عيون كثيرة تتابعها ما بين شفقة وتعجب وسوء نية. لكنها تسير بلا مبالاة، مستمتعة بطعم الآيس كريم الذي تحمله بين يديها، رغم ثقتها أن كل العيون حولها في انتظار الفرصة ليعلموا ماذا يحدث معها أو ما سبب سيرها بتلك الطريقة، وهي لا تبالي لأحد. وقفت فجأة تتابع تلك القطة الصغيرة التي تقف بين سيارات كثيرة مسرعة، يتملكها الخوف والرعب في محاولات كثيرة لإنقاذ روحها.
ظلت صافي تتابع السيارات لتتحرك في الوقت المناسب لمساعدة تلك القطة المسكينة. أتت الفرصة التي كانت تنتظرها، أطلقت العنان لقدميها وتحركت بسرعة تلتقطها بحنان، ثم ضمتها لصدرها، لكن سرعتها لم تكن كافية للهروب عندما اقتربت منها إحدى السيارات المسرعة كادت تقتلها. لكنها وجدت نفسها تتدحرج على الأرض وهي في حضن أحدهم. ظلت مكانها لم تستوعب لتلك اللحظة ماذا حدث. هل هي الآن على الطريق بين أحضان شخص غريب لا تعرفه؟ ابتعدت
عنه بسرعة وهي تصرخ به: "إنت إزاي تحضني كده؟ إنت مجنون؟ قابلتها نظرته المحدقة بها من رد فعلها غير المتوقع. ثم رفع حاجبه بتعجب: "هو مين اللي مجنون؟ أنا ولا سيادتك اللي بتجري وسط الطريق كده؟ تحدثه بضيق: "أنا كنت بنقذ روح." نظر لها بسخرية: "أنا كمان كنت بنقذ روح." فاقوا من حربهم على صوت سيدة كبيرة تتحدث. بعتاب: "ليه كده يا بنتي؟ عايزة تموتي وأنتي لسه في عز شبابك، مافيش حد يستاهل." نظرت
لما ترتديه وأكملت بشفقة: "كل شيء ممكن يتصلح، لكن الروح مش ممكن ترجع." صمتت مرة أخرى. وهي تتردد في سؤالها: "هو أنتي هربانة من عريسك ولا هو اللي غدر بيكي؟ وقفت صافي تنفض الغبار وهي تنظر لفستان عرسها. ثم ابتسمت لتلك السيدة وهي تسألها: "إنتي رايحة فين يا حجة؟ شاورت السيدة على إحدى الكراسي على الطرف الآخر: "كنت رايحة أقعد على الكرسي ده." جذبت صافي يد السيدة ووضعتها على يدها
ومازالت القطة في أحضانها: "طب تعالي أوصلك وأحكيلك اللي حصل، أهو نسلي وقتنا." تحركت دون أن تلتفت للواقف خلفها بعيون متسعة وعدم تصديق لما يحدث أمامه، تلك المجنونة تسير بفستان زفافها بين الطرقات كأنه شيء طبيعي يراه الناس كل يوم. بينما ردفت صافي بطريقة تجذب الانتباه: "شوفي يا ستي، هرب هو وصديقة الطفولة يوم فرحي." ضحكت بقوة، "مش عارفة هي عملت كده ليه أصلاً."
"هي عارفة إن مش بحبه ولا بطيقه، وبابا هو اللي متمسك بيه، وماحدش طلب منه يتقدم ليا، وصاحبتي كانت قدامه من الأول." تنهدت وهي تكمل: "لو كانت قالت إنها بتحبه، كنت سيبته ليها بنفس راضية." السيدة بتعجب: "طب ما أنتي بايعه أهو، هي عملت كده ليه؟ أردفت صافي بلا مبالاة: "مش عارفة، بس تصدقي الاثنين لايقين على بعض، حلة ولاقت غطاها، واطيين قوي يعني." ضحكت السيدة وهي تمسد على يدها: "حظك يا اسمك إيه؟ "اسمي صافي."
"ما شاء الله صافي، وأنتي قلبك أبيض صافي." أجلستها على الكرسي وتوجهت لبائع الذرة الذي نظر لها بعدم رضا: "اعملنا جوز درة يا ريس." عندما رأته مازال يتابعها. تحدثه بوجه بشوش: "كنت في حفلة تنكرية، بعمل دور سيندريلا، وده وقت هروبي." جلست مرة أخرى بجوار السيدة العجوز الذي وجدتها تضع للقطة بعض قطع العيش. وظلوا يتحدثون دون أن يشعروا بمرور الوقت. مازال يقف على مقربة منها يتابع حركتها وضحكها.
