الفصل 31 | من 61 فصل

رواية منعطف خطر الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ملك ابراهيم

المشاهدات
22
كلمة
2,865
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 51%
حجم الخط: 18

الشرقاوي كلمني وعزمنا على الفرح وطلب مني إن كارما تحضر.. والبنت دي هتبقى في بيته بصفتها مرات يحيى. خالد حس إن قلبه هيقف من الصدمة وقرب منهم بخطوات ثقيلة وسألهم بدهشة: فرح مين؟! ردت كارما: فرح يحيى ابن عمي.. هيتجوز البنت اللي المفروض إنها أختي. خالد اتصدم واتجمد مكانه... همس بصوت مسموع: ياسمين؟! كلهم بصوا لخالد بدهشة، وجده اللواء وحيد كان متابع صدمته بغموض.

خالد وقف لحظات بيحاول يستوعب اللي سمعه ومش قادر يصدق إن ده حقيقي! اتحرك بخطوات سريعة وخرج من البيت من غير ما يتكلم. مامته اتوترت من رد فعل ابنها الغريب وخالته سألت بدهشة: هو خالد راح فين؟ ليه مشي بسرعة كده من غير ما يقول حاجة! رد اللواء وحيد وهو بيبص قدامه بشرود: يمكن عنده شغل. وبص لكارما وقالها: المهم دلوقتي يا كارما.. جهزي نفسك عشان هتحضري فرح ابن عمك. عبير

مامت كارما اتكلمت بعصبية: مستحيل يا بابا. أنا مش موافقة إن بنتي تدخل بيت الشرقاوي طول ما الست دي وولادها هناك. رد عليها اللواء وحيد بثقة: موضوع الست دي اتقفل خلاص يا عبير.. الشرقاوي قالي إنه سفر ابنها عند عمه في أمريكا، وهيجوز البنت ليحيى.. والست دي هيخرجها من بيته بس بعد ما يحيى يتجوز بنتها وتبقى تحت سيطرتهم.. يعني كل اللي انتي عايزاه حصل. في بيت الشرقاوي، في وقت متأخر من الليل.

كانت ياسمين لسه قاعدة على طرف السرير، ملامحها باهتة، ودموعها بتنزل في صمت موجع. النهاردة عرفت قد إيه هي ضعيفة قدام جدها ويحيى... انكسرت من أول مواجهة، مفيش عندها فرصة تقاوم. كانت ماسكة صورها مع أخوها، عينيها بتغرق في ملامحه اللي وحشتها، بتحاول تطمن قلبها إنه بخير. بينها وبينه دلوقتي بلاد وبحور... صعب توصله، وصعب ترجعه. مفيش طريق غير إنها تنفذ اللي جدها بيطلبه... حتى لو الثمن كان كسر قلبها.

كل ما تتخيل نفسها عروسة ليحيى، بتحس إن قلبها بيقف من كتر الألم... إزاي ده هيحصل؟ إزاي الدنيا خذلتها بالشكل ده؟ قطع شرودها صوت دق خفيف على باب الأوضة. رفعت راسها بتعب، وصوتها طالع مبحوح: مين؟ قامت تمشي بخطوات بطيئة وفتحت الباب... ولقته قدامها. يحيى واقف، بنفس الابتسامة الباردة اللي بتحسها خالية من أي مشاعر. قال بسخرية ناعمة: خبطت على الباب المرة دي... عشان ما تزعليش. مسحت دموعها بإيدها بسرعة،

وقالت بغضب: عايز إيه يا يحيى؟ رد وهو بيبصلها بنظرة فيها شيء من التلذذ بحالتها المنكسرة: جاي أطمنك... أخوكي الحمد لله وصل أمريكا بالسلامة. ومتقلقيش، أهلي هناك هيهتموا بيه لحد ما نعمل الفرح. وممكن كمان نقضي شهر العسل هناك... تشوفيه بنفسك، وتطمني عليه. كلامه دخل زي السم في قلبها، وعيونها اشتعلت بالغضب. بصتله وقالت بحدة: هتوافق تتجوز واحدة مش عايزاك؟ واحدة مجبورة تتجوزك عشان أخوها؟! كأن كلمتها ضربت كبرياءه في مقتل...

