أستقل سيف المصعد وتوجه للطابق الخامس وفي يده باقة كبيرة من الورود. وقف ينظر لنفسه في المرآة ثم خرج من المصعد وتوجه إلى الباب المقابل له والذي كان مفتوحاً. دخل وبدأ يبحث بعينيه عنها، حتى وجدها هناك في الطرف الآخر من الغرفة تتحدث مع بعض الأشخاص. وقف يتأملها بثوبها الوردي، كانت جميلة مثل الحورية في ثوبها. شعر عند رؤيتها بدقات قلبه تتسارع كأنه كان يركض خلف قطار.
لم يستطع تفسير هذا الشعور ولم يهتم، هو فقط الآن يريد رؤيتها فقط. انتظر سيف في مكانه حتى تراه. وبالفعل بعد أن أنهت حوارها والتفتت لترى الضيوف الآخرين، رأته هناك يقف بجوار الباب وفي يده باقة الزهور. توجهت ميس نحوه بابتسامة كبيرة ثم توقفت أمامه وقالت: "أهلاً بيك، أنا قلت إنك نسيت ومش هتيجي لما لقيتك اتأخرت." فرد عليها بابتسامة هادئة وقال:
"لأ طبعاً إزاي، أنا بس كان عندي شغل مهم، خلصته وجيت على طول، وأسف جداً على التأخير." فأجابته سريعاً قائلة: "لأ طبعاً أسف إزاي، كفاية إنك اهتميت وشرفتنا بحضورك." مد سيف يده بالباقة وقدمها لها وهو يقول: "أتمنى إنك تقبلي مني الهدية دي." نظرت ميس إلى الباقة بإعجاب شديد وهي تقول: "ذوقك روعة، شكراً ليك." ثم أشارت إليه في اتجاه أحد الأركان وقالت: "اتفضل معايا أعرفك على والدتي."
تقدما سوياً نحو والدتها التي كانت تجلس في أحد الأركان، مبتعدة قليلاً عن الصخب. بادرت ميس قائلة: "ماما أستاذ سيف اللي حكيت لحضرتك عليه امبارح." نهضت والدتها من مكانها وقالت: "أهلاً أهلاً يا ابني، ازيك، نورتنا والله. من ساعة لما ميس حكت لي على اللي عملته معاها، وأنا نفسي أشوفك وأشكرك. والله يا ابني قعدت أدعيلك امبارح، ربنا يجعل دعواتي ليك من حظك ونصيبك." فأجابها سيف بابتسامة:
"مفيش شكر على واجب، حضرتك أنا معملتش إلا الواجب." فردت والدتها: "إزاي يا ابني، اللي أنت عملته كتير غيرك ما كانش هيعمله، ربنا يكرمك يارب." ثم نظرت لابنتها وقالت: "روحي انتي يا ميس لضيوفك، وسيب الأستاذ سيف معايا شوية." استأذنت ميس منه وقالت: "هسيب حضرتك مع ماما شوية، وحأروح أكلم العميل اللي هناك ده قبل ما يمشي." فأجابها سيف: "اتفضلي." ثم جلس مع والدتها وظل صامتاً حتى بدأت هي بالحديث قائلة:
"منه لله يخلص منه ربنا، إنسان معدوم الضمير والأخلاق." توقع سيف عن من تتحدث، ولكنه اصطنع عدم المعرفة ليحاول أن يعرف منها معلومات أكثر فقال لها: "حضرتك تقصدي مين." فأجابت السيدة فاطمة بألم: "أقصد البنادم الحقير، طليق بنتي." صدم سيف من تلك الكلمات البسيطة وحدث نفسه: "طليق بنتي، يعني كانت متجوزة، وأكيد البنت اللي شفتها امبارح بنتها." انتبه سيف من شروده على كلمات والدتها وهي تقول:
"أنا ربيت بنتي أحسن تربية بعد موت أبوها. سابها وهي صغيرة كانت لسه مكملتش عشر سنين، عيشت ليها وبيها، كنت أنا وهي سند لبعض. ربيتها على الأمانة والأخلاق والطيبة والصدق، بس للأسف نسيت وأنا بأربيها أعرفها إن مش كل الناس كويسين. نسيت أقولها إن العالم مليان كذب وغش وخداع، نسيت أخليها تقدر تفرق ما بين الوحش والحلو. افتكرت إن إحساسها الطيب هيخليها تعرف بس الناس الطيبين اللي زيها، لكن للأسف مش ده اللي حصل. طيبتها الزايدة
وقعتها في صلاح، افتكرته إنسان محترم، وهو عرف يرسم الدور علينا. كان زميلها في الشركة، من أول ما شافها رمى شباكه عليها، شاف إنه لقطة، أبوها ميت ومالهاش حد، قال يتجوزها ويستغلها. وفعلاً اتقدم ووافقنا، افتكرناه حد محترم، لكن طلع شيطان. كان بياخد مرتبها منها دايماً، حتى فلوسها اللي كانت في حسابها الخاص استولى عليها. كان بيبهذلنا، حتى بنته. قلنا لما يخلف هيعقل، لكن للأسف بقى أسوأ. لحد ما في يوم ميس لقيته بيضرب مريم، مقدرتش
تستحمل. هي صبرت كتير عشان بنتها، مكانتش طايقاه، بس مش عايزة تحرم بنتها من أبوها. بس لما لقت الأمور وصلت للدرجة دي وإن كمان بنته مش فارقة معاه، أخدت بنتها ورفعت عليه خلع، وسابت له البيت والشغل. ورغم إنه خلاص طلقها، لكن مش عايز يسيبها في حالها، وكل شوية ينط لها ويضايق فيها ويهددها. عارف للأسف إن مفيش راجل هيقف ليه."
