه بحنان، وهي تحمل صغيرتهم تراقبها بحب تستكين وتتنفس أخيرًا براحة رغم الإرهاق الذي تشعر به .
وسالار فقط يراقب عالمه بهما، يشعر بالتخمة والسعادة لدرجة أنه يرغب الآن في الركض بين طرقات الممالك ويوزع الكثير والكثير من الأموال على الجميع لأجل الصغيرة .
ولم يدرك أن إيفان وارسلان توليا هذا الأمر بالفعل .
_ كيف تعتقد أن الصغيرة ستكون حينما تكبر سالار !!
راقب سالار الصغيرة ببسمة وهو يتنفس بصوت مسموع :
_ اثق أن الله سيدبر امرها ويقسم رزقها ويكتب لها الخير بأذن الله، لا ادري بالضبط ما سيحدث، لكنها كادت تقيم حربًا بين الممالك في الخارج بعدما تقاتل إيفان وارسلان حول من سيزوجها لولده اولًا، لذا أنا اتنبأ لصغيرتي بحياة حافلة بالدلال، والرجال الذي سيتوسلون لي لأزوجهم إياها قبل أن اعاملهم معاملة أرسلان لإيفان سابقًا وارفضهم .
ضحكت تبارك بقوة وسالار يضمها له بحب هي وصغيرته يهمس بحنان :
_ لست مستعدًا لمنح صغيرتي لرجل آخر يدللها حتى لو كان هذا الرجل زوجها .
_ اعان الله عائش من غيرتك سالار .
_ بل بارك الله لي فيها لأدللها تبارك ........
ــــــــــــــــــــــــــــــ
وهذه كانت نهاية لطيفة نختتم بها رحلتنا القصيرة في الممالك، قبل أن نعود لنلملم مصائب ارض الدوم .
واتمنى أن تكون أرض الدوم موفقة حتى الآن معكم .
دمتم سالمين .
رحمة نبيل .