لا يبدو عليها التأثر بما حدث معها، لكن كيف؟ هي فتاة وما يحدث يعد فضيحة لها أن تترك يوم عرسها. ضحك بين نفسه وهو يتحدث: "شكلها هربانة منها خالص، ليه حق يهرب، دي مش حاسة بالكارثة اللي هي فيها، ولا عاملة حساب أهلها وشكلهم قدام المعازيم." رن هاتفه، اعتدل في وقفته وهو يرد: "خير يا موسي؟ "المعلم بيسأل عليك، إنت فين لحد دلوقتي؟ ورانا شغل كتير." ثم أغلق معه.
تنهد بحيرة، لا يريد تركها حتى يضمن رجوعها سالمة، وفي نفس الوقت لا يستطيع ترك عمله أكثر من ذلك، وإلا خصم من مرتبه وهو في احتياج كل قرش. حسم أمره ثم تحرك وهو يلوم نفسه: "إنت مالك ومالها، تروح ماتروحش، هي حرة، وبعدين دي لسانها طويل وتستاهل كل اللي يحصل معاها." ركب دراجته وتوجه لعمله. *** أغلقت الأنوار وساد الصمت على الحارة. ظل الجميع في انتظار العروسة التي لم تعد حتى الآن. يجلس أبوها بحزن وبعض الجيران.
بينما تجلس أمها بجوار أم دهب تواسيها على الكارثة التي وضعت فوق رأسهم عندما تركت ابنتها جواب تخبرها بالهروب مع عريس صديقتها لأنها تحبه وهو يحبها، ووالده الذي أصر على ارتباطه بصافي. لأنها ابنة صديقه المقرب. ونفس الجواب تركه العريس لأهله. الجميع كانوا يشعرون بالشفقة والحزن من أجل صافي. لأن صدمتها سوف تكون كبيرة، وربما راودتها فكرة الانتحار. ليس سهل عليها خيانة صديقتها وخطيبها وهروبهم معا. *** رجعت بعد وقت طويل.
وقفت تتحدث بعصبية لسائق التوك توك: "من الآخر مش هتاخد أكتر من 20 جنيه، أنا جايه منين يعني، فاكرني مختومة على قفايا؟ نزل السائق وهو يتحدث بغضب: "وأنا مش ماشي من هنا غير لما آخد باقي حقي." تركت ما بيدها على الأرض وهي تتحدث بغضب أكبر: "وأنا مش عطياك أكتر من حقك." التفتت خلفها وهي تنادي بصوت مرتفع: "واد يا مازن." "واد يا سنجه، فين شاهين؟
وجدت شابان يأتيان اتجاهها، نظرتهم وطريقتهم لا تبشر بخير. "خير يا آنسة صافي، في حد مضايقك؟ ابتسمت بسخرية: "لا، كنت عايزة أسأل الأجرة من عبود لهنا كام؟ سنجه وهو يهز تلك المطواة بيده: "10 جنيه." شهقت صافي: "ده بجد يا واد، غلت كده إمتى؟ ضحك الشاب الآخر على طريقتها: "من أسبوع كده." تناولت العشرين جنيه من يد السائق ووضعت عشر جنيهات: "أنا قولت يمكن مافيش فكة معاك." كاد يتحدث عندما شاهد ما أخرسه.
لقد أتى شخص ضخم وهو يسأل: "حمدلله على سلامتك يا صافي، كنتي فين كل ده؟ تحركت اتجاهه: "أنا هو يا شاهين." ثم نظرت للسائق وهي تكمل: "اللي يتبطر على النعمة يحصله إيه." شاهين وهو يضحك: "فهي تربية يده، تزول منه." وضعت يدها على ذراعه وضحكت بمرح ثم غمزة بشقاوة: "أهي زالت." هو يحفظها مثل خطوط يده لأنها تربيته.
