الفصل 1 | من 13 فصل

رواية من نافذة قلبي الفصل الأول 1 - بقلم مروة نصار

المشاهدات
18
كلمة
1,530
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

كان جالساً كعادته دائماً في تمام الساعة الثامنة صباحاً، على مكتبه، محدقاً بشاشة حاسوبه المحمول أمامه، يراجع جميع التقارير التي أُرسلت له. لا يهدر الوقت مثل الآخرين في تناول الفطور أو أي شيء آخر. فهو ليس مثل أي شخص آخر، بل هو سيف الحديدي، مدير في شركة استثمار كبيرة بالقاهرة. بالرغم من صغر سنه، الذي لم يتجاوز الثانية والثلاثين من عمره، ولكنه استطاع بمهارته، وذكائه، وجديته في العمل، أن يصل لهذا المنصب.

فهو إنسان يتسم بالجدية الشديدة، لا يشغله في حياته سوى والديه وعمله. لا يوجد أي شيء آخر يلفت انتباهه، ولا حتى الفتيات الجميلات، وما أكثرهم في مكان عمله. وكم من مرة حاولت أكثر من فتاة أن تلفت انتباهه، ولكنها كانت تُقابل بفتور شديد. فبالرغم من جديته وصلابته التي تبغضها الفتيات في عمله، إلا أنه لا يوجد أحد يختلف على جاذبيته وشخصيته المثيرة. فهو شاب ذو جاذبية خاصة، لا تستطيع الكثير من الفتيات مقاومتها.

كان يجلس في مكتبه الفخم القابع بالبناية الزجاجية الكبيرة التي صُممت من الخارج على أن تكون واجهاتها جميعها من الزجاج. كان منخرطاً في عمله كالعادة، لا يرفع وجهه من على الأوراق التي أمامه، سوى لينظر إلى حاسوبه. حتى قهوته التي يفضل أن يتناولها على الأقل كل ساعتين، لا يترك لنفسه فترة راحة ليستمتع بها، بل يتناولها على عجل وهو يعمل.

وبينما هو هكذا، فإذا بضوءٍ قوي، يسطع بقوة شديدة تجعله لا يستطيع الرؤية، فيغشي بصره تماماً، ولا يستطيع ممارسة عمله. حاول سيف أن يحجب الضوء بيديه، ليستطيع أن يرى بعينيه، ثم نهض من على مكتبه ليرى من أين يأتي هذا الضوء؟

ذهب ناحية النافذة الزجاجية، ونظر ببصره ناحية الضوء، فوجدها، تقف هناك، في الشرفة، في البناية المقابلة له تمسك بمرآة صغيرة وتحركها مع أشعة الشمس لتري انعكاسها على البنايات الزجاجية التي أمامها، وهي تلهو كالطفلة الصغيرة. وقف يتأملها بدون أن يشعر، وهي تستمتع بما تفعله، وتضحك من قلبها.

تابع وجهها من مكانه ولكنه لم يستطع أن يميز ملامحها جيداً، فأخرج الهاتف المحمول من جيبه، وفتح الكاميرا وبدأ يقرب الصورة، حتى يتبين وجهها. ظل ينظر إلى ملامحها الطفولية البريئة ووجهها الملائكي، وبدون أن يدرك، وجد نفسه يلتقط لها عدة صور وهي تضحك وتلعب بالمرآة. ثم انتهى كل شيء، واختفت من أمامه إلى الداخل، تاركة إياه وقد تعلق بصره بها. عاد سيف مرة أخرى إلى مكتبه ولكنه كان مختلفاً، كان يبتسم على غير عادته.

ثم سريعاً انتبه لنفسه، وعاد مرة أخرى إلى عمله. وكعادته انتهى من العمل في ساعة متأخرة، وغادر متجهاً إلى منزله. وعندما وصل، كان والده نائماً في فراشه، ووالدته غافية على مقعدها، تنتظره حتى يعود وتطمئن عليه، وتحضر له طعام العشاء، كعادتها كل يوم. وقف سيف يتأمل والدته بحب، ثم ذهب إليها، وجلس بجوارها وهو يمسك بيديها وقال: "أمي... أمي." أستيقظت والدته على صوته وقالت: "سيف حبيبي، وصلت بالسلامة." فابتسم لها وقال:

