تحميل رواية «منك وإليك اهتديت» PDF
بقلم زيزي محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
خرجت تنهيدة مُثقلة من فم "زيدان" حين كان يتابع المارة من خلف زجاج سيارته، شكلت الحيرة خطوطها في عينيه الضائعة وامتزجت بلمحة حزينة في ظل التفاف حِبال غليظة حول عنقه رويدًا من فرط مشاعره المُبعثرة، سقطت يديه بجانبه وخارت قواه بعد أن استسلم لنداء ضميره في إنقاذها! ولكن من سيقوم بإنقاذه من وحل أفكاره وجلد ذاته؟! انتبه على صوت طرقات خفيفة فوق الزجاج الأخر ونبرة أنثوية ضعيفة تهتف بأسمه في رقة، حول بصره بعد أن استقرت يداه حول المقود وأخرج سعال خفيف ينظف به حنجرته المبحوحة، ضاغطًا على نفسه بالتركيز مع "...
رواية منك وإليك اهتديت الفصل الحادي عشر 11 - بقلم زيزي محمد
رنين متواصل لعب فوق أوتار تماسكه، فبدا كالشارد تمزقه الحيرة إربًا، لا يجيد اختيار الخطوة التالية يخشى تصرف مجنون نابع من عاطفته المتأججة التي باتت تتدفق بشكل لا يمكنه فرض سيطرته عليها، حتى الشوق لم يتركه في حضرتها ورسم خيوط الهيام والغرام فوق ملامحه وخاصةً حين تتقابل نظراتهما للحظات تبدو وكأنها معركة من الحنين.
زفر بخفة يفكر مع نفسه بتروٍ: هل يستمع ليزن خبير الفتيات، أم يترك نفسه لعاصفة الحب تفعل به ما تشاء؟ ولكنه يخشى فقدانها بالأخير، لن يسمح بذلك حتى ولو في مخيلته، لقد سكنت خلاياه وتمكنت من فرض نفسها على كيانه حتى أصبح منساق خلف كل رد فعل يصدر منها، يهيم بها حبًا حين تبتسم ويعبس بقلق حين تطلق تنهيداتها الحزينة للهواء، ناهيك عن عينيها الجميلة التي لم تفارقه حتى في أحلامه تصاحبه دومًا تذكره بصاحبة أجمل عينين. آه منها ومن كل تفصيلة صغيرة بها، هل يعقل جاذبيتها تصل لهذا الحد؟ هل يعقل اجتذابه نحوها وكأنها مغناطيس تسلب إرادته وتعقله دون عناء منه؟
"أنت يا بني، اتصل تاني."
صدح صوت يزن الحانق من أخيه وشروده الدائم، فهتف زيدان بحيرة مزقت تفكيره:
"اروحلها أحسن؟"
ضغط يزن فوق أسنانه في غيظ:
"يعني بذمتك عايز تروحلها بأنهي وش، بعد ما ركبتها البوكس يا قادر."
زفر زيدان بنزق قائلاً:
"يووووه، قولتلك يا ابني محمود فهمني غلط والشبكة قطعت.."
بتر يزن حديثه في حزم مردفًا:
"خلاص عرفت، بس دا ميمنعش انك غلط، وبعد كدا اسمع كلامي ومتجودش من دماغك."
استدار زيدان بكامل جسده نحوه ودفعه نحو باب السيارة قائلاً بعصبية امتزج فيها الغيظ لوقوعه تحت رحمة ذلك الوقح عديم التربية:
"انزل ياله من العربية، أنا أساسًا غلطان أني بحكيلك."
تشبث يزن بالمقعد هاتفًا بمزاح مشاكس:
"انزل واسيبك تعك الدنيا، يا ابني احنا هنعمل فرح يوم ما تتجوز وتغور في داهية من البيت."
قبض زيدان فوق مرفقه جاذبًا إياه نحوه والتهديد يملئ حروفه:
"عارف لو محترمتش نفسك هعمل فيك إيه؟"
ابتسم يزن بسماجة:
"إيه؟"
وقبل أن يجيب صدح رنين هاتفه سارقًا انتباههما معًا، فمال زيدان بنصف رأسه يطالع اسم المتصل وجدها هي. أيعقل؟! مليكة تجري اتصالًا به بهذه البساطة، لقد ظن أن طريق الوصول إليها طويل وسينقطع أنفاسه به ولكنه كان مستعدًا بكل حماس رغم أخطائه الفادحة، ترى ما الذي حدث حتى يقتصر بينهما بهذا الشكل؟
استفاق من شروده اللحظي على أصابع يزن المتحركة أمامه بينما صوته يعلو بحماس:
"رد على المزة بسرعة."
وقبل أن يجيب زيدان رمق أخيه بنظرة محذرة فهمس يزن وامتهن صفة التهذيب عاقدًا ذراعيه أمامه وكأنه طفل في السابعة من عمره:
"قصدي أبلة مليكة."
هز زيدان رأسه بيأس وابتعد عن يزن المقترب منه يحاول استماع الحديث، فهمس زيدان بشراسة:
"ابعد يا حيوان."
"بتقول حاجة يا زيدان؟"
جاءه صوتها المتسائل بعدم فهم، فتراجع يقول بخشونة:
"لا دا عيل مالوش لزمة بهزقه."
رفع يزن حاجبيه معًا بضحك والتزم الصمت بينما غرق زيدان في الحديث معها حين سرقت انتباهه بنبرة حزينة خالطت الانكسار وهي تسأله:
"اتصلت عليا؟"
استدار برأسه نحو يزن، فشجعه الأخر محركًا شفتيه بهمس:
"اعتذر يا ابني."
حمحم زيدان بخشونة ثم أردف بنبرة حاول إظهار فيها الندم:
"أنتي لسه زعلانة مني؟"
"لا."
إجابة مقتصرة سريعة عقبت بها ومن بعدها صمتت ولكن أنفاسها السريعة أثارت القلق لديه فسألها برفق ولطف:
"مالك أنتي كويسة؟"
صمت طويل أشعل حواسه والجم لسانه ولكن تنبيهات يزن بحديث ما بالقرب من أذنيه جعله يردد دون وعي:
"ينفع اقابلك ونقعد مع بعض شوية؟"
بعد ثوانٍ أدرك زيدان ما قاله فتوسعت عيناه بصدمة ضاغطًا بيده فوق ذراع يزن، تزامنًا مع إبعاده للهاتف عنه:
"يا حيوان هترفض، ليه قولتلي كدا؟"
ولكن صوتها الذي اخترق مسامعه رغم إبعاد الهاتف عنه أصابه بانشداه:
"تمام."
زحفت الصدمة فوق ملامحه حتى أنه خانته كلماته ولم يستطع تجميع جملة مفيدة وبعد محاولات باءت بالفشل استطاع أخيرًا استعادة استيعابه ورد بعدها بثبات:
"خلاص هقابلك في *****."
أغلق الهاتف بعد أن تأكد من موافقتها ولم يعقب بأي جملة، بقي صامتًا لفترة حتى قطع شروده يزن الهادئ:
"بعد اذن سعادتك نتحرك ورانا معاد."
التفت زيدان برأسه يرمق أخيه باندهاش بات واضحًا ثم كرر بعدها:
"ورانا.. حرف النون دا جه منين؟"
سأل بسخرية فرد يزن بتهكم:
"هو أنا اهبل عشان اسيبك تعك الدنيا، لازم اكون موجود الحقك."
"تلحق مين، هو أنت هتاخد عليا ولا إيه؟!"
أومأ يزن بإصرار مردفًا:
"هروح معاك، أنت احتمال تنيمها في الحجز النهاردة، والله مش مضمون وتعملها."
حدجه زيدان بشر، فسارع يزن بالحديث:
"بص مش هتحس بيا، هقعد بعيد خالص."
بعد لحظات من التفكير زفر زيدان بقوة ثم تحرك بسيارته نحو الكافيه المقصود، وبعد عدة دقائق متواصلة وصلا أخيرًا معًا في إحدى الكافيهات المطلة على النيل مباشرةً، وقف يزن بجانب زيدان وأردف من خلف نظارته الشمسية:
"انهي واحدة فيهم، عشان القمرات هنا كتير."
جذب زيدان أنفاسه محاولاً التمسك بآخر ذرة صبر لديه لتحمل يزن بتصرفاته الوقحة:
"اللي هناك دي."
دقق يزن بعينيه ومن ثم أبعد نظارته للخلف قليلاً قائلاً بمزاح قصد به إثارة غيرة أخيه:
"لا قمر.. طلعت بتفهم زي أخوك."
تغاضى زيدان مشاكسته تلك وقال بتهديد لاذع:
"بقولك عارف الترابيزة اللي هناك دي روح واقعد عليها ومشوفش وشك خالص."
اندفع يزن بقوة لأمام وكاد أن يلتفت يستكمل حديثه مع زيدان الهمجي ولكن وجده قد تحرك نحو فتاة بسيطة في ثيابها تجلس بانكماش داخل مقعدها تخالف الأنثى التي رسمها بخياله، فمن خلال أحاديث زيدان عنها ورغم أنها مقتضبة إلا أنه استطاع تخيل أبعاد شخصيتها توافقًا مع شخصية أخيه صعبة المراس فهو يحتاج لأنثى تملك من القوة والصبر مقدار كافي كي تستطيع التعامل معه ورغم ذلك ملامحها الأنثوية جذابة بشكل يسلب لب الرجال وخاصةً نظرات الحزن الممزوج بالضعف التي استقبلت بها زيدان.
وجد يزن نفسه يتابع بخطواته اتجاههما دون أدنى اهتمام لتنبيهات زيدان الصارمة، حقًا قصة حب أخيه استطاعت سلبه قليلاً من عالم الفتيات وكيفية الايقاع بهن في شباكه والغريب في الأمر أنه لم يفشل مرة واحدة معهن فبدا كصياد ماهر يحالفه الحظ في كل مرة، ولكن الدور الذي وقع فوق عاتقه يجعله سعيدًا للغاية وهو يقدم مساعداته لأخيه وتحديدًا زيدان، دائمًا يشعر نحوه بمسؤولية رغم أنه يصغره.
حرك "زيدان" رأسه يمينًا تارة ويسارًا تارة أخرى في ملل يتابع حالتها الساكنة، ورغم أنها نجحت في سجن ملامحها خلف قضبان البرود إلا أن عيناها تكشف عما يدور بداخلها.. هي تعاني في صمت لذا وافقت على لقائهما دون عناء منه.
نظف "زيدان" حلقه عدة مرات في محاولة لجذب انتباهها، ولكنها كانت تغوص في عالم أخر يتمنى سبر أغواره معها، خرجت تنهيدة ثقيلة منها ولانت ملامحها من الجمود إلى الحزن فبدت وكأنها تتحول بشكل تدريجي حتى امتلأت مقلتيها ببعض الدموع وهذا الأمر اقلقه فقال بنبرة قلقة:
"مالك يا مليكة؟"
حولت بصرها نحوه وردت في صوت متحشرج:
"مفيش، أنا كويسة."
حرك العصير أمامها وهتف بنبرة حانية:
"طيب خدي اشربي العصير دا."
لم تتحرك ساكنًا بل ظلت على نفس موضوعها بذات النظرة المنكسرة، فزفر في حنق:
"قولي إيه اللي مضايقك؟"
"أنت."
أجابت باندفاع تحاول الهروب من حصاره المفروض حولها، حتى أنها استكملت قائلة في هجوم شرس:
"أنت عايز إيه مني؟، خليك في البنات بتاعتك، راجع تاني بعد إيه؟"
ثبت بصره عليها لثوانٍ يحاول استيعاب غضبها غير المبرر:
"أنتي بتكلميني أنا؟"
أجابت في استهجان:
"أيوا."
ومن بعدها ثبتت بصرها المتهكم فوق خاتمه، وبعد لحظة من الادراك صاح بابتسامة واسعة مشيرًا نحوه قائلاً:
"اه قصدك دا؟"
اكتفت بالصمت حتى عيناها ساندتها ولم تعبر عن أي شيء أخر، فخلعه زيدان سريعًا وألقاه بجواره في المياه ببساطة أدهشتها فيما بعد:
"لو دا اللي مضايقك يبقى بلاش منه."
فتحت فمها وحاولت التحدث:
"أنت.. أنت قولت أنه.."
"ثواني حضرتك انتي؟"
قطع حديثها شاب لم تعرفه من قبل كان يجلس بالطاولة المجاورة لهم حيث أن مقعده كان يقع خلف مقعد زيدان، والغريب في الأمر أن زيدان كان يتعامل ببرود أدهشها فتنقلت ببصرها بينهما في تعجب، وذلك حينما أردف الشاب في غيظ:
"أنت رميت حاجة في المياه دلوقتي؟"
رد زيدان في تبجح:
"بجد مخدتش بالي، يمكن."
عض يزن فوق شفتيه السفلية وقد احمر وجهه في غيظ تزامنًا مع نظرات تهديد اخترقت زيدان الجالس ببرود وابتسامة لزجة تحلق فوق ثغره، فخرجت نبرة يزن حانقة خشنة:
"يعني مش هتنط في المياه تجيبه دلوقتي، يمكن حاجة غالية ولا حاجة."
حرك زيدان رأسه بنفي وأردف بسماجة:
"لا حاجة عادية، اقعد انت واهدا."
"ماشي."
قالها يزن في نبرة مكتومة والتفت بجسده يصيح للنادل:
"لو سمحت قهوة سادة."
زفر بغيظ وهمس بشر:
"هشربها على روحك يا زيدان، بس لما نروح."
اقترب زيدان بجسده نحو الطاولة، محاولاً جذب انتباه مليكة مجددًا بعد أن امتلأت عيناها بالأسئلة:
"انت تعرفه؟"
حرك زيدان رأسه في نفي مجيبًا:
"لا معرفوش، سيبك منه.. واحد متطفل."
هزت رأسها بتفهم وعادت تردف في تبرير:
"لا هو مش تطفل، أنت رميت الخاتم فجأة، أنا نفسي استغربت، أصل أنت قولت أنه..."
بتر حديثها بنبرة يملأها الحب الصادق:
"سيبك من اللي قولته قبل كدا، أنتي أهم حاجة عندي، وأي حاجة تانية شكليات اقدر استغنى عنها."
كيف استطاع سرق كل ذرة انتباه لديها بهذا الشكل؟ أين راحت حصونها؟ هل أصبحت واهية من مجرد اعتراف بسيط لمشاعره؟
وبعد لحظات بسيطة همست بتساؤل طغى عليه الضياع وكأنه محاولة فاشلة لإيجاد سبب للعراك معه أو اثبات سوء نيته:
"أنت عايز مني إيه بالظبط؟"
وقبل أن يفتح فمه استكملت حديثها بصراحة:
"لو كنت مستني نرجع زي زمان تبقى غلطان، مليكة بتاعت زمان هي هي دلوقتي متغيرتش.."
"قصدك أيه؟"
سألها في تريث دون أن يوضح حقيقة مشاعره، فردت في حنق من بروده وتلاعبه الظاهر لها:
"يعني السبب اللي انفصلنا عنه زمان أنا لسه متمسكة به عشان هو مبدأ.. عن اذنك."
نهضت سريعًا قبل أن تنفجر به هو الآخر، يكفي ما حدث بالصباح وكتمانها لمشاعرها حتى الآن.. وقبل أن تتحرك بعيدًا عن الطاولة استوقفها رده الهادئ ونظرة عينيه الشغوفة:
"شوفي معاد مناسب اجي اخطبك فيه من جوز.."
حمحم بخشونة وابتسم بتهذيب:
"اخطبك من أستاذ مصطفى."
الأمر كان مفاجئًا لديها، كانت تسعى فقط للهروب من حصاره ولكنه فاجئها بطلبه ذلك، فلم تعقب لم تبدي حتى أي رد فعل، اكتفت فقط بنظرة مطولة نحوه ومن بعدها تركته وغادرت، فكاد يتحرك خلفها إلا أن يزن أردف سريعًا برزانة:
"اقعد يا ابني، رايح فين؟"
"دي مشيت وسابتني كدا من غير أي رد."
قالها زيدان بتعجب، فواصل يزن حديثه بتهكم:
"أنت مستغرب كمان، في حد يا بني أدم يطلب طلب زي دا بالطريقة دي!"
انفجرت الدهشة فوق ملامحه وعقب:
"لا انت فاكرني بتاع ورد وانزل على ركبي واقولها تتجوزيني تبقى أهبل، دي لو موافقتش هضربها بالنار واخلص."
كور يزن قبضتيه في غضب والشر يتقاذف من عينيه:
"دا أنا اللي هقتلك لو مجبتش الخاتم حالاً."
تحرك زيدان باتجاه السور الحديدي ينظر من خلاله على المياه في ظل انعقاد حاجبيه بتفكير امتثاله كي يلهي يزن:
"هو يا ترى راح فين؟"
وقف يزن بجانبه ينظر هو الأخر بحزن وندم:
"دا أنا كنت بحبه وبتفائل به لما بنت بتعجبني، انت إيه يا أخي مبتحسش."
وضع زيدان يده فوق جيب سرواله ومن بعدها جذب هاتفه ووضعه فوق أذنه هاتفًا بجدية زائفًا:
"إيه مأمورية، عايزني ضروري لا لا ثواني واكون عندك."
تحرك متجاهلاً يزن المصدوم فحاول الأخر التحدث:
"أنت يا بني ممعيش عربية طب وصلني."
***
اندفعت ميرفت لغرفة ابنتها دون استئذان، فتحت الإنارة ووجهها العابس ينطق بالكثير وقبل أن تتوجه للفراش توقظها، فتحت نهى عينيها بهدوء مميت وكأنها اعتادت على مثل هذا تلك الهجمات.
"كويس انك صاحية يا اختي."
نظرة أخرى قصيرة رمتها نهى باتجاه والدتها، لم تستطع ميرفت تفسيرها ولكنها تجاهلت تغيرات ابنتها الجديدة وقالت بشراسة:
"رايحة تكلمي ابوكي عشان تسافريله وتتحايلي عليه؟"
لم تعقب اكتفت بالصمت وكأنه طريقة جديدة مريحة اكتشفتها للتعامل مع والدتها، بالإضافة إلى نظرات الخذلان التي انبثقت من عينيها رغمًا عنها وكالعادة تجاهلتها والدتها بغرور.
"فاكرني هموت وتقعدي معايا، دا يا بركة يا جامع وابقى خلصت منك."
لم تسيطر على انفعالاتها بهذا الشكل من قبل، وكأن الصمت كان سلاح كفيلاً للأخذ بثأرها من ميرفت التي صاحت بانفعال وفقدت نبرة السخرية وأصبح الغضب يتملك منها بشراسة:
"ما تنطقي يا بت ولا دا نظام جديد عايزة تمشيلي عليه."
كما توقعت.. والدتها تريدها تخر باكية تترجاها كي توافق على سفرها، لطالما كانت تتلذذ بضعفها ورؤيتها هشة لا تجيد التصرف، تعشق تخبطها، لم تذكر مساعدتها لها قط، لم تجد يدها ممدودة يومًا لها بل كانت تجد السخرية والإهانة في انتظارها وبعد تفكير طويل ومحاولة لمساعدة ذاتها لتخطي عواقبها التي اكتشفت مؤخرًا أنها لم تتمثل في زيدان فقط وجدت هذا الحل، مجرد تجاهل ظاهري وإبداء عدم الاهتمام عله يكون رد فعل مناسب لِمَ تفعله والدتها.
انتفضت بفزع حين صرخت والدتها بغضب عارم:
"انطقي يا بت، هو أنا هشحت منك الكلام بالعافية!"
حاولت إخراج نبرتها ثابتة بقدر الإمكان دون إذلال نفسها حيث سئمت من ذلك الشعور المخزي والمؤلم:
"عايزة اسافر لبابا."
لم تفهم ميرفت اهو رجاء أم مجرد إخبارية تلقيها نهى ببساطة عليها، اكتفت بالنظر طويلاً لابنتها تحاول اكتشاف ما الجديد الذي طرأ عليها ولكنها فشلت حيث ابتعدت نهى ببصرها بعيدًا واكتفت بملامح مبهمة رسمتها فوق وجهها، فاستمعت لصوت اقدام والدتها ويبدو أنها تقترب فسرت رجفة في جسدها تخشى صفعة قاسية من صفعات والدتها فبدت كالجرو الصغير وهي تنكمش أكثر داخل الفراش، تنتظر رد فعل قد يقسم هيكل الثبات الواهن التي كانت تتمسك به.
