وقف سيف مصدوماً من كلمات والدته، لا يقوى على الحركة ولا التفكير. من المستحيل أن يخسر والدته، وأيضاً لا يستطيع أن يكسر قلبه بعد أن دق من أجلها أخيراً. نعم، هو لا يعلم إن كانت ستوافق عليه أم لا، ولكنه فضل أن يتحدث مع والدته قبل أن يخطو أي خطوة في هذا الموضوع. كان يتمنى أن يحصل على موافقتها حتى يطمئن قلبه، ولكن الآن ماذا يفعل؟
لا يستطيع أن يجرح والدته، وأيضاً لا يستطيع أن يبتعد عنها. فهي تحتاج إليه، حتى لو رفضته كحبيب، هي تحتاج لوجود شخص بجوارها، هي تحتاج الحماية والأمان، وهو لا يستطيع أن يتخلى عنها، ليس الآن، حتى لو طلبت منه هذا، لا يستطيع. مرت عدة أيام وسيف يحاول أن يكون بجوار ميس. لقد كان يساعدها في إعادة المكتب كما كان، وأصر على أن يأخذها يومياً من المنزل في طريقهما للعمل، ثم يعود بها بعد انتهائه. أصر على ذلك،
وكان تبريره لها: "حتى نعلم من فعل هذا". وفي يوم من الأيام، وبعد الحادثة بثلاثة أيام تقريباً، كانت ميس ودينا في المكتب ومعهم سيف، يعملون على قدم وساق ليعيدوا المكان كما كان. وأثناء ذلك سمعت دينا صوت هاتفها يعلن عن قدوم مكالمة، فذهبت إلى الغرفة الأخرى حيث تركت الهاتف لترى من المتصل، وتركت سيف وميس بمفردهما. جلس سيف قليلاً ليستريح ثم قال:
"على فكرة عندي ليكي مفاجأة حلوة، كنت عايز أقولهالك من كام يوم بس اللي حصل خلاني أستنى شوية." تركت ميس ما كانت تفعله وذهبت لتجلس بجواره وقالت وعيناها تلمع من فرط الفضول: "بجد مفاجأة، طيب إيه هي؟ فقال: "لا، اتحايلى عليا شوية." فنظرت له بنفاذ صبر وقالت: "لو سمحت قول بقي." فأجابها بابتسامة:
"خلاص هقول وأمري لله، اعملي حسابك بكرة عندك ميعاد معايا على الساعة ٩ صباحاً، في مكتبي عشان نناقش تفاصيل الديكورات اللي محتاجين حضرتك تعمليها لشركتنا." نظرت له بدهشة ممزوجة بفرحة كبيرة وقالت: "إنت بتتكلم جد؟ فأجابها بجدية مصطنعة: "وأنا هاهزر في الشغل." فقالت وهي تشعر بامتنان كبير له: "بجد يا سيف أنا مش عارفة أقولك إيه، إنت بتعمل عشاني كتير وأنا مش عارفة أرد كل ده إزاي." فضحك قائلاً:
"عشان بخيلة، عمرك مرة فكرتي تغلطي وتعزميني على الغدا عندكم، والا الهانم مش بتعرف تطبخ وخايفة تتكشف." فأجابته وهي تتحدث بثقة كبيرة: "مين دي اللي مش بتعرف تطبخ، طب ده أنا ممكن أعمل دكتوراه في فن الطبخ." فأجابها: "لا يا بشمهندسة، أنا اللي أحدد ده مش إنت، إنت عليكي تطبخي وأنا عليا آكل وأقول رأيي." فابتسمت وقالت له: "اتفقنا، بكرة حضرتك معزوم على العشاء عندنا." فقال لها: "اتفقنا."
