تحميل رواية من غير ميعاد بقلم امل مصطفي pdf
بقلم امل مصطفي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عيون كثيرة تتابعها ما بين شفقة وتعجب وسوء نية. لكنها تسير بلا مبالاة، مستمتعة بطعم الآيس كريم الذي تحمله بين يديها، رغم ثقتها أن كل العيون حولها في انتظار الفرصة ليعلموا ماذا يحدث معها أو ما سبب سيرها بتلك الطريقة، وهي لا تبالي لأحد. وقفت فجأة تتابع تلك القطة الصغيرة التي تقف بين سيارات كثيرة مسرعة، يتملكها الخوف والرعب في محاولات كثيرة لإنقاذ روحها. ظلت صافي تتابع السيارات لتتحرك في الوقت المناسب لمساعدة تلك القطة المسكينة. أتت الفرصة التي كانت تنتظرها، أطلقت العنان لقدميها وتحركت بسرعة تلتقطها...
رواية من غير ميعاد الفصل الحادي عشر 11 - بقلم امل مصطفي
ضحكة صافي بهستيرية:
اللي يخربيت الجبن أنا بهزر معاكي ليه خوفتي كده؟
ثم أكملت:
هو في أحن من شاهين؟ بلاش تخدعك الحيطة دي. أه هو عنيف شوية بس مافيش أطيب من قلبه والله. لما تعرفيه تحبيه من غير كلام. قومي هو عايزك بره.
سحبت سلمى الغطاء عليها وهي تتحدث برفض:
لا مش خارجة. هو بيتعصب عليا قدام الناس.
وبكت مرة أخرى.
جلست صافي جوارها وهي تتحدث بحنان:
ماينفعش كده يا حبيبتي. لازم تنشفي شوية. واجهي مشاكلك. كده مش تعرفي تعيشي في الغابة اللي عايشين فيها. قومي اخرجي اتكلمي معاه. فهميه إن طريقته دي مش مناسبة معاكي وبتخوفك منه.
قامت بغسل وجهها ورتبت ملابسها. خرجت قابلها أحمد وهو يلقي عليها التحية. ردت عليه التحية.
لكن هناك من كانت تحرقه نار الغيرة وقرر أن يأخذها بعيدًا عن هنا. هي وأحمد أعمارهم متقاربة.
دخلت البلكونة وجدته في انتظارها. معالمه تحمل الضيق وقدمه تتحرك بتوتر. ودون مجهود منه بث داخلها الرعب.
لانت ملامحه عندما رأى الخوف في عينيها.
زفر أنفاسه بهدوء حتى لا يثور عليها مرة أخرى، وهي ليس لها ذنب في ما يشعر به الآن.
تعالي يا سلمى. متخافيش.
تحركت لتجلس على الكرسي أمامه دون أن ترفع عينيها. تضايق أكثر وطلب منها أن تنظر له.
نظرت له بعتاب. فهمه ولم يستطع الرفض:
أنا آسف يا سلمى. ما كانش قصدي أزعلك.
لم تصدق ما يحدث. هو يعتذر لها بتلك السهولة.
هذا ضرب من الخيال. لم تتوقع منه مثل هذا الموقف. تخيلت أنه سوف يرفض الاعتراف بخطئه أو يلقي اللوم عليها.
تحدثت بتوتر:
أنا مش زعلانة. بس بخاف لما حد يزعق في وشي جامد. أنت خليت الناس تتفرج عليا.
تحدث بتمهل:
أنا مش قصدي أزعلك قدام الناس. بس كنت متضايق لأن الكل باصص عليكي. ما كانش يصح تخرجي بالنهار كده. شكلك ملفت بطريقة غريبة. غصب عن أي حد هيبص عليكي. أنتي عاملة زي الضوء اللي بيخطف العين.
تورّد وجهها بشدة من الخجل بسبب غزله الصريح لها.
توتر أكثر وهو يكمل:
إحم. أنا كده بتغزل فيكي. مش كده؟
لم ترفع عينها.
مرر يده بين شعره في توتر. هو يتعرض لذلك الموقف لأول مرة. وقف بسرعة حتى لا يتهور أكثر من ذلك.
أوقفه صوتها الخجول:
أنا لسه ما قلتش اللي عايزاه.
تنهد بتعب من تلك المشاعر الذكورية التي تغزوه في وجودها. ليردد:
سامعك.
أنا كنت عايزة أشوف لك شغل. أصرف منه على نفسي وشقة صغيرة لو حتى أوضة واحدة أعيش فيها. لأن هنا كل واحد محبوس حريته. عمو صادق وحمادة.
تنهد بضيق:
إنها مصره على إخراج أسوأ ما فيه. سوف تجعل نار الغيرة مشتعلة بداخله طوال الوقت. يبدو أنه آن الأوان أن يودع سنوات هدوئه.
بصي يا بنت الناس. لو على الشقة أنا مش هأمن عليكي في أي مكان. عشان كده هاخدك شقتي.
كادت تعترض عندما أشار لها بالصمت.
أنا هنام في الجيم وسايبالك الشقة براحتك فيها. ثانيًا أنسي الشغل ده نهائي. مافيش شغل. اللي تحتاجيه اطلبيه مني. ده آخر كلام عندي.
سلمى بعدم رضا:
لا طبعًا. أنا مش بشحت منك. أنا طول عمري بشتغل ومتكفلة بنفسي.
رفع حاجبه:
إزاي بقى؟ أنتي بتخافي من خيالك؟ كنت شغالة في مكتبة عمي أمين تحت البيت. راجل في عمر جدي بيحبني أكتر من بابا.
صرخ بغضب:
سلمي بلاش تجننيني! إيه بيحبك دي؟
نظرت له بصدمة.
بينما أتى الجميع على صراخه. فهم يرون عصبيته تلك لأول مرة. هو دائمًا قوي مثل الجبل لا يهزه ريح.
حركت صافي نظرها بينهم وعلمت أن أخيها وقع في الحب. لكن طريقته سوف تخنق هذا الحب وهو ما زال في المهد.
حبيبته تمتلك جمالًا ملفتاً وهو سوف يجن من نار الغيرة. وهذا يجعله يزيد من خناقه عليها. وسلمى مرهفة الحس لن تتحمل موجات غضبه.
ترك المكان بغضب وهي دخلت الغرفة ببكاء مثل العادة. وقف الجميع ينظر في أثرهم بتعجب. وقررت صافي الكلام معه في الصباح.
نزل أركان من طائرته الخاصة.
كانت في انتظاره سيارة خاصة وحرس تابع له. ركب السيارة التي توجهت به إلى فرع شركته.
وصل تحت صرح كبير.
نزل أمام المبنى وخلفه مدير أعماله وأكثر من موظف مسؤول. تحرك بقوة وهو يلقي نظرة ثاقبة على كل شيء يقابله.
صدم الجميع بتواجده لأنهم لم يصل لهم خبر بوجوده.
توجه مباشرة إلى مكتب رئيس الفرع الذي وقف بتوتر واحترام شديد وهو يترك له مكتبه بترحيب شديد.
دي مفاجأة سارة جدًا يا فندم.
طلب أركان كل ملفات الستة أشهر الماضية.
أشار منير للسكرتيرة حتى تستدعي رئيس الحسابات بكل المطلوب.
خرجت السكرتيرة بتوتر شديد وهي تطلب رقم تتحدث بصوت منخفض:
نصيبه وحط على دماغنا كلنا. ماعرفش إزاي لقيناه على دماغنا. كده الصفقة اللي قدامها أسبوعين ممكن تضيع. تمام سلام الوقت.
خرجت من المنزل لكي تتحدث معه. وجدته يجلس بضيق شديد.
صباح الخير على أجمد نكد في المنطقة.
رفع عينيه وهو يتحدث بعصبية:
صافي ابعدي عني الساعة دي. أنا لسه الصبح ومش طايق نفسي.
جلست أمامه وهي تتحدث بهدوء:
لو بتحبها اتغير عشانها يا حبيبي. سلمي مش صافي تربية إيدك واللي بقت نسخة من الولاد ولا الشباب اللي بيتدربوا عندك عشان يبقوا زي الصخر. دي حاجة مختلفة. عاملة زي بسكوت نواعم. لازم تتعامل معاها بلطف وحذر وإلا تتكسر بين إيديك. سلمي محتاجة معاملة خاصة. محتاج تكون معاها شخص مختلف غير اللي كل الناس تعرفه. البنت بتخاف من كل حاجة وبتعيط من كل حاجة. لازم تحس بالأمان والحنان اللي على ما يبدو إنها ما جربتوش قبل كده. لو عايز تكسبها يبقى تتغير.
تركته يراجع نفسه وهو ينظر من وقت لآخر على بلكونة صافي على أمل أن يراها.
مرت الأيام وطلب هادي من شاهين أن يتوسط له عند والد صافي حتى تذهب معه لرؤية أهله.
وبعد مناوشات وحوارات أخيرًا وافق أمام إصرار شاهين.
الذي ذهب معهم مكان والدها لأنه يعلم في ذهاب صادق لن تتم الخطوبة بعد رؤيته لحياة هادي وأهله في البلد.
كان طريق طويل جدًا ومتعب.
كلما اقتربوا زادت سعادة صافي وتوتر هادي. هو لم يكذب عليهم بشيء لكنه محرج من منزله.
أم هدي حاولت المستحيل مع مهجة حتى لا تأتي اليوم إلى المنزل لكي لا تنهار أو تصدم مما يحدث.
لكنها لم تستطع وهذا جعلها داخليًا لا تريد رؤية صافي.
أخيرًا توقفت السيارة أمام منزلهم البسيط.
نزل هادي بخجل وهو يرحب بهم. وجدت صافي فتاة جميلة تنتظره بفرحة شديدة وترحاب أثارت غيرة صافي. لكنها حاولت السيطرة على تلك المشاعر حتى يمر اليوم بخير.
مهجة بترحيب:
يألف حمد الله على سلامتك يا هادي. وحشتنا قوي البلد كلها. مالهاش طعم من غيرك.
سلم عليها دون اهتمام وطلب من شاهين وصافي الدخول.
ركض اتجاه أمه التي احتضنته بشوق شديد وبكى وهو يقبل يدها ورأسها ويعبر لها عن مدى اشتياقه. وقام بالمثل مع والده.
ظل الجميع في انتظاره. ثم توجهت صافي لتسلم على أمه بحب وهي تقبل يدها. لكنها شعرت بعدم رضا أمه. وسلمت أيضًا على والده.
انحنت صافي عليه وهي تسأله:
مين دي يا هادي؟
رد بلامبالاة:
دي بنت الجيران. بتيجي من وقت لآخر تشوف طلبات أهلي.
جلس الجميع. واتت مهجة بواجب الضيافة دون أن تحيد عينها عن هادي الذي تضايق خوفًا على مشاعر صافي.
هدي بهدوء:
مش هتروح ترتاح شوية يا مهجة؟ أنتِ واقفة من الصبح. يلا يا حبيبتي.
مهجة برفض:
لا يا ماما. أنا قاعدة عشان أشوف طلبات الضيوف.
نظر كلا من شاهين وصافي دون تعليق.
الجميع كان متوترًا. لا أحد يبدأ الكلام. حتى قطع شاهين الصمت:
إحنا اتشرفنا بمعرفتك يا حج. وبتربيتك الطيبة لابنك هادي. ربنا يبارك لك فيه.
رد والده بترحيب:
الشرف لينا يا ابني. نورتوا العزبة كلها.
شاهين بسؤال:
أنتم هتشرفونا إمتى بإذن الله؟
عبدالله بأسف:
والله يا ابني كان نفسي أكون جنبه في فرحته دي. بس زي ما أنت شايف إحنا ناس كبار ومش حمل سفر وبهدلة. بس كفاية أنه يكون مبسوط ومرتاح. دي عندي بالدنيا.
شاهين:
بس يا حج الفرحة ماتكملش من غير وجودكم. ماينفعش مش تكون موجود في خطوبة ابنك الوحيد.
رفعت مهجة عينها بصدمة واختلج قلبها.
وقفت تنظر للجميع وهي تسأله:
خطوبة مين؟
صافي وقد تأكد حدسها:
خطوبتي أنا وهادي.
ردت مهجة بتصديق وهي تتوجه بكلامها لهادي:
طيب وأنا؟ أنا اللي بقالي سنين بستناك.
هادي:
مليون مرة قولتلك شيلي الفكرة دي من دماغك. أنتي ليا أخت بس. مش ذنبي إنك مصممة.
بكت مهجة بحزن:
يعني إيه؟ خلاص عايز تقول إن صبر السنين ضاع؟
وقف هادي بحزن على ما يحدث. اقترب منها وتحدث بهدوء:
أنتي جميلة وصغيرة وناس كتير بتستني منك إشارة. ومنهم بيحبك أكتر من حبك ليا. شوفي نصيبك وعيشي حياتك.
صرخت به:
كده بكل بساطة؟ أنسي! حرام عليك! حرام عليك!
وسقطت فاقدة للوعي.
رواية من غير ميعاد الفصل الثاني عشر 12 - بقلم امل مصطفي
رجعت صافي حزينة منكسرة، طوال الطريق لم تنطق بكلمة. تسند بيدها على شباك السيارة، حزينة على تلك الفتاة التي انهارت أمامهم. القلب ليس له سلطان يختار شريكه دون الرجوع للعقل، عندما يقع في الحب يلغي كل قوانين العرف والأصول.
أي رجل غير هادئ لن يترك فتاة تمتلك جمال مهجة. إنها فاتنة بحق، ليس مجرد كلام. وما يزيد الوضع سوءاً حب أهله لها، وهي تقوم بخدمتهم في غيابه. ماذا يريد أكثر من ذلك حتى يقع في غرامها؟
وصلوا إلى المنزل، رفضت الكلام مع أي شخص حتى هادي، ودخلت غرفتها لتجد سلمى في انتظارها.
خلعت ملابسها ودخلت سريرها. احترمت سلمى صمتها ولم تنطق بكلمة.
اعتكفت في غرفتها أكثر من يومين، لا تتكلم مع أحد، حتى هادي الذي حاول معها كثيراً. لم ترد عليه ولم تقابله عندما أتى إلى المنزل أكثر من مرة حتى يراها.
***
سوف يجن من التفكير، أصبح شديد العصبية ويلعن من كان السبب في هذا الوضع.
تأمل موسى تعب صديقه دون أن ينطق. هو لا يقل ألماً عنه. الوضع يزداد سوءاً كلما رفضت الرد عليه.
أخيراً نطق موسى: "أهدي يا هادي، ما ينفعش اللي بتعمله في نفسك كده. سيبها شوية ولما تهدى تكلمك."
تحدث بعصبية: "أسيبها لحد أمتى؟ من يوم الزيارة وهي رافضة الكلام. أنا غلطان أني أخدتها هناك بس."
"البنت مهجة دي اتجننت على الآخر، ما كنتش متوقع تتكلم بالطريقة دي وتعمل كده قدامهم."
"المصيبة الأكبر أن أمي مش مرتاحة لصافي بسبب مهجة."
موسى بحزن: "إن شاء الله خير، بس أهدي وبكرة هي تكلمك."
"الموضوع شكله اتعقد يا موسى."
***
بكت في حضن سلمى، التي بكت مثلها وهي تقص عليها ما حدث وكيف انهارت تلك المسكينة وإحساسها بعدم تقبل أمه لها.
"معلش يا صافي، المهم أن هو بيحبك. هي قدامه من الأول اختارك انتي، وهو قال قدام أهله أنه عمره ما وعدها بحاجة وهم أكدوا ده، يبقى هو ذنبه إيه؟"
"آه الموقف محزن، بس بلاش تهدّي حياتك. ردي عليه، كلميه بدل ما يتجنن كده، ده كل شوية جاي يخبط."
***
أتى بلهفة شديدة بعد أن وافقت على رؤيته. تأملها بشوق وهو يعاتبها بهمس: "كده يا صافي، هونت عليكي تفرطي فيه بالساهل؟"
جلست أمامه وهي تتحدث: "اتجوّزها يا هادي. البنت بتعشقك، جميلة، شايلة أهلك هم، اتحملوا كتير عشان تيجي. آن الأوان إنك تردلهم تعبهم، هي معاهم بتخدمهم، يبقى ناقص وجودك."
تحدث بهمس: "لو كان الحب بإيدي كنت حبيتها، لكن ده مش بإيدي. أنا عايزك انتي، بلاش تبقي انتي والزمن عليا، بلاش تحرميني من الحاجة الوحيدة اللي بتخفف عني تعب الحياة وضغوطها."