"ابوكي كان رافض، بس أنا بقى وافقت عارفة ليه؟"
حركت عيناها باتجاه والدتها القريبة منها حيث كانت تنحني بنصف جسدها العلوي نحوها:
"عشان عايزاكي تعرفي ابوكي واخوكي بيعملوا إيه هناك، قلبي مش مطمن."
عقدت نهى حاجبيها بتعجب لم تتوقع أبدًا ما تخبره إياها والدتها، فصاحت الأخرى بضحكة ساخرة:
"انتي فاكرة هوافق عشان سواد عيونك، لا...محدش يفرض عليا حاجة وكله بمزاجي."
صمتت ولم تجد رد مناسب على هذه القسوة فضربتها والدتها بذراعها وضغطت فوق حروفها فبدت غليظة معنفة:
"كله إيه؟"
همست نهى بألم وبدأت الدموع تغزو مقلتيها بعد محاولات عديدة في منعها ولكن ضعفها فاق قوتها الزائفة:
"بمزاجك."
اعتدلت ميرفت بابتسامة واسعة شاعرة بارتياح شديد ومن بعدها قالت وهي تتجه صوب باب الغرفة:
"هبدأ اخلص الاوراق جهزي نفسك."
أغمضت نهى عيناها وحركت جسدها بالفراش استعدادًا للغرق في النوم كطريقة مريحة للهروب من واقع أصبح يزيد من خنقها، ولكنها توقفت فجأة حين صدح صوت والدتها بتساؤل:
"كلمتي زيدان ولا لسه؟"
حركت رأسها بنفي ولم تستطع التحدث كي لا تواجه سخرية قاسية من والدتها يكفي ما حدث وما يحدث معها.
***
في المساء.. طرقت مليكة باب إحدى غرف تبديل الملابس بالمشفى ودخلت بعدها في صمت تلقي ابتسامة في وجوه الجالسين ثم اتجهت مباشرةً صوب خزانتها تفتحها تجذب هاتفها منها وكعادتها منذ الصباح ملامحها باهتة خالية من معالم الحياة، صامتة أغلب الوقت، تخفي مشاعرها عن الجميع أو ربما هي تريد تجاهلها مؤقتًا، فلم يعد لديها مساحة كافية لخوض صراع أخر قد يجذبها نحو الحضيض فما مرت به منذ الصباح كفيل بإدخالها حالة من الضياع النسبي حتى طلب زيدان خطبتها لم تعطي لنفسها فرصة للتفكير به أو حتى مجرد السعادة به، بل سمعته وكأنها تستمع لنشرة أخبار عادية ومن بعدها فرت هاربة منه ومن نفسها.
انتبهت على حديث بعض الطبيبات الجالسين في الغرفة من أجل استراحة قصيرة..
"أنا متأكدة أصلاً دكتور عبد الله عارف ماجد على أيه."
اتسعت عيون الأخرى في ذهول:
"والله كنت عارفة أنه حقير ما هو الحنية دي مش جديدة على إيه."
أكدت الأخرى بثقة:
"طبعًا يا بنتي دي فلوس كتيرة يسيبها لأخواته بالسهولة دي لازم ياخدلها اجازة مفتوحة."
هنا أدركت مليكة جزء من حديثهما ولكن الفضول المتعلق بأمر ما تعانيه جعلها تستدير في ثبات رغم زعزعة ثقتها تقول في ابتسامة مهزوزة:
"معقولة اخد اجازة مفتوحة؟"
عادت الأولى تردف بسعادة:
"اه ابوه بيموت وهو قاعد يطمن عليه... صمتت قليلاً ثم عادت تضحك بصوت مرتفع: قصدي على الفلوس والميراث."
حركت مليكة رأسها بإيجاب وحاولت الابتسامة أكثر ولكنها فشلت وما أنقذها هو خروج زملائها من الغرفة بعدما انتهى وقت راحتهما وبقيت هي وحدها تقع فريسة لخطأ لم تقترفه حتى فكرة الهروب منه أصبحت مستحيلة بعد ان قامت منذ يومين اللجوء لأحد الأطباء وطلب مساعدته في تسهيل إجراءات نقلها لمشفى آخر ولكنه اعتذر وبرر أسبابه أن الملف الخاص بها يوجد به توصية خاصة من "ماجد" وهو لا يملك نفس سلطته.
ارتفع رنين هاتفها يجذبها من بقعة التفكير التي أصبحت مرهقة أكثر من قبل، نظرت لشاشة الهاتف بعد أن أضاءت باسم "بابا مصطفى" وهنا انتقل تفكيرها جبريًا لأمرٍ كانت تحاول منذ الصباح تجاهله، وكأنه أصابها حالة من الرفض... عدم التصديق لِمَ سمعته، بالإضافة لإحساس رهيب بالذنب يحوم حولها كلص سارق جزء من سكينتها، لا تعلم لِمَ تشعر به من الأساس، هل ربما لوجودها معه فامتنع عن تحقيق أحلامه، تخشى تلك النتيجة.. تحاول رفضها وكأن مسامعها أخطأت منذ البداية ولكن نيرته حينها وهو يفكر بها وبأمر موافقتها على زواجه مزقتها.. آلام غزت روحها وزادت من حيرتها ومع تواصل الرنين وقعت في بؤرة الرفض لا تريد التحدث الآن حتمًا سيدرك ما تعانيه، لم تتغير يومًا معه سيقلق كثيرًا وربما الأمر يتصاعد ويصل لمواجهة هي تخشاها.
أجابت بعد فترة بنبرة حاولت إظهار التماسك بها:
"الو."
"مليكة أنتي فين دا كله؟"
امتنعت عن البكاء بصعوبة وقالت:
"روحت المستشفى... ومروحتش لصاحبتي."
ومع اهتزاز نبرتها رغم عنها عادت تحاول التماسك أكثر:
"مروحتش لصاحبتي."
ظهر بحة حزينة في صوتها فأقلقته ودفعته بسؤال:
"مالك أنتي كويسة؟"
أصابها التلعثم لأول مرة وهي تجيب:
"آآ.. اه كويسة، عايزني برة ضروري سلام."
أغلقت الهاتف دون ان تستمتع له ومن بعدها انفجرت باكية تسمح لدموعها بالتعبير عنها، فانهمرت بغزارة فوق وجنتيها تشكل أخاديد تظهر مدى الوجع التي تشعر به، لقد كان الأمر كله يشبه ضربة سكين حاد في منتصف صدرها فانشق لنصفين... نصف يتألم ونصف فقد روحه وبالنهاية بقيت هشة ضعيفة لا تجيد التصرف بطريقة سليمة في كل ما يؤرقها وكعادتها تلجأ للهروب كحل مؤقت لا تعلم متى تتخلى عنه وتواجه مخاوفها.
طرق الباب هو من منعها في استكمال مواجهة مشاعرها، مسحت دموعها سريعًا بمناديل وتأكدت من عينيها ولكن ملامحها لم تسيطر عليها بل فشلت في إعادتها لقوقعة الحزن الخفي، اكتفت بتجفيف دموعها وفتحت الباب تستقبل الطارق وما إن رفعت عينيها حتى أصابتها الدهشة من وجود زيدان أمامها، حتى أنها ظنت أنه خيال أو وهم يحاول جذبها من بقعة آلامها ولكن صوته الساخر جعلها تستفيق:
"ايه مش هتقوليلي اتفضل."
خرج صوتها المذهول يصدمه:
"زيدان أنت بتعمل إيه هنا؟"
ابتسم نصف ابتسامة قائلاً بسخرية:
"هكون بعمل إيه جاي اكشف مثلاً."
تجاهلت سخريته وردت بجدية مهزوزة بها لمحة من العتاب:
"دي مش غرفة للكشف، كدا ممكن حد يفهم غلط."
اتسعت ابتسامته مردفًا بمزاح قاصدًا مشاكستها لتخفيف عنها ربما تعاني من ضغط ما:
"ياريت والله هرتاح واتجوزك على طول."
زحف الخجل نحو وجنتيها فاحمرت وبدت كحبة الفراولة في أوج نضجها:
"آآ... إيه اللي بتقوله دا، لو سمحت امشي."
تمسك بمقبض الباب واضعًا قدمه أمام الباب نفسه يمنعها من إغلاقه بوجهه ورد في إصرار:
"لا ما هو أنا مش همشي قبل ما اعرف ردك على كلامي."
تلعثمت بارتباك:
"رر..رد إيه؟"
دفع الباب بقوة بسيطة منه، فتراجعت للخلف عدة خطوات في حنق طفيف واستغل هو ارتباكها بسبب حضوره الطاغي عليها ودخل الغرفة مغلقًا الباب خلفه لفرض حصاره الكامل عليها فلا مجال للهرب مجددًا:
"اممم أنا فهمت عايزني اجيب بوكية ورد او اطلع على شجرة وكلام البنات الفارغ دا صح؟!"
انتهت نبرته باستهجان واضح، فاستمرت بالنظر إليه نظرات مبهمة منتقلة بينه وبين الباب المغلق خلفه، فاستكمل مشيرًا نحو عنقه:
"أنا خلقي ضاق يا مليكة من لعبة القط والفار اللي انتي مصرة عليها."
"يعني تعبت! طيب ريح نفسك وخلاص."
ردت في نزق من طريقة في عرض الزواج عليها ولكنه فاجأها برده المستفز:
"ايوا الله ينور عليكي نريح نفسنا ونتجوز."
ابتعدت خطوة أخرى قائلة بلامبالاة:
"أنا مش جاهزة للجواز اصلاً دلوقتي؟ لسه قدامي مستقبل."
"مفيش أحلى من مستقبلك معايا."
تحرك خلفها وهو يؤكد بثقة جعلها تستدير له بنصف جسدها ترمقه بطرف عيناها:
"طبعًا ظابط له وضعه وحلو وبيحبك عايزة إيه تاني من الدنيا يا جاحدة."
اقترابه منها جعلها ترتبك تحاول إيجاد طريقة للفرار من حصاره الذي أصبح يضيق عليها وكانت نتيجته انهيار حصونها واحدًا تلو الأخر وكأن قلبها يريد التحرر نحو سماء الحب فأعلن العصيان والتمرد:
"مش عايزة حاجة... أنا بجد مش عايزة حاجة غير..."
قاطعها بنبرة هادئة عندما اقترب منها أكثر ينظر لوجهها مباشرةً يحاول إبعاد ذلك الحاجز الذي يعيقه من رؤية عيناها للكشف عما بداخلها:
"ايوا مالك في إيه من الصبح متغيرة."
هزت كتفيها سريعًا ببرود ظاهري بالغت فيه:
"أنا تمام يعني مفيش حاجة بس شوية ضغط."
ضيق عينيه وهو يهبط لمستواها يحرك يده أمامها يسألها في ترقب:
"يعني مفيش حاجة مضايقكي، حد عايزني اسجنه براحتك قولي.."
رغمًا عنها ابتسمت فواصل حديثه بإصرار:
"أنا بتكلم بجد على فكرة، هو اه ماليش خلق اسمع أي حاجة بس أنتي غير أي حد."
استعادت جزء بسيط من روحها المشاغبة فقالت:
"بتحاول تفرض نفسك عليا وخلاص."
أجاب بصدق أشعل مشاعرها بجنون:
"طبعًا ما هو أنتي مالكيش غيري."
رفعت رأسها تطالعه في صمت فأكد على حديثه بمكر:
"مش احنا في حكم المتجوزين."
كررت خلفه بتهكم امتزج فيه التعجب:
"متجوزين؟!"
"طلبتك للجواز ولا لأ يبقى خلاص."
"وأنا موافقتش يبقى ازاي في حكمهم."
عاندته بإصرار ونست للحظات أنهما متواجدان وحدهما بالغرفة واندمجت في حديث له القدرة الكافية في بث الطمأنينة في قلبها وإخراجها من حالة الضياع التي وقعت بها:
"خلاص نمشيها مخطوبين."
سألته بغرابة وهي تحاول إيجاد سبب تغيره بهذا الشكل الكلي:
"أنت إيه غيرك كدا."
أجاب بصدق:
"عمري ما اتغيرت طول عمري معاكي غير مع أي حد."
بالفعل مشاعره دومًا معها صريحة يغدقها بالحب، يحاوطها بهالة من العشق تشعرها وكأنها فراشة تستمتع بأجواء الربيع، ها هي تشعر نفسها من جديد تحلق في ربيع حبهما ولكن عقلها لا يزال يتمسك ببعض الذكريات التي رفضت التخلي عنها رغم تصديقها لمشاعره:
"بس متمسك بفكرة الارتباط الرسمي اللي انت رفضته زمان."
فبدت وكأنها تعاتبه، تلومه على تركه لها، على جراحه التي كانت تبكي بسببها ليلاً، فأجاب بوضوح ولكنه اقتصر فيه بعض الشيء كي لا يفتح جراحًا ماضية حاول تخطيها بعد لقائهما، قلن يعود لنقطة الصفر سيكمل طريقه حتى يصل لمبتغاه المتمثل بها:
"كنت فاكر ان هقدر اخلص من حبك، مكنتش اعرف أنه بيمشي في عروقي."
"يعني عايز تفهمني انك كنت عايش على ذكريات.."
اقترب منها أكثر ناظرًا في عمق عيناها وهمس بنبرة يملأها عاطفة الغرام:
"عمري ما فكرت في واحدة غيرك."
عادت خطوة للخلف بضعف وهمست بخفوت تحاول استدراك نفسها قبل الاعتراف بموافقتها:
"مع انهم كتير حواليك بما انك ظابط وكدا."
"بس أنتي غيرهم كلهم، ملكتي قلبي وعقلي أسرتيني ومبقتش قادر اقاومك."
صمتت ولم تجد رد مناسب سوى الاعتراف بعاطفتها المدفونة، ولكن الخجل انقذها ومنعها من ذلك فحاولت تجميع جملة واحدة مفيدة تظهر بها تمنعها:
"أنت... عايز..."
اقترب خطوة أخرى يشير بإصبعه نحوها وعيناه تفيض بحنان محبب لقلبها لطالما يظهره لها فقط:
"عايزك ومش عايز أي حاجة تاني."
أصبحت نبرتها أضعف وأرق وهي تقول بخجل:
"مينفعش هقول لبابا مصطفى إيه؟"
"لا دي سيبها عليا هقولك تقوليله إيه."
رواية منك وإليك اهتديت الفصل الثاني عشر 12 - بقلم زيزي محمد
بعد مرور أسبوع..
تقلبت مليكة في فراشها يمينًا ويسارًا تحاول تنظيم أفكارها التي باتت تتدفق في جنون، فمنذ أن أخبرها زيدان بطلبه لخطبتها وإصراره على ذلك رغم رفضها الظاهري، وهي في حالة من التخبط الشديد.
لا تنكر أن جزء كبير داخلها يهيم سعادة بذلك الخبر، وجزء آخر ينبهها بما ينتظرها حيال قدوم ماجد في أي لحظة. وآخر يحاول اجتذابها نحو سر زوج والدتها الذي قد كُشف بالصدفة.
فبقيت حائرة ما بين مشاعرها، تشعر بحماقة لا تجيد اختيار أي قرار يصب في مصلحتها، فأحيانًا تشعر بحاجتها الكبيرة في الهروب من كل شيء، تسعى نحو عالم لا يعرفها به أحد. في البداية ظنت بأن تلك الرغبة المُلحة هي الحل الأمثل لتنهي ما يؤرقها، ولكن بعد تفكير عميق اكتشفت أنه ليس سوى حل ساذج لن ينهي شيء بل سيفتح عليها أبواب الجحيم إن قررت خسارة كل من حولها.
نهضت بنصف جسدها تضغط فوق شفتيها السفلية في غيظ تسأل نفسها الحائرة، إذا ما الحل؟ هل أمر زواجها من زيدان هو بمثابة إنقاذ كُلي من غدر ماجد؟ أم ستقع في هاوية الظلام، وخاصةً أنها لا تتوقع رد فعله، فالأمر سيكون رهن التصديق أو لعنة الشك، وهي بالتأكيد ستبقى معلقة بينهما بخيط رفيع تنتظر مصيرها.
شعرت بتمزق خلايا عقلها في الآونة الأخيرة، لقد أرهقت ذهنها بالتفكير لساعات متواصلة حتى أثناء عملها لا تنقطع أبدًا عن محاولة إنقاذ نفسها. لن تنكر أن الأمر في البداية كان أهون لإعتقادها وجود مصطفى بجانبها دائمًا، ولكنها كانت حمقاء لا تدري بما يتمنى. لقد تخلى عن حلمه من أجل الحفاظ عليها، وهي بكل بساطة كانت غافلة عن مشاعره المكتومة تجاه امرأة قد حُرم عليه الزواج منها بسبب إقامتها معه.
زفرت بتعب وهي تبعد الغطاء عنها تتجه صوب النافذة تفتحها على مصراعيها، تواجه من خلالها أشعة الشمس المشرقة عكس الظلام المحاط بروحها، تسمح لبعض ذرات الهواء العليل بالتسرب لصدرها الذي يعاني من تكدس مشاعرها حتى أنها للحظات كانت تشعر باختناق حاد وكأن جدران صدرها تنقبض على نفسها أكثر.
ولكن لوهلة أحست براحة بسيطة وهي تقابل ذلك الهدوء والراحة النفسية التي باتت يصعب الحصول عليها مؤخرًا، وتحديدًا في ظل اصطدامها بعقبات أهلكتها وبددت من قوتها.
"بتفكري في إيه دا كله يا ست مليكة؟"
استدارت بذعر وهمسة خرجت منها تتأرجح ما بين الهدوء والارتباك.
"بابا.."
بترتها بخجل حين رأته يقف على أعتاب باب غرفتها يحمل أطباق الطعام.
"اه بابا يا ستي، يلا بينا علشان تفطري."
تحركت خلفه وهي تحاول التمسك بقناع الهدوء كي لا تشعره بشيء. هي حتى الآن لم تحدد ما ستفعله إن قررت الرحيل، هل ستواجه أم ترحل في صمت دون إيذاء مشاعره، لطالما كان لطيفًا ودودًا معها، يغدقها بأفضاله ونبع حنانه لا ينقطع بل يفيض بغزارة وكأنها ذات الطفلة اليتيمة التي تعلقت به فجأة بعد أن تذوقت قليل من الاهتمام منه.
لذا حاولت الالتزام بالهدوء حتى لا تحزنه، فهو لا يستحق منها سوى التقدير والاحترام.
جلست فوق مقعدها بالجهة المقابلة له على طاولة الطعام الصغيرة وبدأت في تناول طعامها بهدوء أثار انتباهه وتحفظه، فانتظر دقائق يرمقها بتفكير يحاول فهم ما يدور بداخلها ولكنه فشل، فهتف بتساؤل:
"مالك يا حبيبتي مبتاكليش ليه؟"
مضغت الطعام في هدوء وهتفت بصوت لازمه بحة مجهدة:
"باكل اهو."
"انتي زعلانة مني في حاجة؟"
توقف الطعام في حلقها ورفعت عينيها ببطء مدروس تراقب انفعالاته في تروٍ قبل أن تجيبه، وحين وجدت نفس ذات القلق الملازم له حين تتغير في معاملتها، هدأت وأجابت في رقة:
"لا طبعًا مش زعلانة منك."
ابتسم نصف ابتسامة لم تصل لعينيه، وهتف مؤكدًا وهو يهز رأسه:
"بالعكس يبقى أنا كدا اتأكدت انك زعلانة!"
عقدت ما بين حاجبيها بعدم فهم، فهي لم تبدي أي رد فعل يثير انتباهه، ولكنها لا تدرك أنه أصبح يعرفها كما يعرف أصابع يده.
"أنا حقيقي مش زعلانة يا بابا اطمن."