وشه اتشد، ونظراته اتغيرت. قرب منها فجأة، ومد إيده، مسك دراعها بعنف. ضغط بقسوة، وقربها منه وهو بيقول بصوت مشحون بالغضب: وأنا كمان مش عايزك! بس مجبر أتجوزك عشان جدي. حاولت تبعده، ودفعت صدره بضعف واضح، وهي بتتألم من قوة قبضته على دراعها: ابعد إيدك عني! دموعها نزلت من غير استئذان، وصوتها اتكسر وهي بتصرخ فيه: أنا بكرهك يا يحيى... بكرهك. قرب منها وجذبها من شعرها وهو بيصرخ فيها بجنون: بتكرهيني أنا وبتحبي حضرة الظابط صح؟

.. هو فيه إيه أحسن مني عشان تحبيه هو. صرخت ياسمين وهو بيضغط على شعرها بقوة: أنا مش بحب حد ابعد عني. في اللحظة دي، خرجت سماح من أوضتها على صوت صرخة بنتها المليانة وجع. قلبها انتفض من مكانه أول ما شافت يحيى ماسك ياسمين بعنف، وإيده مشدودة على شعرها. قربت منهم بسرعة وهي بتصرخ بكل ما فيها: ابعد عن بنتي ملكش دعوة بيها! وحاولت تفك بنتها من بين إيديه، لكنه دفعها بعيد عنه بقسوة سريعة، لدرجة إنها تهادت ووقعت على الأرض.

وعينه رجعت لياسمين، وصرخ فيها بجنون وهو بيشد شعرها: فاكرة نفسك مين عشان ترفضي جوازنا؟! ياسمين صرخت من الألم، لكن كل ده اتحول لصرخة تانية لما شافت أمها واقعة، وإيديها على صدرها، وعينيها مفتوحة على وسعها ومابتتحركش. ماماااااااااا!! دفعت يحيى بكل قوتها، جرت عليها، وقعدت على الأرض جنبها وهي بتصرخ: قومي يا ماما... بالله عليكي قومي! في اللحظة دي، كان الحاج شرقاوي طالع من أوضة مكتبه على صوت الهلع اللي مالي البيت.

شاور بإيده للخدم يجيبوا الدكتور فورًا، ووقف يتفرج على المشهد قدامه من غير ما يرمش: حفيده واقف متعصب، وياسمين منهارة على الأرض، وسماح ساكنة... مفيش نفس، مفيش حركة. بعد شوية، الدكتور وصل. ياسمين واقفة على جنب، عيونها متثبتة على أمها، ودموعها بتنزل بغزارة وهي مش قادرة تنطق. الدكتور قعد جنب سماح، بدأ يكشف، لكن ما كانش فيه حاجة تنقذها. بعد دقيقة صمت خانقة، رفع الغطا وغطى بيه وشها.

سكت كل اللي في الأوضة، إلا قلب ياسمين اللي بدأ يضرب بجنون. قربت منه، صوتها بيرتجف: ليه غطيت وشها؟ ماما مش هتعرف تتنفس كده! شيل الغطا عنها، هي لسه صاحية بس تعبانة شوية... وبصت له برجاء: هتتنقل للمستشفى دلوقتي صح؟ هتلحقوها صح يا دكتور؟ الدكتور رد بصوت هادي وموجوع: أنا آسف يا آنسة... والدتك كانت مريضة قلب... واللي حصل ده سكتة مفاجئة... البقاء لله. لحظة سكون قاتل...

وبعدها طلعت من ياسمين صرخة شقت سكون البيت، قبل ما تقع على الأرض فاقدة الوعي. تاني يوم –في المستشفى. كانت ياسمين نايمة على السرير، عينيها مفتوحة ومثبتة في سقف الغرفة، والدموع بتنزل منها من غير صوت. مفيش حركة، مفيش رد... كأنها انفصلت عن العالم. برا الغرفة الحاج شرقاوي قاعد على الكرسي، متكئ على عكازه، جنب يحيى اللي عينيه شاردة. قال الحاج بصوت هادي لكنه حاد: ساكت ليه؟ عاجبك الحالة اللي وصلت ليها بنت عمك؟!

أنا مش فاهم انت كنت بتعمل إيه فوق عندها في ساعة زي دي، وإزاي تمد إيدك عليها؟ يحيى اتنهد بضيق: هي اللي استفزتني بكلامها، خلتني أفقد أعصابي... أنا كنت هعرف منين إن كل ده هيحصل؟ وأمها هي اللي ما استحملتش! أنا ما كنتش أعرف إن قلبها تعبان كده! رد عليه جده بنظرة باردة: موت أمها مش فارق معايا كتير... أنا كنت بفكر في طريقة أبعدها عن حياتنا بعد ما تتجوز ياسمين. أهي جت من عند ربنا وماتت...