أكمل بوجع: "إلا لو كنتي مش عايزاني بعد ما شفتي حياتي البسيطة ووضع بيتنا. كده يبقى موضوع تاني وأنا أنسحب من غير أي مضايقة." وقف ليخرج.
مسكت يده: "انت كنت صريح معايا من الأول وأنا عارفة كل حاجة، يعني شفت أو لا مكنتش هبعد. بس انت كده بتخسر أهلك ومش عايزة أموت."
جلس أمامها مرة أخرى ومازالت يدها بين يده.
تنهد بحب: "أنا هنا من سنين، شفت كتير."
"أنا مش مراهق عشان مبقاش عارف أنا عايز إيه."
"أنا عايزك انتي بس في حياتي. قلبي دق مرة واحدة بس، وهي انتي. لا مهجة ولا غيرها يفرقوا معايا، مستعد أخسر الكل إلا انتي، فاهمة؟"
زفر ليكمل: "وأهلي أنا مش هاسيبهم، بس تجيلي فرصة كويسة أو أعرف أفتح مكان خاص هجيبهم يعيشوا معايا. وقتها بس يفهموا حبي ليكي."
ابتسمت براحة وهي تهمس: "أنا بحبك."
أنار وجهه بفرحة كبيرة وهو يتحدث: "أخيراً رديتي روحي، أنا بعشقك عشق."
***
ابتسمت بحب: "صباح الخير على أجمل عيون."
ردت بخجل: "صباح الجمال يا صافي."
"برضه مش جاية معايا وأنا بجيب الدبل؟"
تنهدت سلمى بحزن: "مش عايزة مشاكل مع قريبك ده، كل ما يشوف وشي يغضب كأنه شاف عفريت."
اقتربت منها صافي بمرح، وهي تقرص خدها: "طب بذمتك في عفريت بالجمال والطعامة دي؟ يا هبلة، عصبيته سببها حاجة تانية وأنا متأكدة إنك مش فاهمة حاجة، أصل اللي زيك يفهم كده إزاي؟"
نظرت لها بسؤال: "قصدك إيه أن عصبيته بسبب حاجة تانية؟"
ثم ابتسمت: "يعني مش أنا السبب؟"
صافي وهي تبتسم لها بتهكم: "مش انتي السبب إزاي؟ أخويا طول عمره تقيل وراسي كده، عمر ما عفاريت حواء أثرت معاه لحد ما سيادتك شرفتي. افهمي يا هبلة، الجدع قلبه اشتعل عليكي وبقي مش عارف رأسه من رجليه، والغيرة بتحرقه."
"وانتي جاية معايا النهارده، تابعي تصرفاته وأنتي تعرفي."
***
وقف شاهين بحيرة، لا يعرف ماذا يريد. هل يأخذها منزله بالقوة ويلبسها النقاب، أو يقوم بعمل تعويذة حتى يراها الجميع قبيحة.
"كابتن، كابتن، أعمل إيه بعد التمرين ده؟"
نظر له بتشتت، ثم أشار لإحدى طلابه المتقدمين حتى يساعده. ترك الجيم وخرج.
رأى هادي يتوجه للمنزل، ناداه وهو يشعر بغيرة: "مش فاهم قصدك."
شعر شاهين بقلة ذوقه فأردف: "قصدي البيت، مش المفروض تيجي معايا شوية نتكلم وبعدين تروح؟"
حرك هادي جواره وهو يتحدث: "صافي صممت أجي أتغدى معاهم وبعدين نمشي."
جلس هو وشاهين أمام الجيم، طلب من صبي القهوة أن يأتيهم بعصير الليمون حتى تبرد أعصابه الثائرة بسبب تلك الحورية.
***
انتهوا من الغداء، تناول الرجال الشاي في انتظار صافي وأمها.
"إحنا جاهزين."
رفع الجميع عيونهم لتصطدم عيناه بحوريته وهي تقف جوار صافي، ترتدي جيب طويل واسع فوقه بلوزة مستردة وحجاب أسود جعل وجهها يشع جمالاً وهو ينفث ناراً.
وقف وهو يتحرك اتجاهها بغضب: "إنتي رايحة فين كده؟"
فركت يدها بتوتر وهي ترجع للخلف: "صافي طلبت أكون معاها."
زفر بضيق وأردف: "سألتي مين قبل القرار ده، وعرفتي رأيي؟"
رواية من غير ميعاد الفصل الثالث عشر 13 - بقلم امل مصطفي
تدخلت صافي بغمزة: "حتى يهدأ عليها، أنا قلت أنتِ وهي تجوا معانا، يمكن في حاجة تعجبك تشتريها لحد غالي عليكِ."
رجع بنظرة لسلمى، وجد الخوف والتوتر جليين على ملامحها.
تنهد وهو يقول: "طيب تمام، استنوا ثواني وجاي."
دخل شقته، أخذ شاور سريع، ارتدى ملابسه التي لم يرتديها من قبل.
نظر لنفسه بالمرآة برضا ونزل لهم.
تحرك الجميع في ميكروباص الذي وقف أمام الصائغ.
جذب شاهين سلمى من يدها ووقف على جنب: "أي حاجة تعجبك جوه خديها."
جذبت يدها منه بضيق: "آخدها ليه وأنت تدفع؟ بتاع إيه؟ أنا جايه بس عشان صافي ما تزعل."
زفر بضيق: "وبعدين معاكي يا بنت الناس، أنا ماليش في الطبطبة والمحايلة، بتخنق بسرعة."
نفخت سلمى وهي تتركه: "ما حدش طلب منك حاجة."
وقف يحرك يده بين خصلات شعره بضيق، لا يعرف كيف يتعامل معها حتى يكسبها.
جلست صافي جوار هادي.
"قلوبهم تحلق من السعادة في سماء الحب."
عرض عليهم الرجل أشكالاً كثيرة من الخواتم.
عيون صافي تبحث عن الأشياء البسيطة التي لا تزن، حتى لا تثقل عليه في المال.
أما هادي فيتمنى أن يأتي لها بكل ما هو غالي ونفيس، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يجده.
استقروا أخيراً على خاتم جميل ورقيق ودبلة.
تبادلا الابتسام بحب وهو يقول: "ألف مبروك يا حبيبتي."
كان شاهين في عالم آخر، يتابعها بعيون عاشقة. كلما رفعت وجهها قابلت عيونه التي تتأملها بحب وحنان. يتمنى بشدة، ما الذي يمنعه من تلك الخطوة؟ هو مقتدر ويملك عمل مستقل ولديه شقة، ألا يكفي عذاباً حتى الآن؟ ألم يأنِ الأوان حتى يكون معه أنيس وونيس ينير عتمة أيامه وسنين عمره الضائعة؟
خرجوا من عند الصائغ. تعلقت عيون سلمى بفرحة شديدة بإحدى الباعة، لكنها لم تستطع الكلام حتى لا يغضب عليها.
كادت تتحرك عندما طلب منهم شاهين انتظاره لدقائق.
ثم توجه لذلك البائع ورجع لهم مرة أخرى.
ناول صافي نصيبها، ثم رفع يده لسلمى بكيس أكبر.
نظرت ليده وهي تتناوله بسعادة، بردت نار قلبه.
ابتسمت بخجل: "شكراً، ما تعرفش أنا بحبه قد إيه."
ابتسم لها بحب: "خلاص، يكون عندك دايماً."
لا تعرف كيف علم بحبها لحب العزيز، لكن قلبها ذاب من اهتمامه الذي تجربه لأول مرة. لم يكن لها أحد يهتم بما تحب أو تكره.
زوجة أبيها دائماً تحقد عليها وتفعل كل شيء يثير غضب والدها عليها دون أن يرجع لها أو يسألها عن صدق ذلك الكلام. ولا ترى خالتها إلا في المناسبات، ومنذ فترة طويلة لم تأتِ.
***
بعد مرور شهر.
"صافي، عايزك معايا مشوار ضروري."
"فين يا حبيبي؟"
ابتسم بحب من كلمتها: "اركبي بس، وبعدين تعرفي."
ركبت خلفه، تحرك بها حتى وصل أمام جراج كبير مغلق. أوقف دراجته.
شاور لها بسعادة: "إيه رأيك؟"
ابتسمت لفرحته الواضحة: "إيه ده؟ جراج ماله؟"
تناول يدها بحب: "بصي يا وش السعد والهناء، ده صاحبه مسافر وطالب فيه ثلاثين ألف إيجار خمس سنين، وأنا قررت أخده."
"أفتح ليا ورشة."
قفزت بسعادة: "بجد؟ يعني هيبقي عندك مصلحة خاصة؟"
ضحك على فرحتها: "أه، مش بقولك وش السعد."
"بكرة أروح أنا وموسي نقدم على قرض من تنمية المشروعات، كفاية لحد كده شغل وتعب للناس."
سحب يدها وهو يطير من سعادته: "بصي، الموقع جميل، الجراج ده له زباينه، وأنا لما أمسكه هيكبر أكتر."
ثم ابتعد عنها وهو يهندم ملابسه بغرور: "وقتها أبقى من أصحاب المال."
جذبها مرة أخرى من يدها وأغرقها: "حبيبتي في الحرير والدهب ونتعشى بره على ضوء الشموع."
أكملت هي الحلم: "والفلوس تجري في إيدك وعيونك تزوغ على دي ودي، وأنا أقتلك وأفرق كل حتة في مكان."
تغيرت معالمه لاشمئزاز: "بت نكد! بقول دهب وعشاء رومانسي، وأنتي تقولي قتل ودم."
ضحكت بصوتها كله: "أنا بس بوريك الصورة كاملة عشان عقلك لو وزك كده ولا كده."
ابتعد عنها وهو يمثل الخوف: "يا حفيظ، إن كيدهن عظيم."
ضحكت وهي تحتضن ذراعه: "مهما عملت مش تهون عليا، أنت حبيبي."
تأمل ضحكتها بحب وهو يقف قبالتها ويتحدث بشجن: "تصدقيني لو قولتلك إن قبلك ما كنتش عايش، وعمري يتحسب من وقت ما قلبي دق ليكي."
"الدنيا بقى ليها طعم حلو بعد ما كان كله مرار."
تنهد ليكمل: "كنت أصحى عشان الشغل وأنام عشان أقوم للشغل، حياة كلها تعب في تعب. حتى مهجة اللي بتقولي على جمالها، أنا مش شفتوش من مرارة الحياة. الوضع في وجودك بقى مختلف، لما بشوفك أو أفكر فيكي بتبقي زي البلسم اللي يداوي الجروح ويطيب الخاطر. بتمنى أكبر وأشيخ وأنتِ جنبي."
نظرت له بتأثر شديد، لا تجد كلاماً يستطيع وصف مشاعرها في تلك اللحظة، ولا يوجد كلام معبر أو أروع مما قال. لذلك ارتتمت بين أحضانه دون كلام.
ضمها بإشتياق، أغمض عينيه، ثم أبعدها بحنان.
"كده غلط يا سوسو، صحراء وكلام رومانسي والوجه الحسن، والشيطان واقف يصور مليون سيناريو بيطلب مني أنفذهم."
ضحكت صافي بحب: "أنا واثقة إنك تقدر تحافظ عليا من نفسك والشيطان."
جذب يدها ليجلسها خلفه على الدراجة وقال بخبث: "الكلام ده لو معايا واحدة مش بحبها، لكن معاكي ما أضمنش نفسي."
تمسكت به من الخلف، ثم تحدثت لتغيير الجو: "سيبك من ده كله، ما فيش أحلى من طبق كشري زيزو في وقت زي ده."
**********
بعد مرور شهر آخر.
طرق على الباب وهو ينادي.
فتحه له صادق والد صافي بترحاب. دخل معه غرفة الجلوس وهو يحمل بيده حقيبة، يبدو متوتراً.
صادق: "مالك يا شاهين؟ فيك إيه؟ متغير اليومين دول."
توتر شاهين أكثر وهو يردف: "كنت جايب حاجة لسلمى وعايز آخد رأيك في حاجة كده، لأن الحيرة تعبتني."
صادق بإهتمام: "خير."
"عايز أتجوز سلمى، أظن آن الأوان أستقر."
تهللت أسارير صادق بحب أبوي: "طب خير، أخيراً هطمن عليك."
تنهد شاهين بحيرة: "مش عارف أطلبها من مين؟ وفي نفس الوقت مش عايز أحط إيدي في إيد أبوها، لأن بعتبره مش راجل، اللي يرمي لحمه وشرفه في الشارع كده يبقى مش تمام."
"الأفضل إنك تعرض الموضوع عليها وتشوفي رأيها."
زفر بعدم راحة وهو يردف: "تمام."
تركه صادق ونادى زوجته تبلغها بوجود شاهين.
تحركت بخجل وهي تلقي عليه السلام: "صباح الخير يا كابتن."
رفع عينيه بضيق من كلمة "كابتن" التي تتكلم بها دائماً، كأنها تخاف نطق اسمه.
شاور لها تجلس وهو يرد: "صباح الخير."
"أنتي كويسة؟"
هي بخجل: "آه الحمد لله، الفضل يرجع لربنا وليك."
مد لها يده بالحقيبة: "كل سنة وأنتي طيبة."
رفعت عينها بزهول، كيف علم تاريخ ميلادها؟
لا لا لا، يهم، عرف إزاي؟ الأهم إنه أول شخص في حياتي يفتكر عيد ميلادي أو يقول كل سنة وأنتي طيبة.
تناولت الحقيبة من يده بلهفة طفلة، فتحتها بعدم تصديق، لكن صدمتها بالهداية كانت أكبر وأقوى.
أخرجت هاتف ولوحين كبار من الشيكولاتة ودبدوب أبيض صغير يحتضن قلباً أحمر.
رجعت له بنظرها، لكن تلك النظرة مختلفة كلياً عن نظرتها له من يوم لقائهم، تحمل الكثير من الحب والامتنان والأمان.
همست: "كل ده عشاني بجد؟ دي أجمل سنة مرت عليا في حياتي، ربنا ما يحرمنيش منك أبداً."
لا يرد شيئاً من الدنيا الآن، يكفيه ما يشعر به من السعادة التي يراها بعينيها، وتلك الكلمات البسيطة التي ملكته.
"سلمى، أنا عايز أتجوزك."
نظرت للأسفل في خجل وهي تفرك يدها دون كلام.
تنهد بحزن: "عارف إن فيه فرق بينا في السن، أو ممكن يكون عندك طموح وأحلام بعيد عني، بس أنا حقيقي مش متخيل حياتي من غيرك ومش عايز أكمل وأنتي مش جزء منها."
تلجلجت في الكلام: "هو أنا قصدي يعني أنت..."
قطع كلامها بلين: "بصي، متخافيش من أي حاجة، حتى لو مش موافقة على طلبي، ما فيش حاجة تتغير في وضعك لحد ما أطمن عليكي."
الحنان والأمان الذي شعرت به في صوته، كلماته لم تجدهم يوماً في أبيها.
نظرت بعينيه وهي تسأله برجاء: "هو لو طلبت منك..."
"تطلبني من بابا؟ ترفض؟"
حاول التخلص من تأثير عينها مثل تعويذة.
تملكه وتسيطر عليه.
تلك العيون تجعله كعروس الماريونيت.
كل خيوط مشاعره بين يديها، هيام، غضب، عشق، جنون، حيرة.
زفر بقوة وهو يستغفر: "يا بنت الحلال ارحميني، أنا مش قد نظرتك دي."
تورّد وجهها بشدة.
"عايزاني أطلبك من الراجل اللي رماكي نص الليل في الشارع من غير لحظة ندم؟ وهو أكيد عارف مصير واحدة زيك في الشارع هيكون إيه." ثم أكمل:
"الحيوان ما يعملش اللي هو عمله. دي القطة بتشيل عيالها من سطح لسطح عشان تحميهم، ولو وقف قدامها أسد بدافع عنهم بدون ذرة خوف."
بكت في صمت، لقد وجع قلبها بتلك الحقيقة المرة.
*************
رواية من غير ميعاد الفصل الرابع عشر 14 - بقلم امل مصطفي
بكت في صمت. لقد أوجع قلبها بتلك الحقيقة المرة.
ابتلع ريقه بصعوبة عند رؤية دموعها، ليردف:
"أنا آسف يا سلمي، حقك عليا، مش قصدي أجرحك."
ردت ببكاء:
"أنا عايزك تطلبني منه عشان ما أحسش إني يتيمة أو رخيصة، وأن ليا أهل."
"حاضر، لو ده اللي يريحك، بكرة أروح أطلبك منه، وحتى لو رفض برضه نتجوز، أوعدك إنك معايا، مش محتاجة أهل أو حد، أنا عوضك عن كل الناس، وده وعد."