وكعادته التزم السكوت بغير رضا ونظر في طعامه مباشرةً يتظاهر بتناوله، لقد تعب مؤخرًا من محاولة فهم ما يكمن بداخلها. صمتها ذاك يقلقه، يؤرق قلبه المتعلق بها، فبدت في الآونة الأخيرة غريبة بشكل لم يعجبه ولم يستطع التأقلم معه.
بينما هي تردد أمامها طلب زيدان لخطبتها، وكالعادة تواجه صراعًا شرسًا بين قلبها المحبز لفكرة الارتباط الرسمي مغردًا بأهازيج الغرام والحب، أما عقلها يلوح بحجم مصائبها.
خرجت تنهيدة مثقلة تعبر عن فشلها في حسم ذلك الصراع، وخاصةً في ظل التوتر المحاط بها. رفعت عينيها في هدوء تراقب زوج والدتها المتظاهر لتناول طعامه، تحاول تخيل مصيرها معه بعد يوم أو يومان أو شهر. فالأمر بالطبع لن يطول كثيرًا، وذلك بعد أن علمت بتعلق قلبه بإمرأة وضعت حدًا لزواجهما بسبب وجودها.
فإن قررت التغاضي عما يتمناه ستكون أنانية وهي تكره تلك الصفة. وإن تمسكت بما تميل إليها نفسها وقررت الرحيل حتمًا ستواجه صعاب الله وحده يعلم مدى بشاعتها.
مجددًا يقطع عليها مصطفى التفكير بقوله الحازم:
"في إيه ومتكذبيش."
أنهى حديثه بتحذير لاذع أشعل في بقايا الصمت الملازم لها، فقالت باندفاع وكأنها لا تعِ حجم ما تسترسل فيه بكل بساطة:
"في واحد عايز يخطبني."
في البداية لم تشعر بشيء. وبعد فترة من الصمت أدركت مدى تهورها، كم تمنت حينها العودة فيما قالته بكل ساذجة مفرطة منها، ولكن لا رجوع فيه بعد أن لاحظت نظرات مصطفى الطالبة بتوضيح أكثر. فلبت طلبه دون أن يخرجه علنًا:
"فاكر الظابط اللي كان في القسم.."
لحظات من الصمت القاتل تحاول تفسير ما يفكر به ولكنها فشلت، فاكملت بنبرة ثابتة أخفت فيها لمحة الارتباك الملازم لها مؤخرًا:
"اعجب بيا وعايز يجي يتقدم."
احمر وجهها خجلاً وهي تخبره بذلك الأمر، تحاول تذكر ما أخبرها به زيدان إن قررت اخبار زوج والدتها بطلبه لخطبتها.
"وهو شافك فين؟"
جذبت نفس عميق وهي تسترجع كلمات زيدان المرتبة تستعيد بها بعض الثقة كي تستطيع استكمال أولى خطواتها في قرار الرحيل، ولكن بكل تهذيب ودون إيذاء مشاعر زوج والدتها الغالي الذي سيظل هو أبيها وصاحب الفضل في كل ما وصلت إليه.
***
بعد مرور عدة ساعات..
وصل زيدان أمام البناية التي تسكن بها عمته، صعد للطابق المنشود ومن ثم قرر مواجهة نهى مباشرةً لإنهاء خطبتهما المزيفة تلك، فلم يعد يطيق صبرًا لاستكمال أمر كان خاطئًا منذ البداية. لذا قرر اخبارها باتفاقه مع عمته وحجته في الموافقة على مثل هذا الشيء وتفسير سبب معاملته لها.
لا شك أن الشفقة لعبت دور هام في تأجيله لمثل هذه الخطوة، وذلك لعدم تحسن حالتها النفسية، فلا تزال تتعلق به ولا تدرك سبب معاملته الجافة بل كانت تزداد في إعطائه المبررات، والاعتذارات دومًا كانت من نصيبها رغم أنها لم تخطأ في حقه، ولكن نظرة الضعف الممزوجة بالألم التي كانت تلقيها نحوه كانت كفيلة بتوضيح ما تمر به من تقلبات نفسية حادة.
زفر بهدوء محاولاً ضبط انفعالاته، فاليوم سينهي تلك المهزلة، لا مجال للاستمرار، وخاصة هو على مشارف حياة جديدة يسعى بأن تكون واضحة دون شوائب أو أسرار قد تكشف وتهدم حجر الثقة بينهما.
قبل أن يدق الجرس وصله رسالة قصيرة من مليكة تخبره فيها: "بابا مصطفى وافق يقابلك يوم الجمعة".
تحولت ملامحه من العبوس للسعادة واتسعت ابتسامته بحبور، فبدا وكأنه تلقى جرعة حماس زائدة بثت فيه الروح بعد أن كان جسده خاملاً يفتقد لشغف، تشجع حينها بحماس أكبر وأحس بضرورة إنهاء لعبة بُنيت على الكذب، ولكن حينها كان غرضه نبيل من أجل انقاذ نهى. وما يفعله حاليًا من ضرورة إخبارها بحقيقة مشاعره تجاهها وأنها لم تتعدى كونها أخته فقط يعود لمصلحتها وستدرك هي أهمية موقفه فيما بعد.
وضع الهاتف بجيبه ودق الجرس مستعيدًا بعض من لمحات الجمود.
بعد ثوانٍ فتحت الخادمة ويبدو أنها لم تندهش لوجوده بل كانت كمن ينتظر مجيئه، فرمقها بهدوء سائلاً بصوت أجش:
"نهى موجودة؟"
لم ترحب به ككل مرة، بل كانت تتعامل برسمية بحتة في إخباره بشيء أصابه بالصدمة والغضب في آن واحد:
"لا سافرت."
"نعم؟!"
كرر خلفها في استهجان ثم استكمل حديثه:
"سافرت فين؟ وازاي معرفش؟"
كانت الإجابة على اسئلته من نصيب ميرفت التي تقدمت للباب بخطوات متمهلة ترسم ابتسامة ساخرة فوق محياها الصلب:
"يا حبة عين امها اتخنقت من معاملتك ليها وسافرت تغير جو."
أسبل زيدان أهدابه لحظات ثم رفع عينيه الغائمة بدخان الغضب والكره يقول:
"سافرت فين؟"
"لأبوها."
قالتها بسخرية صاحبها ضحكة صغيرة ثم واصلت حديثها المتهكم تلقي اللوم فوق عاتقه:
"لو كنت بترد على اتصالاتها كنت عرفت، بس انت راميها ولا كأنها خطيبتك."
أخشن صوته بغيظ بالغ:
"لسه مُصرة انها خطيبتي بردو! يعني مكنتش خطة منك."
شهقت بتهكم واضح وهي تشير نحوها:
"وانت يا حبة عيني مكنتش طرف فيها بردو."
صاح بهجوم سافر:
"الزمي حدودك معايا."
حركت يدها في عتاب مصطنع وهي تسأله:
"هو أنا كنت اتعديت حدودي، دا انا حتى عمة طيبة اوي، وسايبلكوا مال أخويا تبعزقوا فيه يمين وشمال من غير ما اتكلم، الله يرحمك يا اخويا مكنتش هترضالي ابدًا بالمعاملة دي."
حدج بها زيدان في كره به لمحة من الشر:
"الله يرحمه كان مخدوع فيكي، وعشان صلة الدم اللي بينا أنا مش راضي اوريكي وشي تاني."
"لا ما هو البركة في سليم اخوك عمل الواجب وبزيادة."
قالتها بحقد فابتسم بالمقابل بتشفي بات واضحًا فوق ملامحه:
"طول عمره بيفهم، هو سليم باشا من شوية."
فقدت قناع الهدوء بعد أن فاض الحقد من عدستيها فصاحت:
"لما هو بيفهم اوي كدا، ايه اللي مخليك توقف على بابي يا عنيا."
"نهى.."
إجابة قصيرة قالها ثم أطرق للحظات يشملها في كره تبادل بينهما بوضوح ومن بعدها استكمل بصدق:
"هي اللي منعاني عن حاجات كتير، واعملي في حسابك اول ما ترجع أنا هعرفها كل حاجة."
استدار بعدها مغادرًا فصرخت بعصبية مفرطة:
"لما تبقى ترجع."
كانت الخادمة تتابع حديثهما في صمت تام، تشعر بقلة حيلة في إنهاء محادثتهما النارية، وحين قرر المغادرة حمدت الله كثيرًا أنها انتهت دون أن يتطرق زيدان لأمورٍ قد تسبب الألم لنهى يكفي ما تمر به من فقدان للثقة وعدم الشعور بالأمان.
أغلقت الباب وهي تدعي الله أن ينتهي الأمر على ذلك النحو، ولكن ميرفت كان لها رأي آخر حين تحركت نحو غرفة نهى تصيح بغضب عارم:
"والله يا بنت ال*** ان فكرتي تكلميه ولا تقابليه انتي حرة سيبيه متعلق كدا واحرقي دمه."
لم تعقب نهى بل كانت تكنس رأسها للأسفل بخزي من نفسها بعدما لم تستطع مواجهته، حاولت.. لن تكذب حاولت كثيرًا ولكنها فشلت حتى اتصالاته كانت ترفضها، فكانت تساعد ذاتها على نسيانه إخراج صورته من عقلها، دفن نبرة صوته في قاع النسيان. ظلت تلك الأيام تجاهد كمن يحاول عبور صحراء قاحلة وسط عاصفة رملية.
فكرة مواجهته كانت صعبة بل كانت مستحيلة وهي بذلك الضعف، لا تريد نظرة شفقة أخرى تهوي بسببها للجحيم، تتمنى أن تكتسب لو بعض من القوة تستطيع من خلالها مواجهته دون أن تبكي، أو تصمت على احاديثه الجافة الملامة لشخصها وما تعانيه من ضعف.
اغتاظت ميرفت من صمتها الطويل فاقتربت منها تصرخ بجنون:
"لو فكرتي تعملي كدا، مفيش سفر لأبوكي فاهمة ولا لا، لازم تنفذي كلامي."
ابتلعت تهديد والدتها ولم تعقب وهذا ما أثار جنونها أكثر، فالتفتت للخادمة:
"قوليلها وعقليها عشان مضربهاش قلم يفوقها."
هزت الخادمة رأسها في إيجاب وما إن خرجت حتى اتجهت صوب نهى الجالسة فوق طرف الفراش تسألها في رفق:
"ليه مخرجتيش يا ست نهى تقابليه؟"
همست في ارتجاف صاحبه بكاء عبر عن كم الألم النفسي الذي تعانيه:
"مقدرتش.. مش هقدر اشوفه وأنا كدا.."
أطرق للحظات ثم رفعت رأسها تطالع الخادمة:
"نفسي لما اشوفه أنا اللي اوجعه هو ميوجعنيش، اكون في اللحظة دي ميهمنيش.. ميفرقش معايا."
هبطت الخادمة لمستواها تربت فوق ظهرها بحنو:
"وانتي لسه يفرق معاكي؟ مش قولتلك تفكري في نفسك وبس."
حركت نهى رأسها بإيجاب وهمست بشرود:
"عشان نفسي تستحق يبقى اخد الوقت الكافي اللي يخليني اقدر اواجه."
تفهمت الخادمة موقفها وقبل أن تهتف بقول تهدأ به نهى الباكية استمعت لصياح ميرفت فغادرت الغرفة سريعًا وتركت نهى تنظر في أثرها تخرج ما في جعبتها في همس متقطع:
"خليه يدوق من اللي بيعمله فيا."
رغم أنه تعددت أسبابها لعدم مقابلته، إلا أن هناك سبب خفي لم تصرح به علنًا تمثل برغبتها في الثأر لنفسها على كل لحظة قابلت منه شعور سلبي أو تعليق جاف كسر قلبها وشغفها، فأنارت شعلة الانتقام وسط مشاعرها المتخبطة، واردات تركه معلقًا ينتظر عودتها بينما هي في المقابل ستحاول اكتساب بعض من الوقت كي تستطيع مواجهته دون أن تظهر ضعفها، ولن يحدث ذلك إلا إذا بحثت عن قوتها المسربة منها ولملمت شتات نفسها المبعثرة.
***
"يعني إيه هتيجي؟"
قالها "سمير" في ضيق حاد وهو يقترب من والده، بينما لكزه الأخر في يده بغيظ:
"وطي صوتك يا غبي، خالد هيسمع."
انفجر الغيظ من سمير وهو يقول:
"ما هو لازم يعرف اصلا هي مش تيجي هنا يعني."
ضيق ابراهيم عينيه يهتف بنفاذ صبر:
"تيجي مفاجأة أحسن ما نقوله من دلوقتي ويكرشنا برة قبل ما تيجي، ابن اختي شهم ومش هيستحمل تيجي ونمشي بيها."
شدد سمير فوق خصلات شعره في جنون ضاغطًا فوق أسنانه:
"أنا معرفش ازاي لغاية دلوقتي وافقت على الجنان دا؟"
"كان لازم اوافق، امك شكت من رفضي، مش بعيد تكون باعتها تنقلها اخبارنا."
أجابته كانت هادئة نابعة من تفكير طال لأيام، لم تنتظر في ميرفت موافقته أساسًا وتحركت من نفسها تنهي الإجراءات، فأدرك أن سفر نهى بمثابة محاولة للاطمئنان على حالهما. انتبه ابراهيم على صوت ابنه المرتبك من رد فعل والدته إن علمت بخسارتهما للمال:
"دي لو عرفت، ممكن تقطع عننا الفلوس اللي بتبعتها كل شهر."
"محدش هيعرفها حاجة ونهى أنا مالي ايدي منها هي بت خايبة بكلمتين تهديد مش هتنطق اصلاً، المشكلة؟"
صمت للحظات يفكر بجدية ومن بعدها صدح سؤاله بقلق:
"خالد هيفضل مستحمل لغاية امتى؟"
"انت بس ثبته بالكلام وأنا من ناحية تانية اظبط الشيخ يمكن يجبلنا شقة ولا حاجة."
كاد ابراهيم يواصل حديثه ولكنه انقطع فجأة بسبب دخول خالد المفاجئ وهو يقول بتهكم:
"ايه اتخضيتوا ولا اكون دخلت من غير استئذان."
ابتسم ابراهيم بحبور استفز انتباه خالد:
"لا يا حبيبي اتفضل براحتك خالص، دا حتى بيتك."
جذب خالد قطع ثيابه من الدولاب ثم اتجه صوب الباب يقول بنبرة ساخرة:
"كويس يا خالي انك عارف، أصل أنا مستغرب سايبلك الشقة كلها تعمل اللي نفسك فيها وبردو طمعان في اوضتي."
ابتسم سمير بسماجة مردفًا باندفاع:
"التكيف اللي فيها حلو، وزي ما تقول بنرتاح فيها أكتر."
رفع خالد جانب شفتيه في اشمئزاز ثم قال:
"طيب على الاقل يكون في ذوق وتسيبوها فاضية وأنا موجود."
نهض ابراهيم متظاهرًا بالحرج:
"اه طبعاً يا حبيبي يلا يا سمير."
أشار خالد لهما بلامبالاة وهو يغادر الغرفة:
"خليكم أنا خلصت."
غادر وتركهما ينظران في أثره عقب سمير بثقة:
"لازم اظبط الشيخ في اقرب وقت، خالد مش هيستحمل كتير."
أومأ والده بتفكير، لقد مالت الأمور منه لنحو صعب وتفككت خيوط خطته، شاعرًا بتهديد أمنهما وخاصةً مع مجيء نهى، ورغم أنه يعلم مدى ضعفها وثقته التامة في التحكم بها إلا أنه يقلق من رد فعل خالد هل سيقبل أم سيطلب مغادرته؟ كل ما يملكه من التفكير أنه سيلعب على عاطفة خالد وصلة الدم.
***
مساءًا..
وضعت منال أطباق الكيك فوق الطاولة وهي تقول في حزن طفيف:
"مكنش سليم وأنس وشمس يبقوا معانا."
ألقى يزن قبلة نحوها مشيرًا نحوه نفسه:
"كفاية وجودي يا ست الكل ولا أنا مش مكفي، دا أنا سيبت معاد مهم عشان خاطرك يا قمر."
ضحكت منال بخفة وربتت فوق ظهره تمتم بأدعية تحفظه، ثم عادت تقول:
"اتصل كدا على سليم نطمن عليه؟"
"بعتله رسالة لو صاحي يكلمنا."
أومات في صمت ثم رفعت عينيها نحو التلفاز تتابع مشاهدة فيلم اختاره يزن، الذي قرر مشاركتها أبسط أمورها بعد أن تذمرت في لحظة عليه وأخبرته بإهمالهما المتعمد لها، ولكنه أقسم أنه من كثرة ضغط الشغل ووعدها بقضاء أمسية معها.
دخل زيدان للصالة يجر قدميه جرًا بعد يوم طويل بالعمل حافل بالأخبار المفاجئة بداية من موافقة مليكة واتخاذ علاقتهما منحنى رسمي وسفر نهى المفاجئ وتجاهلها له الذي أثار الريبة بداخله، ولكنه اختار التجاهل هو الآخر كحل مؤقت ليس إلا. مجرد أيام وستعود وحينها سينهي معها كل شيء وحتمًا ستتفهم موقفه. ورغم أنه لا يعطي اهتمام لأحد من قبل إلا أن نهى تستحق، لطالما كانت لطيفة محبة ساندته أثناء وفاة والده حيث كان يعاني حينها من ويلات الفقدان والألم.
"ما هو لو داخل على ميتين هيرحب بيهم أكتر من كدا"
توقف زيدان على كلمات يزن الساخرة المتابع للتلفاز، فيبدو انه تبادل الحديث مع والدته، لذلك اقترب منه وضرب فوق مؤخرة رأسه برفق:
"ازيك يا يزن يا حبيبي؟"
أبعد يزن يده في غضب زائف:
"ايدك لاقطعهالك."
جلس زيدان بالقرب منه وهو يصطنع الخوف:
"الحقوني خوفت."
رفع يزن شفتيه في اشمئزاز ممزوج بالغيظ منه والأخر قابله بابتسامة عريضة وهو يلتقط طبق الكيك من والدته:
"تسلم ايدك يا أمي."
"بالهنا يا روحي، كُل كويس شكلك خاسس اوي."
ردت منال في اعتيادية كأي أم تلاحظ تغير بسيط على ابنها فرجحته من قلة تناوله للطعام، ولكن قول زيدان الهادئ أصابهما بالدهشة:
"ايوا لازم اتغذى فعلاً، داخل على موضوع مهم."
هتف يزن بضحك ساخر:
"ليه داخل الأولمبياد."
"لا أنا ناوي اخطب."
تسربت الابتسامة لوجه منال المندهش بعد ادراكها لحديث زيدان بعد فترة، ومن بعدها صاحت بسعادة:
"بجد يا حبيبي الف مبروك.. الف مليون مبروك، مين هي؟"
همس يزن قاصدًا إغاظته:
"اقول مين؟"
حذره زيدان بعينيه ومن بعدها التفت لوالدته يخبرها ببعض المعلومات البسيطة عن مليكة وتابع حديثه الهادئ في ظل ابتسامة والدته المتسعة:
"وان شاء الله هنروح يوم الجمعة نخطبها."
تلاشت ابتسامة والدته وهي تقول باستفهام:
"نروح فين؟"
التفت يزن لها يكرر حديث زيدان:
"نخطبها يا ماما."
"سليم لازم يعرف.. دا لازم يكون موجود، اخوك الكبير مينفعش نتعدى وجوده كدا."
أجابت والدته بإصرار لا يحتمل النقاش، فجادل زيدان بعدم اقتناع:
"هو كان موجود عشان اتعدى اصلاً، دي مجرد خطوبة."
نهضت منال وهي تقول بحزم:
"كل حاجة تتأجل لغاية ما اخوك يرجع بالسلامة يا زيدان."
رواية منك وإليك اهتديت الفصل الثالث عشر 13 - بقلم زيزي محمد
تمام، سلميلي عليهم.
أغلق سليم الاتصال مع والدته، وفور اغلاقه زفر بهدوء مفكرًا في سبب غياب زيدان عن ذلك الاتصال تحديدًا، شاعرًا بحزن طفيف بسبب تجاهل زيدان له فمثل هذا الخبر كان يجيب أن يكون عن طريقه هو وليست والدته.
