الفصل 2 | من 13 فصل

رواية من نافذة قلبي الفصل الثاني 2 - بقلم مروة نصار

المشاهدات
18
كلمة
1,874
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

في صباح يوم جديد، وبالتحديد عند ميس التي كانت تضع اللمسات الأخيرة لمكتبها قبل الافتتاح غداً، كانت جميع النوافذ مفتوحة، مما جعل سيف يستطيع رؤيتها من مكتبه وهي تتحرك في أرجاء المكان. كان يقف أمام النافذة يرتشف قهوته ويختلس بعض النظرات إليها. وفي خلال لحظات، وجد رجلاً يدخل المكان، ومن موقعه يستطيع أن يتبين أن هناك شيئاً غير طبيعي، إلى أن شاهد هذا الرجل يجذبها بقوة من ذراعها وهي تحاول الخلاص منه.

لم يشعر سيف بنفسه إلا وقد اندفع وهو يقطع درجات السلم كالبرق، لم يحاول حتى انتظار المصعد، ثم وصل للبناية الأخرى، ولحسن حظه وجد بعض الأشخاص تخرج من المصعد، فتوجه إليه مسرعاً وسجل رقم الطابق، بعد أن توقعه لأنها تقريباً في نفس الطابق مثله. وصل سيف إلى الطابق الخامس، ولم يحتاج إلى تخمين أي باب يطرق، فقد كان صوت الصراخ صادراً من هذا الباب المفتوح أمامه.

دخل سيف سريعاً، ووجد الرجل يجذبها من ذراعها بشدة، وهي تهتز بين يده كأنها ورقة شجر صغيرة تهتز بقوة من فعل الرياح. ثم لمح طفلة صغيرة تقف منزوية في أحد الأركان وهي تخبئ وجهها بيديها الصغيرتين وتبكي بشدة. لم ينتظر طويلاً، فلقد قطع المكان في خطوات واسعة سريعة، واستطاع أن يسحب هذا الرجل من رقبته بعد أن لف ذراعه حولها وسحبه بعيداً عنها.

تفاجأ الرجل بتلك الحركة، وارتبك قليلاً، لكنه سرعان ما تمالك نفسه وحاول أن يتخلص من قبضته، ولكن سيف لم يسمح له، بل اقترب من أذنه وقال بصوت لا يسمعه سواه: "متحاولش، أنا معايا الحزام الأسود في الجودو، يعني بحركة واحدة أخليك دلوقتي متمدد على الأرض، وصدقني شكلك حيبقى وحش أوي بعد ما كنت عامل فيها دلوقتي شجيع السيما، ها، تحب تجرب، والا تأخذ نفسك حالاً وتمشي من هنا، ومتخلنيش أشوف وشك معدي حتى من الشارع ده، مش بس العمارة."

نظر له الرجل وقيم الوضع، ووجد أنه الخاسر. من الواضح على سيف أنه رياضي، فهو يمتلك عضلات قوية وذو قامة طويلة، أما هذا الرجل فجسده نحيل لا يستطيع أن يكسب في أي نزال بينهم. فأجابه الرجل وقال: "حاضر." فأزاح سيف يده من حول رقبته وأشار له في اتجاه باب الخروج. نظر الرجل لميس بغضب شديد ثم انصرف. وقف سيف وهو يشعر بالإحراج ونظراته موجهة للأرض وقال بصوت مهذب: "أنا آسف على دخولي البيت بدون استئذان، أنا كنت مضطر، بعد إذنك."

والتفت ليغادر، ولكن استوقفه صوتها العذب الرقيق، ومن الواضح أنها مازالت تحت تأثير الصدمة، فصوتها كان مرتعشاً وهي تقول: "ممكن ثانية واحدة." تسمر سيف في مكانه دون أن يستدير واردف قائلاً بهدوء: "تحت أمرك." خطت ميس خطوات قليلة نحوه ثم وقفت أمامه وتحدثت إليه بعد أن تمالكت نفسها: "أنا مش عارفة أشكر حضرتك إزاي، ربنا بعتك لينا من السما، شكراً ليك، حد غيرك ممكن ما كانش يهتم، بجد أشكرك إنك اتدخلت."

رفع سيف بصره إليها ونظراته واجهت نظراتها، وكانت المرة الأولى التي يرى ملامحها عن قرب هكذا. كان بها شيء غريب لم يستطع تفسيره، ليس جمالها الرقيق الأخاذ، ولا عيونها الآسرة، بل إحساس مريح كأنه يعرفها من قبل، كأنه التقاها قبل هذا الوقت، كأنها ليست بغريبة عنه. كان بذهنه ألف سؤال وسؤال، أولها من هذا الرجل، ولكنه لم يجرؤ على البوح بما في ذهنه. فقط ابتسم لها وقال وهو يمد يده ليصافحها:

"لا شكر على واجب، وأتمنى أنك تكوني بأمان. آسف نسيت أعرفك بنفسي، أنا سيف الحديدي، مدير في شركة الاستثمار اللي في العمارة اللي قدامك." ابتسمت له ميس وصافحته وهي تقول: "أهلاً بيك، أنا ميس العزيزي، مهندسة ديكور وده المكتب بتاعي، وإن شاء الله بكرة الافتتاح، وحأكون سعيدة أوي لو حضرتك شرفتني بحضورك، على الساعة سبعة بإذن الله." أجابها سيف بلطف: "حأحاول إن شاء الله، بعد إذنك."