***
توقف عن الأكل عندما تحدثت:
"كنت عايزة أعرض عليك فكرة أحسن من القرض."
ترك من بين يديه طبق الكشري:
"لو عندك أفكار كويسة يبقي خير."
"ممكن أعطيك المبلغ ده من غير ما تدبس نفسك في قرض."
نظر لها بعدم فهم، ليسأل:
"قصدك إن معاكي مبلغ زي ده؟"
"لا، معايا أكبر منه، بابا مش بياخد حاجة من مرتبى، وأنا وزمايلي بنعمل دايماً جمعيات، بحطها في دفتر توفير."
وضع يده تحت ذقنه وهو يستمع لحديثها باهتمام، حتى صمتت.
لتردف:
"يعني أنتي شايفة إن أنا من الرجالة اللي ممكن يستغل خطيبته أو يقبل إنها تصرف عليه؟"
أردفت بسرعة:
"لا طبعاً مش ده قصدي."
ثم أكملت:
"ولو كنت من النوعية دي، عمري ما كنت وافقت عليك."
صمتت فترة، ثم أكملت:
"اعتبرني الجمعية اللي تاخد منها القرض، بس مع فرق بسيط، إنك مش محتاج تمضي ورق على نفسك، ولا محتاج ضامن، ولما تقف على رجليك ردهم بالمكسب كمان يا عم، ولا تزعل، ها؟ إيه رأيك؟"
"هادي برفض: لا، أنسي الفكرة دي خالص، أنا كده بثبت لأبوكي فكرته عني إن ارتباطي بيكي استغلال."
"صافي بمحايله: مافيش حد يعرف، الموضوع هيكون بيني وبينك."
"خلاص، سيبني يومين أفكر."
"هي برفض: لا، مافيش وقت، قبل ما حد تاني ياخده."
***
سمعت صوت ابنها وهو يسألها:
"هي سلمي ماعدتش بتيجي تزورنا ليه زي الأول؟"
نظرت له أمه بعدم رضا:
"أنت مش عارف؟ سبب حرمانى منها إيه؟ قلة أدبك، خوفت عليها منك."
رد بهمجية:
"ليه يا أختي كل ده عشان هزرت معاها، يعنى إيه لما ألمسها نقص منها حتة، ده بدل ما كنتي تطلبها من أبوها وتخطبها لي؟"
تهدجت في حديثها:
"ليه هي يا حبيبتي نقصه عذاب ومرار، كفاية عليها مرات أبوها."
ثم أكملت بحزن:
"لو كنت عادل كنت جبتها تعيش معايا وقدام عينى، بس ماينفعش أخرجها من سجن لجحيم، ما تستاهلش."
تحدث حامد بعصبية:
"ليه يعني، أهي كانت تساعدك شوية وتبقي في عصمة راجل."
ضحكت بسخرية:
"راجل؟ شيلها يا راجل، سهران طول الليل مع شلتك البايظة، وطول اليوم نايم وعايز اللي يصرف عليك، أتوكس."
***
توقف أمام مدخل الحارة حسب العنوان الذي أعطته إياه، بعدم رضا، لكنه مضطر لتلبية طلبها حتى لا يرى تلك الدموع التي تقتله.
وقف أمام إحدى الباعة يسأله عن المنزل؟ شاور له الرجل عليه وهو يحذره من زوجة أبيها صاحبة اللسان السليط.
لكنه لم يهتم وتحرك بخطوات قوية واثقة، وجميع العيون تتبعه في فضول لمعرفة هذا الوجه الجديد الذي يأتي حارتهم الصغيرة.
صعد درجات السلم وهو يتأمل المكان حوله. طرق الباب أمامه في انتظار الرد.
سمع صوتها من الداخل وهي تنهر زوجها بوقاحة يستحقها:
"أنت ياراجل مش سامع الباب اللي بيخبط؟ خلاص ماعدتش نافع لحاجة أبدا، كل حاجة عليا، حتى الباب دي بقت عيشة تقرف."
مازالت تسترسل في تسميم بدنه، لكنها توقفت فجأة وهي تتأمل الواقف أمامها برجولة طاغية. ذلك الجسد الضخم المعضل يرتدي قميص أزرق، مثني الأكمام، مفتوح الأزرار العلوية، يظهر سلسلة فضة تزيد هيئته إثارة.
شعر باشمئزاز من تأملها الوقح له، وما زاده ضيقه هيئتها التي فتحت بها الباب كأن هذا وضع طبيعي بالنسبة لها، وهي تضع مكياج صارخ وترتدي قميص ذو حملات عريضة يرسم جسدها، وفتحة الصدر واسعة.
تحدث بحدة:
"ده بيت أستاذ محي؟"
وهي تبتسم باتساع:
"آه هو، يا سيد الناس، خير؟"
تحدث بضجر:
"تحركت من أمام الباب حتى تعطيه مساحة للمرور، وهي تتحدث بترحاب مبالغ به: أهلاً وسهلاً، أهلاً وسهلاً، إيه النور اللي طل على الحارة ده؟ أهي دي الرجالة ولا بلاش."
خرج زوجها على صوتها المرحب السعيد، على غير عادتها الحانقة دائماً. لقد امْتَنَعَ الكل عن زيارتهم بسبب لسانها السليط، حتى الجيران.
زادت حيرته عندما وجد أمامه ذلك الشخص الغريب، وترحاب زوجته الأغرب. هل يعرفه؟ متى وأين؟ لكنه سأله:
"أيوه، أنت مين؟ وعايز إيه؟"
رمقته زوجها بضيق وهي تتحدث:
"إيه ده يا راجل، مش تصبر لما الجدع يقعد وياخد وجبة؟"
دخل شاهين في الموضوع دون مقدمات، لعدم رغبته في التواجد هنا لوقت طويل. ذلك المنزل الذي خرجت منه طفلته حزينة مكسورة، دموعها في هذا اليوم احتلت كيانه، ملكت مشاعره بضعفها.
"أنا جاي أقولك كلمتين وأنت حر: كتب كتابي على سلمي يوم الخميس الجاي."
شهقة فاتن بعدم تصديق. لكنه لم يعرها اهتمام وهو يكمل:
"أنا عملت اللي عليا وبلغتك، رغم إني شايف إنك خسرت الحق ده، يوم ما رميت لحمك في نصاص الليالي لكلاب السكك من غير لحظة ندم."
التفت له وهو يردف:
"ياريت تبلغ خالتها عشان تكون جنبه."
توجه للخارج عندما وقفت أمامه فاتن وهي تتحدث بخبث:
"طب مش تعرف الأول إحنا طردناها ليه قبل ما تدبس؟"
لم تعجبه لهجتها في الكلام، وعلم أن الآتي سوف يظهر أسوأ ما فيه. تأكد حدسه عندما وقفت على الباب وهي تقول بصوت مرتفع:
"لأن مشيها ما كانش مظبوط."
قبض على عنقها ليخرسها، ثم رفعها على الحائط خلفها وهو يتحدث بصوت جحيمي كأنه الشيطان نفسه:
"لو عايزة الوقت يكون آخر يوم في عمرك؟ جيبي سيرتها بأي كلمة وحشة. الوقت، أو بعد كده تفكري مجرد تفكير تجرحيها، يكون عذابك على إيدي."
***
رواية من غير ميعاد الفصل الخامس عشر 15 - بقلم امل مصطفي
كانت تحاول تخليص يده التي تخنقها من حول عنقها لكنه لم يهتز حتي عندما تحدث والد سلمي بغضب وحاول الإقتراب.
يد شاهين الأخري كانت الأسرع عندما صدمه في الحائط خلفه.
سمع خلفه أصوات همس متداخله.
ألقي نظره سريعه من خلف كتفه وجد الجيران يقفوا خلف أبوابهم بإستمتاع.
تركها لتقع علي ركبتيها في محاوله لإسترداد انفاسها.
إرتفع صوت شهقاتها وعيونها تذرف الدموع من شدة الألم.
إقترب منها زوجها.
دفعته بحنق.
تحدث شاهين بصوت مرتفع ليغلق عليها الكلام.
"الراجل ده رمي عرضه في الشارع من غير رحمه.
أنا لاقيتها بتعيط و خايفه مش عارفه تروح فين.
خدتها عند أهلي.
كتب كتابنا يوم الخميس الجاي.
الدعوة عامة لكل اللي حابب يشاركنا فرحتنا."
ثم أخرج ورقه بالعنوان ناولها لإحدي الجارات التي تناولتها بلهفه.
ثم نزل السلم مره أخري دون كلام.
***
يشعر بالألم يعتصر قلبه.
لا يستطيع الوصول ولا يقدر علي البعاد.
يقف بين إعصار مدمر يرفعه ويتركه دون رحمه.
عشقها يسير بين أوردته مثل الدم الذي يهبه الحياه لكنه مسمم يقتله بالبطيء.
رجع هادي مبتسم يصفر بسعاده.
تحولت لقلق عندما رأي هيئة صديقه المهموم المنكسر.
جلس أمامه وهو يتحدث بحب.
"أعطي نفسك فرصة يا صاحبي وهي لما تشوف عشقك ليها غصب عنها هتحبك."
رفع موسي عيونه الدامعه.
"مين دي اللي بحبها؟"
أردف هادي بحزن.
"مهجه يا صاحبي.
أوعي تكون فاكر إن مش عارف إنك بتحبها من وإحنا صغيرين."
ضحك موسي بوجع.
"وأنت ليه مش حبيتها وأنت واثق إنها بتعشقك ومش بتشوف غيرك."
جلس هادي جواره وهو يطبطب علي كتفه.
"الست غير الراجل.
الست ممكن تبيع الدنيا مقابل إنها تحس الحب والحنان.
عشقك ليها يفوقها من الوهم اللي هي فيه.
حاول ودافع عن حبك."
تنهد موسي بمرارة.
"أنت مش فاهم حاجة؟"
"لا فاهم يا صاحبي أن قلبك عايزها وعقلك و رجولتك رفضين الموضوع.
أزاي ترتبط بوحدة واثق أن تفكيرها وقلبها مع صحابك.
عارف أنه إحساس فوق إحتمال البشر ومافيش حاجة تقتل الراجل زي الإحساس ده.
بس صدقني لو قربت مش هتندم."
وضع موسي رأسه علي كتف صديق عمره وترك لدموعه العنان.
تنهد بوجع.
"اااه يا هادي لو في حاجة تضيع الوجع ده كنت بعت الدنيا و إشتريته عشان لحظة بس مجرد لحظة ما أحسش بيه."
هضمه هادي بحزن وشعر بالندم لأنه سبب معاناته.
***
توجهت صافي إلي مكتب دكتور رأفت وطرقت الباب في إنتظار رده.
دخلت بإبتسامه.
"حضرتك طلبتني."
وقف رأفت بإبتسامه حنونه وهو يطلب منها الجلوس.
جلست وهو جلس أمامها ليتحدث بحنان.
"تعبت معاكي عشان تيجي المستشفي معايا وأنتي ماسكه في المستشفي الحكومي دي.
يابنتي إنتي كان مفروض تكوني دكتوره مش ممرضة.
لما بتكوني معايا في عملية بتكوني عارفه وفاهمه أكتر من الدكاترة اللي معايا."
ضحكة صافي.
"مش للدرجة دي يا دكتور بس يكفيني شرف إن ده يكون رأي حضرتك فيه.
أنا والله ماليش في جو مستشفيات إستثماري وناس متكبرة والوضع ده أنا بحب أعيش بين ناس شبهي تفهمني وافهمها مستوانا واحد ممكن تقول كده غاوية فقروالله ما عارف أنتي شكلك أيه.
كل الدكاترة والممرضات بيتسابقوا وبيقطعوا بعض علي العروض اللي بتجيلك علي طبق من دهب و بترفضيها."
"الإعارة ولا الإستثمار؟"
ردت برضا.
"أنا مش بحب الغربة ولا محتجاها الحمد الله مستورة وعايشة بين أهلي اللي بيحبوني ومش محتاجة لحد."
ثم أردفت.
"بس ليا عند حضرتك خدمة."
رأفت بحب أبوي.
"أنتي عارفه غلاوتك عندي شوفي عايزة أيه وأنا اعمله."
"ربنا يخليك ليا يا أحن أب في بنت ناس غلابة تعبانة وراحوا بيها أكتر من مستشفي وحضرتك عارف مافيش إهتمام.
ممكن حضرتك تتوسط لنا ندخلها مستشفي ٥٧٣٥٧."
طارق بإهتمام.
"المستشفي مش محتاجة وسطة.
هي تروح بالبنت الساعة ٦ صباحا تقطع تذكرة كشف مبكر بسعر رمزي وهم بيكشفوا عليها لو الحالة تعبانة بيدخلوها علي طول من غير كلام."
"تمام.
حضرتك لسه عايزني في حاجة."
"عايز تحطي موضوعي في دماغك في أي وقت تحتاجي تمشي من هنا كلميني."
***
تشعر بتوتر وخوف شديد.
تقطع الغرفه ذهابا وإيابا وفي يدها الهاتف في إنتظار مكالمته ليخبرها بما حدث بينه وبين أبيها لكنه تأخر.
ماذا تفعل من كثرة الأفكار التي تجول فكرها.
هل تتصل به أم ماذا تفعل.
أخرجها من حالة التشتت إرتفاع رنين هاتفه.
ردت بسرعه ولهفه.
"ألو."
وأغمض عيونه بنشوة من صوتها الرقيق الحاني.
لم تسمع صوته.
نادت.
"شاهين يا شاهين أنت سامعني."
زفر بقوة ليسيطر علي مشاعره التي تحفزت منهمسها.
ثم إبتلع ريقه بصعوبة ليجلي صوته.
"سمعك يا سلمي."
أتاه صوتها الملهوف لمعرفة ما حدث.
"عملت ايه وقابلك أزاي وافق مش كده ولا رفضت."
تحدث بهدوء.
"سلمي سلمي خدي نفسك وبلاش الخوف ده."
تنهدة بصوت مرتفع لتسترد أنفاسها.
لقد تحدثة بسرعه دون تروي بسبب توترها الزائد.
"أنا طالع إلبسي إسدالك."
إرتدت إسدالها بسرعه وخرجت تنتظره علي باب الشقه.
صعد السلم وجدها تقف أمامه بلهفه وفي عيونها الكثير من الأسئله.
زفر بضيق لأنه سوف يكذب لأول مره حتي لا يحزنها.
هو شخص صريح لا يحب الكذب ولا يخاف من أحد حتي يضطر للكذب لكنه مضطر حفاظا علي مشاعرها.
خرجت حنان من المطبخ بترحاب.
"ربنا يخليكي يا سلمي أخيرا بقيت بشوف شاهين كل يوم."
شعر هو وسلمي بالإحراج لكنه اكتفي بإبتسامه وهو يطلب منها كوب من الشاي.
***
ظلت تسير بهياج دون صوت وهي تحدث نفسها.
"بقي أنا كنت بعمل المستحيل عشان أبوها يطردها.
وأخلص من جمالها اللي مغطي علي جمالي ومخلي الناس كلها تعجب بيها وفي الأخر ده يكون نصيبها.
بقي أنا آخد أبوها وهي تبقي في حضن راجل بالشكل ده."
ثم امسكت إحدي خصلات شعرها وهي تتوعد.
"والله يا سلمي لا لازم أخرب حياتك ولا يكون ده راجلك.
وحدة زيي هي اللي تعرف ترضي غرور واحد زيه مش عبيطة وهبلة زيك وتغرق في شبر مايه.
إنتي يا دوبك تليقي لحامد بن خالتك وبس."
***
جلس أمامها وهو يتحدث بحنان.
"أنتي ليه خايفة كده خلاص وافق وكتب كتابنا يوم الخميس."
إتسعت عينها.
"كتب كتاب مش خطوبة؟"
رد برفض.
"كتب كتاب لأن مش مرتاح لوجودك هنا.
في شاب من سنك وخطيب صافي بييجي.
وعشان أبوكي مايقولش هاخدها بيتي لحد الفرح.
أنا مش ممكن أسمح ببعدك عن عيني."
توترت وهي تسأله بهمس.
"يعني أنا وأنت هنقعد في بيت واحد؟"
"لا أنا هسيبلك الشقه بس هطلع من وقت للتاني أشوف طلباتك.
ولما العمال تيجي تشتغل في الشقه هعملها أوضة أوضة وفي الوقت ده اسيبك مع طنط حنان."
ثم أكمل.