تكاثرت الأسئلة بعقله وأصبح ذهنه منصبًا بكامل طاقته حول زيدان، ولكن انبثق شعاع طفيف من بين ظلمة أفكاره يمهد بتبريرات لزيدان، ولكن السؤال الأهم ظل يراوده: لِمَ اختار والدته تحديدًا؟
انتبه على لمسات شمس الجالسة بجانبه تركز ببصرها عليه وكأنها ساحرة تخترق دواخله تسلب ما في أعماقه بكل سهولة.
رمى لها ابتسامة صغيرة كانت تعلم أنها ليست سوى بسمة مجاملة تمهيدًا لهروب طفولي من حصار بدأت في فرضه حوله.
"مالك يا سولي؟"
همست بها بنبرة مبحوحة اثر غفلة هاجمتها دون إرادة منها فقد كانت هي الشعار الرسمي طوال شهور الحمل، حيث استيقظت بأعجوبة بسبب صوت سليم الذي اخترق منامها وهو يحادث والدته بشأن خطبة زيدان.
وما زادها تعجب أو ربما أشعل فتيل الانتباه هو تذمر سليم وانهائه للحديث بأمر لا جدال فيه.
"لو بطلتي تقولي الكلمة دي، صدقيني هرتاح."
رسمت نفس البسمة الصغيرة وهي تعتدل بجسدها نحوه تقترب من عنقه تداعب بأناملها تفاحة آدم صعودًا وهبوطًا في وتيرة بطيئة فألهبت صدره بنيران الاشتياق لها وتحديدًا أنه يحاول الالتزام بكل القواعد الطبية لأجلها فقط وأجل سلامتها.
"لو بطلت أقولها هتندم صدقني."
أخبرته في دلال أصبح يتوق له ولكنه رد بخشونة امتزج بها المزاح.
"محدش هيندم قدك على فكرة!"
كان مغزى حديثه وقح، فضحكت بصوت عالٍ وكأنها اكتسبت نضج وأنوثة أصبحت تدرك مدى طاقتها وتجيد استخدامها ضده.
"بقيت زي أنس لما بتحب تهرب من حاجة.."
قطع جملتها وعبس بملامحه الوسيمة مشيرًا نحو نفسه في استهجان اختلط بالعبوس المسيطر على ملامحه.
"لا متوصلش إنك تشبهيني بتصرفات أنس، متنسيش أنا مين؟"
رباه هل ولد هكذا بتلك العجرفة المتأصلة في ردود افعاله؟!
أنها حقًا لا تعلم سر كبريائه، ولكنها ودون شعور منها أصبحت تعشقه على هذا المنوال.
كتمت تعجبها منه لطالما تعودت على اعتزازه بنفسه وبذكائه وشخصيته الفريدة وردت بمشاكسة.
"سليم باشا الشعراوي صح؟"
"بتسألي ولا بتتريقي؟!"
رد بسؤال مباشر به لمحة من العتاب الطفيف، فكانت أذكى منه وهي تنسل من حصار سؤاله المباشر بإجابة تضعه في معقل فضولها.
"ليه زعلان من زيدان؟"
رمقها بتعجب نجح فيه مردفًا.
"وهزعل منه ليه؟"
حاوطت ذراعه تجذبه نحوها وهي تنظر في عمق عيناه مباشرةً ترفض هروبه منها وبنبرة انثوية حادة جعلته يبتسم.
"جاوب زعلان ليه من غير لف ودوران."
لم يعلم سر التغير الطفيف بعلاقتهما أهو السبب فيه أم هي، هل اختفت قدرته على كتمان مشاعره فباتت واضحة لها، أم أن شمس أخرجت جرأتها دفعة واحدة وأصبحت اكثر راحة في حصاره.
"معرفش، بس يمكن كنت مستني هو اللي يقولي على خبر زي دا."
أومأت بصمت لم يستمر طويلاً وعادت تطلق تبرير لا شك أنه هدأ من غضب سليم.
"كان المفروض يقولك فعلاً، بس زيدان مش كدا يمكن أنت متعرفوش وأنا معرفتي بيه أكتر هو مش زي يزن أكيد، بس دا أكيد مش تجاهل منه ليك بالعكس يمكن مش قادر ياخد خطوة انه مثلا يقولك انه نفسه يخطب وشايف ان فيها إحراج! بس الأكيد لا يمكن تجاهل أبدًا."
ترك لها مهمة التبرير، فكان متعطشًا لمثل هذه التبريرات، لا يريد أن تضاف أمور جديدة فوق جراحه القديمة فتزيد الطين بلة، وهو ما زال يعاني منها حتى لو في صمت بعيدًا عن الجميع.
بالإضافة أنه يرفض التخلي عن الراحة النسبية التي بدأ يشعر بها منذ مواجهته مع زيدان ومحاولات أخيه في عودة علاقتهما الأخوية إلى موضعها الطبيعي، ورغم أن المحاولات جميعها كانت من جانب زيدان حيث كان سليم يقف متابعًا وصول أخيه إليه كما يريده بالشكل الذي يريح ذاته بعد أن ذاق ويلات من الخذلان سواء منه أو من عائلته، وحينما حاول معهم تسوية أمورهم لم يجد طاقة لذلك، فاختار الانتظار واعتبره مكافئة بسيطة عما عاشه وحده وما فقده رغم عنه.
"سليم روحت فين؟"
انتبه على صوتها المتسائل في قلق، فحمحم بخشونة مؤكدًا على حديثها.
"معاكي، فعلاً ممكن يكون كلامك صح."
خرجت منه إجابة ساذجة في محاولة لإنهاء الحديث عن زيدان، لطالما يحب دومًا التفكير مع نفسه دون تطفل برئ من شمس يقلب موازين تفكيره.
وها هي مجددًا تتسلل لتفكيره وتسأله في براءة.
"وليه رفضت انه ياخد خطوة ويستناك لما تيجي الاول."
حول بصره نحوها متسائلاً في تهكم.
"وانتي كنتي مستنيه اقول غير كدا!"
التزمت شمس الصمت في ظل احتدام انفاسه الضاربة لوجهها، فتابع حديثه بعنفوان.
"أنا اخوه الكبير مينفعش ياخد خطوة زي دي من غير ما يرجعلي، لازم اشوفه النسب واعرف البنت كويسة وتناسبه ولا لا."
"سليم هو مش بنت دا ولد وناضج كفاية على فكرة."
اندفع بجسده ينهض في غضب وكأنه يواجه زيدان.
"وأنا اخوه الكبير، أنا طول عمري بتحمل كل حاجة عشان خاطرهم، جاية في اكتر وقت بتمناه عايزة يبقا وجودي زي عدمه."
نهضت تحاول التوازن تواجه عنفوانه بتريث.
"مفيش حد قال كدا، وزيدان أكيد مش معترض أنا بس اللي استغربت."
"مينفعش تستغربي، أنا اخوهم الكبير اللي مكان ابوهم الله يرحمه، يعني لو زيدان خطب من غير ما ابوه مكنش دا هيبقا في حد ذاته قلة أدب."
توسعت عينيها في صدمة من انفعاله وودت أن تخبره أنه أمر بسيط ولكنها صمتت فيبدو أن يعاني من تعلق شديد تجاه اخويه حيث تولى مسؤوليتهما منذ صغره فحتى أبسط خطوات حياتهما يريد اقحام نفسه بها مبررًا أنه الأخ الأكبر ولا يصح تجاهله.
تركها سليم ودخل المطبخ تاركًا إياها تنظر في اثره لا تعلم ما خطأها حتى ينفعل عليها بهذا الشكل، تنهدت بقوة وقررت أن تتركه يهدأ قليلاً ثم تعاود الاعتذار له فيبدو أنها صوبت سكين مدبب في جرح قديم كان قد بدأ بالتلائم ولكنها بكل ساذجة ضربته بقوة ففتح من جديد والألم كان من نصيبه وحده.
أصاب الجنون زيدان الجالس أمام والدته ويزن، فهدر بهما في عنف.
"يعني إيه ماخدش أي خطوة الا لما يرجع، هو شايفني عيل ولا ايه؟"
رمقته والدته في عتاب وقالت بنبرة غير راضية.
"اخوك الكبير ولازم نستناه أنا قولت كدا من الاول بس يزن أصر اكلمه واقوله."
حمحم يزن متسائلاً بحذر.
"دا رأيه ولا رأيك يا ماما؟"
عقدت ما بين حاجبيها في عدم فهم تحاول ادراك مغزى حديث يزن ونظرات الحذر المصوبة نحوها ولكنها لم تدرك ان الإجابة المنبثقة من فمها كانت بمثابة زيت مغلي سكب فوق نيران زيدان المستعرة.
"والله أبدًا يا بني أنا قولتله إن زيدان حابب يخطب بنت عجبته قالي وماله بس لما ابقى ارجع."
ضرب يزن وجهه في غيظ من عفوية والدته المفرطة وخاصةً حين اكملت.
"والصراحة معاه حق دي الاصول اخوك الكبير لازم يكون موجود."
رفع زيدان حاجبيه ناظرًا لوالدته بانفعال.
"انتي محسساني اني مش عايزه، امال أنا قايلك تقوليله ليه؟"
انطلق الغضب من فم منال وهي تقول.
"انا مبقتش فاهمك لما انت عايز تعرفه زعلان ليه اننا بنقولك تستنى!"
نهض زيدان بعصبية وغيظ لعدم اقتناع والدته بحديثه وبدأ التعقيد في نثر خيوطه حوله.
"ما هو لازم يعرف يا أمي، بس مش لازم استنى، أنا كلمت مليكة وقولتلها اننا هنيجي يوم الجمعة."
ضحك يزن ساخرًا.
"كمان كدا كملت!"
انتقلت والدته بينهما بنظرات يملأها الفضول ولكنها تركت علامات الاستفهام حول خطبة زيدان جانبًا وردت بحزم ألهب غضب زيدان.
"بقولك ايه تقول ولا متقولش براحتك، الاصول بتقول مينفعش نتعدى اخوك، وبعدين احنا نزعله مننا ليه لما ممكن تستني كام شهر لما يبقى ينزل."
نهضت تنهى أمر مناقشتهم دون أن تستمع لمحايلات يزن المستمرة في جذب انتباهها الغافل عن رغبة زيدان أيضًا ولكنها رفضت الاستماع ودخلت غرفتها.
فتحرك زيدان بالصالة ذهابًا وإيابًا بجنون وصوت أنفاسه ترتفع بشكل يثير قلق يزن الجالس يتابع حالته في ترقب، حتى أنهى زيدان حالة الجنون التي تلبسته وتوقف بمنتصف الصالة يخرج أنفاسه المختلطة بمشاعر الغضب من صدره ومن بعدها قال بكل هدوء ينافى حالة الهياج المسيطرة عليه قبل دقائق.
"بقولك إيه أنا هخطبها، عايزين تيجوا تشرفوا مش عايزين براحتكم."
ومن بعدها ابتسم باستفزاز خالطه الحقد لسلبية يزن وتنعت سليم أما والدته حقًا لم يستطيع تحديد مشاعره تجاهها وخاصةً هو يعلم أنها تحاول بشتى الطرق الحفاظ على سلامة علاقتها بسليم وتلك النقطة تحديدًا يشعر بالرأفة نحوها فلن يقدر الضغط عليها مباشرةً سوى عن طريق يزن.
قرر زيدان اللجوء لغرفته دون أن يعير انتباه لأخيه، بينما بقي يزن كالمشرد يجلس بالصالة غير قادرٍ على تفسير ما تؤل إليه عائلته من جديد.
استلمت نهى تذكرة الطيران من والدتها وكان موعدها يوم الجمعة.
نظرت للتذكرة كثيرًا تحاول تحديد مشاعرها تجاه خطوة جديدة أصرت عليها غير عابئة بصعوبة العيش مع والدها وأخيها ولكن مهما كانت صعوبتهما لن تكون أسوأ من والدتها أبدًا، ستعتبرها هدنة تستطيع اكتساب بها بعض القوة وتبحث عن ذاتها الضائعة وسط تلك الصدمات، علها تجدها حتى وإن كانت منكسرة، حتمًا ستجد الحل لمعالجة جراحها، الأهم حاليًا هو الابتعاد ثم الابتعاد.
ملخص راحتها يكمن فيه.
بعد عدة ساعات حاول يزن الدخول لغرفة زيدان كي يجد حل مناسب لإنهاء أزمة خطبته، محاولاً الضغط عليه بكل الطرق، فالحديث معه أهون من سليم وأوامره التي لا رجوع فيها بالتأكيد.
"أنا في حد باصص في حياتي أكيد."
قالها لنفسه بحنق من كثرة المشاكل المتساقطة فوق رأسه، تنهد بعمق قبل أن يطرق الباب ومن بعدها انطلق يشق طريقه مع زيدان المتظاهر بلامبالاة ولكن داخله يغلي بغضب.
"بص احنا اكيد لازم نتكلم ونفهم موقف اخوك."
"وفر على نفسك أنا اللي عندي قولته."
"هو إيه يا بني اللي عندك قولته، هو أنا جاي افاصل معاك في سعر الطماطم."
رمقه زيدان بطرف عينه والتفتت بوجهه نحو الجهة الاخرى متجاهلاً وجوده، فضغط يزن على نفسه وقال فكرته البسيطة في محاولة لإنقاذ الوضع.
"طيب اقولك كلم انت سليم وقوله أنا مش هستناك ولازم اخطب يمكن يتكسف منك ويقولك براحتك."
ضحك زيدان بتهكم ثم قال.
"اه ويكرهني ويصر على رأيه أكتر ويقولي اه أنا مش اخوك وكلام مالوش لزمة."
ضيق يزن عينيه بمكر وأطرق للحظات في ظل ظهور ابتسامة واسعة فوق شفتيه.
"وأنت خايف علاقتك بيه تبوظ ومش عايز تواجهه فتزعله منك خايف على زعله!"
ظهرت ملامحه في جمود تام وكأنه يسجن الحقيقة خلف ذلك الساتر، فهز يزن رأسه متفهمًا ومجددًا أخرج حلوله.
"خلاص اتكلم مع مليكة وحاول تفهمها صعوبة موقفك هنا.."
بتر زيدان حديثه حينما شقت مخاوفه طريقها وظهرت للعلن.
"موقفي معاكم أهون مية مرة من معاها، مينفعش ارجع أبدًا في اتفاقي، فعلاً المرة دي هتفهم غلط واحتمال متبصش في وشي تاني."
لوهلة شعر يزن أن ذلك المتحدث عن مخاوفه في فقدان حبيبته هو شخص آخر غير المتبلد أخيه ولكن من الواضح أنه يملك فيض من المشاعر نحو تلك الفتاة حتى يصبح هكذا مشتت ما بين أخيه الرافض لأخذ اي خطوة والتزامه بوعده معها.
"طيب ممكن تفهمني ايه اللي مضايقك وقلقك كدا."
زفر زيدان بقوة بينما غرس أصابعه في خصلات شعره وبدأ في سرد قصة حبه مع مليكة وسبب ابتعادهما في كلمات بسيطة، وأنهى حديثه بقوله المشتت.
"المشكلة وانا بتفق معها على معاد معرفش اخوك هيرفض كدا ولا اعرف كمان امك هتصر بالطريقة دي!"
أسبل اهدابه للحظات ثم رفعهما وهو يقول بحيرة.
"المرادي فعلاً هخسرها، الموضوع فيه حساسية جامدة من ناحيتها، وبعدين سليم أكيد مش هيخسرني صح؟ أنا في النهاية أخوه."
مط يزن شفتيه بتفكير ومن بعده رد بثقة.
"سليم عارف غلاوته عندك، بس سيبلي أنا الموضوع دا اشوفله حل وان شاء الله خير."
"مهما كانت حلولك ابعد عن ان مخطبهاش، لازم انفذ كلمتي أنا مش هطلع عيل أبدًا معاها."
أومأ يزن بتفهم وداخله يأكله بندم بعدما أقحم نفسه مع عناد سليم وتهور زيدان غير أنه يحمل تعاطف كبير مع زيدان وخاصةً حين علم بسبب ابتعادهما من قبل، بالتأكيد لن يكون الأمر هين اطلاقًا وهو يطلب منها تأجيل لمدة مفتوحة رهن رجوع سليم.
سيحاول من أجل سعادة زيدان، فبالنهاية هو يشعر بالتعاسة لحيرة أخيه وضياعه بين إرضاء عائلته وتحقيق امنيته بخطبتها.
بعد مرور يومين.
ألقى يزن هاتفه بغيظ بعد مناقشة حادة مع سليم أدت إلى عصبية مفرطة من قبل أخيه، واتهامات متراشقة ليس لها اساس من الصحة من قبله، لقد زاد الوضع سوءًا وتعقدت الامور أكثر، وحقًا هو لا يعلم كيف ستنتهي بإرضاء جميع الاطراف، فجميعهم متشبث بقراره وخاصةً سليم وتعتنه الواضح.
مرر أصابعه في خصلات شعره محاولاً البحث عن طريقة ما يهدأ بها الوضع الراهن، وبعد عدة محاولات شعر بها بالفشل انبثقت فكرة أساسها خطأ ولكنها ستفي بالغرض مؤقتًا ومن بعدها باقي الأمور ستحل بالهدوء.
نهض بحماس وترك معرضه مقررًا الرجوع لمنزله والانفراد بوالدته مستخدمًا جميع أسلحته في اقناعها.
وصل أخيرًا أمام باب منزله بعد صراع قصير في الازدحام المروري.
حرك بصره في ارجاء المنزل باحثًا عن والدته، ولكن رائحة البامية المطبوخة قادته نحو المطبخ وللحظة ضاعت فكرة اقناع والدته بخطبة زيدان وسط الروائح التي جذبت ذهنه في تخيل مذاقها.
"الله بامية."
انفجرت اسارير والدته وهي تضع الطعام في طبق مشيرة إليه.
"تعال كل يا حبيبي تلاقيك جاي ميت من الجوع."
أومأ برأسه وكأنه بالفعل من قاده من عمله هو جوعه، فحبه للطعام لغى تفكيره، وتلك كانت أكثر الأمور المحببة لقلبه بعد النساء.
يزن يعشق اثنان لا ثالث لهما النساء والطعام.
وبالتأكيد كل ما هو جميل منحصر بهما.
بعدما انتهى من طعامه، عادت عجلة ذهنه تدور بسرعة تسلبه لأهم نقطة هو موضوع أخيه، سرق أنفاس طويلة ثم بدأ فتح والدته في الموضوع ببطء مدروس حتى قاطعته والدته بصياح يحمل الاعتراض.
"أنت عايزني أكذب بعد العمر دا كله."
"مين قال انك هتكذبي، احنا ببساطة هنرضي كل الاطراف."
كان يحاول تبسيط الأمور ولكن الاعتراض لا زال يسيطر على نظرات والدته.
"لا يا يزن مينفعش، فيها إيه لما زيدان يستنى."
زم يزن شفتيه بضيق واضطر لإخبار والدته بقصة حب زيدان البائسة في إيجاز استطاع من خلاله بث الحزن والشفقة لقلبها.
"معقولة بيحبها اوي كدا."
"يا ماما يا حبيبتي اسمعي كلامي والله الموضوع بسيط، وان كان على سليم لما يرجع هبقى اقوله أنا..دي خطوبة يا جماعة امال لو جواز بقى هتعملوا إيه؟"
بدأ الارتباك يفرض هيمنته على والدته، أحيانًا يشعر بالإصرار من عينيها وأحيانًا تلعب الرأفة دور في قلبها فتطغى فوق ملامحها وتشرد بتفكير امتزج فيه الخوف من رد فعل سليم.
نهض يزن مقررًا إعداد قدح القهوة الخاص به متمتمًا.
"بص أنا هعمل قهوة ويا أنا يا انتي النهاردة."
اقترب أنس من سليم يجذب هاتف والده دون اذن مما اثار غيظ سليم، فهدر فيه بغضب.
"في إيه يا أنس، ازاي تاخد حاجة من غير اذني."
ارتجف الصغير يبحث بعينيه عن والدته كي تنقذه من غضب والده نادر الظهور معه تحديدًا، لطالما كان سليم لطيفًا وحنونًا لأبعد حد، وبالفعل ظهرت والدته من العدم وهي تقول.