أما دينا فعندما توجهت للغرفة لتري من المتصل، كان الرقم الظاهر على الشاشة، رقم غريب لا تعرفه. ترددت قليلاً ثم قبلت الاتصال: "الوووو..... "الووو" "مين معايا؟ "إيه مش فاكرة صوتي." "بقولك إيه أنا مش فايقة، والعفاريت بتتنطط في وشي، حتخلص وتقول مين وإلا أقفل في وشك." "ما شاء الله، قطر ماشي وبيأخد أي حاجة في وشه، إنتي على طول كده، وإلا أنا بس اللي بجيبلك حساسية وبتقلبي بالشكل ده." صمتت دينا قليلاً ثم قالت بصوت متردد:
"حازم." فأجابها: "أيوه حازم، ومالك خايفة وإنتِ بتقوليها كده ليه." فأجابت بحدة: "إيه خايفة دي، وأنا هأخاف ليه أن شاء الله." "يا بنتي أهدي شوية، إنتي كله عندك خناق، مبتعرفيش تتكلمي طبيعي." صمتت دينا حتى تتمالك نفسها من الغضب ثم قالت: "نعم يا حضرة الضابط، ممكن أعرف سبب تشريف حضرتك ليا بالمكالمة دي." "عايز أشوفك." فأجابت باندفاع:
"إيه عايز أشوفك دي، هو أنا صاحبتك والا في بينا سابق معرفة، يعني إيه عايز أشوفك، إنت بتستظرف." فقاطعها حازم بغضب وقال: "اسكتي شوية، افصلي يا شيخة، يخربيت كده، إيه ده، إنت عايزة تتخانقي وخلاص، وبعدين مش تصبري لما أكمل كلامي، أنا هأعوز أشوفك ليه إلا عشان القضية، إيه تاني ممكن يخليني أطلب الطلب ده." شعرت دينا بالخجل الشديد وقالت والكلمات تتلعثم على شفتيها: "أنا... أنا... أنا آسفة فهمتك غلط." حاولت تغيير الموضوع فقالت:
"هو حضرتك وصلت لحاجة؟ "في معلومات محتاج أعرفها من حضرتك حتفيدني في القضية، يا ريت لو يناسبك تعدي عليا في القسم حأسألك شوية أسئلة." "إيه قسم، لا أنا مش بدخل أقسام، لا ما ينفعش." صمت حازم قليلاً ثم قال: "خلاص، حأعدي على حضرتك الساعة ٨ عند المكتب، في كافيه في الشارع اللي وراكم نقعد نتكلم فيه." "خلاص اتفقنا، وأنا عارفة الكافيه، حتلاقيني قاعدة فيه الساعة ٨ بالظبط، مش محتاج تعدي عليا." "اتفقنا، مع السلامة." "مع السلامة."
خرجت دينا بعد المكالمة، فوجدت ميس تنظر إلى ساعتها وتقول: "الساعة بقت ٧، بقول كفاية كده النهارده ونروح، يلا يا دينا." فأجابتها دينا: "لا أنا حأقعد لغاية ٨ أخلص شوية حاجات وبعدين هامشي عشان عندي مشوار، روحي إنتي وأشوفك بكرة." فقال سيف: "طيب يلا يا ميس أوصلك قبل ما أروح، ثم نظر لدينا وقال: طيب إنتي مش محتاجة حاجة يا دينا." فأجابته: "لا شكراً."
غادرت ميس مع سيف وظلت دينا في المكتب، واستمرت في العمل حتى يحين الموعد المحدد. وفي مكان آخر في إحدى المدن الجديدة وبالتحديد مدينة الشيخ زايد، جلس صلاح مع نادر صديقه في بيته يتحدث معه. "أنا مش فاهم إنت عايز إيه بالظبط، إنت مش طلقتها خلاص، عايز إيه تاني منها، وأوعى تقولي بنتي، أنا عارفك كويس، إنت أصلاً البنت ولا فارقة معاك، يبقي كل الأفلام دي ليه." صلاح وهو يكاد ينفجر من شدة الغضب:
"كده مزاجي كده، ميس دي حاجة بتاعتي، وأنا مبحبش حد ياخد حاجتي، طلقتها اااه، لكن تفكر تروح تحب وتتجوز يبقي آخر يوم في عمرها." "إنت مجنون يا صلاح، إيه اللي بتقوله ده إنت عايز تقتلها." صلاح وهو يبتسم بخبث: "لا مش من أولها كده، أنا حأوجع قلبها الأول شوية، هاخليها تموت في اليوم ألف مرة، عشان تبقي تعرف تروح ترفع قضية خلع وتخلعني كويس، أنا هاخليها تندم على اليوم اللي شافتني فيه."