"أنا عزمتلك الحارة كلها وطلبت منه يكلم خالتك كمان."
رفعت عيونها بشكر.
"أنا أكيد ربنا بيحبني لأنه بعت لي راجل زيك."
***
إرتفع رنين هاتفها.
فتحت بسعاده.
"وحشتني يا حبيبي."
تنهد هادي بسعاده.
"يابت كلامك بيعمل فيه زي المايه المغليه اللي بتتكب علي لوح تلج بتدوبه في لحظة.
أرحمي أمي."
ضحكة صافي بدلال.
"خلاص أنا اسفه.
بتتصل ليه.
أنا مش فاضيه الوقت كده حلو؟"
تحدث بخبث.
"أهون عليكي تكسري بقلبي وأنا سايب كل اللي في إيدي عشان اسمع صوتك.
مش كفاية بقالي كام يوم مش عارف أشوفك."
"_معلش يا حبيبي أنت عارف إن شاهين مالوش غيرنا وأنا بروح مع سلمي وهي بتشتري حاجات الخطوبة وكده بس أوعدك بعد كتب الكتاب افضالك."
شعر هادي بنغزة في قلبه من إحساس العجز والتقصير في حقه.
"لقد لبسها الدبله والخاتم عند الصائغ دون أي مظاهر فرح."
"روحت فين يا عم أوعي تكون مزه كده ولا كده شغلتك وأنت معاي."
رد بإختناق يحاول مداراته.
"أبدا يا حبيبتي بس المعلم بينده أكلمك بعدين مع السلامه."
رفعت الهاتف أمامها بإستغراب.
***
عند خالة سلمي.
"أعمل أيه يا حبيبي تيجي معايا ولا تخليك مع أخوكمحمد بحيره مش عارف يا أمي أنا ورايا إمتحان وفي نفس الوقت محتاج أقف مع سلمي مهما كان مالهاش رجاله غيرنا."
"الأم بحنان خلاص يا حبيبي خليك و نحضر الفرح بعد الإمتحان إن شاء الله."
تحدث من خلفهم.
"فرح مين ياما اشمعنا عرفتي محمد وأنا لاء ولا عشان هو حبيب القلب."
زفرت بضيق.
"وهي تبتسم.
محمد قوم يا حبيبي شوف اللي وراك."
تركها ودخل غرفته بهدوء.
بينما توجهة بنظرها لإبنها الكبير بقوله علي خطوبة.
"سلمي لأن هسافر يومين."
تحدث بغضب.
"خطوبتها علي مين إن شاء الله.
أنتي عارفه إن كنت عايزها."
وزه بضيق.
"أنا معرفش مين لسه هعرف لما أسافر.
وبعدين خلاص أبوها وافق وكتب كتابها يوم الخميس.
أنا مسافرة الصبح عشان أكون معاها اليومين دول."
رد حامد بتهديد.
"أنا مش سيبها تكون لحد غيري.
أنا جاي معاكي الصبح."
وزه بغضب.
"كلامك ده معناه أيه.
والله لو فكرت تأذيها يا حامد لسلمك بإيدي للسجن.
كفايه بقي أمها ماتت وهي لسه صغيرة مالحقتش تشبع من حنانها.
أبوها راجل ماعندوش دم جبلها مرات أب لسانها سم وقلبها جاحد.
مرت حياتها أكتر.
وديني وما أعبد لو خربت حياتها لأنت إبني ولا أعرفك."
تركته ثم توجهة لغرفتها واغلقتها بغضب.
وقف حامد بغل.
"والله ما حد يقدر يمنعني عن اللي في دماغي."
***
عند شاهين الذي تحدث بحده.
"لا يا صافي مافيش كلام من ده.
الحجاب فوق الفستان مافيش شعر يبان خالص."
"يابني ما إحنا حريم بس مافيش رجاله والوقت موضة العروسة بشعرها."
جذبها من ذراعها.
"بت أنتي لمي الدور أحسنلك.
ولا نسيت يوم ماشوفتي شعرها عملتي أيه؟"
شهقة صافي.
"أه يا اا ولا بلاش أنت لسه فاكر الكلمة في بالك."
ثم أكملت بضحك.
"عندك حق أصل تاخد عين وبدل ما تحط إيدك علي حرير تحطه علي سلك مواعين."
رفع حاجبه بضيق.
"شكل العين خدتها منك واللي كان كان عليه العوض ومنه العوض."
***
وصلت وزة أمام شقة أختها المتوفاة لتفتح لها زوجته التي تحدثة بتكبر.
"أيه ده خالة ست الحسن نورتنا بعد كام سنة."
وزة بملل.
"أنا جايه عشان أشوف بنت أختي.
حاسبي كده."
فاتن بقلة ذوقها الطبيعية.
"بنت أختك عند عريسها أصل هي هناك مش هنا.
خبطي علي أم حلمي العنوان عندها.
أصل بسلامته عطي العنوان للجيران."
وزه بعدم فهم.
"يعني أيه؟"
فاتن.
"لما تشوفيها تبقي تعرفك."
واغلقت الباب.
وقفت وزة بحيرة وهي لا تفهم ما يحدث.
ثم توجهه لباب الجارة الأخرى.
***
وقفت صافي تتأمل جمالها الخلاب بعيون معجبة غير حاقدة.
خرجت من الغرفه عندما سمعت صوت والدتها المرحب ولكنها رجعت للخلف عندما علمت هوية الطارق.
كادت تعود مرة أخرى عندما أوقفها صوت دهب الحزين.
"صافي؟"
إلتفتت لها بتردد وهي تحاول رسم قناع البرود.
"خير؟"
تحدثت بندم.
"أنا أسفه يا صافي عارفه إن اللي عملته معاكي مستحيل فيه الغفران."
ثم أكملت بحزن.
"طول عمرك أخت وأم و كتير أتحملتي غبائي.
المرة دي مش عايزة تسامحي؟"
صافي بمرارة.
"لأن كل مرة سهل أنه يغتفر لك.
لكن المرة دي خيانة.
عارفة يعني أيه.
أفرض كنت بحبه مفكرتيش وقتها حالتي تكون أيه.
إنتي مفكرتيش أصلا في شكلي قدام الناس لما تقول عريسها هرب منها ليلة فرحها.
إنتي طعنتيني في ضهري يا دهب.
وأنا مش ممكن أثق فيكي مرة تانية.
يبقي الأفضل تنسي صافي.
امحيها من حياتك خالص بعد إذنك."
وقفت دهب بإنكسار.
هي تعلم إنها خسرت صديقتها وأختها الوحيدة.
لاحظت سلمي تغيير حالتها المزاجية.
إقتربت منها بحنان تضمها.
"مالك يا حبيبتي في أيه مزعلك."
ضمتها صافي.
"إحساس الخيانة صعب.
لما يكون من آخر شخص تتوقعيه بيكون قاتل."
سلمي بوجع.
"فهمة وحاسة بيكي بس مافيش حاجة في ايدينا غير الصبر علي أمر ربنا.
وفي الأخر نلاقيه باعت لنا كل الخير.
أنا قدامك أهو ماشوفتش يوم حلو ولا عرفت يعني أيه حب وحنان أب.
وفي اللحظة اللي حسيت نفسي تايهة و خايفة.
قولت يارب ماليش غيرك.
في نفس اللحظة لاقيته واقف قدامي يسألني بحنان الدنيا أنتي مين وقاعدة كده ليه.
شوفتي عوضه كبير أزاي."
نظرة صافي بعيونها.
"إنتي جميلة وطيبة قوي يا سلمي عشان كده ربنا رزقك بشاهين راجل بجد قوي حنين كريم.
ربنا يخليكوا لبعض."
***
"معلش يابني ممكن تدلني علي بيت شاهين دياب؟"
رد عليها الصبي.
"عايزه كابتن شاهين تعالي أوصلك."
تحركت خلفه حتي وقف أمام الجيم وهو يشاور لها.
"ده النادي بتاعه."
"طيب معلش ممكن تدخل تنادي عليه؟"
جلست علي الكرسي بجوار الباب وهي تشعر بالقلق علي إبنة أختها.
خرج الصبي وخلفه شاهين.
صدمت من هيئته.
تخيلة حجم سلمي أمام هذا الجسد.
سمعت صوته الهادي.
"أيوه ممكن أخدم حضرتك أزاي."
وقفت وزة وهي تمد له يدها.
"أهلا يا بني أنا خالة سلمي."
أنار وجهه بسعاده وتحدث بترحاب.
"أهلا وسهلا يا ست الكل نورتينا إتفضلي إتفضلي."
طريقة ترحابه نزعت القلق من داخلها.
يبدو إنه شخص خلوق ومحترم.
"ده نورك يا بني.
هي سلمي فين أزاي هي عندك ومش في بيت أبوه."
نادي للصبي وطلب منه عصير ثم رجع لها بنظره وهو يسألها.
"هو حضرتك ماتعرفيش إن باباها طردها من البيت باليل من شهر ونص؟"
شهقة وزة وهي تخبط صدرها.
"لا الحرباية ما قالتش حاجة دي حتي رفضت تدخلني البيت."
"بصي أنا أحكيلك اللي حصل من أوله."
قص عليه كل شيء.
سمعت بقلب مفطور علي سلمي.
أنهي حديثه وهو يرجوها.
"بلاش تقولي لها إن إحتمال باباها مش يحضر عشان ما أكسرش فرحتها.
أنا قولت لها إنه جاي."
***
تحرك هادي بحيره وتشتت.
لا يجد أمامه بر.
"أعمل أيه يا موسي إنصحني.
رجولتي مش سامحة إن أقبل عرضها ده وهي كل يوم تلح علي."
موسي بحيره.
"مش عارف يا هادي أنا شايف إنها فرصة ماتتعوضش.
وزي ما هي قالت إعتبره قرض ولما الدنيا تمشي سده بمكسبه.
زيها زي الغريب بس الفرق إنك علي ما تمشي في إجراءات الورق يكون غيرك خد الجراش."
وقف بحيره وهو يحاول التوصل لحل لا يجعله يسقط من نظرها أو تندم علي إرتباطها به.
***
بكوا الإثنتين في حضن بعضهم بإشتياق.
لقد حرمتهم الظروف من بعضهم.
لم يستطع تحمل دموعها أكثر من ذلك.
ترك المكان وخرج.
"صافي وحدوا الله يا جماعه أنا عرفت الوقت هي طالعة بتحب العياط لمين."
إبتسمت وزة وهي تمحوا دموعها تحتضن وجه سلمي بين يديها.
"ما تعرفيش هي وحشتني قد إيه.
ربنا ينتقم من اللي كانوا السبب في البعد ده."
حنان وهي تسحب صافي من يدها.
"طب يلا إحنا نحضر الاكل سيبيهم مع بعض."
تكلمت مع إبنة أختها لتطمئن عليها وما سمعته أسعد ها بشده.
يبدو من طريقة كلامها أن قلب طفلتها قد دق وزاره الحب.
نظرة شاهين أكدت لها أنه من حب متبادل.
سمعت أزيز هاتفها بوصول رسالة.
قامت بفتحها.
"(أرجوكي كفايه دموع قلبي بيوجعني لما بشوفهم)."
إبتسمت بحنان وهي تحرك أناملها علي محتوي الرسالة وقامت بإرسال قلب ينبض مثل قلبها البريء.
"خالتها بفرحه ده شاهين؟"
رفعت رأسها بخجل وهي تؤومي لها بتأكيد.
تنهدت وزه براحه.
"ياااه يا حبيبتي أخيرا أطمنت عليكي."
إرتمت سلمي مره أخرى بين أحضانها وهي تهمس.
"وحشتيني قوي يا ماما."
في الشرقيه.
كلما رأت وجه إبنتها الذابل تدعو علي هادي بعدم الراحه مثل ما فعل بإبنتها بعد أن كانت زهرة مشرقة تدخل البهجة علي كل من يراها.
أصبحت باهته.
وجدتها ترتدي حجابها إستعداد لتذهب لمنزل هديرايحه فين يا مهجه؟
سؤال غريب.
"ياما هو أنا بروح فين غير عند خالتي هدي."
"ماهو ده اللي بتكلم عليه يا بنت بطني.
لسه بتروحي ليه ما خلاص اللي كنتي بتعملي ده عشانه ضاع واللي كان كان."
"_مهجه بوجع أنا رايحه عشان الراجل والست اللي أكلت معاهم عيش وملح وأنتي أكتر واحدة عارفه هم بيحبوني قد أيه ولو كانوا يقدروا يغصبوا عليه مش هيتأخروا."
أمها بحزن.
"وترضي يا قلب أمك أن راجل يتغصب عليكي؟
ليه يا ضنايا دانتي زي فلجة الجمر والكل يتمني رضاكي.
ليه عايزه توجعي قلبي عليكي أكتر من كده."
"_يوووه ياما أنا تعبت من كتر الكلام ده بعد إذنك."
تحركة للخارج.
أنظار أمها تتابعها بقلب منفطر وهي تدعو عليه بسرها.
رواية من غير ميعاد الفصل السادس عشر 16 - بقلم امل مصطفي
توقف أمام باب شقته وهو يرحب بهم:
أهلاً وسهلاً، نورتوا. أنا جبت واحدة فتحتها وهويتها، معلش بقي أصل أنا مش بطلع هنا كتير.
روز بمرح:
ربنا يجعلها دخلة خير، بكرة تدخلها وماعنتش تحب تخرج منها أبداً، ربنا يسعدكم.
دخلت مع خالتها وهي تشعر بدفيء وراحة غريبة، كأنه بيتها الذي قضت به أجمل أيام عمرها.
عيونه تتابعها وهي تتجول في المكان بعيون تشع فرحة ووجه مبتسم.
اقترب منها وهو يهمس:
بكرة هخليهالك جنة، بس بعد كتب الكتاب.
رمقته بحب:
هي جنة لأنك موجود فيها، أنا عمري ما حسيت براحة وأمان زي الوقت.
زفر بقوة ليخرج نفسه من تلك الحالة التي تتلبسه كلما نظر بعينها أو تكلمت. لا يصدق ما يحدث معه الآن، تلك الضئيلة تحركه دون أي جهد، تجعله في ثانية بركان ثائر لا يستطيع أحد إخماد النيران الملتهبة بداخله.
لم ينطق، هرب من أمامها بسرعة وهو يتحدث:
بعد إذنك يا خالتي!
نظرة لطيفة وهو يرحل دون فهم ما يحدث. هي تعبر له عن مشاعرها وهو يتركها دون أن يعلق حتى بكلمة.
وضعت روز يدها على كتف سلمى وهي تسألها:
لم تلك النظرة؟
سلمى بحيرة:
مش عارفة يا خالتي، كل ما أعبر له عن إحساسي يسبني ويمشي من غير ما يرد. تفتكري مش بيحبني، وعجبه شكلي بس؟
ضحكت روز بحنان لأنها تعلم أن ابنة أختها بريئة خام، ليس لها في شيء ولا تعلم سبب هروبه المستمر، لتقول:
لا يا حبيبتي، بيحبك أنتي مش الشكل بس. لما يكون مش عارف يعبر عن مشاعره إزاي، أو طريقة تعبيره ماينفعش في وضعكم الحالي، يبقى الهروب أفضل.
تحدثت بحيرة أكبر:
أنتي وصافي دايماً تقولوا كلام مش فاهماه.
***
في بيت والد سلمى.
فتحت الباب وجدته أمامها بسماجته وثقل دمه، لكنها تحتاجه الآن لتصل لغرضها، لتتحدث بدلال:
أهلاً أهلاً يا حامد، نورتنا.
رمقها حامد بنظرات لعوبة:
كل مرة بتحلوي عن الأول يا فاتن، مش بيبان عليكي أيام.
ضحكت بغرور:
طول عمرك بكاش، بس أول مرة تقول حاجة صح.
سألها وعيونه تتفحص المكان:
أومال فين الجماعة؟ مش شايف أي معالم للخطوبة، ولا أمي ضحكت عليا؟
فاتن وهي تسمح له بالدخول:
لا تعال بس لما أفهمك الحوار كله.
***
وقف شاهين بين العمال الذين يقومون بنصب فراش كتب الكتاب.
الجميع يقف جواره لأنه رجل حقيقي ودائماً يقف مع الجميع في كل الظروف.
تغمره فرحة غريبة، كأنه يفرح لأول مرة في حياته.
يرفع عيونه دون إرادة منه كل فترة لشباك منزله على أمل أن يراها.
الجميع يعمل على قدم وساق. هادي يقف على يد عمال الفراشة، وموسي هو وصادق يقفوا مع تجهيز الطعام، وشاهين يدور بينهم.