"أنس ادخل اوضتك."
انسحب الصغير من أمام والدته ودخل لغرفته يكتم دموعه المتدفقة لمقلتيه متعجبًا من انفعال والده، بينما اقتربت شمس من سليم تربت فوق خصلات شعره الفوضوية.
"مالك يا سليم."
"مفيش."
اخرجها بعنف محاولاً لجم غضبه المتفاقم ولكنه فشل وباتت ملامحه أكثر حدة وقسوة، انتابها القلق وهي تسأله.
"يزن زعلك في أيه؟"
"البيه باين عايز يخطب وأنا مش موجود، اتجنن باين عليه؟"
لوهلة لم تدرك من هو، ولكنها أدركت فيما بعد وعادت تسأله بحذر.
"يزن اللي قالك كدا؟"
"لا مقالش بس باين من اتصالاتهم يا شمس وكلامهم اللي أنا متأكد منه حتى لو كان بطريقة مش مباشرة."
كانت ستندفع بتبرير أخر تحاول مواجهته فيه، ولكن عادت تتحكم بنفسها فلن تتحمل ليلة يهجرها بها بسبب دفاعها الدائم عن اخويه أما هو لا أحد يقدره وكأن مشاعره غير مرئيه لهم، عادت تربت بلطف فوق خصلات شعره بينما كان هو يشرد والانفعال ظهر جليًا على ملامحه، وكي تخرجه من حالة الغضب تلك اقتربت من شعره وبدأت في تحريك أنفها فيه وصوتها الهامس يردف بإعجاب.
"ريحة شعرك حلوة اوي."
عقد ما بين حاجبيه بتعجب لحالتها تلك حيث باتت تعجب بكل تفصيليه به حتى رائحة شعره! ولبرهة كان سيضحك بسخرية ولكنه عاد واستجمع نفسه مردفًا بهمهمة بسيطة وكأنه يجاريها بما تفعله، لم تهتم لبروده اللحظي ودفنت نفسها بين أحضانه رغمًا عنه تحتضنه بقوة شعر بها وكأنها تريد ادخاله داخل قلبها الذي بدأ يشعر بدقاته التي كانت تتطرق وكأنه الاقتراب الأول بينهما.
استطاعت بالفعل شمسه جذب انتباهه برومنسيتها ولطافتها البريئة، فبدأ يتفاعل معها تدريجيًا حتى فقد سيطرته على نفسه وانساق خلف رغبة مُلحة في نهم شفتيها الوردية، فكانت مشاعرهما تتشابك في ملحمة عاطفية وصلت ذروتها لحد الجنون حيث نسى بها نفسه وأوجاعه وأصبح سليم الفارس والحبيب.
صباح يوم الجمعة.
استيقظ زيدان على أصوات مزعجة حوله جاهد التركيز ولكنه فشل بسبب شدة ارهاقه بعمله طيلة الأيام السابقة حتى مليكة كان يحادثها بكلمات قصية، فمعظم الاتصالات هي تنهيها متحججة بأي أمور والمعظم الأخر ضغط عمله يمنعه من التواصل معها بشكل يريحه، فبالنهاية ستكون خطيبته أخيرًا مجرد أيام فقط عليه التحلي بقليل من الصبر.
عادت الأصوات تزداد تزامنًا مع إلقاء وسادة كبيرة فوق وجهه.
"قوم يا عريس، قوم يا معلم."
نهض زيدان بضيق متأففًا من تصرفات يزن الطفولية.
"يا عم سيبني أنام بلا عريس بلا زفت."
طغى الاشمئزاز على وجه يزن.
"أنت نكدي كدا ليه يا ابني، قوم خلينا نشوف هتلبس إيه."
" هلبس أي حاجة، هو فرح!"
"واقسم بالله هي صعبانة عليا منك، دي أكيد أمها داعيه عليها."
تجاهل زيدان حديث يزن والتفتت للجهة الأخرى يستكمل نومه، ولكن يزن استمر بالتحرك في أرجاء الغرفة مسترسلاً حديثه.
"بقولك بفكر أقول للبت نهى بنت عمتك تيجي معانا، اهو ندخل واحنا كتير على الراجل ونملى عينه."
انفتحت عيناه على وسعيهما وانتفض فوق الفراش يكرر خلف أخيه بعدم فهم.
"تقول لمين؟"
"هتوحشيني يا ست نهى."
بكت الخادمة وهي تودع نهى أمام المطار حيث أصرت على توديعها رغم عدم رغبة ميرفت ولكن موافقة نهى وإصرارها جعلتها توافق على مضض.
"هفضل دايمًا فاكرة وقفتك جنبي."
شهقت الخادمة وهي تمسح دموعها بطرف حجابها.
"أنا معملتش حاجة قدام افضالك يا ست هانم."
ابتسمت نهى برضا وتقدير لها بينما تأففت ميرفت باشمئزاز وهي تبعد الخادمة عن نهى تجذبها بعيدًا عنها وبصوت هادئ منخفض قالت.
"بت بقولك أنا هستنى منك كل تفصيلية عن ابوكي واخوكي."
لم تتحرك نهى ساكنًا كانت تنظر لوالدتها ببرود ظاهري بينما قلبها يتلوى بحزن بسبب جسور الجفاء بينهما.
"عارفة يا نهى لو روحتي ومردتيش عليا هعمل فيكي؟"
"هرد متقلقيش."
ردت بإيجاز تحاول إنهاء الحديث معها، لم يعد باستطاعتها مواصلة الوقوف معها، الابتعاد عنها أفضل بكثير على الأقل ستتذكر أنها تملك أم حتى وأن كان الأمر رسميًا وعبارة عن لقب، فما فائدة المشاعر معها، لقد خاضتها بكل مراحلها الحب، المحاولة، الشك، حتى وصلت للكره وهنا توقفت ولم تعد تحتمل، سيصل بها الأمر لحد الجنون، لذا البعد أفضل حتى ولو في الوقت الحالي.
تركتهما نهى وتحركت صوب المطار تستكمل رحلة سفرها لأول مرة وحدها، فشعرت بحماس طفولي ممزوج بالخوف مما هو قادم.
وقبل أن تختفي وسط المسافرين التفتت تشير للخادمة، فاقتربت الأخرى منها سريعًا.
"أمرك يا ست هانم."
"زي ما قولتلك اوعي تعرفي زيدان ان عرفت."
هزت الخادمة رأسها بتفهم.
"حاضر يا هانم، ولو أني مش عارفة ليه؟"
أجابت نهى ببساطة وصوتها يملك بحة غامضة.
"نفسي احقق امنية ليا ومش هتحصل الا لما أسافر وارجع."
أومأت الخادمة برأسها في ظل محاولاتها لتفسير كلمات نهى الغامضة بينما تحركت الأخرى بخفة نحو الداخل وتركتها في حيرة من امرها حتى استفاقت على يد ميرفت الغاضبة.
"بتقولك إيه البت دي؟"
حمحمت الخادمة وهي تقول بثبات.
"بتوصيني عليكي يا هانم."
"يلا يا أختي بلا توصية بلا قرف."
رفعت الخادمة أحد حاجبيها بتعجب تضرب كف بأخر.
"ربنا يهديكي، يهديكي إيه ربنا ياخدك."
رواية منك وإليك اهتديت الفصل الرابع عشر 14 - بقلم زيزي محمد
لم تتخيل قط أن ما تتمنى سيأتي بتلك الطريقة، ربما زيدان في أوج سعادته ولكنها ليست كذلك، لقد ساد التوتر جميع دواخلها، وألهب الخوف تفكيرها فأصبحت مشوشة بين بشاعة ما تخفيه، وحقيقة ما تتمناه، فقدت زمام الأمور وأصبحت كمن سلب منها أحقية الاختيار ولم تجد سوى ذلك الطريق حيث كان أقلهم خطرًا حتى الآن.
وقفت "مليكة" أمام المرآة وهي تميل برأسها يمينًا تمرر بصرها فوق فستانها الأزرق البسيط تتابع تفاصيله الرقيقة، لِمَ تراه باهت لا يناسب حجم هذا اليوم؟ لا تعلم..ربما بسبب اضطراب نفسيتها، أم أنها فقدت حلاوة اللحظة..مجددًا لا تعلم، فكل ما تتمناه الآن الاختفاء بعيدًا عن الجميع لحاجتها القوية في الابتعاد عن كل ما يؤذيها ويؤلم نفسيتها.
عادت لواقعها وهي تتنهد بعمق في ظل تحريك رأسها بنفي وكأنها ترفض الانسياق خلف مشاعرها المتناقضة، التي لن تجدي منها سوى الألم وفقدانها لِمَ يتبقى من روحها، لذا تابعت استكمال ارتداء حجابها، ومع أخر لحظة هبطت ذراعيها بجانبها وفجأة دق جرس الباب فانتفضت بتوتر جامد والتفتت برأسها نحو باب غرفتها.
بعد يوم طويل استغرقته نهى في الانتهاء من إجراءات السفر وتأخير موعد طائرتها لأربع ساعات فقدت بهم الأمل، أخيرًا وصلت نهى للأراضي القطرية وكان في استقبالها والدها.
استقلت السيارة بجانبه تتابع الطريق بعيون خالية من الحياة بعد أن استقبلها والدها بفتور وكأن غيابه عنها لم يؤثر فيه اطلاقًا، ودت القليل من المشاعر والكثير من الكلمات الحنونة حتى لو كانت من باب المجاملة، كانت سترضى..ولكنها لم تجد سوى عناق بارد أسرى بجسدها رجفة قوية كانت السبب في إفاقتها من وهم التمني.
أخيرًا بعد طريق طويل وصلت مع والدها أسفل بناية عملاقة، هبطت من السيارة تراقب الوضع والأجواء والصمت يفرض سيطرته عليها، وخاصةً مع وجوم والدها وكأن وجودها لم يكن مرغوبًا فيه.
تحركت معه لداخل البناية حتى وصلت للشقة وكان في استقبالهما سمير حيث رحب بها بقليل من الحبور الذي أدهشها، بعد أن كانت تتوقع استقبالًا باهتًا أو كلمات لاذعة لفكرة مجيئها من الأساس.
دخلت نهى أخيرًا وخلعت حجابها تحاول استنشاق الهواء بعد هذا الكم من الإرهاق، ولكن كلمات والدها جعلتها تقف وتلتفت بتعجب.
"نعم يا بابا؟"
"بقولك متخلعيش طرحتك، معانا حد تاني في البيت."
قالها إبراهيم بإهمال وهو يتوجه نحو المطبخ يلتقط كوب المياه. أصابها التردد وهي تسأله.
"مين اللي موجود؟"
بترت جملتها وهي تنظر لسمير تسأله ببراءة.
"صاحبك يا سمير."
"لا خالد ابن عمتك."
أجابها سمير بلا مبالاة جعلها تندهش للحظات، ولكنها عادت تستوعب قائلة بتركيز.
"آه جاي يزورك يا بابا."
التوى فم سمير وكعادته ضخ بما لديه.
"لا وانتِ الصادقة احنا اللي قاعدين في بيته زيارة."
لوهلة لم تستوعب حتى أنها ظلت صامتة تتابع ملامحهما الهادئة، فاندفعت الكلمات من فمها دون تروي.
"هي ماما عارفة؟"
اندفع إبراهيم وسمير معًا نحوها وكأنها تفوهت بشيء غير لائق، حتى أنها تراجعت عدة خطوات للخلف بخوف وسقطت فوق الكرسي تتراجع فيه بجسدها الصغير، بينما كانا الاثنان يقتربان منها كأنهما يستعدان لقتلها، فكانت ملامحهما تتوعد، وعيونهما تستشيط بالغضب الممزوج بالتهديد.
"بت انتي لو أمك عرفت باللي بيحصل هنا مش هيحصلك كويس."
قالها سمير بنبرة يقطر منها الشر، بينما استكمل والده على خطاه.
"احنا خسرنا الفلوس ومفيش مكان نقعد فيه غير في شقة خالد، أي معلومة توصل لأمك هولع فيك."
جف حلقها وهي تحرك رأسها بنفي.
"م...مش..هقول حاجة، بس كنتوا عرفون..عرفوني."
داهمها التلعثم وهي تواجههما، فضحك سمير ساخرًا.
"اوعي تكوني فاكرة احنا مش فاهمين الزن والعياط اللي كنتي بتعمليه عشان تيجي، امك موصياكي تعملي دا وانتي زي المتخلفة عملتيه ومتعرفيش ايه مستنيكي هنا."
اتسعت عيناها بخوف وهي تردد خلفه.
"مستنيني ايه؟"
"الشقة مش هتخرجي منها، وامك مش هتكلميها عشان تبقي تمشي وراها حلو وترضي تيجي."
حاولت اخراج جملة مترابطة تخبره أنه ما يقوله ليس سوى تكهن ساذج نابع من عقله المريض، فلم يكن بكاؤها تمثيلًا اطلاقًا ولم تكن حاجتها في السفر بناءً على رغبة أحد، بل كانت رغبتها..وبكاؤها كان مجرد توسل لمن ظنت بهم عائلتها.
فرض التلعثم هيمنته عليها وخرجت الحروف متقطعة، فصاح بها والدها وهو يقول.
"لا بقولك إيه مش ناقص عياط ونكد، أنتي هتقعدي تاكلي وتشربي وتنضفي مكانا تليفونك دا مش هتشوفيه طالما اخترتي تيجي هنا."
في ذات الوقت عبث سمير بحقيبتها وأخرج هاتفها الذي عمل على إغلاقه ووضعه في جيب سرواله تحت نظرات الاستسلام منها.
ربت والدها بعنف فوق كتفها يدفعها للنهوض.
"قومي اغسلي وشك وافرضيها مش ناقصين نكد."
كادت أن تتحرك وفقًا لرغبة والدها ولكن مجددًا عادت التنبيهات تخترق عقلها المسكين في محاولة للهرب من بوادر جحيمهما.
تركتهما بعد عناء ودخلت غرفة أشار إليها والدها بدخولها.
"ادخلي يلا غيري هدومك."
ثم التفت لسمير قائلاً.
"وانت تعال اوضتنا نتكلم فيها."
تحرك سمير خلف والده، بينما هي دخلت الغرفة سريعًا تغلق الباب خلفها وانفجرت بالبكاء المخالط للندم وصوتها يتقطع بكلمات بائسة.
"إيه اللي عملته في نفسي دا."
جلس زيدان بجانب والدته وعلى الجانب الآخر يزن المبتسم بسعادة وكأنه العريس، رمقه زيدان باستهزاء فحرك الآخر حاجبيه بمشاكسة لطيفة منه، ولكن تنهيدات والدتهما جذبت انتباههما وتحديدًا زيدان الذي انطلق يهمس بصوت مسموع لهما.
"في إيه يا ماما مالك؟"
حركت منال بصرها في أرجاء الشقة تتابع قطع الأثاث حيث كان يظهر عليه القدم قليلاً، بينما كانت الشقة صغيرة وأجوائها تخالف وضع عائلة الشعراوي مما أثار حنق منال، وأدرك زيدان ذلك جيدًا فاندفع يقول بهدوء.
"عاجبني يا ماما ومش مهم أي حاجة تانية."
أومأ يزن مؤكدًا على حديث أخيه.
"بالظبط دي كلها شكليات يا ست الكل، المهم الجوهر."
حرك زيدان رأسه بإيجاب مساندًا أخيه، فتابع الأخر قاصدًا إغاظته.
"لو الجوهر حلوة ومزة زيدان عنده استعداد يتنازل."
توسعت أعين زيدان بصدمة وهو يشير نحو نفسه.
"الكلام دا ليا أنا..ليه هو انت فاكرني صايع زيك."
"لا لا دا مش كلام ناس محترمة أبدًا."
قالتها منال بحنق وعصبية طفيفة وهي تنهرهما، ثم استكملت.
"اخرسوا أنا مقولتش حاجة لكل دا."
صمتا الأثنان للحظات قطعها يزن وهو يميل نحو والدته يهمس.
"الجوهر مزة اوووي."
رفعت منال أحد حاجبيها لوقاحته فرفع يده قليلاً يقول بأدب.
"أنا بشكر بس، أحجر على رأي يعني، فين حرية الرأي عندكم؟!"
ضربته منال بقبضتها الضعيفة في ساقه وتابعت بتحذير.
"مطولش لسانك يا يزن."
خرج السيد مصطفى من المطبخ يبتسم بسعادة وهو يقول بنبرة طغى عليها الإحراج.
"معلش يا جماعة، أصل مليكة لخبطت الدنيا جوا خالص."
ضحك يزن مسترسلاً ببساطة.
"ليه مبتعرفش تطبخ ولا إيه؟"
ضغطت منال فوق شفتيها من استرسال يزن البسيط في أمور لا تليق به، ولكن مصطفى تابع معه بسلاسة.
"لا دي برنسيسة أنا مبخليهاش تعمل حاجة أبدًا أهم حاجة دراستها وبس."
"ما شاء الله."
تمتمت بها منال وصمتت بعدها تراقب مصطفى في تمهل تحاول اختراق مكنوناته من أجل الاطمئنان على سلامة مستقبل ولدها، وخاصةً بعد أن صور لها الشيطان أن تلك الزيجة تخفي طمعًا من قبل عائلة العروس وذلك بعد أن رأت وضعها المادي.
حمحم زيدان بخشونة يسرق انتباه مصطفى وهو يشير نحو عائلته.
"معرفتش حضرتك بالعيلة، دي والدتي."
هزت منال رأسها بابتسامة صغيرة، في ظل استكمال زيدان لحديثه وهو يشير نحو يزن.
"ودا اخويا."
قاطعه يزن بالحديث وهو يتقمص شخصية سليم واضعًا ساق فوق الأخرى وبنفس نبرة الكبرياء هتف.
"سليم الشعراوي اخوه الكبير."
توسعت أعين منال بصدمة، بينما أصاب زيدان حشرجة قوية أدت إلى سعال لازمه فترة قصيرة في ظل محاولات منال بإسعافه وارتباك مصطفى في سكب المياه الباردة واعطائه إياه حتى استنشق أخيرًا أنفاسه وعادت روحه لصدره بعدما كاد يفقد صوابه بسبب جنون أخيه الذي سارع بالقول الممازح.
"أنا يزن اخوه الصغير..بس قولت اهزر وافك الجو شوية."
"يزن اخويا بيحب يهزر كتير."
كرر زيدان خلفه بغيظ وصوته يملك خشونة كانت نتيجة لسعاله القوي، وأخيرًا استطاع استكمال كلامه.
"في أخ ليا أكبر اسمه سليم بس هو مسافر مع مراته لظروف صحية."
هتف مصطفى بارتباك وهو يمرر بصره عليهم.
"آه آه الف سلامة وان شاء الله خير."
لم يتحدث زيدان بل اكتفى بنظرة حانقة نحو يزن الذي بدوره تجاهله، وانخرط في الحديث مع مصطفى بحبور أدهش منال هي الأخرى، ببساطة ألقى سحر جاذبيته على الجميع وبعد أن ساد التوتر على الجلسة للحظات تبخر وأصبحت الأحاديث تتناول بينهم حتى منال بعد مرور من الوقت اندمجت دون أن تشعر..بينما كان زيدان في عالم آخر ينتظر خروج مليكة بفارغ الصبر، يلقي نظرة نحو باب المطبخ بين حين وآخر، حتى قررت الخروج وهي تحمل صينية بها أكواب القهوة الساخنة، تقدمت منهما على استحياء تخفي وجهها بالنظر لبخار القهوة المتصاعد في ظل تركيزها بخطواتها كي لا تتعثر بشيء وتسقط كالبلهاء أمامهم.
تقدمت أولاً من يزن فرفعت عينيها وهي تقدم له القهوة ولوهلة أصابها التعجب حتى أنها عقدت حاجبيها بتركيز وهي تدقق النظر به بعدما لاح بذهنها صورته وكأنها على سابق معرفة به ولكنها لا تتذكره، حتى قطع لحظة شرودها بهمس مشاكس.
"لا مش أنا."
وقبل أن تسأله عن مغزى حديثه، صدح صوت مصطفى ينبهها بلطف.
"قدمي يا حبيبتي القهوة."