كان سيف يستمع لكل هذا الحديث وهو في حالة من الذهول. هل يوجد بشر بهذا الشكل؟ هل هذه الرجولة؟ هذا ليس برجل، هذا مجرد ذكر، ولكنه من أشباه الرجال. كيف يجرؤ على فعل هذا مع إنسانة بتلك الرقة والبراءة، إنسانة اختارته واعتبرته الأمان والسند لها. شرد سيف ببصره نحوها وهي تقف هناك تلاعب طفلتها، شعر أنها برغم كل ما مرت به ولكنها امرأة قوية، استطاعت أن تنهض من جديد، وتبدأ حياة جديدة. عاد سيف ببصره إلى السيدة فاطمة وقال لها:
"ربنا إن شاء الله معاها، أحسن من أي حد." فأجابت الأم: "ونعم بالله يا ابني." فأكمل: "وأتمنى حضرتك تعتبريني زي ابنك ولو احتجتي أي حاجة كلميني، ولو البنى آدم ده اتعرض لها تاني، عرفيني بس وأنا حأتصرف." ثم أخرج من جيبه بطاقة مدون عليها كل أرقام الهواتف الخاصة به وأعطاها إليها وقال: "أرجوكي أوعي تترددي في أنك تكلميني، أرجوكي." أما على الجانب الآخر، كانت ميس تقف تتحدث مع بعض زملائها من عملها السابق. إلى أن قال زميلها نادر:
"مين الشاب الحليوة اللي قاعد مع مامتك هناك ده؟ أنا أول مرة أشوفه." فأجابته ميس: "ده مدير في شركة الاستثمار اللي في العمارة اللي قدامنا." فغمز لها نادر بخبث وقال: "إيه ده؟ أنتي لحقتي تتعرفي على الجيران اللي قدامك." فأجابته ميس بضيق: "لأ يا نادر، بس الأستاذ كتر خيره كان في العمارة، وسمع صلاح بيه وهو بيهجم عليا وبيبهدلني، ودخل أنقذني منه، وأظن أقل واجب كنت أعمله إني أعزمه على الافتتاح." فأجابت دينا وهي تنظر لنادر بغضب:
"ده أقل حاجة، ربنا ينتقم من البنادم ده اللي مش عايز يسيبك في حالك." نظرت لها ميس وقالت: "ربنا يهدي. بعد إذنكم." توجهت ميس إلى والدتها وسيف وقالت: "أنا آسفة أوي اتأخرت على حضرتك." نهض سيف عند قدومها حتى جلست ثم جلس وأردف قائلاً: "لأ أبداً مفيش أسف، أنا مستمتع جداً بالكلام مع الهانم والدتك." فابتسمت والدتها وقالت: "لأ هانم إيه يا ابني، قولي يا طنط. ربنا يعلم أنا قلبي انفتحلك من قبل ما أشوفك." فابتسم سيف وأجابها:
"حاضر يا طنط، القلوب عند بعضها." وأثناء هذا وجد سيف من يقفز عليه من الخلف ثم يقبله بشدة على وجنته. التفت للخلف ليجد الفتاة الصغيرة التي كانت تبكي بالأمس وقالت: "عمو حبيبي، أنت جيت. أنا بحبك أوي عشان ساعدت مامي." نظر لها سيف بحب شديد وقال لها وهو يجلسها على ساقه: "حبيبة عمو، إيه الجمال ده؟ أنا اللي بحبك أوي، ممكن بقي أعرف اسمك إيه." فابتسمت مريم وقالت: "مريم." نظر لها سيف وشعر أن طفولتها تداعب قلبه وجعلته
يقع في حبها فقال لها: "حبيبتي، أحلى مريم شفتها في حياتي، البرنسيسة مريم." فرحت مريم كثيراً وهتفت لوالدتها قائلة: "مامي... مامي... أنا برنسيسة." فابتسم سيف وقال: "وأحلى برنسيسة كمان." نظرت ميس لابنتها مع سيف وقالت: "انتي يا حبيبتي، أحلى بنوتة في الدنيا، انتي الدنيا كلها." كان نادر يقف بعيداً يراقب كل ما يحدث، ثم اتجه إلى خارج المكتب وقام بمهاتفة صلاح وأخبره بكل ما يدور بالداخل، كما طلب منه.
انتهى الحفل وبدأ الجميع في المغادرة، ووقف سيف ليستأذن في المغادرة ولكنه عاد وسأل: "أنتم ساكنين قريب من هنا." فأجابت ميس: "لأ أحنا في مصر الجديدة." فعاد ليسأل: "طيب معاكي عربية." فابتسمت ميس وأردفت قائلة: "هو معايا ومش معايا، أصل عزيزة عملت بأصلها ومفكرتش تعطل إلا في اليومين المهمين دول." فضحك وقال: "طيب يلا عشان أوصلكم." فأجابته ميس: "لأ طبعاً، مينفعش نعطلك أكتر من كده، أنا حأطلب أوبر." فأقترب منها قائلاً:
"اعتبريني يا ستي أوبر، وبعدين مينفعش أسيبكم لوحدكم، وكمان أنتم في سكتي، أنا ساكن في مدينة نصر، يعني جيران، يلا بينا." ولم يترك لها المجال للاعتراض مرة أخرى، حمل مريم على كتفه، وذهب ليطلب المصعد. هبط الجميع واستقلوا جميعاً السيارة وبدأ سيف في التحرك، ولكن ما لم يكن يعلمه أن هناك من يراقبهم ويتتبعهم. تُرى ماذا سيحدث؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!