سمع هادي يناديه:
إيه رأيك لما نعمل كراسي المأذون والشهود الناحية دي؟
أه كده تمام، حتى يبقى بعيد عن دخلة الحريم.
ارتفعت الزغاريد والتهاني حولها من الجميع. أتى الكثير من جيرانها وهذا أسعدها بشدة، وبدأت البنات تتمايل بفرحة شديدة.
لم تصدق عينها عندما دلفت زوجة أبيها وهي تزغرد وتبارك بحب وفرحة مصطنعة.
فاتن وهي تحتضنها بسعادة:
ألف ألف مبروك يا حبيبتي، أخيراً شوفتك عروسة زي القمر.
سلمى بفرحة:
هو بابا جه؟
أه طبعاً تحت مع الرجالة، أومال عريسك هيحط إيده في إيد مين غيره.
سلمى:
سلمي على هنادي صحبتي!
مدت سلمى يدها لتسلم، لكن تلك الأخيرة جذبتها لأحضانها وهي تقبلها من وجنتها بطريقة جعلت جسدها يرتعش.
ابتعدت كأنها اتكهربت.
جلست مرة أخرى بجوار خالتها وهي تنظر لتلك المنتقبة التي تجلس جوار زوجة أبيها.
ارتفعت أصوات الدي جي عند الرجال لترج الحارة مع الرقص والسعادة من الجميع.
وطلقات الضوء تضرب في السماء بشكل مبهج.
تم كتب الكتاب وبدأ توزيع الطعام والمشروبات.
على الرجال فوق طاولات مجهزة.
وصعد الأكل عند الحريم على يد شاهين ليضمن عدم دخول رجال فوق، وأكد على صافي الاهتمام بموضوع الهواتف.
يتصرف كأنها سر من أسرار أمن دولة، يخاف على وقوعه في الأيدي الخطأ.
وقف هادي في ركن بعيد ليرسل لها رسالة:
قابليني على السلم.
نزلت صافي حتى تقابله.
أطلق صفارة إعجاب عندما رآها:
إيه الجمال ده كله يا قمري، يابختك يا هادي بالغزال ده.
تورّد وجهها بخجل.
هتف بخبث:
إيه ده، هو إحنا بنتكسف زي البنات؟ لا أنا مش متعود على كده.
نظرت له برفعة حاجب وهي تسأله بحذر:
قصدك إيه بـ "زي البنات" دي؟ أومال أنا إيه يا أستاذ هادي؟
ضحك بقوة على غضبها:
أيوة كده، رجعي الوحش بتاعي اللي أنا بعشقه. إحنا مالناش في الخجل وكلام البنات النايتي ده.
التفتت بحدة تصعد مرة أخرى.
أوقفها صوته:
استنى بس يا وحش، أنا بهزر معاك.
رجعت سلمه وهي تردف بغيظ:
لسه عايز تقول إيه؟
تحدث بجدية:
أنتي مش ندمانة على ارتباطك بيه؟
اعتدلت في وقفتها:
مالك يا هادي، فيك إيه؟
تنهد لينظر حوله بحزن، يشعر بتقصيره الشديد في حقه.
تسمع صوته الحزين:
معرفتش أفرحك زي كل البنات، حتى الدبلة لبستيها عند الصايغ.
نزلت درجة لتضع يدها على يده:
هو أنت فاكر الفرحة في الفستان ولا الدهب؟ الفرحة الحقيقية بتبقى بوجودنا مع بعض، بنظرة عيونك ليا.
ابتسمت لتهون عليه:
طب تصدق الناس الأغنياء دول حياتهم كرب، وبيحسدونا على راحة بالنا.
ضحك:
بيحسدونا؟ أه، أيوه كده اضحك، أنا راضية بحياتي معاك على أي وضع وعمري ما هندم.
اقترب منها بعشق:
ربنا يخليكي ليا يا حتة من قلبي، قربي كده عايز أقولك حاجة.
مالت عليه بابتسامة ليقبل وجنتها ثم ابتعد بسرعة.
اتسعت عينها بصدمة لتسمع صوت ضحكته وهو ينزل السلم.
***
مال حامد على فاتن وهو يسألها:
معقول البت كبرت و أدورت بالشكل ده، منك لله يا أما ضيعتيها مني.
البنت بقت حتة قشطة بالفراولة، بس على مين.
نخزته في جنبه:
اسكت، الله يخرب بيتك هتفضحنا. كفاية الحيطة اللي اتجوزها، لو عرف إنك راجل مش ست يعلقك زي الدبيحة.
رد بحقارة:
والله لألزم أدوقها قبلة، ويبقي يوريني الحيطة دي هتنفعه في إيه.
***
صعد درجات السلم بخفة من شدة فرحته، كأنه ريشة في هواء رغم ضخامة جسده.
لا يصدق إنها أصبحت ملكه!
سرح في كلام والدها بعد كتب الكتاب عندما طلب رجوعها لبيته حتى ميعاد زفافها لحفظ ماء الوجه أمام الناس، مما أثار غضب شاهين بشدة.
حتى تحدث بصوت مرتفع:
تاخد مين وكلام مين؟
ثم ضحك بسخرية:
أنا حطيت إيدي في إيدك عشانها بس. لكن حقك عليها سقط يوم طردها من بيتك في الليل من غير ما تفكر لحظة مصيرها إيه.
ثم وقف لينهي الكلام في هذا الموضوع.
نورت، أعذرني مضطر أمشي عشان أبارك لعروستي.
توقف أمام الباب يزفر أنفاسه بقوة حتى يهدئ نفسه مما يشعر به الآن، ويداعب أفكاره منذ وقع في أسر عينها.
طرق على الباب رغم وجود مفتاحه في جيبه.
انتظر فترة حتى سمع خطوات مترددة تقف خلف الباب ليفتح ببطء، وتفتح معه الجنة عندما بدأت تظهر صورتها ببطء خلف الباب وهي تقف بخجل.
ليتقدم بخطوات قوية حتى أصبح لا يفصله عنها مجرد خطوة.
خرج صوته محموم بمشاعره وهمس خشن:
ألف مبروك يا حبيبتي.
زادت توتراً وخجلاً لترد بصوت يكاد يسمع:
الله يبارك فيك.
مد أنامله لفك حجابها حتى يرى خصلات شعرها الجميلة، أو الجنة مثل ما قالت صافي.
ظلت يده تتحرك بين الكثير من دبابيس الطرحة حتى ظن أنها لا تنتهي.
ابتسم من توتره وهو يقول:
أول مرة أشوف مصنع دبابيس في طرحة، هم خافوا إنها تطير؟
ابتسمت هي أيضاً.
كادت تبتعد حتى تنتهي من باقي دبابيس، عندما أوقفها بيده ثم همس:
ما تبعديش.
ليكمل مهمته وأخيراً يتخلص من الحجاب، يتركه يقع على الأرض ويسحب رابطة شعرها يحرر خصلاتها الحريرية من الأسر، ينثرها خلف ظهرها بإستمتاع.
تشعر بعجز شديد من قربه غير المسبوق وحركات أنامله الرقيقة عكس حجمه وشخصيته.
يلملم خصلات شعرها بينهم ثم ينحني يستنشقهم بمتعة لم يجربها من قبل.
انحنى يرفعها بين أحضانه لتكون في مستواه، ورغم أنه هو من يحملها بين أحضانه لكنه يشعر أنها هي من تضمه وتحتويه، تعوضه سنين الوحدة التي عاشها دون حضن يرتتمي به لحظة ضعفه أو تعبه.
أسر شفتيها في قبلة طويلة ثم انتقل بشفتيه على وجهها وعنقها ببراعة ليعود يأسر شفتيها مرة أخرى.
وضع وجهه بين عنقها يشتم رائحتها الجميلة لتزيد ناره رغبته.
لمساته ناعمة جميلة أذابتها بين يديه.
حتى تعانقوا في سمفونية رائعة بريئة من المشاعر الطاهرة.
***
بعد مرور شهر.
شعر بعدم راحة منذ اتصال حماه يعتريه الخوف من القادم، عندما أكد عليه ألا يبلغ صافي بتلك المقابلة.
يكمن خلف تلك الزيارة غرض غير مريح.
ظل يدور حول نفسه بطريقة متوترة.
ليتحدث موسي:
الموضوع مش مستاهل ده كله.
التفت له هادي ومعالم القلق بادية عليه:
ومعناه إيه أن يأكد عليا ماعرفش صافي بالزيارة دي؟ حالياً بقالي خمس شهور ماتقدمتش خطوة، والجراش اللي كان ممكن يحسن وضعي على ما روحت كان ضاع.
توقف عن إكمال كلامه عندما تعال رنين هاتفه.
ليجد رقم حماه لينزل بسرعة في استقباله وهو يرد:
أيوه تمام، أنا نازل لحضرتك.
سلم هادي على حماه وهو يتحدث:
نورت يا حج صادق، اتفضل.
ده نورك يابني.
صعد جواره وهو يتفحص ذلك المبنى المتهالك حتى وصل معه أمام غرفة على السطوح.
جلس على كنبة متوسطة.
رحب به موسي ثم تركهم على انفراد.
دخل غرفته.
هادي بتوتر:
نورت يا حج؟
صادق بعدم رضى:
أنا جيت من غير ما صافي تعرف، لأن لأول مرة تكون تصرفاتها غير محسوبة. لما توافق على ارتباط زي ده مافيش فيه أمل.
أردف هادي بخوف من بداية الحوار المهينة:
هو حضرتك عايز تقول إيه مش فاهم؟
صادق بحزن لما يريد فعله:
عايزك تبعد عن بنتي.
رواية من غير ميعاد الفصل السابع عشر 17 - بقلم امل مصطفي
اعتذرت للمريض الذي كانت تعطيه دواء عندما إرتفع رنين هاتفها.
زينت شفتيها إبتسامه عذبه، وردت بحنان:
"صباح الجمال على عيون حبيبي اللي هيحسن نسل العيلة."
إبتسمت سلمي بخجل كأنها تراها، وهي ترد:
"صباح الورد على حبيبتي. كنت عايزة آخد رأيك في حاجة لو فاضية؟"
ردت صافي بمرح:
"ولو مش فاضية أفضالك يا قمر. خير؟"
سلمي بخجل:
"عيد ميلاد شاهين بكرة وكنت عايزة أجيب هدية كويسة يعني لو تنصحيني أجيب إيه ومنين؟"
"طيب ما تستني لما أرجع نروح سوا؟"
سلمي بهدوء:
"هو حالياً مش موجود. كنت عايزة أروح وأرجع من غير ما يعرف عشان أعملها مفاجأة."
صافي بقلق:
"بس كده ممكن شاهين يغضب، وبدل عيد ميلاد يبقى عيد نكد."
سلمي بسرعة:
"لا متخافيش، وبعدين أنا مش رايحة بعيد. وأبعتلك الأبلكيشن زي ما أنتي فهمتيني عشان لو توهت."
"طيب تمام. أنا هبعتلك اسم كام محل وعناوينهم. افتحي الموقع من عندك وأنا هتابعك. طمنيني عليكي."
"شكراً جداً يا صفصف يا أحن قلب."
***
ترك صادق هادي في حاله صعبة. كيف يطلب منه ترك روحه؟
لقد عانى الكثير في حياته حتى قابلها لتمحي كل تعبه ويصبح شخص طبيعي. يحب، يتعب، يبتسم، يحزن. أصبح لديه أحلام وأهداف يكمل من أجلها ويحارب قدره.
جلس موسى جواره وهو يساند:
"ما تسألش فيه. البنت بتحبك وعايزاك. هو ملوش دخل. حارب عشان حبك."
هادي بوجع:
"هو عنده حق. أب خايف على بنته من الأيام."
تصدعت كلمات أبيها في رأسه.
"بصي يابني، أنا مش بقل منك ولا حاجة. كلنا عايشين تحت رحمة ربنا وظروفنا برده على قدنا. بس حرام لما تقعدها جنبك لحد ما تكبر. صافي عندها ٢٤ سنة، وأنت بقالك خمس شهور مش شايف أي حاجة جدت عليك. يعني على ما تعرف تلاقي شقة تأجرها وتجهز عفشها يكون مر سنين طويلة وهي تبقى عدت سن الثلاثين. مش دي الحياة اللي كنت بحلم بيها لبنتي الوحيدة. أنا وافقت غصب عني على أمل أنها تكتشف الحقيقة لوحدها، بس للأسف لقيتها متقبلة كل حاجة. ولما أسألها تقولي كل شيء بأوانه. ياريت ماتكنش أناني وتفكر في مصلحتها."
***
تسير بخطوات متوترة في البحث عن هدية متواضعة على حسب ما تحمل من مال.
تمنت أن تعطي له كل الحب والاهتمام، مثل ما هو يتفنن في تعويضها ما فقدته في السنين الفائتة ونجح بجداره.
الأمان والحب الذي تجده في تصرفاته وعيونه ينساها كل الناس، ولا تتمنى غيره في حياتها، هو وكفى.
وجدت سلسلة فضة في إحدى الڤتارين، كأنها صنعت من أجله. ملفته قوية تجذب النظر.
نظرت للحقيبة التي بها زجاجة برفان وسلسلة مفاتيح.
إبتسمت لتطلب تلك السلسلة أيضاً.
إختفت إبتسامتها عندما شعرت بشيء يتحرك على جسدها.
إلتفتت لتجد يد ذلك الشاب تسير عليها بمتعة مقززة.
إنتفض جسدها برعب عندما استمعت لصوته وهو يقول:
"أنا ماشوفتش جسم بالجمال ده؟"
لترجع للخلف في محاولة للإبتعاد عن مرمى يده، يقابلها الآخر بابتسامة لعوبة.
بحثت بعينها عن أي منقذ لها، وأسفاه. الجميع ينظر دون ردة فعل.
كاد الثاني يضع يده عليها عندما صرخت بهستريا لتقذف في وجهه ما بيدها وتركض بين الناس وهي تطلب المساعدة، لكن لا حياة لمن تنادي.
الجميع تنحى عندما رأوا بيدهم سلاح أبيض.
يتحركون خلفها وابتسامة تزين ثغرهم.
وقعت من ثقل أقدامها ورعبها الشديد وهي تتمنى أن يعرف طريقها ليخلصها منهم.
جذبها أحدهم من حجابها فوقع بين يده، وهي تقف لتركض مرة أخرى.
يتمتعون بهيئتها المرتعبة، ويتحركون خلفها باستخفاف.
***
ضحك بمتعة:
"آخر حاجة كنت أصدقها إن شاهين دياب يحب ويرتبط. بس جد إحنا في زمن المعجزات."
ليصدق عليه صديقه شريف وهو يضحك:
"فاكر يا مهند لما فضل يسخر مننا لما قررنا نخطب؟ جه الدور علينا نيااااي."
أردف شاهين بملل:
"ها الحفلة خلصت ولا لسه؟ خلاص اتكلمنا في الشغل، ونتقابل بقي زي الحريم."
شريف بجدية:
"أنا بتكلم جد يا شاهين. لو ماجبتش مراتك عيد ميلاد ميرو عشان تتعرف على حريمنا هزعل منك. إحنا أصدقاء من سنين وعايزين تبقى علاقة أسرية."
"قولت لا يا شريف، أنا مش هقدر أتأخر على ميرو لأننا أصحاب."
لكن مرات توقف عن إكمال كلامه عندما تعالي رنين هاتفه.
"ألو. أخبارك يا صفصف؟"
وقف بعنف وهو يسألها:
"مالك يا صافي؟ في إيه؟"
"براحة عشان أفهم. مالها سلمى؟"
ركض دون كلام وهو يصرخ عليها:
"فين المكان؟"
ركب دراجته دون كلام.
لحقه شريف ومهند وهم لا يعلمون ماذا يحدث، لكن هيئته تدل على وجود كارثة.
شاهين دائما قوي، حاد، لا شيء يهزه أو يقلقه.
***
تحدث بوجع:
"أنا هرجع البلد يومين يا موسى. إيه رأيك تيجي معايا؟"
"في إيه يا هادي؟ أول مرة أشوفك مهزوز كده. إيه حصل لكل ده؟"
تنهد هادي بتعب:
"عمري ما كنت محتاج أترمي في حضنهم قد الوقت. عايز أبكي يمكن يخفف الألم اللي جوايا. تعال ناخد أجازة أسبوع من الشغل ونرجع البلد."
أردف موسى بإشفاق:
"طيب بس خلينا يومين نخلص الشغل اللي في إيدنا ونمشي."
"أنا مش قادر أروح في حتة ولا أشوف حد. روح أنت واعتذر نيابة عني."
