تحرك سيف بالسيارة، ولكنه لاحظ وجود سيارة خلفهم منذ فترة. لا تتركهم. حاول سيف أن يدخل في شوارع جانبية أكثر من مرة ليتأكد من أن كانت تلك السيارة تتبعهم، أم أنها مجرد مصادفة. ولكن حدسه كان صحيحًا، واستطاع أن يتبين وجه قائد السيارة، الذي لم يكن سوى صلاح طليق ميس. توقف سيف بالسيارة فجأة، مما أربك صلاح خلفه وتوقف سريعًا قبل أن يصطدم بهم. ثم هبط من السيارة وتوجه إليه ووقف أمامه قائلاً: "أنزل."
نظر صلاح له وابتلع ريقه وهو يشعر بالقلق، فهو يعلم أنه في موقف غير متكافئ. ولكنه اضطر للنزول ومجابهته. نزل صلاح وهو يتظاهر بالقوة وهدر فيه بغضب: "نعم، عايز حاجة." فأجابه سيف بهدوء: "السؤال ده المفروض أنا اللي أسأله، أنت اللي عايز حاجة؟ صلاح بوقاحة: "وأنا ها أعوز منك إيه." فابتسم سيف وقال: "يعني ماشي ورايا من بدري، دي صدفة." صلاح بتحدي:
"أنا مش ماشي وراك، أنا ماشي وراء بنتي. أظن من حقي أني أطمئن عليها، وخصوصًا أن واضح أن في غرام جديد دخل حياة أمها، ومش حتبقي فاضية ليها." نظر له سيف نظرات غاضبة وعيونه تطلق شرارًا من شدة الغضب. ثم اقترب منه وأمسك ياقة قميصه وجذبه إليه وهو يتحدث بصوت يحمل في نبرة التهديد:
"الأشكال اللي زيك خسارة فيها الكلام، وخسارة كمان فيها بنت زي بنتك. أنت إنسان حقير متعرفش يعني إيه تكون أب. أحسن ليك تبعد عن سكة ميس لو مش عايز يحصلك حاجة. ولو شفتك تاني بتعترض طريقها، يبقى أنت الجاني على نفسك." قال سيف كلماته وعاد إلى السيارة تاركًا صلاح يكاد ينفجر من الغيظ. وعندما استقل السيارة بادرته والدة ميس بالكلام: "في حاجة يا بني." نظر سيف للمقعد الخلفي ليتأكد أن مريم قد نامت على قدم والدتها، ثم قال:
"صلاح بيه كان ماشي ورانا." ثم نظر لميس وقال بحدة: "نفسي أعرف اتجوزتي البنادم ده إزاي." نظرت له ميس بتعجب، فشعر بالإحراج وبأنه قد تسرع في كلماته، وأنه لا يجوز له أن يتحدث هكذا. وقبل أن يعتذر، فُوجئ بها تنفجر من الضحك على كلماته لدرجة أذهلته، ثم قالت ميس: "مش انت الوحيد اللي قلت كده، بس الفرق أنك قلتها بدري شوية. الكل كان بيقولها بعد مدة، لكن أنت يا عيني مستحملتش تشيلها في قلبك." ثم أكملت ضحكها.
نظر لها سيف وابتسم بهدوء وأكمل قائلاً: "أصل بصراحة باينة لعين الشمس مش محتاجة وقت طويل عشان أقولها." صمتت ميس قليلاً ثم قالت: "يمكن عندك حق، بس صدقني وقتها مكانش واضح أنه بالبشاعة دي، أو يمكن أنا اللي كنت ساذجة زيادة عن اللزوم." تنهدت والدتها وقالت: "نصيب مالناش فيه، ربنا يعوضك خير يابنتي." ثم حاولت تغيير الموضوع وقالت لسيف: "وأنت يا بني متجوز." فابتسم وقال: "لا والله يا طنط لسه." فشهقت والدتها وقالت:
"ليه كده يا بني، يا حبة عيني تلاقي مامتك حتتجنن وتشوفك متجوز." ضحك سيف بصوت مرتفع وقال: "هو حضرتك تعرفيها والا إيه يا طنط." فأجابت: "مش محتاجة يا بني أعرفها، كل الأمهات كده." فهز سيف رأسه وقال: "فعلاً، ده حوار كل يوم اللي مش بيخلص. بس أنا مقدرش أتجوز يا طنط وخلاص، لازم تيجي الأول اللي تخطف قلبي وتخليني عندي استعداد أني أتجوزها." فقالت الوالدة: "ربنا يا أبني يرزقك الخير وتلاقيها وتسعد قلب أمك."
فأجاب سيف وهو ينظر في مرآة السيارة على المقعد الخلفي وقال: "اللهم آمين." مرت الأيام ببطء على سيف، كان يحاول أن يمارس حياته بشكل طبيعي، ويعود إلى روتينه اليومي، ولكنه لم يستطع. كانت ميس تحتل كل تفكيره، كان دائم التفكير بها، يشعر بمسؤولية كبيرة نحوها، يشعر أنه يريد حمايتها. حتى مريم الصغيرة كانت تحتل جزءًا من قلبه وعقله، تلك الجنية الصغيرة، التي تملأ القلب بمجرد رؤيتها.
