واضح إن اللي حصل إمبارح ما كانش صدفة، ولا الشخص ده طلع شخص عادي زي ما إنتي فاكرة. ياسمين شهقت وهمست بخوف: حضرتك بتقول إيه؟! أومال مين اللي أنا قابلته ده ويعني إيه ما كانش شخص عادي؟! قصدك إنه كان عفريت؟! وانتفضت من مكانها بصدمة وقالت: أنا كنت حاسه والله إنه مش شخص عادي، بس طلع عفريت إزاي؟ ده كان شكله حقيقي أوي! دكتور قدري بص لها بدهشة وهو مستغرب طريقة تفكيرها وكلامها! ياسمين قعدت مكانها مرة تانية وهي حاطة
أيديها على بؤها وقالت: آه صح، ما فيش شخص عادي يضحك ويهزر وهو في مطاردة زي اللي حصلت دي، دول كانوا معاهم مدافع وهو ماشي يضحك ولا في دماغه!! دكتور قدري قاطعها بزعيق عشان توقف كلام وتفكير: عفريت إيه يا بنتي بس هو إنتي بتفكري إزاي!! أنا قصدي إنه مش شخص عادي يعني هو شخص متدرب كويس وعارف هو بيعمل إيه. ياسمين باستغراب: متدرب على إيه مش فاهمة؟
رد بنبرة جامدة: قصدي إن الشخص ده مرتبط بحاجات أكبر بكتير من حادثة حصلت في الشارع، وممكن يكون بيشكل خطر كبير عليكي وعلى عيلتك كمان! ياسمين بدهشة: بيشكل خطر عليا وعلى عيلتي إزاي!! ده هو اللي أنقذني وساعدني أرجع بيتي. فكرت شوية وبصت لدكتور قدري وقالت: هو حضرتك عرفت كل الكلام ده منين؟ وإزاي لقيت تليفوني؟ دكتور قدري سكت لحظة وهو بيقلب تليفونها في إيده وكان واضح عليه
إنه بيفكر في رد مقنع وقال: إنتي نسيتي الموبايل بتاعك في عربيته، وإحنا لقينا الموبايل وقت الحادثة. ياسمين بفضول: أنتوا مين؟ رد دكتور قدري: إحنا حكومة، والشخص ده تبع عصابة خطيرة وإنتي لازم تساعدينا نوصله عشان تنقذي نفسك وتنقذي أخوكي. اتجمدت ياسمين مكانها وعينيها بدأت تدمع من القلق وقالت بصوت مهزوز: حضرتك بتخوفني ليه؟ هو حضرتك تعرف مين اللي خطفوا أخويا؟ دكتور قدري ابتسم ابتسامة خفيفة، غريبة،
وقال: ده سؤال هتعرفي إجابته، بس مش دلوقتي. بصلها بعينين ما فيهاش رحمة وقال: أنا ممكن أساعدك، بس المساعدة ليها تمن، يا ياسمين. ياسمين اتوترت أكتر، ونبرة دكتور قدري بدأت تقلقها بجد. سألته بحذر: يعني إيه حضرتك تساعدني؟ وتمن إيه؟ ابتسم ابتسامة فيها خبث وقال: أنا ممكن أتكفل بكل مصاريف المستشفى، وأخلي والدتك تتعالج على أعلى مستوى، وديونك كلها تتقفل. بصتلُه بريبة وقالت: مقابل إيه؟ رد وهو
بيحط إيده على المكتب وقال: تبقي موجودة معانا شوية، في شغل بسيط كده محتاجين واحدة زيك تعمله، ومش هيبقى فيه خطر لو سمعتِ الكلام. قلب ياسمين وقع في رجليها، حست إنها في مصيدة، وحسّت من نظراته إنها مش مرتاحة خالص. ردّت بسرعة وهي بتحاول تحافظ على هدوئها: أنا محتاجة أفكر طبعًا، وعايزة أطمن على ماما وأخويا الأول. هز راسه وقال: خدي وقتك، بس خلي بالك، كل دقيقة بتعدي، فيها خطر على أخوكي وعلى حياة مامتك كمان.
خرجت ياسمين من المكتب بعد اتفاقها مع دكتور قدري وهي مش شايفة قدامها، دماغها بتلف في مليون اتجاه. فضلت ماشية في الطرقة وهي بتفكر بصوت جواها: هو أنا وقعت في عصابة بجد ولا إيه؟ الدكتور ده مستحيل يكون حكومة بجد!! شكله يخوف وكلامه غريب وفيه تهديد. فجأة، لمعت في دماغها صورة خالد. افتكرت شكله، طريقته، كلامه، وصوت جوّاها قالها: هو اللي بدأت معاه كل حاجة، وهو الوحيد اللي أقدر أثق فيه.