***
ركضت بكل قوتها حتى اختفت خلف كومة كبيرة من الصناديق.
وقفت ترتعش وهي تخرج هاتفها.
وقع منها. انحنت تلتقطه.
سمعت صوت صافي التي تطمئنها وتطلب منها إرسال أبلكيشن المكان كما علمتها حتى تستطيع اللحاق به.
توقف شاهين وترك دراجته تقع وهو يركض بجنون في المكان الذي أرسلته له صافي.
ركض بين الناس وعيونه تبحث عنها بجنون ويسأل كل من يقابله عنها.
شاور له أحدهم على الشارع الذي ركضت فيه ليتوجه بسرعة البرق.
أرسلت لصافي المكان وكادت تتحرك عندما وجدت يد أحدهم توضع على فهمها ليسقط منها الهاتف مرة أخرى وتحاول الخلاص من قبضته.
عضت يده بقوة عندما سمعته ينادي على باقي أصدقائه.
ليصرخ من الألم.
فتنطلق مرة أخرى وهي تتلفت حولها برعب لتبحث عن أي مخرج.
نظرت خلفها وهي تصرخ.
وفجأة.
وجدت نفسها في أحضانه.
لا تعرف هل هو حقيقة أم تخيلته من شدة رعبها.
لتسقط بين يديه فاقدة الوعي.
رواية من غير ميعاد الفصل الثامن عشر 18 - بقلم امل مصطفي
كان يتحرك بهستريه مثل مختل حتى رأها تركض اتجاهه وشعرها منسدل خلفها دون حجاب.
قفزة شياطين الأرض أمام عيناه من فكرة أن أحدهم لمسها.
عندما وجدت نفسها أمامه وبين أحضانه، انتهت طاقتها لتفقد الوعي.
حملها بين يديه ثم رجع بضع خطوات حتى وصل أمام كومة كبيرة من القش.
يتركها بينهم، خلع قميصه ووضعه فوق رأسها حتى يخفي خصلاتها أمام العيون.
ويتوجه لهؤلاء الشباب الذين رفعوا سلاحهم في استعداد للفوز به.
لم يهتم بما يحملوا، كل ما يحركه غيرته القاتلة لما رأته عيناه.
توجه لهم بلا تردد، كان يكسر أيديهم وتنطلق الصرخات المتألمة حوله دون أن يرمش له جفن.
وقف أصدقائه لا يستطيعون التدخل لأنهم يعرفوه حق المعرفة.
عندما يصل لتلك الحالة من الغضب لا يميز بين صديقه وعدوه.
نظر حوله وهو ينهج من شدة غضبه، ما فعله بهم لم يشفي غضبه.
انحنى على سنجة جوار أحدهم وهو ينوي ما لم يفكر به من قبل.
القتل، القتل فقط ما يريحه في تلك اللحظة.
ركضوا خلفه يتشبثوا الإثنين بذراعه في محاولة منعه مما يفكر به.
"كفاية يا شاهين، أنت كده خدت حقك وزيادة."
دفعهم الإثنين بذراع واحدة وهو يصرخ: "كفاية! لا مش كفاية، أنتوا عارفين هم عملوا إيه فيها؟"
وقف شريف أمامه: "أنت كسرت إيديهم ورجليهم أهو، ما فيش حاجة فيهم بتتحرك. يلا شوف مراتك، لازم دكتور يشوفها. أنا هوصلك بالعربية ومهند يروح الموتوسيكل بتاعك."
حملها بين يديه وتوجه بها لسيارة شريف.
جلس في الخلف وهي بين يديه مازالت فاقدة الوعي.
رفع هاتفه وهو يتحدث باختصار: "هاتي دكتورة معاكي و حصليني على البيت."
أغلق دون كلمة زيادة.
***
خرجت الدكتورة بعد أن طمأنته عليها.
أوصلتها صافي بعد أن شكرتها.
رجعت الغرفة وجدته يسند على الحائط خلفها وعيونه عليها.
تردف: "ما تقلقش، ضغطها نزل من الخوف والضغط العصبي اللي اتعرضت له."
لم تتلقى رد.
ظل على وقفته حتى فتحت عينها.
وعندما وجدته أمامها ركضت له وهي تبكي في أحضانه.
لكنها شعرت بتصلب جسده.
رفعت عينها لتقابلها نظرته القاسية الباردة.
وهو يتحدث من بين أسنانه: "خرجتي من البيت ليه من غير ما أعرف؟"
"هي كانت عايزة..."
التفت لها بغضب وتحدث بحدة: "صافي ماتتدخليش."
"سيبني أنا ومراتي لوحدنا."
حاولت تهدئته لتردف: "أفهم الأول وبعدين..."
صرخ عليها بعنف جعل جسدها ينتفض لأول مرة وهو يقول: "صافي أمشي الوقت، بلاش نخسر بعض."
شعرت سلمى برعب حقيقي وأنها سوف تفقد وعيها مرة أخرى.
عندما التفت لها وهو يتحدث ببرود: "خرجتي ليه وكنتي فين؟"
أردفت سلمى بارتعاش: "كنت رايحة أجيب هدية عيد ميلادك."
تغيرت نظرته الباردة وهو يكمل: "ده مش سبب إنك تخرجي من غير إذني."
فركت يدها برعب من فكرة إهانته لها بالضرب.
"أنا عارفه إنه غلط بس أنا كنت بفكر أعملك مفاجأة وطلبت من صافي تعرفني الأماكن وهي طلبت مني أستناها بس أنا كنت مستعجلة عشان أفرحك."
رد عليها بقسوة: "ده أول عيد ميلاد ليا معاكي، وأسوأ عيد ميلاد مر عليا في حياتي كله."
رفعت وجهها بصدمة وغشيت الدموع عينها وهي تسأله بصوت مرتعش: "قصدك إيه؟"
لم يهتم بسؤالها ليقول: "أول وأخر مرة تخرجي من غير إذني، صدقيني المرة الجاية مش هتتحملي رد فعلي."
ثم ترك المنزل، صفع الباب خلفه بعنف.
جلست على سريرها تضم قدمها وهي تبكي بحزن وصوت صافي يرن في أذنها: "عيد نكد. عيد نكد."
***
شعرت بقلق شديد لأنه لم يحدثها منذ أمس.
وعندما تتصل به لا يأتيها رد.
رفعت الهاتف بين يديها وهي تبعث له برسالة تطلب منه سرعة الرد عليها لأن القلق ينهش قلبها.
تريد التحدث معه عما حدث اليوم، لعلها تهرب من القلق على سلمي وشاهين.
تواجدها والحديث معه ينسيها كل الناس.
لكنه لم يرد.
نهشت أرض الغرفة ذهابًا وإيابًا لتقرر الذهاب له غدًا وتعنيفه بسبب إهماله لها في الأيام الماضية.
أشرق نور الصباح لتقوم بنشاط، تغتسل وتتجهز لتذهب له.
خرجت وجدت أمها وأبيها يجلسوا أمام مائدة الطعام.
ألقت عليهم تحية الصباح وهي تتوجه للخروج عندما أوقفها صوت أبيها المتعجب: "رايحة بدري على فين كده يا صافي؟"
"_رايحة الشغل يا بابا."
نظر لها وأردف: "بدري كده، أول مرة تخرجي من البيت في الميعاد ده!!"
تنهدت وهي تتحدث بهدوء، فهي لم تعتاد الكذب.
"أنا رايحة أشوف هادي الأول قبل الشغل، أصل بقاله يومين مش بيرد عليا، خايفة يكون تعبان أو فيه حاجة."
وقف صادق بعصبية: "يعني إيه تروحي لشاب عازب في شقته؟ إنتي اتجننتي!"
صدمة من عصبيته الغير مبررة: "فيه إيه يا حج؟ هو مش خطيبي ومن حقي أطمن عليه، ولا حضرتك ليك رأي تاني؟"
ثم أكملت: "وبعدين أنا طول عمري بأخد بالي من تصرفاتي."
لم يجد ما يقوله حتى لا تشعر بفعلته الشنيعة.
تركتهم وخرجت لترفع عينها اتجاه منزل هشام تريد الاطمئنان على سلمي وتخاف من رد فعل أخيها.
***
لم ينعم أحدهم طوال الليل بنوم.
هي ظلت تبكي الليل كله ولا يوجد معها هاتف حتى تتصل به.
وهو ظل يتدرب ليخرج تلك النيران المشتعلة بداخله مما حدث.
فكرة لمس أحد لها، ولو بطريقة غير مباشرة، هيأتها وهي بدون حجاب.
زادت وتيرة أنفاسه ليرفع زجاجة المياه على فمه يتناول بعض القطرات ثم قذفها في الحائط أمامه بعنف.
***
صعدت السلم لتصل على السطح.
وقفت أمام الباب بتردد أن تجد موسي.
لا زفرة أنفاسها بقوة.
تشجع نفسها على الطرق.
رفعت يدها وطرقت الباب في انتظار الرد.
ارتعش قلبها بفرحة كبيرة عندما أتاها صوته الرجولي يسأل عن الطارق.
قبل أن ترد كان انفتح الباب وهو يقف أمامها.
صدم من وجودها.
وهي فزعت من هيئته، وجهه أصفر تظهر الهالات تحت عيونه كأنه لم ينال قسط من الراحة ولحيته أنبتت.
تحركت بإتجاهه بلهفة: "حبيبي مالك؟ أنت تعبان؟"
تجمدت مكانها عندما تحدث ببرود: "خير، إيه جابك؟"
لا تعرف لما تألم قلبها من كلمته، لكنها بررت أن هذا رد فعل إهمالها له أو أنه مريض ويحتاج وجودها وهي لم تهتم.
أردفت: "مالك يا هادي؟ إنت زعلان مني في حاجة؟"
مر من جوارها ليجلس على الكنبة خارج الغرفة وهو يتحدث بطريقة باردة: "وهزعل منك ليه؟ أنا بس مستغرب إيه جابك!!"
جلست أمامه وهي تحاول تطنيش بروده وحدته في الكلام معها.
"جايه لأن قلقت على حبيبي اللي بقاله كام يوم مش سأل فيه ولما بتصل بيه مش بيرد عليا، خوفت يكون مريض أو فيه حاجة ومحتاج وجودي جنبه. قلبي خلاني أجي بسرعة عشان يشوفه ويطمن."
لعن أبها في كل كتاب من أعطاه الحق يدمر حبهم وسعادتهم.
كاد يطلب منها السماح لكن كلام أبيها أفاقه.
"بلاش تبقي أناني وتدمرها، لو بتحبها لازم تبعد عنها، هتتعب شوية والأيام تداوي ألمه. أما أنا كنت عايز أكلمك في الموضوع ده، بكرة مسافر البلد مش راجع هنا تاني، أهلي محتاجين وجودي جنبهم وأنا شايف أن ده حقهم عليا بعد كل اللي عملوه عشان..."
ترددت بعدم فهم: "يعني نتجوز و أسافر معاك؟"
تحدث بقسوة: "لا خطوبتنا كانت غلط من الأول، هنا مش حياتي ولا أنتي زيي، أنا هاخد واحدة من توبي تفهمني وأفهمها تشيل أهلي."
شعرت لأول مرة بالضعف وهي تختنق بالبكاء.
ردت بصوت مرتعش: "قصدك مهجة مش كده؟"
تألم قلبه بشدة من تجريحه لها، لكن لم يعد هناك رجوع.
أردف بصوت سيطر عليه ليخرج طبيعي: "أه... أهلي بيحبوها وعايزينها، هي وصراحة أنا مش قادر أضحك عليكي أكتر من كده. شوفي حياتك يا بنت الناس مع واحد من توبك."
ابتسمت بوجع وهي تسحب الدبلة من يدها كأنها تسحب روحها من جسدها.
وضعتها جواره وهي تردف: "أتمنى ليك بكل الحب اللي جوايا إنك تلاقي كل الخير والسعادة ومبروك مقدمًا."
أسرعت في خطواتها تبتعد عنه قبل أن تنهار.
جلست على السلم وهي تضع يدها على قلبها من شدة الألم.
ظلت فترة لا تستطيع الحركة ودموعها لا تتوقف.
بالأخير وقفت ترجع إلى بيتها بقلب منكسر.
سبحان من يجبره.
***
أخيرًا انتصر قلبه على عقله، يقنع نفسه أنه سوف يصعد لتغيير ملابسه فقط ولن يتحدث معها.
صعد السلم وقلبه يخفق بين ضلوعه بفرحة شديدة كأنه اغترب عنها سنين وليس مجرد سواد الليل.
فتح شاهين الباب وجدها تجلس على الأرض وهي تحتضن نفسها بضعف.
تحدث دون أن ينظر لها: "قاعدة كده ليه؟ قومي من الأرض أحسن تاخدي برد."
وقفت بضعف وهي تهمس: "إنت ندمان على ارتباطك بيه مش كده؟"
لم يرد عليها عندما توجه داخل غرفته فتح دولاب ملابسه وتناول منه بعض الملابس.
التفت ليخرج عندما وجدها أمامه تسأله بإصرار: "أسوأ عيد ميلاد مر عليك هو المرة اللي كنت فيها معاك؟"
وضع يده على قلبه يطالبه بهدوء لأنه ينبض بسرعة.
تألمه من مداراة مشاعره القوية اتجاهها.
يتمنى ضمها حتى يخفف حزنها لكنه مضطر يقسو عليها حتى لا تكرر.
يعد هذا اليوم الأسوأ في حياته ليس بسبب وجودها بل بسبب الرعب الذي تملكه من فكرة أن يصل بعد فوات الأوان.
تخيلها مغتصبه وقتلته.
رآها تسبح في دمها بين ذئاب بشرية لا تعرف الرحمة.
مجرد الفكرة رغم وجودها معه الآن تألمه بشدة.
خرج بعد فترة لم يجدها.
بحث عنها حتى وجدها تتمدد على السرير وظهرها للباب.
اهتزاز جسدها دليل على بكائه.
تنهد بحزن وتركها دون كلام.
جلست بوجع عندما سمعت صوت إغلاق الباب وعلمت أنه لن يلين.
***
وقف أمام صديقه وهو يسأله بقلق: "عملت إيه مع صافي؟ نازلة بتبكي ولما كلمتها مردتش عليا."
رفع يده أمام عيونه بدبلتها ودموعه تسيل بحزن: "صافي خلاص سيبنا بعض."
اقترب منه موسي بفزع: "أنت بتقول إيه؟ أكيد أنت اتجننت. إزاي تدمر حبك كده؟"
وقف هادي بعصبية: "أنت مالك؟ ماتتدخلش في حياتي. ولا فاكرني جبان زيك؟"
صدم موسي من رد فعله الغريب.
ليكمل: "أنا هرجع البلد أعيش مع أهلي وأشوف حياتي مع..."
رواية من غير ميعاد الفصل التاسع عشر 19 - بقلم امل مصطفي
عادت صافي وهي تبكي بقهر من خسارة حبها الوحيد والفريد.
فتحت باب البيت تدلف للداخل.
قابلت أمها المتعجبة من عودتها في هذا الوقت.
مرت من جوارها دون أن ترد على ندائها حتى دخلت غرفتها.
أغلقت خلفها الباب من الداخل لتنهار كل قواها وتبكي بوجع لم تتخيل أن تعيشه في يوم.
كرامتها أبت عليها أن تطلب منه التمسك بها مثلما تفعل هي.
إن لم يحارب هو من أجلها فما قيمتها.
نظر له موسى بذهول:
أنا جبان يا هادي، بقي دي آخرتها؟
رد هادي بعصبية:
أه جبان، لما تشوف حبك قدامك ومش تحارب عشانه؟
أنا أول ما قلبي اختارها روحت صارحتها.
أنت عملت إيه؟
أنا بكرة الصبح راجع بلدي، كفاية غربة لحد كده.
تركه دون أن يعلم أن كلامه مثل سهم غرزه في أعماق قلب صديقه بلا رحمة.
أشرقت شمس يوم جديد لكنه حزين على الجميع.
ركب هادي الميكروباص المتجه قريته جوار موسى الشارد في كلامه.
بينما صافي لم تخرج من غرفتها منذ الأمس ولم ترد على محاولات والدها في الكلام معها.
سلمى لم تتذوق الطعام لمدة يومين في انتظار مشاركة شاهين لها مثل الفترة الأخيرة أو الصفح عن ذنبها غير المقصود.
هو يأتي كل يوم متأخر حتى يضمن أن تكون غفت ليطمئن عليها، لكنه لا يعلم انقطاعها عن الطعام.
وصل هادي بعد وقت طويل.