يعلم إنها لا تحب خطيبها، لكنها لا تريد إغضاب والدها. يعلم إنها استغلت فرصة هروب عريسها للترفيه عن نفسها، رغم تأكده من جرحها بسبب غدر صديقتها دهب. ما يطمئنه إنها مجرد زوبعة بفنجان. وسوف تمر، هي قوية، ليس موضوع مثل هذا الذي يكسرها. *** أوقف دراجته البخارية أمام مخزن كبير في طريق صحراوي. نزل بخطوات قوية ليدخل وهو يرفع نظارته ليقابله ملامح صاحب العمل الغاضب الذي تحدث بضيق:
"إنت عارف لولا إيدك اللي تتلف في حرير دي، كنت طردتك من زمان، إحنا هنا مش تكية." تنهد هادي بضيق: "كتر خيرك يا معلم، بعد إذنك، ورايا شغل." "حافظ شغل كتير، أنت عارف أن الشغل الكبير مش بأمن حد غيرك عليه." رجع هادي خطوة وهو ينحني ويسند على مكتب سيده بيديه: "وده مش يخليك تزود اليومية شوية؟ الفلوس مش بتكفي حاجة خالص." رجع المعلم
حافظ بظهره وهو يردف ببرود: "أنا مش بزود حد، كل واحد من أول يوم عارف مرتبه كام، ومش عايزك تتكلم تاني في الموضوع." تحرك هادي ليبتعد ويلعن ذلك الشخص البخيل الذي يسحلهم في العمل دون أي تقدير. وقف أمام موسي وهو يقوم بتغيير أفارول العمل عندما سأله هذا الأخير: "كنت فين كل ده؟ إنت قلت مش هتتأخر." ابتسم هادي: "شوفت بنت بس إيه، هربانة منها على الآخر." قص عليه كل ما حدث.
تحت نظرات موسي المتعجبة من الراحة في صوت صديقه وهو يحكي عنها. عقد ما بين حاجبيه وأردف هادي: "إحنا جايين هنا عشان نشتغل، نحسن وضع أهالينا، مافيش عندنا وقت للكلام ده." وبنات مصر مش هيقبلوا ولا يقدروا يعيشوا حياتنا الضيقة دي. إحنا عايشين تحت الأرض." تحدث هادي بضيق: "إنت مجنون؟ إيه الفيلم الطويل العريض اللي بتتكلم فيه ده؟ أنا غلطان إن حكيت معاك." سمع من خلفهم صوت حافظ الذي تحدث بسخرية:
"واد يا بلية، اتنين قهوة مظبوط للمعلم هادي والصبي بتاعه عشان يحلو الكلام." هادي بصوت منخفض: "نشربها على روحك قريب يا بعيد." ضحك موسي على جنان صديقه: "والله هنبات في الشارع بسببك." *** وجدت الجميع في انتظارها، تحمل ملامحهم الكثير من القلق والتوتر. ركض عليها والدها ووالدتها، احتضنتهم بحب وهي تردف بمرح: "خير يا ولاد؟ إيه مقعدكم في الشارع لحد دلوقتي؟ ضحكت والدتها وهي تزغدها بحب: "كده يا صافي، توقعي قلبي."
"سلامة قلبك يا قمر، ما أنا قدامك أهو زي الفل وقمر 14." توجهت بنظرها لتلك السيدة التي تخفض وجهها من الخجل بسبب تصرفات ابنتها الوحيدة المتهورة. "مالك يا سمسمة؟ أوعي تكوني زعلانة على بنتك، أنا موجودة وأنتي عارفة أنا أحل مكان عشرة زيها." احتضنتها سمية بحب وهي تعتذر لها عن قلة أصل ابنتها: "لأ يا حبيبتي، أنا زعلانة عشان قلة أصلها معاكي."
تنهدت صافي بحزن: "أنا مش هقولك إن مش زعلانة، بس مش عشان عريسي هرب، لا، عشان هي ما كانتش صريحة معايا، بس بكرة لما الدنيا تهدى، ترجع لحضنك." "ومين يسمح برجوعهم بعد اللي حصل؟ خلاص أنا اتبريت منه." كان هذا كلام والد العريس صديق والدها. ضحكت وهي تعاتبه: "طب الوقت إنت وأبويا أصدقاء طفولة وبتحبوا بعض، ذنبي أنا وابنك إيه؟ أنتم تحبوا بعض وإحنا نتجوز؟ طب بذمتك شوفت كده في أي مكان؟ قبلت
جبينه وهي تتحدث بحنان: "سامحوا ولادكم، لحظة طيش وراحت لحالها، لو بتحبوني سامحوهم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!