وقفت فجأة وافتكرت الظابط اللي شافته في مكتب المأمور، هو نفسه صاحب خالد اللي جه وصلهم بعربيته، ومعنى إن صاحبه ظابط يبقى خالد هو كمان ظابط، وتليفونها وقع في إيد دكتور قدري وهي نسيت تليفونها في العربية وهما بيهربوا من العصابة، يعني كده دكتور قدري تبع العصابة. اتجمدت مكانها تفكر بصوت
مسموع جواها وقالت لنفسها: يبقى الوحيد اللي ممكن يفهمني ويعرف فين خالد، هو الظابط اللي شُفته في القسم، أنا فاكرة خالد وهو بيتكلم معاه في العربية وقال إسمه مُهاب. اتحركت بخطوات سريعة وهي بتلف في المستشفى تدور على حسين جارها. لقته واقف مع أمه قدّام باب العناية المركزة، أول ما شافها قرب منها وقال بقلق: مالك يا ياسمين؟ شكلك متغير كده ليه؟ قربت منه وهي بتوشوشه: حسين، أنا لازم أحكيلك على اللي حصل جوّه، اسمعني كويس.
سحبته على جنب وحكتله بالتفصيل كل اللي دار بينها وبين دكتور قدري، كلامه الغريب، الموبايل اللي رجعهولها، تهديده المبطن. حسين اتعصب وقال: ده شكله مش تمام خالص، وإزاي يكون عنده تليفونك من إمبارح! ده واضح إنهم مترصديينك من وقتها.
ياسمين: أنا مش مرتاحة له خالص يا حسين، وحاسه إنه ورا المصايب اللي بتحصل حوالينا، وأنا افتكرت الظابط اللي كان في القسم اسمه مهاب، هو الوحيد اللي ممكن يساعدني ويعرف يوصل لخالد، أنا متأكدة إن الشخص الوحيد اللي هيقدر يرجعلي أخويا هو خالد اللي كان معايا في الحادثة إمبارح.
حسين قال بحزم: ماشي يا ياسمين، سيبيلي الموضوع ده، أنا هروح القسم بنفسي وهسأل على الظابط مهاب وهحكيله كل اللي حصل، لو لقيته هقوله يوصل لخالد بأي طريقة ويجي يشوفك. ياسمين بصت له بامتنان وعينيها بدموع: أرجوك يا حسين، ماما محتاجالي، وأحمد أكيد في خطر، الوقت بيجري وأنا مش عايزة أضيع وقت. هز راسه وقال: اطمني، هروح حالًا، بس خدي بالك من نفسك ومتتحركيش في المستشفى لوحدك، وخليكي قاعدة جنب أمّي على طول عشان لو حصل أي حاجة.
في المساء. المكان اللي محبوس فيه أحمد أخو ياسمين، كان هادي من برّه لكن مليان توتر من جوا. خالد قرر ياخده معاه الأوضة اللي بينام فيها، يمكن يقدر يطمنه شوية ويبعده عن دوشة العصابة اللي نصها كان نايم والنص التاني سهرانين وطفح بيهم الكيل من عياط الولد اللي خطفوه. فخالد قالهم: أنا هريّح دماغكم، هخده ينام معايا لحد ما الباشا يقرر هيعمل إيه معاه.
قفل الباب عليه هو وأحمد، ووقف يبص لأحمد اللي عنيه متغرقة دموع من الصبح، قاعد على السرير وعمال ينشج بصوت مخنوق. خالد قرب منه، قعد قدامه وقال بهمس مليان حنية: أحمد يا بطل، ممكن تسمعني؟ أنا عايز أرجّعك لمامتك وأختك، بس لازم تساعدني. أحمد رفع عينه، عيونه تشبه كتير عيون ياسمين، ونبرته كانت مكسورة وهو بيقول: أنا عايز ماما. خالد هز راسه بإيجاب، وقلبه اتقبض من الوجع اللي في صوت الولد،
وقال بهدوء: هترجع، وعد، بس ما تعيّطش كده، وما تخفش، أنا جنبك. أحمد رَد بصوت بيترعش: أنا خايف، وعايز أروح لماما وأختي ياسمين. اسم ياسمين وقع على ودن خالد زي رجفة، قلبه دق بقوة غصب عنه، وسأله بتردد وهو بيحاول يخبي إحساسه: أنت عندك أخ تاني؟ حد أكبر منك غير أختك ياسمين؟ أحمد هز راسه بـ "لأ"، وقال ببساطة: لأ، أنا مليش غير أختي ياسمين. خالد سرح شوية، عينه علّت ناحية السقف، بيفكر في الشاب اللي اخد ياسمين من مكان الحادثة.