ليقف أمام باب منزله بحزن ثم طرق الباب ليجد أمامه والده الذي أنار وجهه من السعادة.
ضمه والده بقوة ودخل معه وهو ينادي على زوجته يزف لها خبر رجوع وحيده.
مهدي يا هدي شوفي مين هنا.
خرجت تقابله لكنها صرخت بدموع وهي تفتح له أحضانها.
يرتمي بينهم حتى يحتمي بهم من ألم قلبه وبكى بألم شديد.
انشطر قلب والديه لتتحدث أمه بدموع:
مالك يا حبيبي فيك إيه؟ أنت عمرك ما عملتها يا قلب أمك!
عبد الله بوجع على حال ابنه:
اصبري يا هدي، أعطيه فرصة يتكلم.
جلس بينهم في انتظار البوح بما يعتري قلبه.
نظرة الحب والحنان الذي يتأملوا به جعلته يتنهد بحزن.
وهو يتحدث بتعب:
أنا سبت صافي.
والدته براحة:
إحنا عارفين من الأول إنك مش هطول معاها، هي مش من توبنا بس سيبتك تجرب عشان لما ترجع تحس بالفرق بينها وبين مهجة.
أردف بدموع:
مافيش في الدنيا حد زي صافي، قلبها الطيب، حنانها، جدعة مع الكل، حبها ليا.
أنا عمري ما أحب ولا أرتبط بغيرها.
عبد الله بحيرة:
لما هي فيها كل الصفات دي، سيبتها ليه؟
لأنها تستحق الأفضل، معايا شبابها هيضيع تحت عباءة الفقر والحوجة.
هي تستاهل واحد يريحها، يقدرها، يحميها من غدر الزمان.
أنا ضحيت بنفسي عشانها، فسخت خطوبتي.
رغم القهر والانكسار اللي حاسس بيه واللي شوفته في عيونها.
طلبت تيجي تعيش معايا هنا، ولما جرحتها بقسوة كلامي ضحكت وهي بتعيط.
رغم أني جرحتها صمت فترة.
ثم ابتسم بألم قال:
أتمنالك السعادة على قد الحب اللي في قلبي ليك.
شعر بقلق شديد، ترك الجيم ثم توجه للخارج وهو يتمنى أن يكون مجرد إحساس عابر.
ليس سهل عليه تجنب المعاملة معها أو قسوته عليه.
لكن الخوف الذي شعر به منذ اتصال صافي حتى وصل إليها كان قاتل لأعصابه وروحه.
لا يعرف كيف قطع تلك المسافة.
شعر بروحه تترك جسده وفرغ الهواء من رئتيه من شدة الرعب.
صعد السلم، فتح الباب، دخل الغرفة لم يجدها.
توجه للمطبخ يناديها لم يتلقى ردًا.
ألقى نظرة على باب الحمام وجده مغلق من الداخل.
وقف بحيرة لا يعرف ماذا يفعل حتى يطمئن عليها.
أخذ قراره، طرق على الباب وهو يطالبها بالإسراع لأنه يريد استخدام الحمام.
طرق الباب مرة أخرى، تلك المرة بشكل أقوى، بقوة دقات قلبه المتوترة.
لكنه لم يتلقى ردًا أيضًا.
صرخ بغضب:
افتحي الباب يا سلمي أحسن ما أكسره عليكي.
انتفض قلبه من الرعب أن يكون حدث لها مكروه.
لحظة، متى كان قلبي بهذا الضعف؟ متى شعر بالخوف؟
انتهى صبره ليخبط الباب بكتفه مرة ثم مرة حتى فتح ليجد جسدها يفترش الأرض فاقدة الوعي.
جلس أمامها وهو يحملها بين يديه يناديها برعب:
سلمي حبيبتي ردي عليا.
خرج بها، وضعها على السرير حتى يتصل بـ صافي.
لكن وجد هاتفها مغلق.
لعن نفسه بصوت مرتفع.
اتصل بأحد تلاميذه:
منير شغل عربيتك، أنا نازلك بسرعة.
حملها بعد أن ألبسها، وجد ذلك الشاب في انتظاره.
تحدثه بقلق:
اطلع بينه على أقرب مستشفى.
طرق الباب ووقف في انتظار الرد.
تسارعت ضربات قلبه عندما رآها أمامه.
ابتلع ريقه بصعوبة ليخرج صوته ضعيف:
إزيك يا مهجة؟
لترد بهدوء:
الحمد لله يا موسى، أخبارك أنت؟
ارتسمت على وجهه ابتسامة اشتياق:
أنا الحمد لله بخير طول ما أنتي بخير.
إحم، قصدي أنتي وماما، هي موجودة؟
أه، تعالي، تفسح له الطريق وهي تنادي:
ماما، موسى هنا جاي يشوفك.
خرجت زينب بترحاب:
يا أهلا وسهلا، نورت يابني.
سلم عليها موسى بحب:
ده نورك يا خالتي.
جلس جوارها بتوتر على كنبة في الصالة.
"أعملي شاي يا مهجة."
تأبعتها عيناه بغرام حتى اختفت ليرجع بنظره مرة أخرى لأمها التي كانت ترى لهفته.
أردف بسرعة:
حتى لا يرجع في قراره، أنا طالب إيد مهجة يا خالة زينب.
تهللت أسارير زينب التي تحدثت بسعادة:
ده يوم المنى يا موسى، أنا ألاقي زيك فين، أدب وأخلاق وابن أختي وحبيبتي.
خرجت مهجة وهي تحمل الشاي الذي وقع من يدها عند سماع كلام أمها.
وقفز موسى بخوف ولهفة:
أنتي كويسة؟ فيكي حاجة؟
يده وعيونه تبحث في يدها وقدمها بلهفة ظاهرة للأعين.
مهجة بتوتر من قربه:
أنا كويسة، الصينية وقعت بعيد عني.
تركتهم وتوجهت لغرفتها دون كلام.
وقف يتابعها دون حركة حتى نادته زينب:
تعال يا حبيبي اقعد عشان نتكلم.
رجع يجلس ليتحدث في ما يريده.
ظل يتحرك خلف الغرفة بتوتر وهو يفرك يده.
حتى فتح باب غرفة الكشف نادته الممرضة.
ليتحرك بلهفة، رآها تتمدد على الفراش وفي يدها إبرة بمحلول.
قطع المسافة في خطوتين يردف بحب:
سلامتك ألف سلامة يا حبيبتي.
أخفضت عينها بحزن.
مد أنامله يحركها على الحقنة التي تخترق جسدها بلا رحمة.
سمع صوت الدكتورة من خلفه:
أستاذ شاهين، ممكن ثانية.
ابتسم لها بحنان قبل أن يتركها ويجلس أمام الطبيبة.
التي تحدثت:
إزاي حضرتك تسيبها لما توصل لكده؟
نظر لها بعدم فهم:
وصلت لأيه؟
سوء تغذية وهبوط في الدورة الدموية، كان ممكن يسبب وفاة لولا ستر ربنا.
رجع لها بنظرة فزع من فكرة خسارتها.
طيب، إيه العمل الوقت؟
الدكتورة بعملية:
حاليًا أنا مركبة ليها محلول ملح يغذيها شوية وكتبت فيتامين مع أكل صحي كويس وفاكهة.
ضروري حضرتك تهتم بأكلها، الموضوع مش سهل.
خرجت من غرفتها بعد ثلاث أيام.
تغيرت ملامحها، أصبحت حزينة، منكسرة.
ألقت عليهم تحية الصباح.
أوقفها صوت حنان:
حبيبتي حمد الله على سلامتك، كده توجعي قلبي عليكي.
صافي بهدوء:
أنا كويسة الحمد لله، بس حبيت أعرفكم إن أنا وهادي سبنا بعض.
لطمة حنان على صدرها:
ليه يا حبيبتي؟ حصل إيه بينكم؟ أنتم بتعشقوا بعض.
أردفت صافي بوجع:
مافيش نصيب يا ماما، لو كان لينا نصيب عمرنا ما نبعد.
لم ينطق والدها بكلمة واحدة، لكنه من الداخل يشعر بالراحة.
هو يعلم أن الأيام دواء لكل وجع.
وصلت إلى المستشفى.
طرقت باب غرفته لتدخل عندما سمعت صوته يطالبها بالدخول.
وقف عندما رأى معالم الحزن بادية على ملامحه.
تحرك ليجلس على الكرسي أمامها يسألها باهتمام:
مالك يا صافي؟ شكلك متغير ليه كده؟
أردفت ودموعها تسيل:
سمعت إن حضرتك مسافر الكويت كمان شهر، بقول لو ينفع تأخدني معاك.
طارق بتعجب:
طيب أهدي واحكي مالك؟ أنا عارف إنك رافضة فكرة السفر.
قصت له ما يؤلمها.
شعر بالحزن من أجلها، أول مرة يرى ضعيفة مهزومة بهذا الشكل.
صافي دائماً مثال القوة والإصرار وسبب الابتسامة على وجوه الجميع.
تصل لتلك الدرجة.
تنهد ليردف:
طيب تمام، أجهزلك ورقك، تيجي معايا الشهرين اللي هقضيهم هناك، لو حبيتي تطولي أكلم مدير المستشفى.
وضعها على السرير في غرفته.
ليتحدث بحنان:
ليه مش بتاكلي يا سلمي؟ خير ربنا عندك في الثلاجة.
نظرت له بحزن:
آكل إزاي من أكلك وأنتي مش حابة وجودي؟
يتحدث بعتاب:
أنا مش حابة وجودك؟ وجودك زي الشمعة اللي نورت حياتي وعمري.
وجودك خلاني أحس إني إنسان والحياة ليها قيمة.
تحدثة بحزن:
أنت قلت ده أسوأ عيد ميلاد عشان أنا معاك، كلامك قاسي قوي.
جلس جوارها ليضمها لحضنه بحب وحنان، قبل رأسها وأردف:
مش قصدي المعنى اللي وصلك أبدا.
إنتي مش متخيلة أنا حصل جوايا إيه لما صافي اتصلت بيه عشان ألحقك.
ثم تنهد بألم:
الخوف لحظتها كان غريب عليا وصعب في نفس الوقت.
كنت بجري وأنا بطلب من ربنا يحميكي، روحي انسحبت من جسمي من الرعب وعقلي رسم ليا سيناريوهات كلها أصعب من بعض.
أنا بعشقك يا سلمي، وفكرة خسارتك كانت صعبة جدا.
سامحيني.
ابتسمت وهي تضع رأسها على كتفه لتغمض عينها براحة.
هزها بحنان:
لا، مافيش نوم قبل ما تاكلي.
خرج من الغرفة ثم عاد يحمل صينية بها لحمة مشوية وسلطة وطحينة.
جلس أمامها يطعمها بنفسه.
تأملته بحب لتفتح فمها في طاعة.
تحدثة مع والدتها بعصبية:
ممكن أعرف وافقتي ليه على موسى من غير ما تأخدي رأيي؟
زينب:
لأن ده المفروض يحصل من زمان، أنا غلط لما سبتك تجري ورا سراب وفي الآخر دفعتي التمن غالي، رماكي وشاف غيرك.
مهجة بحزن:
بس أنا مش عايزة ارتبط بموسى، إنتي ناسيه إنهم أصدقاء طفولة ومش هقدر أكون معاه وأنا بفكر في صاحبه، إنتي كده بتدمرى اتنين.
أردفت زينب بإصرار:
لا، أنا كده بحطك في حضن راجل عشان تنسي وتعيشي شبابك، وأنا وافقت على موسى بالذات.
لأن عيونه بتعشقك، ده اللي يتحملك ويحافظ عليكي.
مافيش حد في البلد كان هيطلب إيدك من دلوقتي.
علقي على هادي وكل البلد عارفة إنك بتحبيه.
رواية من غير ميعاد الفصل العشرون 20 - بقلم امل مصطفي
جلس خارج منزله وهو ينظر للهاتف بيده يريد أن يسمع صوتها ويعتذر لها عن قسوته معها. وضعه جواره مرة أخرى ونظر للفراغ أمامه. رغم جمال المنظر الذي يهدئ النفس، لكنه لا يراه. دموعها فقط ما تطبع في عينيه.
خرج والده ووالدته يحملون الشاي وقراقيش. وجلسوا جواره. تحدث معه والده، لكنه لم يتلق ردًا كأنه لم يسمع ما قاله. لينظر لوالدته بحزن.
وضعت هدى يدها على كتفه. لينظر لها بابتسامة باهتة: "خير يا أمي؟"
"ما فيش يا ضنايا، قولنا نقعد معاك نشرب الشاي. وحشنا وجودك معانا."
ليضع رأسه على قدمها: "وأنتم كمان وحشتوني قوي."
"خلاص يا أمي، أنا قررت. ما فيش غربة بعد كده. هنزل اشتغل في أرض الحاج غنيم. أفضل معاكم. كفاية اللي راح."
مسد عبد الله على كتفه بتشجيع: "خير ما عملت يا ضنايا، والأيام قادرة تداوي ألمك."
تحدثت هدي بسعادة: "وأنا هكلم زينب على مهجة."
اعتدل هادي في جلسته واردف بضيق: "أرجوكي يا أمي بلاش تضغطي عليا. أنسي مهجة خالص. أنا تعبان يا أمي مش حمل كلام يزيد ألمي. صافي جوايا وما فيش وحدة تاخد مكانها مهما حصل."
تركها وابتعد ليسير في الأرض الخضراء أمامه.
تنهد عبد الله: "سيب الولد في حاله يا هدي. ممنوع كلام في أي حاجة. الوقت، أعطيه فرصة يرتاح. بلاش نزود همه."
هدي بخوف: "معقول تكون عملت له سحر تخليه يبقى متعلق بيها كده؟ أنا أول مرة أشوف ابني ضعيف بالشكل ده."
***
وقف شاهين أمامها وهي في طريقها للمنزل.
"أنتي لسه زعلانه مني لأن اتعصبت عليكي؟"
صافي بحب: "أنا عارفة ومقدرة حالتك كويس. المهم إنها بخير."
تعجب من هدوئها: "طب ليه ما سألتيش من يومها؟ هتمثلي عليا إن عندك دم؟"
بكت بحزن دون كلام.
ليحتضنها في الشارع وهو يسألها بلهفة: "مالك يا حبيبتي؟ أنا بهزر معاكي. مالك بقيتي حساسة ليه كده؟"
مسحت دموعها: "آسفة، أصل متضايقة شوية."
"لا الموضوع شكله كبير. لو هادي هو اللي مزعلك هخليه يودع شبابه."
"خلاص، ما عادش في هادي. إحنا سبنا بعض."
"لا الكلام هنا ما ينفعش. تعالي نطلع عند سلمي."
***
خرجت مهجة من منزلها كالعادة للذهاب لمنزل هادي. اتسعت عينها من السعادة عندما وجدته يجلس أمام الباب. أسرعت في مشيتها حتى توقفت أمامه: "حمد الله على سلامتك يا هادي."
رفع عيونه يراها أمامه بجمالها الملفت. أخفض عيونه وهو يتخيل صافي بابتسامتها التي تأثره.
"لم والدها بتلك القسوة؟ ماذا يحدث إذا صبر عليه حتى يحسن أوضاعه؟ نحن لم نخلق كبار. ما المتعة في الحياة إن توفر لنا كل ما نريده دون تعب أو معاناة؟"
جلست جواره تسأله باهتمام: "إنت رجعت مع موسي امبارح؟"
هادي باختصاره: "آه."
ابتسمت له بحب.
نظر الاتجاه الآخر وجد صديقه يقف يتابعهم من بعيد. تألم من حاله. شاور له بحب.
تحرك موسي بألم اتجاههم. هو يعلم أنها لن تنظر له في يوم، لكنه يعذرها. هي لم تطلب من قلبه الأحمق أن يعشقها.
وصل موسي أمامهم وعيونه لا تبتعد عنها، يرمقها بلوم وعتاب.
وقف هادي يحتضنه بحب: "تصدق ياض أنت وحشتني. مسافة الليل اتعودت على وجودك معايا."
بادله موسي الاحتضان وهو لا يعرف ماذا يشعر، يغير منه أم يكرهه.
"اقعد على ما أعمل شاي."
وقفت مهجة: "لا خليك، أنا أعمل."
هادي برفض: "لا خليكي، أنا بعرف أعمل." تركهم وتوجه للداخل حتى يعطي صديقه فرصة للكلام معها.
لم يستطع الكلام. هو الآن يشعر بألم شديد في قلبه. يشعر بالغدر والخيانة. هي لم توعده بشيء أو حتى وافقت على الارتباط، لكن تلك مشاعره في هذه اللحظة، ليس بيده.