"وحشتيني يا حبيبتي." فأجابته بقبلة على جبينه وقالت: "وأنت كمان يا قلبي، بسرعة غير هدومك، وأنا هقوم أحضر العشاء." قالت كلماتها ونهضت مسرعة قبل أن يعترض مثل كل يوم. انتهى سيف من تغيير ملابسه، وعاد إلى والدته في المطبخ وقال: "مش محتاجة أساعدك في حاجة." فضحكت وقالت: "غسلت إيديك قبل الأكل ولا نسيت زي كل مرة." فأجابها وهو يقترب منها ويضع يديه على أنفها: "والله غسلتها، تحبي تشمي ريحة الصابون." فضحكت وقالت:

"خلاص صادق، خد الأطباق وحطها على السفرة، أنا أكلت مع أبوك نص بطن، عشان لما تيجي أكل معاك." وبالفعل بدأ ينقل الأطباق للمائدة، ثم جلس هو ووالدته يتناولوا الطعام، وهم يتحدثون سوياً في العديد من الأمور، وأهمها الموضوع المعتاد، والذي يجب أن يتكرر يومياً، وهو الزواج. دخل سيف غرفته بعد العشاء، وحاول أن يغفو ولكن النوم استعصى عليه. ثم تذكر هاتفه الموضوع بجوار الفراش، فتناوله من على المنضدة، ليرى صورها مرة أخرى، وبدأ

ينظر لها وهو يحدث نفسه: "من هذه الفتاة؟ في صباح يوم جديد وكالمعتاد وفي نفس الموعد كان على مكتبه، وباشر على الفور تأدية عمله. ثم بعد قليل دخل العامل وأحضر له قهوته المعتادة. توقف سيف عما يفعله وأمسك بفنجان القهوة بيده ونهض من مكانه، ثم ذهب إلى النافذة، ووقف هناك يتناول قهوته. حاول أن يراها مرة أخرى، ولكن لا فائدة، فهي لا تظهر. نعم هناك حركة كثيرة بالمكان التي ظهرت به ولكنه لا يراها.

وقف يتفحص البناية التي رآها بها. نعم هو يعمل هنا منذ سنوات، ويرى البناية دائماً ولكن لم يهتم أن ينظر حتى لها. هي بناية سكنية ليست كالتي يعمل بها، يوجد بها أيضاً العديد من الشركات الصغيرة والعيادات والمكاتب، ولكنه لا يرى أي لوحة على الشقة التي رآها فيها، قد يكون بيتها.

أما على الجانب الآخر، في البناية المقابلة وبالتحديد الشقة التي توجد بها تلك الفتاة، كانت الشقة في حالة من الفوضى، ويوجد بها الكثير من العمال، وفي منتصف الصالة تقف فتاة جميلة تهتف بهم أن ينتهوا من العمل بأسرع وقت. وقفت (ميس) وهي تحدث الجميع وتقول: "يا رجالة، شدوا حيلكم شوية، عايزة أعمل الافتتاح على أول الشهر." فأجابها رئيس العمال قائلاً: "متقلقيش يا باشمهندسة كل حاجة حتبقى زي ما أنتِ عايزة." فابتسمت له وقالت:

"وده العشم يا ريس وهدان." وفى نفس اللحظة وجدت من يجذب طرف ثوبها ويقول: "مامي، مامي، تعالي نلعب تاني لعبة المرآة والشمس." ابتسمت ميس لصغيرتها صاحبة الأربعة أعوام وانحنت لها وقالت: "حبيبة قلبي مريومة، مش حينفع يا روحي، ممكن نكون بنضايق حد واحنا منعرفش، امبارح عملت ده عشان خاطرك." ارتسمت علامات الحزن على وجه الطفلة الصغيرة، فأكملت والدتها وقالت: "بس ممكن بعد ما نخلص نروح أنا وأنتي نأكل آيس كريم من المكان اللي بتحبيه."

فرحت مريم الصغيرة واحتضنت والدتها وقالت: "حبيبتي يا أحلى ماما." مرت الأيام سريعاً على الجميع وكان سيف منهمكاً كعادته في العمل، ولكنه وبين الحين والآخر يختلس النظر للبناية المقابلة قد يراها مرة أخرى. هو لا يعلم لماذا يشعر بالفضول والاهتمام بأن يراها مرة أخرى؟ ولكنه فقط يريد ذلك. وعند ميس كانت منهمكة في تأثيث المكتب ووضع اللمسات الأخيرة للديكورات.

وفي يوم وأثناء تواجد ميس في المكتب مع ابنتها وبعض العمال وجدت من يقتحم عليها المكان ويصرخ قائلاً:

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...