الله يرحمها.. المهم عندي دلوقتي إن حالة ياسمين تتحسن عشان نكتب عليها ونقفل الموضوع ده خالص. سأله يحيى بدهشة: وهي ياسمين هتوافق اتجوزها بعد اللي حصل؟ رد جده بثقة: هتوافق غصب عنها.. ما تنساش إن أخوها لسه نقطة ضعفها اللي نقدر نضغط عليها بيها. يحيى بصله وقال بصوت هادي بس وراه قلق: يعني كل حاجة زي ما هي وهتجوز ياسمين؟ الحاج شرقاوي هز راسه بتصميم: كل حاجة زي ما هي.. كام يوم بس تفوق من صدمتها في موت أمها وأنا هجوزهالك.

يحيى هز راسه باتفاق مع كلام جده وقال: ماشي يا جدي.. نستنى كام يوم مش مشكلة. جده قام وقف وقاله بتحذير: أنا هرجع البيت أرتاح شوية.. ما تدخلش عليها الأوضة دلوقتي خالص يا يحيى.. هي محتاجة وقت تستوعب اللي حصل.. وبكرة أو بعده بالكتير هنرجعها البيت. يحيى هز راسه بتفهم وسكت. في شقة مهاب. فتح الباب بسرعة لمعتصم اللي دخل بخطوات سريعة وعلى وشه علامات القلق: في إيه يا مهاب؟ رد مهاب وهو بيقفل الباب:

خالد عايز يروح المستشفى عند ياسمين بعد ما عرف إن أمها ماتت وإنها اتنقلت المستشفى... وابن عمها ورجالة جدها مالين المستشفى هناك... لو راح واتشابك معاهم هتحصل كارثة. معتصم دخل وبص لخالد، اللي كان قاعد على الكرسي بيهز رجله بعصبية، وعينه فيها نار مكبوتة. قرب منه وسأله بهدوء: في إيه يا خالد؟ من إمتى وإحنا بنجري ورا مشاعرنا؟ دي مستشفى، والمكان هناك حساس جدًا، مش هينفع تروح وتسبب مشكلة. خالد قام واقف، وصوته علي:

هو أنتوا ليه مش حاسين بيا؟! ياسمين تليفونها اتقفل فجأة، وبعدين عرفت إنها هتتجوز ابن عمها اللي الكل عارف إنه مجرم! وتاني يوم... أمها تموت وهي تدخل المستشفى!! إزاي بعد ده كله ومش عايزني أروح أشوفها؟! مهاب قال بثبات: وهتشوفها بصفتك إيه؟ ده ابن عمها مجنون ومسلح برجالة جدها، تفتكر هيعديها كده؟ ولا هتدخل تتخانق معاه جوه المستشفى؟ وتتحول لقضية؟ خالد قال بعصبية: أنا هدخل وأشوفها بأي طريقة... ومفيش حد هيمنعني.

معتصم سكت لحظة، وبص قدامه وكأنه بيرتب أفكاره: مهاب معاه حق يا خالد.. إحنا لازم نلاقي طريقة تانية تطمنك عليها من غير ما تروح وتعمل مشكلة مع ابن عمها. رد خالد بغضب وجنون: طريقة إيه يا معتصم.. مفيش طريقة غير إن أنا أروح أشوفها واللي يحصل يحصل.

معتصم اتكلم بهدوء: اهدى يا خالد، على الأقل عشانها هي. أي مشكلة هتعملها هناك ممكن تعرض حياتها وحياة الناس اللي في المستشفى للخطر. أنا فكرت في طريقة ممكن تطمنك عليها وتعرفنا إيه اللي بيحصل معاها بالظبط. خالد ركز معاه باهتمام، فقال معتصم: أنا هاخد زينة ونروح المستشفى، وأخليها تدخل تقول إنها صحبتها وجاية تزورها، وتتكلم معاها وتفهم منها إيه اللي حصل. مهاب سأل بتعجب: زينة مين؟ معتصم رد تلقائي: زينة مراتي.

مهاب ضحك وقال: ما أنا عارف، بس كنت حابب أسمعها منك. معتصم بص له بضيق: تصدق إنك تافه ومعندكش دم؟ مهاب ضحك أكتر: بهزر معاك يا عم، الخطة تمام وأنا موافق. إنت رأيك إيه يا خالد؟ خالد كان واقف، قلبه مش مطمن، بس العقل بيقوله يستنى عشان ما يعرضش حياتها لأي خطر. قال بصوت غاضب: موافق. معتصم قام من مكانه: خلاص أنا هتحرك دلوقتي، هاخد زينة وأوصلها المستشفى، وهفهمها كل حاجة في الطريق.