***
جلست جوار سلمي وهي تبكي: "ده كل اللي حصل. قال إنه راجع بلده يشوف وحدة شبه."
نظر لها شاهين بتفكير: "مش ممكن هادي يعمل كده. أنا واثق إنه بيحبك. أكيد عنده أسبابه. يومين لما يهدى أكلمه."
صافي بحيرة: "مش عايزة أرخص نفسي. وبعدين."
"ما فيش حاجة تجبره إن يعمل معايا كده."
"صدقيني الموضوع مش طبيعي. في حاجة أكبر منك ومنه. أنا هكلمه وأشوف."
ضمتها سلمي بحب: "وحشتيني قوي يا صافي. بقالي كام يوم مش بشوفك."
وقف شاهين بغيرة: "أفصلهم في إيه يا أختي أنتي وهي؟ ابعدوا كده."
نظروا له الاثنين بصدمة ثم ضحكوا بقوة.
زادت غيرته ليردف: "الوقت بتضحكي ولما كنتي هتموتي من يومين عادي؟"
شهقت صافي: "بعد الشر عليها. تف من بقك."
تأملهم شاهين بحب ثم تحدث بمرح: "أنا عازمكم على بيتزا. إن شاء الله ما حد حوش."
بعد فترة وضعوا الأكل والبيبسي كما تحبه صافي.
تناولت سلمي قطعة من مشكل اللحوم. تناولها لصافي التي تناست بينهم ما يؤلمها.
أردف شاهين: "صافي مش بتحب غير مشكل جبن وسي فود."
سلمي بتعجب: "هو أنتوا عارفين كل حاجة عن بعض وبتقولوا أخوات؟ رغم إن الأم والأب مختلفين يبقى إزاي؟"
نظر كلا من شاهين وصافي لبعضهم بحزن.
تضايقت سلمي من نفسها لتقول: "آسفة مش قصدي أضايقكم."
تنهدت صافي وهي ترد: "أنا وحلا كنا زي التوأم. اتولدنا في نفس اليوم بس هي الصبح وأنا بليل. وبما إن الأمهات أصحاب جداً، اتربينا مع بعض زي الأخوات. مامتها كانت بترفض ماما ترضعها لأنها عايزة تجوزني هشام... وضحكت."
"عايزة تجوزني وأنا لسه عندي تسع شهور. أفكار غريبة. المهم."
"في يوم جالها خبر وفاة أخوها. ما كانش ينفع تأخذها لأنها صغيرة. خافت عليها من حالة الحزن."
"سافرت هي وشاهين. سابت حلا معانا على أساس أنه يوم وترجع. طلبت من ماما تعمل لها أي حاجة بس لما كنت أرضع، تعيط وتطلع تشد فيه. ماما قلبها وجعها. رضعتها. طنط غابت خمس أيام. حلا نست مامتها واتعودت على ماما."
تنهدت بوجع: "إحنا كنا في المدرسة. كانت ماما تيجي مرة تاخدنا ومرة طنط. وفي يوم كنت واقفة أنا وحلا. شافت مامتها جايه وفي إيدها بلونتين. جريت عليها بفرحة. في نفس الوقت اللي جايه فيه عربية سريعة. طنط صرخت وهي بتجري تلحق بنتها بس للأسف خدتها في حضنها وقبل ما تبعد كان خبطهم هما الاتنين. ماتوا في نفس اللحظة."
مسحت دموعها: "وخسرت أختي وأمي في لحظة واحدة."
نظرت اتجاه شاهين وجدت ملامحه جامدة.
ترك المكان دون كلام.
تابعته سلمي بعيون نادمة متألمة ثم تحدثت لصافي: "أنا آسفة والله قلبت عليكم المواجع."
صافي بألم: "عمرنا ما نسينا."
***
بعد مرور أسبوعين.
طرق شاهين على سلمي.
فتحت الباب بابتسامة عذبة جعلته ينصهر عندما تحدثت برقة: "صباح الخير."
ابتعدت عن الباب حتى يمر وهو يحمل معه شنط بها طعام.
وضع ما بيده ورد بلهفة: "صباح الورد على أجمل عيون في الكون." ثم قبل وجنتها.
تحت خجلها.
ليردف وهي مازالت أمامه: "إيه رأيك لما نعمل فرح ونسافر السخنة أسبوعين لحد ما العمال يخلصوا والموبليا تيجي."
"صاحبي عنده شقة هناك. ثم انحنى يقبلها بشغف وهو يتحدث من بين قبلاته: "أصل أنا خلاص جبت آخري والله."
لم ترد من شدة خجلها. وضع يده تحت ذقنها ليرى عينها وهو يهمس: "إيه رأي الجميل؟"
ليخرج صوتها ضعيف من غزوته الدائم لها: "اللي تشوفه. أنا معاك."
تركها وهو يقبلها مرة أخرى: "طيب يلا عشان نفطر. لأن مسافر أشوف موضوع صافي."
تعمقت بذراعه وهي ترتعش.
لينظر لها باستغراب ويحاول تهدئتها: "مالك يا سلمي؟"
"أنتي كنتي كويسة."
ردت بخوف: "بلاش تسيبني وتبعد."
"أنا مش هبعد. ممكن أرجع على الفجر."
تمسكت به أكثر: "أه. أنت بتنام في الجيم. بس ببقى مطمئنة إنك متابعني. ولو حاجة حصلت في لحظة تكون معايا. بس ده سفر ساعات طويلة. أفرض حصل حاجة أعمل أنا إيه؟"
أخذ يدها يجلسها على الكنبة ويجلس أمامها: "ما فيش حد يقدر يقرب منك هنا."
"الشباب دول في كل مكان بيعاكسوا البنات في الطريق. لكن أنتي هنا في بيتك مقفول بابك."
توترت أكثر وهي تحاول أن تقنعه بعدم تركها.
"أنا خايفة من حامد يستغل غيابك ويعمل حاجة."
عقد شاهين ما بين حاجبيه بتعجب: "إيه جاب اسم حامد ده بينه؟ وليه خايفة كده؟"
هربت من عيناه. مد يده ليرجع عيونها مقابل عيونه.
ويشعر أن ما يقال سوف يفجر بركان غضبه.
"الشباب اللي كانت بتجري ورايا. لما واحد منهم مسكني قال ليه حق حامد يتجنن عليكي."
وقف هشام بعنف وهو يزأر مثل أسد حبيس.
ظل يتحرك بغضب شديد. وجدها تضم نفسها بخوف. ليلين من حدته حتى لا يزيد رعبها.
جلس جوارها بابتسامة مغتصبة: "مش نفطر ولا إيه؟"
وقفت ثواني أحضره. مسك يدها وقبلها: "نحضره أنا جاي معاكي."
***
سمعت طرق شديد على الباب لتفتح بغضب تحول لابتسامة حنونة عندما رأته أمامها.
"أهلاً وسهلاً يا شاهين. إيه النور ده كله يا حبيبي. تعال أدخل."
"أزيك يا خالتي. ابنك فين؟"
وزه بتعجب من حدته: "ابني مين؟"
ليرد بغضب: "ابنك الكبير حامد."
شعرت وزه بوجود كارثة وهي ترد: "نايم يا..."
لم يعطها فرصة للإكمال حيث توجه للابواب أمامه. فتحهم واحد تلو الآخر بعنف وهي تسير خلفه تسأله عم حدث.
حتى وجده أمامه ينام بسلام. ليهجم شاهين عليه ينزعه من فوق السرير بعنف.
فزع حامد وهو يتحدث بتشتت ولا يعرف ماذا يحدث فيه: "إيه اللي بيحصل؟"
لكمه شاهين بعنف: "أنا عملك الأسود." ثم ضربه مرة أخرى بطريقة أقوى جعلت حامد يصرخ من الألم.
ووزه تشهق من الحزن على ابنها. هي متأكدة أنه فعل شيء صعب لأن عشرتها لشاهين في الفترة الماضية أوضحت كم هو شخص محترم وخلوق.
تحدثت بحزن: "عملت إيه يا حامد؟"
حامد وهو يتألم: "مش عارف. وهو عامل زي الطور الهايج كده ليه؟"
انحنى عليه شاهين يردف بغضب جحيمي: "الشباب اللي كنت باعتهم يخطفوا مراتي قالوا إنك اللي بعتهم."
لطمت وزه خدها بفزع: "سلمي مالها؟ جرالها إيه؟ منك لله يابن بطني."
"صرخ عليها حامد: "أنا ما عملتش حاجة. أي حد يقولك حاجة غلط عليا تصدقيه."
رفعه شاهين بين يديه يخنقه. لكن أمه تعلقت بيده ترجوه بدموع: "أرجوك يابني بلاش تموته. عارفة إنه يستاهل كل حاجة."
"بس عشان خاطري أنا أم ومش حمل ابني يموت قدامي. زاد بكائها وهي ترى ابنها يلفظ أنفاسه الأخيرة. "وحياة سلمي يا شاهين سيبه."
تركه في لحظة كأنها قالت كلمة السر. ليسقط ابنه على الأرض ويضربه بعنف حتى دخل أخيه الصغير الذي فزع مما يحدث وحاول التدخل. رغم أن أخيه دائم السخرية منه ويضايقه، لكنه يظل أخيه.
لكن يد أمه منعته من التقدم.
بينما توجه شاهين لها وهو يعتذر: "آسف يا خالتي على قلة ذوقي. بس ابنك كان لازم يتربي."
وزه بحنان: "حاسة بيك يا حبيبي وعذراك. بس طمني على سلمي بخير."
"الحمد لله بخير. والفرح كمان أسبوعين."
"ألف ألف مبروك. إن شاء الله أكون عندكم."
"شاورت على ابنها الثاني: "ده محمد ابني في تالتة ثانوي."
"ربنا يبارك لك فيه ويجعله عوض عن تعبك." قالها وهو يلقي نظرة على ذلك الفاقد للوعي.
***
مرت الأيام سريعة، حزينة على بعضهم وسعيدة مبهجة على البعض الآخر.
أردفت بحب: "أنت شاغل نفسك بيه ليه؟ أنا مسافرة مع دكتور طارق في عربيته. وأنت خليك في عروستك."
شاهين: "إزاي يعني؟ أنا لازم أوصلك المطار."
رد صادق بحزن: "يا بنتي بلاش غربة. أنتي عمرك ما حبيتيها. كل ده عشان واحد ما يستاهلش."
غامت عينها بسحابة حزن: "أرجوك يا بابا بلاش كلام في الموضوع ده تاني. كل شيء نصيب. وأنا خلاص أخدت نصيبي."
"شاهين خلاص يا حبيبتي. اعملي اللي يريحك."
***
لم تترك سلمي لحظة تساعدها في كل شيء. وابتسامتها لم تتعد عينيها. يعلم أنها تتألم.
هو متأكد من حب هادي لها. لقد رأى الألم والحزن بعينيه مثلها. وعندما علم فكرة سفرها تحدث بخوف ولهفة: "ليسوا لشخص بائع بل عاشق حتى النخاع."
لا يعرف ماذا حدث لتصل علاقتهم لهذا الانهيار.
يتمنى أن يحضر هادي زفافه ليصلح علاقته بـ صافي مرة أخرى.
***
وقفت صافي حزينة شارده. لم تسمع نداء سلمي المستمر حتى تشاركها رأيها في هذا الفستان. وعندما لم تجد رد، تركته ما بيدها وتوجهت لصافي تحتضنها بحنان وهي تهتف:
"كلميه يا صافي وافهمي منه ليه عمل كده. أكيد عنده أسبابه."
هتفت صافي بانكسار: "يعني أرخص نفسي عشان يفكر فيه ويرجعلي؟"
سلمي برفض: "لا طبعًا مش قصدي. بس أنا متأكدة من حبه ليكي. لأن مهجة قدامه من الأول. فجأة كده هيحبها؟"
تحدثت بحزن: "أنا شفتها في عيون مامته. ما حبتنيش. أكيد كانوا عايزين مهجة لأنهم مربينها وهي اللي شيالهم. وبرده بتحب ابنهم. ربنا يسعدهم."
***
جلس في الأرض الخضراء أمامه وكلام شاهين يرن بأذنه.
"إيه حصل عشان تكسر قلبها كده؟ شوفت منها إيه عشان تخليها تنهار وتفقد الثقة في نفسها؟ صافي."
"طول عمرها قوية زي الجبل. عمري ما شوفت دموعها ولا انهيارها ده غير يوم وفاة أمي وأختي."
"أنا وهي وقفنا في وش أبوها عشان يوافق عليك."
صمت فترة ثم أكمل: "لما أنت عايز وحدة من البلد عندك، علقت أختي بيك ليه؟"
زفر هادي بألم: "أنا مقدر كل ده وعارفه ومتأكد إن عمري ما هقابل وحدة زيها مرة تانية. لأن هي مالهاش زي."
"بس حياتي صعبة ومش عايزة تتعدل. خوفت أظلمها وأدمرها معايا."
هشام بعصبية: "وأنت مش عارف ده من الأول؟ ولا كان في دماغك تطلع منها بمصلحة وفشلت؟"
"أنت عارف إيه مانعني إن أقتلك؟ حبها ليك."
"بس وقت ما أحس أن الحب ده راح من جواها هرجعلك عشان أدفعك ثمن غربتها اللي هي مش بتحبها ووافقت عليها عشان تهرب من تفكيرها فيك."
التفت له هادي بفزع: "غربة إيه؟ تقصد إنها مسافرة؟ لا بلاش تخليها تبعد أرجوك."
تأمله هشام بحيرة: "هو يرى أمامه شخص محب ملهوف. لما ذلك العناد؟ ماذا يحدث؟"
تنهد بص: "يابن الحلال أنا مش عارف أنت بتفكر في إيه. بس لو بتحبها زي ما أنا شايف وحاسس، إلحقها قبل ما تضيع."
"فرحي يوم السبت وهي مسافرة يوم الأحد الفجر."
"تعال الفرح وحاول تصلح ما بينكم. سلام."
فاق من ذكرياته على يد صديقه الذي تحدث بهدوء: "الموضوع مش محتاج منك كل الحيرة دي. كلام شاهين صح. إلحق حبك قبل ما يضيع للأبد وتعيش الباقي من عمرك في الندم."
"إرمي كلام أبوها وري ضهرك. حدد مصيرك."
"أنك تلاقي حد يبادلك مشاعرك ويحس بيك حاجة كنوز الدنيا متعوضهاش."
وقف هادي بإصرار وهو يقبل صديقه: "عندك حق. أنا ما عرفتش أعيش من غيرها. طظ في أبوها، طظ في الفقر، طظ في كل الدنيا. بس تبقي معايا."
ضحك موسي بقوة: "أخيرًا فقت. يلا يا وحش روح غير عشان تلحقها."
دخل منزله بسعادة كبيرة وهو مصمم على أخذ حقه من الدنيا بكل قوته. سوف يسترد حبه ويترك كل شيء خلفه. لن يتركها لحظة بعد الآن.
سمع صوت والدته وهي تهتف: "بتعمل إيه يا حبيبي؟"
محى المسافة بينهم في خطوتين وهو يقبل وجنتها ويهتف بسعادة: "رايح أرجع صافي يا أمي. أنا بحبها وماليش غيرها. هحارب الدنيا وباباها ومش هسمح لحد تاني يتدخل بينا."
كانت تريد منعه هي أيضًا، لكن لمعة عيونه وملامحه التي تغيرت من الفرحة جعلتها تتراجع.
لا يوجد أهم من راحته. ويبدو أنها مع تلك الصافي فقط.
***
وقفت في المطار حزينة موجوعة تبحث عنه بين كل الوجوه على أمل أن يأتي ويطلب منها عدم الذهاب. سوف تستجاب له من أول كلمة: "لا."
مجرد رؤياه سوف تركض لأحضانه وتلغي رحلتها دون كلام.
خفضت عينها بحزن وفرت منها دمعة دون إرادتها.
تنهد طارق بحكمة: "نصيبك يصيبك ولو كنت في آخر الزمان. ما حدش عارف الخير فين. صدقيني لو ليكم نصيب في بعض هتجتمعوا غصب عن الجميع."
تحركت جواره دون كلام. ثم التفتت مرة أخرى تودع كل شيء جميل في حياتها.
***
وقف بعض السيارات ونزل منها ركابها يلقوا نظرة حزن وأسف على جسد ذلك الشاب الغارق في دمائه على الطريق الصحراوي وقد أخفت ملامحه من بشاعة الحادث.
***
النهاية تمت بحمد الله.