استقامت بخجل وتقدمت من منال التي ما إن تقابلت نظراتهما معًا حتى استطاعت قراءة تعابير وجهها حيث كانت تنم عن تقييم شامل لجسدها وملامحها، فتلونت وجنتيها بحمرة قانية وارتفعت درجة حرارتها وهي تخفض بصرها تفسح المجال لمنال بالنظر إليها بحرية أكثر رغم أنها تكره تلك اللحظات.
"تسلمي يا حبيبتي، ما شاء الله زي القمر."
انتفخ صدر زيدان الجالس بجانبها ينتظر دوره، بعد أن شبع عينيه بالنظر إليها ولم يفلت تفصيلة واحدة منها، دافنًا العديد من المشاعر التي كانت على وشك الانفجار أمامهم، لم ينتظر كثيرًا ورأى مليكة تتقدم منه بخجل شديد تخفي نظراتها عنه بسبب شعورها وكأنها ضمن عرض مسرحي فتمنت أن تنتهي من تلك الأمور التي فاقت طاقتها للتحمل.
لم تعرف لِمَ قررت النظر إليه ربما وفقًا لنداء قلبها المطالب بإنعاشه، أم عيناها تمردت عليها وقررت التشابك مع نظراته الشغوفة في ملحمة عاطفية اعتادت عليها في الفترة الأخيرة منه بعد أن اكتسبا نضجًا وعمقًا في علاقتهما..يا ليتها لم تنظر له، لم تعد تعرف الابتعاد لقد سحبها للغرق معه كمن تسلبه المياه، ورغمًا عنها مالت أكثر بجسدها نحوه تقدم له الصينية التي لاحظ يزن أنها ترتجف بين يدها قليلاً فقرر إنهاء توترها ولم يعلم أن ما قاله كان كالكارثة عليها.
"بس القهوة تحفة تسلم ايدك."
التفتت إليه بارتباك وابتسامة مهتزة ولم تدرك أن الصينية مالت أكثر نحو زيدان فسقط الكوب كاملًا على الصينية وسقطت بعض قطرات القهوة الساخنة على زيدان الذي هب واقفًا يبتعد عنها وفي نفس الوقت كانت يداه تساعدها في الاعتدال حتى لا تسقط القهوة عليها وتتأذى.
هزت نهى ساقيها في وتيرة سريعة بعد أن انتهت من قضم أظافرها، مصوبة عيناها نحو الحائط تشرد بتفكير في كيفية عودتها لمصر، لم تتوقع أبدًا أنها ستشارك شقة مع خالد ابن عمتها التي لم ترها منذ زمن طويل بالإضافة إلى سوء حالة أبيها وأخيها وكأن الغربة أضفت عليهما شرًا وجنونًا.
شعرت باختناق حاد فبدت جدران تلك الغرفة وكأنها سجن يسحق ما تبقى من حريتها..مدت أصابعها نحو حاجبها تخلعه بعنف تلقيه أرضًا بعد أن احمر وجهها وكأنها تعاني من صعوبة تنفس.
دخل خالد شقته بعد يوم طويل ومرهق في العمل، فاقدًا الشعور بالحياة بعدما أصبح آلة تضخ الأموال لخاله وابنه المتكاسلان..جذب انتباهه حقائب سفر عقد حاجبيه بتفكير ولكن بعد برهة ابتسم بسعادة قائلاً لنفسه بتهكم.
"لا مش معقول حسوا من نفسهم وماشيين، لا دا انا ادخل اخد شاور واودعهم بنضافة."
فتح أزرار قميصه جميعها وهو يتجه صوب الغرفة يفتحها باندفاع وابتسامة واسعة تحلق فوق شفتيه ولكنها اضمحلت فور رؤيته لفتاة تجلس فوق فراشه يتناثر خصلات شعرها حولها والدموع تتساقط فوق صفحات وجهها وكأنها أسيرة في عالم لا تفقه فيه شيئًا...صرختها واندفاعها نحو الأرض تجذب حجابها جعله يعود للواقع يسألها بخشونة امتزج فيها الصدمة.
"أنتي..مي.."
بتر حديثه وشعر بجسده يندفع نحوها بسبب تصادم جسد سمير به من الخلف وهو يقول بتلعثم.
"شوفت المفاجأة يا خالد، جبنالك نهى من مصر."
تلاقت عيونهما في لحظة لم تدم طويلاً حيث انقطعت أنفاسها بعد رؤيته عاري الصدر، فخفضت بصرها أرضًا ولم تقو على رد فعل آخر، أدرك حينها خالد ومد أصابعه يغلق أزرار قميصه سريعًا مردفًا بغيظ.
"وامك فين يا نهى مخبينها وعايزين تسرعوني."
ضرب سمير كف فوق الأخر وهو يقهقه عاليًا.
"بيحب ماما اوي."
رفع خالد جانب شفتيه وهو يقول بعبوس.
"ربنا يديم عدم القبول اللي بيني وبين امك يا سمير."
انقطع ضحك سمير بحرج وأردف محاولاً لم شتات كرامته.
"هي مجتش بس بعتت نهى تغير جو."
حول خالد بصره نحوها قائلاً بحنق وكأنه يحاول تسديد ضربة لها بعد أن تذكر مواقفها السخيفة معه.
"بعتتك عشان تكملي عليا صح، طول عمرها عقربة."
ثم حول بصره نحو سمير مربتًا فوق كتفه بتهكم.
"معلش يعني يا سمير أنت عارف غلاوتها عندي."
لم يتحدث، لم يبدي أي رد فعل، بل استحمل الإهانة من خالد وكأنه أمر عادي متقبله بصدر رحب حتى أنه تجاهل وخرج من الغرفة تحت نظرات نهى المصدومة، هي اعتادت السكوت على إهانتها لطالما تلقت الضرب لو حاولت الدفاع عن نفسها فأصبح الصمت لديها إجباري أما سمير ما به، لِمَ يتحمل هذا الوضع، لم يكن ذلك مطلقًا، فهو لم يعتاد على الضرب مثلها، لم يعتاد على الإهانة مثلها بل كان فتى مدلل لوالديها مجابة جميع طلباته وأوامره حتى صار فاسقًا لا يهمه سوى نفسه.
"مطولة يا نهى كتير."
انتبهت له والخجل يغزو ملامحها، كانت تود الاعتذار معطية له الحق كاملاً عن سوء استقباله وتصرفه ولكن عاندتها الكلمات وتيبست على طرف لسانها، فخرجت دون أن تتحدث مما أثار غيظ خالد الذي همس بانفعال.
"عالم جبلة جايبن البت وأنا موجود."
تحرك خطوة للأمام ثم توقف مواصلًا بحنق.
"لو سكت هلاقي ميرفت جاية، هو كان بيت أبوكوا يا ولاد ال****."
التفت نحو الباب ناظرًا إليه بغضب.
"اطلع اطردهم واريح نفسي بلا قرابة بلا زفت."
وقبل أن يتحرك خطوة عاد مؤنبًا نفسه.
"طيب و..."
لم ينطق..بل احتفظ بقوله لنفسه، متعجبًا من ذاته التي تعاطفت مع حالتها البائسة وظن أن أمر مجيئها إجباري، وما أكد له هو نظراتها الضعيفة المستسلمة وهذا ما أثار الفضول نحوها وكان ذلك أمرًا غريبًا عليه.
زفر بقوة وهو يحاول استعادة هيكل ثباته بعد أن أصابه زلزال قوي عقب رؤيتها وخصلات شعرها البنية متناثرة حول ملامح وجهها التي غرقت في حزن وكأن هناك تعويذة ألقيت عليها فدفنت جمال ملامحها أسفل يأس دمر روحها.
"بس هي نهى بقت حلوة ولا أنا متهيألي؟"
تساءل مع نفسه بسخرية لازمت شخصيته ولكنه عاد يؤنب ذاته.
"انت هتتجنن على كبر ولا إيه، البت مخطوبة وبعدين دي بنت خالك اللي هتطردهم بكرة هي وأبوها وأخوها السمج."
انتهت مليكة من تجفيف قميص زيدان بعد أن قامت بتنظيف بقع القهوة، تحركت بخطوات مرتبكة نحو المرحاض حيث بقى فيه عاري الصدر بعد أن جذبه مصطفى لداخل المرحاض وأصر على خلع قميصه والتأكد من سلامته.
نظفت حلقها برقة ثم طرقت الباب وهمست في خجل.
"زيدان، أنت لسه جوا."
بعد ثوان فتح الباب وطل برأسه من خلفه وملامحه تميل للألم الذي حاول إخفاءه عنها.
"آه."
قالها وهو ينظر لها بتعب فأثار ذلك قلقها ووضعت يدها فوق الباب تسأله بارتجاف.
"أنت اتحرقت، أنا آسفة مكنتش أقصد، في عندك مرهم حروق حط منه."
وكانت تلك إشارة ففتح الباب كاملاً وظهر جذعه العلوي عاري تمامًا وابتسامة واسعة تحلق فوق شفتيه وبعبث طال نبرته أردف.
"بجد في مرهم تعالي حطهولي."
شهقت بخجل واستدارت بكامل جسدها تبعد بصرها عنه بعد أن رأته بهذا الشكل، فاستغل زيدان حالة التيه التي وقعت بها واقترب من خلفها يمد ذراعه يلتقط القميص من بين يدها وبرأسه اقترب من أذنيها يهمس برقة داعب أوتار قلبها فأصبح خفقاته تزداد في جنون.
"بحبك وبموت فيكي."
قبضت فوق القميص بقوة وكأنها تستنجد به حتى تظل متماسكة ولا تسقط في الأرض...لا لن تسقط سوى في حضنه بعد أن اختصر المسافة بينهما أكثر وهمس بحب.
"النهاردة أسعد يوم في حياتي."
تسمرت كالصنم فجسدها فقد القدرة على الحركة رغم أبواق الحذر المتصاعدة تدريجيًا ولكن هناك شيء لا تعلمه يدفعها للتجاهل متحججة بحصاره الطاغي عليها، لم تنتبه سوى على بعض من الكلمات التي أيقظت وعيها.
"حبيبتي في حد جاي في الطرقة."
"ها؟"
همست في بلاهة، فنظر للقميص وهو يحاول إمساكه.
"سيبي القميص..."
"زيدان؟"
قطع حديث زيدان صوت يزن المنادي، فتجهمت ملامحه بغيظ ودفعها للتحرك مردفًا بحدة.
"مليكة ركزي عشان دا هيفضحنا."
همست بتوتر وهي تتحرك بينما كانت تحرك رأسها برفض.
"يفضحنا..أنا معملتش حاجة، يفضحنا ليه."
ضحك زيدان بخفة ودخل للمرحاض يرتدي قميصه أما هي قابلت يزن بالردهة الصغيرة الذي قابلها بابتسامة واسعة مردفًا بخبث.
"طرقة بيتكوا توهتني، طويلة بشكل."
هزت رأسها بإيجاب وانطلقت بسرعة البرق من أمامه، فألقى يزن نظرة ثاقبة عليها ثم ضغط فوق شفتيه السفلية مضيقًا عينيه.
"زيدان طلع نوتي كبير..يا زيزو يا حبيبي أنت فين؟"
قابله زيدان وهو يقول بتحذير.
"إيه..إيه وطي صوتك، واخد راحتك كدا ليه، أبوها يقول عليك إيه؟"
"اسكت مش طلع جوز امها!"
قالها يزن بمكر، فتوسعت أعين زيدان باندهاش من سرعة تلك المعلومات، فاستكمل يزن.
"عمك مصطفى خلاص بقى حبيبي، طب تصدق شكله حبني أكتر منك."
"وانت جاي تخطف مني الأنظار!"
رفع يزن يده للأعلى معلنًا استسلامه.
"ولا اخطف ولا تخطف..يلا عشان نتكلم في الأمور الجد ونقرأ الفاتحة."
وقبل أن يتحرك هتف زيدان بسعادة.
"ما تتصل على سليم يقرأ معانا الفاتحة، عشان ميزعلش أننا متصلناش."
التفت يزن برأسه في حركة بطيئة قائلاً.
"لا ما هو ميعرفش."
"ميعرفش إيه!"
همس بها زيدان في ترقب وقلق يخشى رد يزن الذي بدوره وضح ببراءة مصطنعة.
"تخيل نسيت أقوله أنك بتخطب النهاردة."
"يزن."
همس بها والشر يتقاذف من فمه، فتجاهل يزن غضبه وأردف على نفس بروده.
"سليم ميعرفش أساسًا انك بتخطب، خبينا عليه."
رواية منك وإليك اهتديت الفصل الخامس عشر 15 - بقلم زيزي محمد
وقف زيدان على أعتاب باب شقة مليكة يودع والدته ويزن معًا بعدما تمت الليلة بشكل هادئ وتم الاتفاق على خطبة في حفل صغير جدًا بناء على طلب مليكة نفسها رغم محاولة محمد اقناعها بإقامة حفل كبير إلا أنها رفضت وأصرت على قرارها في ظل ارتياح زيدان وعائلته خوفًا على مشاعر سليم بعد أن وضع يزن خطته دون مراعاة ما سيحدث مستقبلاً إن علم أخيه بهذا الأمر.
"خلي بالك من نفسك يا زيزو."
قالها يزن وهو يقف خارج الشقة يضع يده في جيب سرواله ناظرًا لزيدان بتسلية.
فاغتاظ الآخر وهتف بهمس حانق مستغلاً هبوط والدته على الدرج:
"اعمل في حسابك اللي انت هببته دا هتكون مسؤول عنه أنا ماليش دعوة."
"كدا تاخدني لحم وترميني عضم يا مفتري، قلبك دا إيه كيوي."
ضغط زيدان فوق أسنانه بغيظ وهو يكور يده:
"تصدق بالله لو مبطلتش هزار أنا هقتلك بإيدي الاتنين دول، أنت يا بني مش واعي عملت فيا إيه؟"
تجاهل يزن حديثه الغاضب بقوله البارد وهو يهز كتفيه:
"عملت أيه فيك أنا ساعدتك تخطب البنت اللي بتحبها مش أحسن ما تفضل تحب على نفسك زي المجنون."
ضرب زيدان مقبض الباب بقوة وهو يقول بتوعد:
"لينا كلام لما نروح يا يزن."
ضيق يزن عينيه وهو يقول بحقد:
"اه الفرفشة ليك دلوقتي والنكد ليا لما تروح."
" بتتكلموا في إيه وسايبني."
دفعه زيدان نحو الدرج وقال بتوعد لاذع:
"لما نروح لينا كلام كتير، أنا مش ناسي انك كنت عايز تعزم نهى من ورايا، انزل."
أنهى حديثه ودخل الشقة مجددًا بعد ان أصر مصطفى على جلوسه معهم بحجة الحديث مع مليكة والتعرف عليها أكثر. كان ذلك اقتراح ماكر من يزن أخبره به همسًا لمصطفى متحججًا بحاجتهما للتعارف فلم يسبق لهما المعرفة من قبل. معززًا باقتراحه أن ذلك سيساعدهم في تخطي الخجل المحاصر لهما فوافق مصطفى بعد تفكير قصير منه وبالنهاية كله من أجل مليكة.
أما يزن هبط الدرج وساعد والدته التي لم تتركه وفرضت حصارها بأسئلة عديدة منها:
"كنتوا بتتكلموا في إيه دا كله؟"
"لا يا ماما أنا مش يزن الفتان بتاع زمان، أنا كبرت وعقلت."
قالها بسخرية تامة متذكرًا طفولته حين كان يركض كالأبلة يخبر والديه بكل مصائب زيدان.
شعر بيد والدته تتكأ عليه أكثر وهي تقول بحزم:
"قول يا زونه يا حبيبي معقولة أنت هتكبر على ماما حبيبتك."
ضحك عاليًا بسبب محاولاتها الماكرة في معرفة ما يجري بينه وبين زيدان، ومع نظرات الفضول المنبثقة منها علم أنها لن تتراجع عما تريد معرفته، لذا استسلم وقرر اخبرها بأقلهم ضررًا، فلو أخبرها مثلاً أن زيدان لم يكن على علم بمخططه حول عدم معرفة سليم بأمر الخطبة ستثور بوجهه وهو كل هدفه هو مساعدته لزيدان بأي شكل كان بعد تأكده أن خسارته لمليكة سيعني هلاكه، فأمر سليم هين وسيعالج باعتذار لطيف ونظرة ندم تثلج كبرياء أخيه الأكبر.
"سرحان في إيه، والله ما هسيبك قول."
"خلاص هعترف وأمري لله رغم أن مفيش رشوة، طاجن بامية تاني ولا ملوخية..."
بتر حديثه حين توقفت والدته ونظرت له بتعجب تضرب كف بأخرى:
"بتودي الأكل دا فين اللي يشوف جسمك واهتمامك بنفسك ميشوفش الأكل اللي انت بتاكله."
رفع يزن حاجبيه مندهشًا وهو يقول:
"هو أنتي فاكرة أن الاكل دا بينزل في معدتي..لا طبعًا."
عقدت والدته حاجبيها بتفكير وهي تسأله:
"امال بيروح فين؟"
وضع يزن فوق قلبه هاتفًا بنبرة هادئة يغزوها التلذذ:
"في قلبي طبعًا."
"قلبك دا في إيه ولا إيه، والله حاسه انه في يوم هيشتكي من اللي بتعمله فيه."
قالتها منال بسخرية وهي تهبط أخر درج تتحرك بجانبه صوب سيارته، فقرر يزن إلهائها بمكر:
"وأنا مالي يا ماما هو السبب بيحب كل ما هو جميل."
"اه طبعًا زي البنات كدا..."
قبل أن يفتح باب السيارة أردف وهو يغمز بطرف عينيه:
"لا زيك كدا يا جميل."
"بردو هتقول في إيه يا يزن؟"
هتفت بها في إصرار مما جعله يزفر بتعب قائلاً:
"أنا مفيش واحدة قدرت تقررني كدا زيك.."
اشتدت ملامح والدته بالعناد، فاستسلم قائلاً:
"كنت عايز اجيب نهى معانا بس زيدان رفض وزعق كأنها قتلتله قتيل."
شهقت منال بصدمة وهي تكرر:
"عايز تجيبها معانا وكأنها من بقية عيلتنا، ومستغرب اوي من رد فعل اخوك، حاسس بيا يا أخويا ومش عايز يهقرني."
غاصت ملامحه في العبوس الممزوج بالرفض وهو يقول:
"يا ماما نهى غير عمتي، البت طيبة وغلبانة..."
قطعت منال حديثه بعصبية:
"ميغركش يا حبيبي، اقلب القدرة على فمها تطلع البت لامها."
أصر يزن على رأيه مردفًا بشفقة:
"لا نهى مش كدا، كلكوا بتظلموها وبكرة تعرفوا."
"عايزين أي حاجة، نادوني بس."
قالها مصطفى بابتسامة واسعة وهو يضع كوب الشاي أمام زيدان الجالس هو ومليكة في الشرفة بعد أن عرضت عليه مليكة بالجلوس بها.
"ربنا يخليك يا بابا شكرًا."
ربت مصطفى فوق كتفيها بحب ثم قال:
"على إيه يا حبيبتي، أنا جوا هتكلم في التليفون."
دخل مصطفى بالفعل للداخل يرفع هاتفه يجري اتصال بينما كانت عيون مليكة متعلقة بيه بشرود أغاظ زيدان الذي انفعل قائلاً:
"سرحانة في إيه في أول ليلة لينا واحنا مخطوبين."
حول بصرها نحوه بعد أن نجح في سرقة انتباهها المنصب حول مصطفى وتصرفاته في الآونة الأخيرة، ورغم عنها انزلق قناع الجمود عن ملامحها وظهر الحزن فوق تقاسيم وجهها حتى أن عيناها فاضت بالدموع بسبب قلة حيلتها وتعسرها في تخطي عقباتها.
لمح زيدان الدموع المتعلقة بعينيها وقبل أن يسألها رآها تتساقط بغزارة، لذا هتف بنبرة يشوبها القلق:
"مالك يا مليكة في إيه، بتعيطي ليه؟"
وضعت كفيها فوق وجهها وحاصرته في ظلمة وهي تبكي بصمت بين اهتز جسدها معها فألهبت في نفس زيدان نيران القلق والخوف، فقرب مقعده منها وهتف بنبرة حانية بجانبها:
"أنا زعلتك في حاجة؟ مش معقول العياط دا!"