مهاب قال وهو بيضحك: ما تقول مراتي على طول ولا أنت مكسوف مننا؟ معتصم بصله بحدة: طب ابعد عن وشي بدل ما أدخلك المستشفى ونيجي نزورك هناك. خرج معتصم وهو متغاظ من مهاب. مهاب بص لخالد وقاله: معتصم بقى عصبي أوي بعد ما اتجوز، شوفت الجواز بيعمل فينا إيه؟ خالد بص له بغضب وقال: عارف أنا هعمل فيك إيه لو ما سكتش دلوقتي؟ مهاب قلق وقال: أنا بقول أدخل أحضر حاجة ناكلها أحسن. واتحرك مهاب من قدام خالد بسرعة.

خالد بص قدامه بشرود وهو بيفكر في ياسمين ونفسه يطمن عليها بجد. بعد ساعة قدام المستشفى. معتصم كان قاعد في عربيته، عينيه على باب المستشفى، وزينة جنبه، متوترة، وعينيها بتتهرب من عينه. بص لها معتصم بهدوء، وصوته خرج ناعم لكن جواه قلق واضح: فهمتي يا زينة هتعملي إيه؟ هزت راسها بخفة وردت بصوت ناعم فيه شوية رجفة: فهمت، ما تقلقش. فضل ساكت لحظة، وبعدين بص لها بعمق كأنه بيحاول يطمنها ويطمن قلبه عليها:

لو حسيتي بأي قلق، أو أي حد ضايقك جوه، اتصلي بيا فورًا، هتلاقيني قدامك. زينة اكتفت بهزة بسيطة من راسها، كان فيها كلام كتير، ونزلت من العربية بخطوات مترددة. معتصم فضل يراقبها وهي بتبعد، قلبه بيخبط في صدره بسرعة، كان حاسس بإحساس غريب، مزيج بين القلق والحب. من ساعة ما طلب منها تساعده في مشكلة خالد وياسمين، وافقت من غير تردد، ولما حكى لها اللي حصل مع ياسمين عن موت والدتها المفاجئ اتعاطفت من قلبها.

اللحظة دي عرف قد إيه قلبها طيب وحنون. ... دخلت زينة المستشفى، قلبها بيدق، سألت عن غرفة "ياسمين يحيى الشرقاوي". الممرضة أخدتها وفضلت ماشية جنبها لحد ما وصلوا للطابق المطلوب. قدام الغرفة، كان يحيى قاعد، ملامحه مش واضحة، بس عينيه فيها حاجة مش مريحة. أول ما شافها، وقف ووقفته كانت حادة، ونظرته فاحصة وهو بيسأل بجمود: خير؟ حضرتك عايزة مين؟ زينة بلعت ريقها وردت بتوتر واضح: أنا صاحبة ياسمين، وعرفت اللي حصل، وجيت أطمن عليها.

نظرته فضلت غامضة، وصوته طلع بارد كأنها دخيلة على مكان مش من حقها تدخله: بس للأسف، ياسمين تعبانة والدكتور مانع الزيارة. زينة حاولت تسيطر على توترها، وردت بنبرة هادية فيها إصرار: أنا مش هتعبها في الكلام، بس عايزة أطمن إنها بخير. يحيى سكت لحظة، باصص لها بتفكير، في لحظة خطر في باله إنها ممكن تكون الفرصة اللي يستغلها علشان يتأكد إذا كانت ياسمين فعلًا فقدت النطق ولا لأ. هز راسه وفتح لها الطريق: تمام، اتفضلي شوفيها.

زينة دخلت بخطوات مترددة، وكل حواسها متحفزة، قلبها مش مرتاح لنظراته ولا لهدوئه اللي كان يخوف. فتحت الباب ببطء، ولما دخلت، وقفت لحظة. قدامها بنت في نفس سنها تقريبًا، نايمة على السرير، ملامحها مرهقة، بشرتها شاحبة، وعيونها باين عليها إنها بكت كتير، كتير أوي. الهدوء في الغرفة كان تقيل، كأنه بيحكي حكاية ما بين الوجع والسكوت. قربت زينة من السرير بخطوات بطيئة مترددة، وكل خطوة كانت تقيلة كأنها شايلة هم الدنيا.