سأله وهو بيحاول يظهر السؤال عادي: ياسمين أختك مخطوبة؟ أو متجوزة؟ أحمد رد بسرعة ومن غير تفكير: لأ، أختي ياسمين مش متجوزة، وكان في عريس جاي إمبارح، بس اتخانق مع ماما عشان أختي اتأخرت، ومشي وخد الجاتوه معاه. خالد ضحك غصب عنه، نسي نفسه لحظة، وبص لأحمد وقال بنبرة خفيفة: إيه حكاية الجاتوه معاكم؟ بتحبوه قوي كده؟ أحمد مسح
دموعه بإيده وقال ببراءة: أنا بحب الجاتوه، بس بحب أبلة ياسمين أكتر، عشان دايمًا بتجبلي كل اللي نفسي فيه. ومش عايزها تتجوز وتسيبنا أنا وماما لوحدنا. خالد سأل بدهشة، وهو مش قادر يخفي استغرابه: طب وباباك فين؟ أحمد رد بنبرة حزينة، وعينيه نزلت لتحت: بابا مات وأنا صغير أوي، وأبلة ياسمين هي اللي بتشتغل وبتجبلي كل حاجة نفسي فيها. وأنا لما أكبر، هشتغل كتير علشان تِرتاح هي من الشغل، وهجبلها هي وماما كل اللي نفسهم فيه.
خالد ابتسم وهو بيبصله بإعجاب حقيقي وقال: برافو عليك، إنت كده بجد بطل! طب قولي، نفسك تشتغل إيه لما تكبر؟ أحمد وشّه نور فجأة، وحس لحظة إنه نسي إنه مخطوف، وقال بحماس: نفسي أبقى ظابط! خالد ضحك وقال بنبرة هزار: يا عم بلاش الشغلانة الصعبة دي، ما تختار حاجة أسهل كده؟ أحمد هز راسه بإصرار، وقال بنبرة جد: لأ، أنا عايز أبقى ظابط، علشان أقبض على الناس اللي خطفوني، وأمسك كل المجرمين اللي بيخطفوا ولاد زَيّي وبيخوفوهم. وبص لخالد
بعينين فيها حب وأمان وقال: بس أنا مش هقبض عليك، ما تتخافش، عشان إنت مش زيهم، أنا حبيتك. خالد ابتسم، وقلبه دق من الكلام اللي خارج من طفل بريء، وقال له بهدوء: وأنا كمان حبيتك يا بطل، وما تخافش، هرجعك لمامتك وأختك. أحمد مد إيديه لخالد، وقال برجاء طفولي: اعتبر ده وعد؟ خالد مسك إيده وقال بإصرار: وعد، إن شاء الله. أحمد حضنه بكل براءة، وسأله بصوت فيه فضول: هو إنت عندك ابن اسمه علي؟ عشان أنا سمعتهم بيقولولك يا أبو علي.
خالد ضحك وقال وهو بيهزر: لأ يا عم، أنا لا متجوز ولا عندي ولاد، أنا اسمي حسن، وأبو علي دي كده دلع على اسمي. أحمد بص له بقلق بسيط وسأله: طب يا أبو علي، هترجعني لماما إمتى؟ خالد مسح على شعره بحنية وقال: هتنام معايا الليلة دي، وبكره إن شاء الله هتبقى في حضن مامتك وأبلة ياسمين، ما تخفش.
أحمد ابتسم، وعينيه اتملت راحة، وغمض عينيه وهو مطمن، وخالد فضّل قاعد جنبه، ساكت، بس دماغه شغالة تفكير، بيدور على طريقة يخلي الوعد اللي قطعه يبقى حقيقة. في المستشفى، في أوضة العناية المركزة. الهدوء كان مسيطر على المكان، بس قلب أم حسين كان مليان قلق وهي داخلة تطمن على جارتها وصحبة عمرها "سماح". وقفت جنب السرير وبصتلها بعين حزينة، وفجأة شافت عيون سماح بتفتح بصعوبة، صوت نفسها تقيل وكأن كل نفس بيكلفها عمر،
وبلسان مثقل بالوجع قالت: أم حسين. أم حسين قربت منها بسرعة، وقالت بقلق باين في كل نبرة في صوتها: حمدلله على السلامة يا حبيبتي، طمنيني عليكي يا سماح، إنتي كويسة؟ سماح هزت راسها بالكاد، وقالت بتعب شديد: أحمد، فين أحمد؟ أم حسين بصّت لها ودمعتها على طرف عينها، وردّت بحنية ممزوجة بالخوف: هيرجع إن شاء الله يا حبيبتي، ما تخافيش عليه، ربنا كبير. بس دمعة سماح سبقتها، ونزلت على
خدها وهي بتقول بصوت مكسور: هما، هما اللي خطفوه، أنا ما عرفتش أحمي عيالي منهم. أم حسين بسرعة بصّت حواليها، تتأكد إن ما فيش حد سامعهم، وقربت منها أكتر وقالت بصوت مهزوز: إزاي بس يا سماح؟! دول ما يعرفوش عنكم أي حاجة! وبعدين، مين فيهم يعرف إنك كنتي متجوزة ابنهم في السر؟ الله يرحمه يحيى جوزك، مات وسره مات معاه.
لو أهله في الصعيد كانوا عارفين إنه كان متجوز ومخلف بعيد عنهم، كانوا خدوا العيال منك من زمان، مش بعد سبع سنين من موته!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!