ظل بين الحين والآخر يختلس النظرات إلى نافذتها، لعله يراها. حاول معرفة مواعيد وصولها للمكتب، ومواعيد مغادرتها له، حتى يحاول أن يلقاها كأنها مجرد صدفة. ولذلك كان يتعمد انتظارها أمام البناية في السيارة وعند خروجها، يتظاهر بأنه وقت خروجه وأنه رآها صدفةً ويعرض عليها توصيلها للبيت.
استمر هكذا عدة أيام، وأثناء هذا كان يتعرف عليها أكثر، ويزداد قربه منها أكثر. إلى أن جاء اليوم الذي فوجئ بها تصل للعمل بسيارتها بعد أن تم إصلاحها، وبذلك قطعت عليه كل السبل في أن يجد الحجج الملائمة ليستمر في ملاقاتها. أما في الجهة المقابلة عند ميس، فكانت منهمكة في عملها، تحاول أن تثبت للجميع أنها تستطيع أن تقف على قدميها مرة أخرى وتنجح، وأنها ليست بحاجة أحد وأن حياتها لن تنهار بعد انفصالها، بل بالعكس ستبدأ من جديد.
استطاعت ميس أن تستقطب بعض العملاء السابقين الذين تعاملت معهم من قبل، وبدأت في إنجاز بعض المشاريع الخاصة بهم. وبالفعل كانت كأنها كتلة نشاط لا يوقفها شيء. كانت تنتقل من المكتب إلى مواقع العمل إلى المحال لشراء ما يلزمها. هي وصديقتها دينا كانتا تعملان بكل جهد، ولم يكن هناك أي شيء آخر يشغلها عن العمل. ولا تهتم به سوى والدتها وابنتها. فهي لا تعلم أن هناك من يحترق شوقًا لرؤيتها، أو يتمنى لحظة يكون فيها بالقرب منها. لقد
أغلقت قلبها تمامًا ولا تحاول أن تفتحه لأحد مرة أخرى. يكفيها ما حدث. كما أنها تعلم أنها لو حاولت أن تعيش حياتها كأي امرأة، تحب، وتتزوج، ستكون النتيجة حرمانها من ابنتها الوحيدة، وهذا ما لا تستطيع تحمله. ولذلك فتلك الفكرة غير واردة بالنسبة لها تمامًا.
استمر الحال هكذا على الجميع، سيف يحترق لا يعلم كيف يجد الفرصة لرؤيتها، وهي تعمل بلا انقطاع. حتى جاء اليوم الذي كان هناك اجتماع للمدراء في الشركة التي يعمل بها. وأثناء الاجتماع والمناقشات التي تدور بينهما، اقترح مدير التسويق أن الشركة تحتاج إلى بعض التعديلات في بعض الأقسام والمكاتب، وأننا بحاجة لإضفاء مظهر جديد لنا، ويجب علينا التعاقد مع شركة لعمل الديكورات اللازمة. وأثناء حديثه فوجئ الجميع بسيف وهو يقول بأندفاع شديد:
"حلوة الفكرة دي وأنا عندي الشركة المناسبة للموضوع ده." تتوجه الأنظار بين الجميع في دهشة إلى سيف، فسيف شخصية لا تهتم بالشكليات ولا يحب أن يقحم نفسه في شيء لا يهمه. والأندهاش الأكبر كان من اندفاعه في الحديث، ولهفته المشكوك بها. استشعر سيف نظرات الجميع، وأدرك اندفاعه فتدارك نفسه قائلاً:
"مش عايزين تكاليف كتير في حاجات مالهاش لزمة. إحنا هنجيب شركة صغيرة لسه جديدة، تعمل شوية لمسات بسيطة في الألوان والديكورات بتكلفة أقل، ويبقى كده كسبنا وفي نفس الوقت مصرفناش كتير. وأنا أخذت بالي أن في شركة فتحت جديد في العمارة اللي قدامنا، نبعت نحدد معاهم ميعاد ونشوف شغلهم، لو عجبنا خلاص نتفق معاهم. والشركات الجديدة بتبقى عايزة تثبت نفسها وكمان تكسب زبون فأكيد أسعارهم حتبقى معقولة."
انتهت الهمهمات والنظرات وتحولت إلى نظرات توحي بالإعجاب بالفكرة. حتى تحدث رئيس الشركة قائلاً: "فعلاً عندك حق، وخصوصًا أننا داخلين في مشاريع ومحتاجين السيولة. خلاص موافق، ولو سمحت يا سيف اهتم أنت بالموضوع ده، أنا بثق في قراراتك." ابتسم سيف وأجاب: "تحت أمرك يا فندم."
انتهى الاجتماع وعاد سيف لمكتبه وهو يشعر بسعادة كبيرة. تلك الفرصة كان بأنتظارها، وها قد أتت ويجب عليه الاستفادة منها جيدًا. يجب أن يصل لقرار، يجب أن يعلم حقيقة شعوره. استمر يوم العمل وهو يشعر بحماس كبير لرؤية ميس، وبمجرد أن أنهى عمله خرج مسرعًا ليتوجه إليها ويزف إليها تلك الأخبار الجديدة. فهو على يقين أنها ستكون فرصة جيدة لمكتبها، وله أيضًا.
هبط سيف سريعًا ودخل للبناية المقابلة وصعد بالمصعد. وعندما وصل لباب المكتب سمع أصواتًا بالداخل غريبة، فأسرع بالدخول وصدم مما رآه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!