ياسمين كانت فاتحة عينيها، نظرتها متجمدة في السقف، وكأنها مش موجودة في المكان، روحها في عالم تاني، بعيد. وقفت زينة قدامها، وقالت بصوت هادي وحنون: إزيك يا ياسمين؟ ما فيش رد. السكوت كان خانق، وزينة حست بتوتر بدأ يزحف لقلبها، فعرفت نفسها بسرعة، يمكن تكسر بيه الحاجز: أنا زينة، مرات معتصم، صاحب خالد. مجرد ما خرج اسم "خالد" من بقها، عيون ياسمين اتحركت فجأة، وبصت لزينة.

في نظرتها كان في حزن غارق، ودموع ساكنة نزلت في صمت، كأن قلبها هو اللي بيبكي مش عينيها. حست زينة بقلبها بيتقطع، وقالت بصوت فيه رعشة: خالد قلقان عليكي، وعايز يطمن إنك بخير. لكن ياسمين فضلت ساكتة. زينة قربت أكتر، وقعدت جنبها على طرف السرير، بإيدين مرتعشة مسكت إيد ياسمين. كانت الإيد باردة، هزيلة، فيها وجع ما لوش صوت. بصت لها زينة والدموع بتنزل من عينيها على الحالة الصعبة قدامها، وقالت بحزن: طب، إنتي حاسة بإيه؟

ساعتها دموع ياسمين زادت، وبدأت تهتز وهي بتحط إيدها على صدرها، وبصوت ضعيف خرج كأنه بيتقطع من جواها: حاسة بنار هنا، وجع جامد، عمري ما حسيته في حياتي. الوجع اللي في صوتها خلى زينة تنهار في البكاء، وقالت وهي بتحاول تمسك نفسها: معلش، الوجع ده هيخف، بس إنتي لازم تجمدي، لازم تقومي تاني عشان الناس اللي بيحبوكي. بس ياسمين هزت راسها بـ"لا" ضعيفة، وقالت بصوت مبحوح فيه كسر:

ما بقاش في حياتي ناس بيحبوني، خلاص، أنا اتحرمت منهم ومش هشوفهم تاني. الكلمات دي خبطت في قلب زينة بقسوة، وخلتها تبكي أكتر، مش قادرة ترد، مش عارفة تقول إيه يواسيها أو يرجع لها الأمل. وفجأة دخل الدكتور ومعاه الممرضة، يبصوا على حالة ياسمين. طلب من زينة تخرج علشان الكشف، ووقفت زينة بتتردد. لكن في اللحظة دي، عيون ياسمين اتعلقت بعيونها. نظرة غريبة، فيها ألف كلمة، كأن بينهم معرفة قديمة، كأنهم مش أغراب عن بعض.

زينة خرجت من الأوضة وقلبها بيصرخ، والدموع مغرقة وشها. ولما طلعت، شافها يحيى، استغرب من شكلها، بس فهم إنها قريبة لياسمين، ومجروحة من حالتها. قرب منها وسأل بنبرة فيها ترقب: ياسمين اتكلمت معاكي؟ زينة ما قدرتش تتكلم، بس هزت راسها بـ"لا" وهي بتبكي، ومشيت بخطوات سريعة كأنها بتجري من الوجع اللي شافته. كان معتصم واقف قدام عربيته، عينه ما فارقتش باب المستشفى، قلبه قلقان وكل دقيقة بتعدي كانت بتطول في نظره.

فجأة لمح زينة خارجة بسرعة، ووشها غرقان دموع، بتجري عليه بخطوات مرتبكة. اتجمد لحظة من الصدمة، وبعدين قلبه اتخلع من مكانه وجري ناحيتها بسرعة. قبل ما يلحق حتى يسأل، كانت رمت نفسها في حضنه بعفوية، دموعها بتغرق صدره، وبكاءها بيقطع القلب. حضنها معتصم بقوة، إيده بتطمنها وصوته كله قلق: إيه اللي حصل؟ حد ضايقك جوه؟ ردت بصوت مكسور من كتر البكاء: حالتها صعبة أوي، ما قدرتش أشوفها كده، صعبت عليا.