رفعت وجهها وهتفت بنبرة مبحوحة متقطعة تشبه نبرة الأطفال:
"كان نفسي ماما تكون معايا بس."
حقًا كانت أمنية خالصة من أعماق قلبها المجروح، فلو كانت موجودة ما كانت احتاجت لأحد قط، كانت سترمي حمولها أو على الأقل كانت ستجد مأمن تلجأ إليه بعد كل عقبة بعثرت حياتها.
"ادعيلها بالرحمة، كلنا موجودين جنبك.."
هزت رأسها في صمت تؤكد على حديثه، فانطلق يحاول كسر حاجز الحزن بينهما:
"دي منظر عروسة بذمتك فرحانة بعريسها، أنتي مش عاجبك العريس ولا أيه؟"
رمقته بنظرة سريعة وابتسامة صغيرة حلقت فوق شفتيها الوردية، فقال بمزاح:
"وعمالة تقولي لا مش عايزة خطوبة كبيرة، وكل حاجة بترفضيها، لا أنا اشوف عروسة فرفوشة عن كدا."
مسحت دموعها وهي تسأله بجدية:
"انت زعلت؟"
لم تعطيه فرصة للرد بل اندفعت تقول بتبرير:
"أنا مفيش حد حواليا ومش هكون مبسوطة بس."
حرك زيدان رأسه بنفي قائلاً بحنو:
"خالص مش زعلان.."
أطرق للحظات قبل أن يعرض فكرة بسيطة عليها، علها توافق وينهي ذلك القلق المحيط به بسبب عدم معرفة سليم بخطبته:
"إيه رأيك نخليها قراية فاتحة بس ولما أخويا ينزل هو ومراته نعمل فرح وخطوبة.."
تركته يتحدث وصوبت عيناها على غرفة مصطفى بتفكير، تُرى من يكلمه في هذا الوقت؟ هل يبلغها بانتهاء المعضلة التي كانت تعيق زواجهما؟ هل هو سعيد الآن لأجلها أم لأجله هو؟ أسئلة عديدة تدفقت بعقلها المشتت والذي التقط حديث زيدان بلمحات متقطعة، فاندفعت ترفض بقوة:
"لا لا أنت قولت لبابا اننا بكرة هنلبس الدبل صح؟"
سألته بترقب والدموع تهدد مقلتيها من جديد، فشعر برجفة سيطرت على نبرتها وهي تسأله، فانطلق بدوره ينهي القلق المسيطر عليها وهو يبتسم ابتسامة واسعة:
"أنتي لو عايزاني اتجوزك من بكرة هعملها!"
نبرة الثقة التي كانت يتحدث بها أثلجت صدرها، وربتت فوق قلبها المضطرب مؤقتًا، فلم يتوقف زيدان عند هذا الحد بل أمسك بكفيها بقوة وهو يردف بهدوء شابه الهمس، ناظرًا في عمق عيناها:
"مليكة أنا بحبك ومعنديش استعداد العب بمشاعرك لحظة، احنا دلوقتي بنبدأ حياتنا مع بعض وكل اللي فات هنعوضه وأكتر."
رمشت بأهدابها وهي تستمع لكلامه اللطيف، حيث اضفى على روحها سحر جديد سحبها نحو عالم كانت تخشى الدخول به ولكنها الآن عبرته ببساط سحري، لم تكن تتمنى به فارسًا سواه. هي وحدها تعلم مقدار الحب الكامن بقلبها له، لو فقط تمتلك قليل من الجرأة تخبره بمشاعرها لتمكنت حينها من إنهاء مخاوفها وعبرت معه نحو بر الأمان. مجرد وقت تحتاجه لتستطيع إخباره بكل شيء دون خوف من رد فعله.
"إيه اشوف عروسة فرفوشة غيرك؟"
ضحكت بخفة وهي تجذب كفيها من قبضته تحاول مجاراته في مزاحه:
"مش هتلاقي عروسة حلوة زي."
كانت تريد إغاظته رغم الحزن الطاغي عليها وتشتت عقلها بين حين وآخر إلا أنه استغل مشاكستها وجذبها عليه عندما قبض فوق ذراعيها بسرعة أدهشتها حتى أنها لم تصدر رد فعل وبقيت ساكنة أمام وجهه حيث لم يفصل بينهما سوى مسافة صغيرة للغاية وهو يتحدث بعبث بينما كانت عيناه تتعلق بشفتيها:
"فعلاً مفيش حد يملى عيني زيك، مفيش حد يقدر يحرك قلبي من كلمة زيك."
ابتلعت لعابها بصعوبة عقب كلامه العاطفي المحرك لمشاعرها وكأنه جاء أحدهم وألقى قنبلة فانفجرت ينابيع صدرها بأحاسيسها المدفونة ولانت ملامحها بهيام وهي تنظر له بحب شديد، فلم يفصل لحظتهما سوى حركة أعادتهما لواقعهما فابتعدا فورًا وتظاهر زيدان بالحديث معها بينما هي غرقت في خجل شديد ولم تقدر على مجاراته.
تحركت نهى فوق غطاء كثيف موضوع فوق الأرضية الصلبة، حيث قرر والدها أن يكون ذلك فراشها طيلة فترة اقامتها، فشعرت كأنها ذليلة! ولكن ذليلة بسبب من؟ هل بسبب ضعفها وهروبها من مصر لوالدها ظنًا منها أنها ستكون فترة نقاهة أم بسبب جحود والدها وأخيها فبدت تلك اللحظات وكأنها جحيم؟ لقد سئمت من تلك الحياة ومن تحملها لأوضاع أصبحت تفوق قدرتها في التحمل وخاصةً مع وضعها الجديد بوجود خالد.
فتحت عيناها عندما فشلت في النوم وقررت النهوض معلنة العصيان الصامت بسبب ذلك الوضع المذري، نهضت بخفة ولكن دون أن تصدر صوت حتى لا تعود بائسة مرغمة تحقق أوامر والدها. لم تمنع نفسها من إلقاء نظرة حاقدة عليهما وهما يستغرقا في النوم فوق السرير بينما هي حُكم عليها بالنوم فوق الأرضية الصلبة معللين وجهة نظرهما أنها من اختارت المجيء رغم تحذيرات والدها ولكنها أبت وأصرت. فلتتحمل!
خرجت من الغرفة واغلقتها خلفها. ثم اتجهت صوب المطبخ بعد أن شعرت بحاجتها للطعام فاليوم بأكمله لم تأكل ولم يسألها أحد! شعرت بالحرج الشديد وهي تعبث في الثلاجة الفارغة عن أي شيء يمكنها أكله ولم تعرف أن خالد ينفق الكثير من الأموال على الطعام وبالأخير يلتهمه والدها وأخيها بنهم حتى هو أحيانًا يعود ليلاً ولم يجد شيء يأكله فيلجأ للنوم أفضل من العراك معهما.
وجدت خيار غير طازج حاولت انتقاء أفضلِه وبدأت في أكله بهدوء في المطبخ ولم تعرف أن خالد يقف يراقبها من خلفها بصمت حتى قرر قطع سكونها بقوله:
"بتعملي إيه؟"
التفتت بذعر وتركت ما بيدها يقع أرضًا قائلة بتلعثم:
"مبعملش حاجة والله."
اقترب منها خالد يهدأ من روعها قائلاً بلطف:
"خلاص اهدي، دا مجرد سؤال!"
وقعت عيناها أرضًا على ثمرة الخضار فهبطت تأخذها والأسف يطغو على صوتها:
"أنا أسفة عشان اخدتها من التلاجة و.."
أشار إليها بالسكوت مردفًا بسخرية:
"بتتأسفي عشان خاطر خيار بايظ، إيه يا بنتي الأفورة دي!"
شعرت بالإهانة منه فابتلعت ما كان في فمها بصعوبة وحينها أحست وكأنها قطع حجارة، ثم وضعت ما بيدها فوق رخام المطبخ واتجهت تغادر وهي تقول:
"عن اذنك."
قبل أن تخرج أوقفها وهو يقول:
"تاكلي معايا؟"
التفتت برأسها ترمقه باستفهام فقبل قليل كان يسخر منها والآن يدعوها للطعام! ما هذا التناقض العجيب؟ تماسكت رغم صياح معدتها وهتفت:
"لا الحمد لله شبعت."
"شبعتي إيه، أنتي هتموتي واتحايل عليكي تاكلي، استني.."
قالها بتهكم وهو يتجه صوب غرفته تحت أنظارها المتعجبة وما هي إلا لحظات حتى عاد بحقيبة ممتلئة بالطعام وابتسامة ساخرة تحلق فوق ثغره الصلب:
"دا أكل بخبيه من ابوكي واخوكي عشان لما اجوع اقدر اتنيل وآكل."
لا زال إمارات الاندهاش تغزو وجهها منه، فلم يتوقف وهو يخرج الطعام من الحقيبة:
"تعالي كُلي قبل ما يصحوا وياكلونا."
بعد لحظات من الصمت، تحركت على استحياء نحوه ثم جلست فوق الأريكة بجانبه وتركت مسافة بينهما، في البداية لم تحرك يدها بل ظلت صامته وكأنها تنتظر إذنًا أخر منه فكانت تشبه الأطفال في أفعالها تلك مما دفعه يقول بخشونة:
"مؤدبة اوي يا نهى مش زي ابوكي واخوكي."
أخذ بعض قطع الدجاج ثم وضعها بيدها وهو يواصل كلامه بغيظ:
"كان نفسي ابقى قليل الادب واطردكم بس أعمل إيه متربي."
توسعت عيناها بصدمة وهي تضع الطعام بفمها من وقاحته أو ربما هو على حق فما رأته من أبيها وأخيها في ليلة واحدة يضع كل الحق في كفته.
"أأا..أنا.."
حاولت التحدث معه وإزالة الحرج عنها ولكنها لم تجد الثقة الكاملة للاستكمال حتى هو قال باستهجان:
"قولي..أنا مبعضش، أليف متخافيش."
شردت في كيفية التعامل معه، معظم كلامه ساخر بينما عينيه كانت تتوهج بالغضب، أصابها الحيرة في تفسير شخصيته وخاصةً أنه سافر وابتعد عنهم منذ سنين طويلة ولن تنكر أنها تناسته ولم يهاجم عقلها من قبل، ومع انتظاره واستمراره في النظر إليها قررت البحث عن بعض من شجاعتها الزائفة لاستكمال الحوار معه دون أن تتعرض لسخريته:
"أنا..يعني مكنتش اعرف انك قاعد معاهم.."
صحح لها بحدة وهو يقول:
"هما اللي قاعدين معايا، بس مش معقولة مش قالولك؟ يا ترى خايفين من أمك؟"
هزت رأسها بالإيجاب ثم اخفضت بصرها أرضًا. وما هي إلا لحظات حتى توقف الطعام في فمها وذلك عندما قال ببرود:
"صحيح مبروك خطوبتك على..."
صمت يتذكر اسمه أو أنه يفتعل ذلك حتى صاح متذكرًا:
"زيدان مش كدا؟"
لم تجيبه لم تبدي أي رد فعل سوى أنها ابتلعت الطعام ومدت يدها تستكمل تناول طعامها دون أن ترد حتى على مباركته وهذا ما أثار إعجابه كثيرًا وسرعان ما دفنه متجاهلاً هو الآخر:
"يلا تصبحي على خير، واللي يفيض منك خبيه وخليه ليكي."
ابتسمت بخجل واخفضت بصرها تخفي عيناها عنه، فكلما تقابلت نظراتهما يصيبها بالارتباك. لا بل ارتجاف يسيري في أوصالها يشعرها بعدم الراحة والراحة في ذات الوقت. زفرت من حالة الضياع المرافقة لها دومًا، فيبدو أنها فاشلة في تفسير مكنونات ممن تتعامل معهم، ولكن هو تغير كثيرًا حتى ملامحه لم تعد هي. وكأن هناك طوفان أجرف بقايا ملامحه المتعلقة بذاكرتها، أيعقل أن تكون نسبة تذكرها له ضعيفة بهذا الشكل؟ كان أقصر من ذلك وأضعف أيضًا ماذا حدث له حتى أصبح أكثر طولاً وضخامة، كانت تتذكر شعره الأسود القصير الذي تغير هو الآخر، وصار كثيف وطويل بعض الشيء ولم يخف عن عينيها لمعته الجذابة. عينيه أيضًا كانت بنية أم أنها تميل للون العسل من قبل وهي لم تلاحظ. ذقنه النابتة وشاربه! متى كان موجود هذا الشارب الذي أضفى عليه هيبة ووقار ملائم تمام لسخريته الدائمة لا تعرف! حقًا كل ما تعرفه أنها لم تكن موجودة من قبل بعالم عائلتها بل كانت تدفن نفسها في عالم زيدان الوهمي فسجنت به غير عابئة بأي شيء كان.
ليلاً...
وقف يزن يتناول حبات الفراولة في المطبخ والهاتف فوق أذنيه يتحدث بهمس:
"لا مشغول إيه بس يا بيبي، أنا من اللحظة دي فاضيلك."
تابعت بغنج حديثها، فاتسعت مقلتيه بصدمة وهو يقول:
"معقول أنا اقدر ازعلك يا فراولة أنت."
ضحكت بميوعة ثم حاولت خلق أحاديث أخرى بعد مدة انقطاع بينهما، ولكنه سارع بالقول:
"بقولك اقفلي عشان أنا هلبس في حوار ابن لذينة دلوقتي."
أغلق الهاتف ثم ألقاه بإهمال فوق الطاولة بجانب طبق الفراولة وانطلق يهرول صوب غرفته وتحديدًا فراشه متمتمًا:
"اعمل نفسك نايم.. نايم إيه اعمل نفسك ميت."
تظاهر بالنوم مدة كبيرة يحاول بها أن يرهف السمع عن تحديد مصير خطوات زيدان التي اختفت فجأة وذلك بعد ان استمع لصوت سيارته أمام المنزل. مرت الدقائق وبدأ صبره ينفذ ففتح عينيه ببطء شديد وأدار رأسه صوب باب الغرفة فاصطدم بزيدان يجلس على ركبتيه فوق الفراش خلفه ينظر له بابتسامة يفوح منها الشر، فهب يزن برعب وهو يقول:
"أيه يا أخي الرعب دا."
فتح زيدان الإضاءة ولا زالت ابتسامة تنزلق من شفتيه، فتجاهل يزن ملامحه المهددة بأمر ما:
"بس ظابط ظابط يعني، تصدق كنت شاكك فيك بس دلوقتي اتأكدت."
جذب زيدان من جانبه طبق الفراولة وهاتفه وهو يشير بهما:
"لحقت نمت يا يزن بالسرعة دي؟"
"أيه يا عم انا نايم من زمان! وأنت جيت طبيت عليا زي القضى المستعجل."
تمتم بها يزن بضيق زائف، فهز زيدان رأسه بإيجاب وهو يقول:
"سالي اتصلت عليك تتطمن ان كان في حاجة خلتك تقفل بسرعة.. يا حرام قلقت عليك."
"ملايكة... قلبهم قلب خساية."
قالها يزن بابتسامة عابثة، فاقترب زيدان منه بغيظ:
"نفسي اشوفلك صاحب بيتصل يطمن عليك، كل الارقام اللي على تليفونك بنات."
"لا في يا ظالم أنت وأخوك سليم."
وعندما هتف باسم سليم انقض زيدان فوقه يسدد اللكمات القوية له في غضب:
"سليم فكرتيني به، كويس كدا لما عكيت الدنيا.... خد دي عالله البنات تكرهك."
أبعده يزن عنه بصعوبة وهو يقول بصوت قوي:
"خف شوية من الحقد، وبعدين مش كفاية ان ساعدتك يا ناكر الجميل."
فرك زيدان وجهه بعصبية قائلاً:
"ساعدتني في إيه غير ان اخوك هيفهم غلط، أنا هتصل عليه وهقوله."
صاح يزن بانفعال قائلاً:
"بقولك إيه ان كنت فاكر الموضوع بالبساطة دي تبقى مجنون، سليم بيعاند وهيعاند ومش هيصدق."
انتفض زيدان بحنق مردفًا:
"وليه نخبي من الاول، ما نقوله وبراحته في الأخر."
"هو إيه اللي براحته دا اخوك، وبعدين أنا عارف سليم كويس و متأكد انه هيرفض وموضوع انك تأجل مع مليكة لغاية ما يرجع فاشل في ظروف علاقتكوا دي وخصوصًا ان وقت رجوع اخوك مش مرهون بولادة شمس مرهون بصحتها.. يعني هتستنى لغاية امتى؟"
فتح زيدان فمه كي يتحدث ولكن يزن قاطعه واستكمل بنبرة أهدأ مما قبلها:
"اوعى تكون فاكر ان متكلمتش معاه بس هو بيعاند..مش غلطتي يا زيدان ان قررت اساعدك واقنع امك اننا نخبي عليه لغاية ما يرجع."
جلس زيدان فوق الفراش مجددًا يتساءل بتفكير:
"ولما يرجع مش هيزعل مننا..هيزعل مني أنا والأمور تتوتر بينا أكتر."
أسبل اهدابه للحظات قبل ان يعترف بجزء صغير من هواجسه:
"أنا تعبت يا يزن ونفسي أعيش وأنا مبسوط.. بقيت خايف من اللحظة اللي نرجع فيها أنا وسليم لنقطة الصفر، عمري ما خفت من حاجة قد ما خفت من كدا."
اقترب يزن منه يواجه الحقيقة الكامنة بداخل زيدان، فمن الواضح أنه كان يعاني في صمت وحده والجميع ينعته بالبارد المتسلط:
"أنت ببساطة خايف من خسارة سليم ومليكة.. بس لو فضلت في الدايرة دي كتير عمرك ما هتتبسط، حاول ترضي نفسك وتبسطها باللي تتمناه."
التوى فمه متهكمًا ثم قال:
"يعني اتجاهل اخوك؟"
"مين قال كدا، سيب كل حاجة لوقتها، ولو اللي بتتمناه جه وقته حققه من غير تفكير وابقى فكر بعدين هترضي اللي حواليك ازاي، بس الأهم انك ترضيهم بجد متزهقش من أول محاولة."
انزل زيدان رأسه وشرد بحيرة في كيفية فك شفرات حياته التي باتت معقدة بشكل أزهق روحه وجعله غير مستمتع بأهم خطوة كان ينتظرها.
"سيب سليم رهن رجوعه ووقتها هقف جنبك ومش هسيبك الا لما يكون راضي تمامًا وبعدين اخوك مش ابو الهول يعني دا قلبه قلب خساية."
ضحك زيدان رغم عنه وقال بتحذير اختلط فيه المزاح:
"لو سمعك وأنت بتقول عليه كدا هيزعلك جامد."
عاد بجسده للفراش يلتقط طبق الفراولة وهو يقول بعبوس زائف:
"خلاص قلبه كيوي."
مجددًا انفجر زيدان ضاحكًا وهو يسأله:
"أنت يابني مشكلتك إيه مع الكيوي؟"
"مبحبوش."
اتسعت أعين زيدان وهو يشير نحو نفسه:
"يعني أنت مبتحبنيش يا كلب.. تعال..."
انقض عليه مجددًا يسدد له اللكمات فتفاعل معه يزن وأصبح الفراش عبارة عن ساحة للمعركة بعد أن قررا المزاح ليلاً لعلها تلك الأوقات تساعد زيدان في تخطي مخاوفه التي أصبحت تتفاقم بشكل لا يطقه.
في الصباح الباكر..
خرج خالد من غرفته استعدادًا للذهاب لعمله وقبل أن يفتح إضاءة الصالة وجد نهى تتوسط الأريكة بنصف جسدها فيبدو أن النوم قد غلبها ولم تشعر بنفسها. تقدم من غرفة خاله يتفقده قبل أن يغادر، وجد خاله يغفو فوق الفراش هو وخالد. رمقهما بضيق ويأس وقبل أن يخرج لمح غطاء موضوع فوق الأرض ووسادة عليه، عاد برأسه لنهى النائمة بعمق فوق الأريكة وتأكد حينها أنها من اختارت ذلك المكان للنوم، شعر بالغيظ لاختفاء الرجولة والنخوة لديهما فصاح بأعلى صوته وهو يهز سمير المستغرق في نومه:
"قوم يا بيه... قوم."