ثم غادر عائداً إلى مقر عمله، تاركاً إياها وهي في حالة من الدهشة بسبب تصرفه الشهم الغير متوقع من رجل غريب لم تراه من قبل. التفتت ميس لتجد ابنتها مازالت منزوية في أحد الأركان، ترتعد من الخوف. هرعت سريعاً لها واحتضنتها وهي تحاول أن تهدئ من روعها قائلة: "مريومة حبيبتي، خلاص مفيش حاجة، اهدئي، محصلش حاجة يا حبيبتي." ظلت مريم متشبثة في حضن والدتها وهي تبكي وتقول: "أنا خايفة يا مامي، بابي كان عايز يضربك، أنا خايفة أوي."

حملت ميس ابنتها وأجلستها على ساقيها وقالت: "لا يا حبيبتي، بابي ما كانش حيضربني، هو بس كان ماسك إيدي وبيكلمني، أنتي عارفة بابي صوته عالي، متخافيش يا مريوم يا حبيبتي، مامي معاكي، وبعدين فين مريم الشجاعة القوية؟ أحنا اتفقنا على إيه." مسحت مريم دموعها بيدها الصغيرة وقالت: "أني أكون قوية وشجاعة، ومش أخاف خالص، عشان ربنا بيحميني." ضحكت ميس وقالت: "شاطرة يا حبيبة مامي." دلف سيف إلى مكتبه وجلس وهو يشعر بالارتباك. من هي؟

وما قصتها؟ ومن هذا الرجل؟ وماذا يريد منها؟ ومن تلك الطفلة؟ أسئلة كثيرة تدور في رأسه لا أجوبة لها. ولكن ما يعرفه، أنه يجب عليه أن ينساها، وكل ما يحيط بها، ويعود ليركز مرة أخرى في عمله فقط. يجب أن ينتهي الأمر إلى هذا الحد، ولا يجب عليه أن يذهب للافتتاح.

صباح يوم جديد، كانت ميس في غاية الانشغال. كانت تريد أن يمر اليوم كما خططت له، هذا اليوم هام جداً بالنسبة لها. هي تريد أن تثبت للجميع أنها قادرة على النجاح بمفردها. لقد أرسلت دعوات لجميع أسرتها وأصدقائها وزملاء العمل السابق، وبعض العملاء الذين تعاملت معهم من قبل. كما أنها استطاعت أن تقنع صديقتها بالعمل معها، وأيضاً طاقم العمال الذين يقومون بتنفيذ الأعمال وافقوا على العمل معها بأجر أقل، لذلك هي تشعر بالتفاؤل وأن الله سيوفقها.

حل موعد الافتتاح وبدأ الجميع بالتوافد. وظهرت ميس متألقة بثوبها الوردي الرقيق ومكياجها الناعم وشعرها البني الناعم الطويل المنسدل على ظهرها. وكانت مريم ترتدي ثوباً شبيهاً بثوب والدتها وبنفس اللون. ظلت ميس تتنقل بين الضيوف للترحيب بهم. واستطاعت هي وزميلتها دينا أن تظهرا براعتهما من خلال الحديث عن أعمالهما السابقة، وأيضاً من خلال طرح أفكار ومقترحات جديدة خاصة بالعمل.

وعلى الجانب الآخر في البناية المقابلة كان يقبع هناك سيف في مكتبه منذ الصباح يعمل وهو يحاول أن ينفذ ما قد عزم عليه منذ الأمس، أن ينسى أمرها تماماً ويعود لطبيعته كما كان. ظل يعمل طوال اليوم متناسياً تلك المخلوقة ولم يحاول حتى أن ينظر في اتجاه النافذة. ظل هكذا حتى حانت الساعة السابعة، ومع حلولها تداعت كل دفاعاته، وعلم أنه كان يدعي النسيان، وأنه شغوف كل الشغف ليراها مرة أخرى، ولكنه لا يستطيع، لا يريد. عقله يمنعه من

الاقتراب. يشعر أن بها نور قوي شديد يجذبه إليها كما تجذب الفراشات، ثم تحترق في النهاية، وهو لا يريد الاحتراق. بالرغم من قوته وصلابة قلبه أمام المغريات، إلا أنه يخشي من الحب، يخشي أن يقع في الحب، ثم يكتشف أنه ليس الاختيار الصحيح، مثل المرة السابقة.

تنهد سيف تنهيدة تظهر معها مدى حيرته، وبدأ يحدث نفسه: هل يوجد في الحب شيء يسمى بالاختيار الصحيح أو الخطأ؟ الحب هو الحب، لا يجب أن يمر باختبارات أو اختيارات، لا يجب أن يكون حسب معايير. ثم لماذا الخوف؟ هل أنا أحببتها؟

أنا لا أعلم عنها أي شيء سوى اسمها، لا أعلم من هي، قد أشعر عند اقترابي منها بلا شيء، قد يكون مجرد انجذاب لا يتعدى هذا. ولو كانت هي التي ستحرك قلبي وتجعله ينبض من جديد لها، فلا يجب أن أفكر كثيراً، فقط سأنتظر وأرى ما يحدث مع الوقت.

نظر سيف إلى ساعته وجدها شارفت على الثامنة. نهض سريعاً وغادر الشركة واستقل سيارته وذهب إلى أقرب متجر للورود، وطلب من البائع أن يقوم بعمل باقة مميزة من الأزهار والورود الجميلة الذي انتقاها بعناية. ثم عاد بالسيارة وتوقف أمام البناية وهو يشعر بالتردد الشديد. وظل يحدث نفسه: قد تكون لا تنتظر قدومي، قد تكون دعتني فقط من باب اللياقة ولكنها تتوقع مني عدم الحضور.

وقف هكذا يفكر ونظر في الساعة وجدها الثامنة والنصف، فحدث نفسه قائلاً: "أنا هاطلع بس أقولها مبروك وأديها البوكيه وأمشي على طول." تحرك سيف في اتجاه المصعد ليذهب إليها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...