أوشكت الساعة على الثامنة، فأنهت دينا ما تفعله واستقلت المصعد ثم توجهت إلى المقهى المتواجد بالشارع الخلفي. دخلت دينا إلى المقهى وبحثت ببصرها في جميع أركان المقهى حتى وجدته يجلس هناك على مائدة بجوار النافذة، فذهبت إليه وهي تشعر برجفة بسيطة قد انتابتها لا تعلم لماذا. لقد كان لا يرتدي زيه الرسمي، كان يرتدي ملابس كلاسيكية تجعله غاية في الوسامة. فهو شاب وسيم طويل القامة، رياضي بحكم مهنته، هو وسيف يجمعهما حب الرياضة وخاصة
رياضة الجودو، يتميز بشعره الأسود الكثيف وملامحه الشديدة الرجولة وبشرته السمراء البرونزية، وعيونه الحادة الذي بلون العسل الصافي، جاذبيته تكمن في شخصيته التي تظهر على وجهه لتزيده وسامة. أما دينا فهي فتاة هادئة الملامح، ذات جمال رقيق ناعم، لها بشرة سمراء جميلة، وعيون سوداء واسعة، وشعر أسود مموج كموج البحر دائماً تجمعه للخلف، ترتدي نظارة طبية تخفي جمال عيناها، روحها جميلة ونقية، لم تتزوج إلى الآن بالرغم من أن عمرها في
نفس عمر صديقتها وذلك لأنها لم تجد الحب إلى الآن، عصبية، متسرعة، وعفوية.
رأى حازم دينا قادمة فنهض من مكانه ليستقبلها. وعندما وصلت إليه مد يده ليصافحها قائلاً: "أهلاً بيكي أنسة دينا." فأجابت: "أهلاً حضرة الضابط." ثم جلسا وبادرت دينا بالحديث مباشرة قائلة: "خير يا فندم، حضرتك محتاج تعرف إيه." فنظر لها بدهشة وقال: "طيب اصبري الأول نشرب حاجة ونتكلم، أنا جاي من الشغل مصدع ومحتاج أشرب قهوة عشان أقدر أسمعك."
نظرت له دينا وهي تعدل من وضعية نظارتها في حركة أصبحت عادة عندها، تفعلها دائماً عندما تكون قلقة أو تشعر بتوتر أو حرج وقالت له: "مفيش مشكلة، بس يا ريت بسرعة عشان الوقت اتأخر، وأنا لسه مشواري بعيد." فقال لها: "تحبي تشربي إيه." فأجابت وهي تنظر في اتجاه النافذة حتى لا يلاحظ توترها: "قهوة مضبوطة." ابتسم حازم وأشار بيده للنادل ليأتي ثم قال له: "اتنين قهوة مضبوطة لو سمحت." ثم أكمل كلامه لها:
"أول مرة أقابل بنت بتشرب قهوة ومضبوطة كمان." فنظرت له وقالت: "وهي القهوة كمان فيها بنت وولد." فأجابها بهدوء: "لا طبعاً مش قصدي، بس غالباً البنات مش بتحب القهوة عشان طعمها المر، عامة آسف على الملاحظة دي هي بس حاجة مش بشوفها كتير." شردت دينا قليلاً مع صوته، لقد كان تأثيره عليها غريب لم تعهده من قبل فهو يملك صوتاً قوياً، به نبرة مميزة هادئة، ثم تنبهت على صوته وهو يهتف باسمها قائلاً: "آنسة دينا... آنسة دينا... دينا."
شعرت بإحراج شديد وقالت: "هااا، أيوه... أنا... أصل... آسفة بس سرحت شوية، افتكرت بس حاجة، آسفة كنت بتقول إيه." نظر لها حازم وهو يقول لنفسه: "إيه البنت المروشة دي"، ثم تحدث وقال: "مفيش مشكلة، كنت بقول لحضرتك إنتِ ساكنة فين." فأجابت دينا: "في مصر الجديدة." فابتسم حازم وقال: "إحنا جيران بقي، أنا ساكن في سانت فاطيما." فابتسمت وقالت: "أنا في ميدان الحجاز." فقال لها: "خلاص يا ستي متشغليش نفسك، هاروحك معايا." فأجابت بحزم:
"أنا مش بركب مع حد غريب." فقال بمنتهى الهدوء: "وهو سواق التاكسي حد تعرفيه، قريبك يعني." فأجابته: "أظن كلامي مفهوم وواضح، ده حاجة ودي حاجة تانية خالص." فتحدث بنفس الهدوء: "اعتبرني أوبر واركبي ورا لو تحبي." نظرت له بحدة وقالت: "حضرتك كنت عايز تسألني في إيه بالظبط." انحنى حازم بجذعه قليلاً متكئاً على النافذة بجواره وقال:
"ممكن أعرف مين اللي عمل كده، أنا متأكد أنكم شاكين في حد، بس مش عايزين تقولوا، وأنا مش حأقعد أضيع وقتي وأنتم مش عايزين تقولوا أي معلومات." نظرت له دينا وهي تعلم أن ما يقوله هو المنطق. ثم تنهدت تنهيدة قوية وقالت:
"أنا هأقولك كل حاجة، أحنا شاكين في طليق ميس، اسمه صلاح الدين السوهاجي، مهندس ديكور زينا، كان شغال معانا في الشركة القديمة قبل ما نسيبها، إنسان سيء ومؤذي لأقصى درجة ممكن تتخيلها، ميس رفعت عليه قضية خلع، ومن وقتها وهو هايتجنن وعمال يحاول يأذيها بأي طريقة، حاولت معاه كتير بالمنطق وبالعقل أنه يتعدل عشان حتى بنته لكن للأسف مفيش فايدة، استحملت معاه حاجات صعب أي واحدة تتحملها، ودلوقتي كمان مش سايباها في حالها."