حس بيها، حس بكل حرف نطقته، شدها لحضنه أكتر كأنه بيحاول يحميها من كل وجع شافته. طب اهدي، تعالي نرجع العربية. فتح لها الباب بهدوء، وهي ركبت وهي لسه بتبكي زي طفلة، الدموع بتنزل من غير توقف، وكانت حاسة إن روحها بتنزف معاها. ركب جنبها، وقلبه وجعه من منظرها، وبص لها بنظرة كلها خوف واهتمام: اهدي يا زينة، وفهميني، هي قالتلك إيه بالظبط؟ مسحت دموعها بإيدها المرتعشة،

وردت ببكاء باين فيه العجز: قالتلي إن قلبها بيوجعها، نار جواها، وحالتها صعبة، ومقهورة على موت أمها. سكت معتصم، وعينه اتثبتت قدامه، كأنه بيحاول يستوعب كل حاجة. زينة كملت كلامها، وفي صوتها قلق واضح: وفي واحد واقف قدام أوضتها، شكله مش مريح خالص، تقريبًا ابن عمها اللي قولتلي عليه، وكان بيمنع أي حد يدخل عندها. معتصم هز راسه بتأكيد، وقال بهدوء وفي صوته نبرة أسف: طب اهدي يا زينة، وأنا آسف إني حطيتك في موقف زي ده.

لكن زينة بصت له وهي بتعيط، وعيونها فيها صدق حقيقي: بالعكس، هي صعبت عليا أوي، ونفسي أعمل أي حاجة تساعدها تخرج من اللي هي فيه. بص معتصم قدامه، وقال بنبرة فيها أمل وعزم: هتخرج، إن شاء الله هتخرج. شغل العربية، وبدأ يتحرك بهدوء، وباله مشغول بالتفكير في كلام زينة عن حالة ياسمين. وصل زينة البيت وبعد ما وصلها، رجع على طول لخالد، علشان يحكي له اللي حصل ويفكروا مع بعض في طريقة ينقذوا بيها ياسمين من الضلمة اللي وقعت فيها.

الساعة اتنين بعد نص الليل. سكون تقيل كان مخيم على المستشفى، ما بيتكسرش غير بصوت أجهزة الرعاية. في غرفتها، كانت ياسمين نايمة تحت تأثير المهدئات والأدوية الثقيلة اللي بيكتبوها علشان "يريحوها". ملامحها هادية، بس ملامح الوجع ما فارقتهاش.. كأنها بتحلم بكوابيس مش قادرة تصحي منها. بره أوضتها، كان واقف اتنين من رجالة الحاج شرقاوي، ثابتين في مكانهم، عيونهم بتتحرك في كل اتجاه، حذرين، ومركزين.

وفي الجناح المجاور، كان يحيى حجز غرفة مخصوص علشان يفضل قريب منها، وقال إنها "للراحة"، لكنه في الحقيقة كان بيحرص يفضل مسيطر. وفجأة.. ظلام. الكهربا انقطعت فجأة عن المستشفى كلها. صوت الأجهزة فصل، والنور اختفى، والمكان كله غرق في عتمة خانقة. وفي اللحظة دي بالظبط، دخلوا. اتنين ملثمين، خطواتهم سريعة وواثقة، مفيش تردد فيها ولا ارتباك. واضح إنهم عارفين الطريق.. والهدف.

واحد منهم طلع من جيبه بخاخ مخدر، وثبت الاتنين اللي واقفين قدام أوضة ياسمين في ثواني، ووقعوا من غير صوت. والتاني دخل الأوضة بهدوء، بص بسرعة على البنت اللي نايمة، شالها بحذر، وخرج بيها كأنها ورقة في الهوا. مفيش صوت، مفيش مقاومة، مفيش أي علامة على فوضى. دقيقتين بس.. وكانت العملية انتهت. خرجوا من باب الطوارئ وركبوا عربية كانت مستنياهم ولفت بسرعة في الشارع المظلم، كأنها بتجري تسرق لحظة من الزمن. وبعد ثواني، رجعت الكهربا.

رجع النور فجأة، والممرضين والناس بقوا يتحركوا بقلق وارتباك.. كله بيسأل: "إيه اللي حصل؟! "في حد فصل الكهربا؟ "اللي في الدور التاني شاف حاجة؟ وفي وسط اللخبطة والدوشة دي، يحيى فتح باب أوضته بسرعة، وشه مرسوم عليه توتر غريب. خرج وشاف المنظر اللي خبط قلبه.. رجالة جده الاتنين واقعين على الأرض، فاقدين الوعي. وقف مكانه لحظة، والنار ولعت في قلبه.. فهم إن في حاجة خطيرة حصلت، بس لسه ما يعرفش حجمها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...