استمع حازم لحديث دينا ثم قال لها وهو يشعر بالدهشة: "طالما إنتِ عارفة كده، ليه روحتي شاركتيها في المشروع ده؟ فنظرت له بدهشة أكبر وقالت: "يعني إيه، أسيب صاحبتي وأقول يلا نفسي، إزاي يعني، وبعدين هيا ذنبها إيه، ده نصيب وربنا أكيد حيقف معانا." فابتسم حازم قائلاً: "والله النهاردة بشوف العجب، صاحبة جدعة وبتشرب قهوة مضبوطة." فأجابته ببرود:
"والله مش ذنب البنات إنك مش بتشوف كويس، العادي إن البنت تبقى صاحبة جدعة مع صاحبتها والعادي أنها تحب تشرب قهوة مش معجزة يعني." فأجابها بنفس البرود: "تصدقي صح، أنا فعلاً اللي مش بشوف كويس." فنظرت له باستخفاف وقالت: "الظاهر كده، طيب حضرتك كده خلصت أسئلة والا في حاجة تانية." فأجابها وهو يشعر بالضيق من طريقتها: "خلاص، بس اكتبي بيانات طليق صاحبتك عشان التحريات." "حاضر."
وقامت بإخراج ورقة وقلم من حقيبتها وأثناء ذلك كان حازم يشير للنادل وأعطاه الفيزا كارد. كتبت له دينا البيانات كاملة ثم نهضت قائلة: "أستأذن حضرتك بقي عشان ألحق أروح." فنهض هو الآخر وقال: "اتفضلي هانخرج مع بعض." خرجا سوياً من المقهى، وبعد خروجهما تقدم منها حازم وقال:
"من غير كلام كتير أنا شايف شوية شباب واقفة على الناصية، وشكلهم شاربين حاجة، حاولت دينا تلتفت لترى ما يتحدث عنه، لكنه أوقفها سريعاً بيديه ماسكاً بذراعها حتى لا تلتفت وأكمل قائلاً: أوعي تبصي، امشي معايا من سكات واركبي العربية، أنا لوحدي ومش حأقدر عليهم لو حاولوا يتهجموا عليكي، ونظراتهم كده بتقول إنهم ناويين، يلا بسرعة."
قال كلماته ثم جذبها من ذراعها وتقدم خطوتين ثم فتح باب سيارته لها، ودار حول السيارة ليصعد هو الآخر ويقوم بتشغيل السيارة وينطلق بأقصى سرعة. جلست دينا في السيارة وهي تشعر بالرعب مما كان من الممكن أن يحدث لها، وبدأ جسدها كله بالارتجاف. حاولت أن تسيطر على نفسها ولكنها لم تستطع. التفت حازم إليها وهو يقود السيارة وعندما وجدها هكذا قام بإيقاف السيارة سريعاً وحاول تهدئتها وقال وهو يشعر بالقلق الشديد:
"دينا مالك، بتترعشي كده ليه، أنا آسف والله، ما أعرفش إنك هاتخافي كده، أنا كنت بهزر، مفيش حد كان واقف، أنا بس كنت بقول كده عشان أوصلك." استطاعت دينا أن تسيطر على خوفها، وتحول الخوف إلى غضب شديد، ثم نظرت إليه بعد أن أدركت ما قاله وقالت: "إنت اتجننت، في حد يعمل كده، إزاي تتصرف التصرف ده، إزاي تضحك عليا بالشكل ده، أنا قلبي كان هايقف وأنت تقول بتهزر، إنت إنسان مش طبيعي، أنا غلطانة إني صدقتك."
ثم قامت بفتح باب السيارة وحاولت النزول منها ولكنها وجدت يد تجذبها للداخل وتمنعها من النزول، جذبها حازم للداخل وقال لها بحدة وبصوتاً مرتفع: "بصي بقي، أنا آسف مقصدش بس أنا مش مجنون، وهاوصلك يعني هاوصلك، ياما والله هاطلع الطبنجة وأوصلك تحت تهديد السلاح، قلتي إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!