انتفض سمير بعدم تركيز وأيضًا ابراهيم فتح عينيه يحاول ادراك ما يحدث فاستغل خالد حالة التيه تلك وسأل بصرامة:
"نهى فين؟"
"نهى!"
كرر سمير خلفه بعدم فهم وانتقل بصره فورًا فوق الأرضية مكانها تحديدًا مردفًا بتلعثم طفيف:
"كانت نايمة هنا..." وأشار دون وعي نحو مكانها فتأكد خالد من ظنونه وصاح بشراسة:
"بتشاور فين يا عديم النخوة لما تسيب اختك تنام برة في الصالة أو تنيمها على الارض وأنت نايم على السرير."
لم يتحمل سمير هجوم خالد عليه فزعق به هو الآخر:
"وانت مالك هي كانت اختك ولا أختي."
دخلت نهى على اثر صوتهما المرتفع تبعد آثار النوم عن عينيها المرهقة بأصابعها بينما صوتها خرج مبحوح يتساءل في قلق:
"في إيه؟"
انطلق ابراهيم نحوها بعد صمت طويل حاول فيه فهم ما يحدث، فقبض فوق ذراعيها بعنف:
"أنتي يا بت انتي بتشتكي لخالد ليه؟"
توسعت عيناها بصدمة وهي تشير نحو نفسها:
"أنا..لا معملتش كدا."
اندفع سمير هو الآخر يجذبها من ابراهيم بعنف يردف بنبرة معنفة قاسية مصاحبة لصفعة قوية من يده هبطت فوق وجنتيها:
"اكدبي يا بت... دا أنا هربيكي."
لم تدرك ما يحدث سوى أن هناك قوة كبيرة سحبتها من محيط والدها وأخيها. وبقيت بعيدة عنهما. ولكن ما يعيق رؤيتها هو وجود خالد أمامها بجسده الصلب القوي فكان مواليًا لها ظهره ونبرة صوته تصدح في المكان بتهديد قوي جعل كل من أبيها وأخيها كالصنم:
"متمدش ايدك عليها تاني، هي مقالتش حاجة أنا اللي شوفت بعيني بجاحتك."
"اهدا يا خالد يا حبيبي."
قالها ابراهيم في محاولة لإنقاذ الوضع بسبب عصبية خالد المفرطة، فتجاهله خالد عن قصد وهو يمسك يد نهى المستسلمة له:
"واقسم بالله اللي هيقربلها هيشوف مني وش تاني.."
استكمل حديثه وهو يشير نحو سمير المتوهج بنيران الغيظ والحقد:
"وانت لو شوفتك بتتضربها همد إيدي عليك."
أنهى حديثه وهو يجذبها خلفه متجهًا بها صوب غرفته. بينما بقي سمير يغلي بكره صب كاملاً نحو خالد أما ابراهيم فتجاهل ما يحدث واتجه صوب الفراش يستكمل نومه.
رواية منك وإليك اهتديت الفصل السادس عشر 16 - بقلم زيزي محمد
وقفت نهى ترتجف بخوف في غرفة خالد تنتظر دخوله خلفها، وعقلها توقف تمامًا عن التفكير. انتشلت ما بين اللحظة والأخرى من وضع الهجوم للأمان الذي لم تشعر به إطلاقًا. حتى زيدان، رغم أنها كانت تتوق للحظة لقائهما، إلا أنها دومًا تشعر بعدم الراحة معه وكأن هناك أمر خطير سيصيبها. ولكنها كانت تدفن مخاوفها من أجل الاستمتاع بالوجود معه، فالقرب منه كان يكفيها.
تابعت دخوله الشرس وصوته الهامس بكلمات يبدو وأنها شتائم خرجت من فرط غضبه. وحينما لاحظ وجودها، ابتلع قاموسه الفريد من أجل الحفاظ على مكانته أمامها. فاندفع يقول بغيظ:
- أبوك وأخوك مش هيهدوا إلا لما يطلعوا السافل اللي جوايا. ودا لو طلع مش هعمل حساب لقرابة ولا زفت.
هزت رأسها بإيجاب توافقه الرأي وكأنها لا تعي ما يقوله، فكل ما يشغل عقلها هو جسده المنتفض وملامحه الشرسة وكأنه خرج من حلبة مصارعة. رغم أنه لم يتشاجر معهما، ولكن يبدو أنه كان يحاول تهذيب نفسه وهذا أثره أكبر من العراك الجسدي.
انتفضت بفزع وهو يقترب منها حيث قال بنبرة شرسة معنفة:
- وإنتي هبلة سايبة المتخلف أخوك دا يضربك ليه؟
للوهلة بقيت كالصنم لم يصدر منها أي رد فعل. ومن بعدها بدأ الغباء يسيطر عليها وهي تنظر له ببلاهة وصوتها مرتبك للغاية:
- أمال أعمل إيه؟
- اضربيه، امسكي أي حاجة وافتحي دماغه. الجزمة وما يهمكيش، أنتي كدا هتبقى بتعملي خدمة للبشرية كلها.
توسعت عينيها بصدمة وانفرج فمها وهي تتابع حديثه المائل للشراسة ونبرة صوته الخافضة اختلط بها الإجرام. لوهلة، فعاد الاندهاش يغزو ملامحها عندما واصل:
- متخافيش، هو أنا جوايا مجرم قديم بس أكيد مش هطلعه على أهلك ميستاهلوش.
رمشت بأهدابها عدة مرات وكأنها لا تدرك مغزى كلامه. فمن الواضح بساطته وهو يحاورها ولكنه يملك جاذبية خطيرة تضعها أحيانًا في خانة الذهول. حيث لم تكن قادرة على محاوراته بل تظل صامتة كالبلهاء أمامه. وحينما طالت في صمتها خرجت جملة واحدة منها لم تعرف كيف انسلت من عقدة الصمت المسيطرة عليها:
- أنا خايفة.
التفت خلفه بتعجب وهو يتساءل:
- من أيه؟
- منك ومنهم.
إجابتها كانت سريعة للغاية ففجرت إمارات الانشداه فوق تقاسيم وجهه، مما دفعه يشير نحو نفسه قائلاً:
- مني أنا؟ ليه؟
وقبل أن تجيب اندفع يستكمل حديثه بجدية وصرامة:
- أنا عمري ما هفكر أأذيكي يا نهى، لأني ببساطة ولا بكرهك ولا حتى بحبك. أنتي واحدة غريبة اتفرضت عليا غصب، وعشان أنا محترم بزيادة سكت زي ما سكت على وجود أبوك وأخوك عندي هنا. رغم اللي أنتم عملتوه فيا زمان، بس أنا مش زيكم ولا عمري هكون. فاهتضطر أتعامل معاكم بأصلي.
- أأ... أنا... مقصدش...
كانت تحاول الدافع عن نفسها ولكنها لم تستطع التبرير بسبب نبرته الخشنة وهو يجذب كفها يفتحه ويضع به مفتاح:
- دا مفتاح الأوضة دي. في العادة بسيبها مفتوحة بس من الواضح إنك معتوهة ومش هتعرفي تدافعي عن نفسك. لو حصل حاجة ابقي اجري واقفلي على نفسك الباب.
غادر بعدها تحت صدمتها منه. فهمست غير مستوعبة ما قاله:
- دا شتمني!
هزت رأسها عدة مرات تستوعب ما حدث منه، وعادت تشير نحو نفسها:
- شتمني بجد! وبعدين...
عادت تعقد حاجبيها بتفكير وضجر:
- هو إحنا عملنا في إيه زمان؟ طيب هما ممكن يكونوا عملوا... أنا عملت أيه؟
***
- قوم يا بابا... سي زفت مشي وراح شغله.
تجاهله إبراهيم وتظاهر بالنوم، فثار سمير بغضب قائلاً بتهديد:
- قوم كلمني، أصل أروح أموتها من الضرب.
التفت إبراهيم له بغيظ مردفًا:
- أهو اتنيلت وصحيت. في إيه يا سمير يا حبيبي على الصبح؟
انتفخت أوداج سمير وهو يقول بحنق:
- في كتير.. هو خالد بيدخل ليه بيني وبين الزفتة اللي اسمها نهى، هي كانت أخته ولا أختي.
زم إبراهيم شفتيه بضيق وعاد مرة أخرى لوضعه فوق الفراش:
- متستاهلش عصبيتك دي، كمل نومك.
انفجر سمير بغضب وكره وهو يصيح عاليًا:
- هي ولا تفرق معايا واحد في المية أساسًا، أنا اللي يفرق معايا تهزيقه ليا، وزايد فيها أوي لما نهى جت. قصده إيه؟
تساءل في نهاية حديثه بشك لم يثر فضول إبراهيم حتى أنه رد ببساطة أزعجت ولده:
- ولا قصده حاجة، هو خالد كدا لسانه متبري منه.
- أنت بتدافع عنه؟
شق الاستياء ملامح إبراهيم وهو يجيب:
- ولا بدافع ولا بزفت، أنا بس شايف إنك مكبر الموضوع. وبعدين إيه الجديد ما خالد على طول بيهزقك كدا.
ظهرت الاستشاطة في صوت سمير وهو يقترب من والده والشر يتطاير من عينيه:
- أنت عايزني أتجنن دلوقتي؟
- ولا تتجنن ولا تعمل حاجة، تسكت خالص وتستحمل زي ما كنت بتستحمل. مسمعتش صوتك يعني إلا لما نهى جت؟
اضطر إبراهيم لإزالة قناع الهدوء فظهر الغضب جليًا لسمير الذي تراجع مردفًا بتلجلج يوضح وجهة نظرة:
- آآ.. آه.. اسكت يعني واخليه يهزقني ويقلل مني قدامها وبعدين هي تشوف نفسها عليا.
- مش هتقدر، أنا هقطع رقبتها. روّق بالك وتعالى نام ساعتين عشان نطلع للشيخ قاسم.
قالها إبراهيم وهو يجذب ذراع ولده نحو الفراش محاولًا امتصاص غضبه أو بتعبير أصدق مخاوفه من هدم شخصه أمام أخته. فقد تعود على معاملتها بقسوة كي تهابه وتخشاه ولا تتجرأ على الوقوف أمامه مهما كان السبب. ومن عزز فيه ذلك كانا والداه وخاصةً أنهما يريان نهى غبية لا تستحق التقدير أو الاهتمام بسبب أوهام الحب الغارقة بها. وبالطبع لن تجني منها سوى الدمار، فإن حدث ذلك فيكون الهلاك من نصيبها وحدها أما هم ففي مأمن بعيد عنها.
- الشيخ قاسم مبقاش عاجبه قعدتنا عنده وعايزنا نتجمع هنا في شقة خالد.
انتبه إبراهيم على قول ولده الذي خرج في همس، فاندفع يفتح الإضاءة مجددًا يتساءل في تفكير:
- هو عاملها نكاية في خالد ولا إيه؟
اعتدل سمير هو الآخر يجيب بحيرة:
- والله يا بابا ما عارف، بس باين عليه بيكرهه.
ثارت نفس إبراهيم بقلق فقال باهتمام:
- طب واحنا مش عايزين نزعله مننا، نعمل إيه؟
بعد لحظات من التفكير انطلق سمير يحيك خطة خبيثة والبسمة تحلق فوق شفتيه:
- بص إحنا ممكن نجيبه وقت ما خالد يكون في الشغل وقبل لما يجي نطرقه بأي حجة.
ضيق إبراهيم عينيه مفكرًا في أمر تلك الخطة من جميع النواحي. ورغم أنها أعجبته إلا أنه يخشى رد فعل خالد أن علم بذلك الأمر:
- تفتكر هنقدر نعمل كدا من غير ما خالد يعرف؟
أجاب سمير مؤكدًا عليه:
- آه، إحنا لازم نمسك العصاية من النص. خالد ومينفعش نسيب شقته وحاجات كتير بسببه اتشالت من علينا، والشيخ فلوسه حلوة بس لسه ابن *** قافلها علينا.
- هتفتح يا سمير بس نعمله كل اللي هو عايزه مهما كان الثمن وصدقني هنشوف عز أكتر من اللي كنا فيه في مصر.
***
حركت مليكة خاتم الخطبة في إصبعها بابتسامة شاردة انبثقت من ظلام فرض هيمنته عليها وخرجت للنور أثلجت بها صدر زيدان المتوجس من عبوسها أغلب الوقت، فابتسم تلقائيًا رغم عنه لمجرد فقط سعادتها بخاتم خطبتهما.
- مبسوطة؟
سألها بهمس وهو يميل بجسده نحوها، فنهرته بعينيها تمنعه عنها قائلة بخفوت:
- زيدان ابعد بابا مصطفى يقول إيه؟
رمقها باستياء والتزم الصمت لم يدم طويلاً وذلك حينما صدح صوت يزن من خلفهما قائلاً:
- مبروك يا عروسة ألف مبروك.
تمتمت خلفه بخجل:
- الله يبارك في حضرتك.
رفع يزن حاجبيه ومال على زيدان بنصف جسده قائلاً بصوت لم يسمعه سواه:
- كيوت أوووي مش لايقة عليك، أنت عايز واحدة مجرمة شبهك بالظبط.
ضغط زيدان فوق شفتيه معبرًا عن غضبه من ذلك الفظ، ولكن تراجع وتمالك نفسه عندما قال مصطفى:
- مكنش له لزوم نيجي كافيه عشان مليكة تنقي الشبكة.
- لا لا عادي خالص، معقول هناخدها بردو في المحل تنقي!
قالها يزن بنبرة سريعة محاولاً تدارك الأمر وبعدما أنهى حديثه ألقى نظرة ماكرة نحو زيدان الذي أكد على حديثه بنبرة غامضة:
- معقول بردو.
ارتفع رنين هاتف يزن، فنظر في الشاشة وكانت الابتسامة تلوح فوق شفتيه ولكن سرعان ما اضمحلت بسبب رؤيته لأسم سليم. حتى أنه عبر عن خوفه بصوت مرتفع:
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، دا بيجي على السيرة.
- سيرة إيه؟
قالها مصطفى بقلق وهو يدقق النظر بيزن الظاهر عليه علامات التوجس، حتى أن مليكة نظرت لزيدان باستفهام فحرك رأسه نحو مقعد يزن وما أن رأى أسم أخيه، قال بنبرة يملأها التهكم:
- قوم رد عليه.. قوم يا حبيبي.
- لوحدي، هكلمه لوحدي؟!
تساءل يزن بصوت يغلب عليه الرجاء، فجاء الرد من زيدان بتحريك رأسه في إيجاب، مما اضطر للنهوض معتذرًا وابتعد عنهم بعيد في ظل عدم فهم مليكة ومصطفى لِمَ يحدث حتى أن زيدان تجاهل ذلك قائلاً:
- أطلبلك قهوة يا عم مصطفى؟
***
بينما على الجانب الآخر وبمسافة بعيدة عنهم وقف يزن يسرق بعض ذرات الهواء استعدادًا لتحدث مع سليم ثم قرر الرد، فخرج صوته المرح كعادته:
- باشا المجرة والمجرات المجاورة.
- أنت فين يا يزن؟
سؤال صارم عبر الهاتف وارتطم بأذن يزن الذي أخفى توتره ببراعة ورد بهدوء:
- في الشغل يا حبيبي.
- كداب، بتعك فين ومع مين؟
رفع يزن حاجبيه معًا بصدمة وهمس بتفكير:
- حتى وأنت في أمريكا قافشني.
- بتقول إيه؟
سأله سليم بعدم فهم بسبب همهمات وصلت إليه لم يدركها، فجاء رد يزن المشاكس:
- بقول إيه شغل المباحث دا، أنا كنت أقصد رايح المعرض.
- بعد كدا لما تتكلم معايا تتكلم بوضوح، إحنا هنهزر ولا إيه؟
كانت نبرته جامدة لاذعة، مما جعل يزن يرتبك حقًا معتقدًا أن والدته قررت إخباره بخطبة زيدان، فهدأ من اضطراب قلبه وأردف بتروٍ:
- مالك يا سليم؟ إيه الطريقة دي هو أنت زعلان مني في حاجة؟
- إدارة المحل بلغتني إنك أخدت مجموعة خواتم منهم، في إيه؟ وواخدهم لمين؟
ابتلع يزن لعابه بتوتر وهتف بعدها بتريث:
- هو أنا ممنوع آخد حاجة من المحلات؟
- لا طبعًا تاخد اللي نفسك فيه، بس أعرف لمين، وخصوصًا إن أخبارك بتوصلني ولسه بتعك.
زفر يزن بارتياح وقد تبخر اعتقاده بعدما تأكد من عدم معرفة سليم بشيء، فرد بهدوء بعدما اختلق قصة محاولاً الهرب من حصار سليم له:
- واحد صاحبي عايز يخطب وجبتله الخواتم لغاية عنده هو وخطيبته.
- هو أنت ليك صحاب رجالة؟
تساءل سليم بسخرية ألهبت حنق يزن الذي رد بخشونة:
- آه يا عم ليا طبعًا..
ولكن سرعان ما سيطر عليه المزاح:
- بس بخبيهم عشان الحسد.
كانت دومًا طريقة يزن مع سليم خاصة وفريدة حتى إن ظهر غضبه لم يفكر إطلاقًا في التمادي به محاولاً بشتى الطرق لجم ذاته المتمردة مع سليم بالأخص. لم يعرف لِمَ هو تحديدًا ولكنه شيء غرز في نفسه وأصبح سليم خط أحمر لا يتعداه أبدًا حتى وإن كان معه الحق. وإن وقف سليم أمامه يرتد للخلف. أيضًا سليم سرعان ما يتلاشى عنفوانه معه ويتراجع لذاته الحنونة معه، طالما اعتبره صغيره وليس أخيه، فمنذ أن تحمل المسؤولية وهو يحاول حمايته، الحفاظ عليه بشتى الطرق، توفير كل السبل له حتى يظل في أمان بعيدًا عن أي تهديد قد يصيبه فأصبح مدلّله رغم أنه يحاول عدم إظهار ذلك ولكنه يشعر به تمامًا من خلال نظراته واهتمامه غير المباشر. وكانت تلك النقطة هي الدافع الرئيسي في تخطيط يزن لخطبة زيدان من دون علمه فهو يعلم مدى حبه لدى سليم مستعدًا لاستغلال ذلك، فكل ما يهمه هو مساعدة أخويه في إيجاد مرفأ الأمان. سليم وقد وجد الأمان في شمس وعادت السكينة تعم حياته بعد أن اعترف زيدان بأخطائه وتنازلت والدته من برج الخوف واعترفت بأخطائها هي الأخرى. أما زيدان فقد احتار كثيرًا في توفير الراحة له إما كان شارد معظم الوقت أو عصبي لا يتحمل أحد وقد لاحظ تغيره منذ اللحظة التي علم بها بحبه لمليكة ومن هنا قرر مساعدته. فيبدو أن أخويه قد وجدا الهدى بنسائم الحب.
حمحم يزن بخشونة يبدو أنه شرد لثوان وترك عصبية سليم تنفرد بالاتصال وحدها:
- خلصت زعيقك؟
- هخلص لما تخلص استظرافك.
- كآبة حتى وأنت في أمريكا يا عم.
تمتم بها يزن بغيظ، فزفر سليم بحنق ومن بعدها قال بنبرة أهدأ:
- متزعلش مع إن أشك إنك زعلت، بس أنا مضغوط شوية.
- هي شمس بتخليك تطبخ كتير ولا إيه؟
تساءل بضحك ساخر، فسمع لشتائم خافتة خرجت من سليم ومن الواضح أنه خفض نبرته حتى لا تسمعه شمس، فضحك يزن أكثر مما دفع سليم لتحذيره:
- لم لسانك معايا يا حيوان، أنا أخوك الكبير.
- حاضر يا أبيه.
- المهم روح وخد اللي أنت عايزه، أنا بس كنت بطمن خفت تكون بتعمل حاجة غلط.
ظهرت نبرة الندم بصوت سليم الذي حاول إخفائها، ولكن يزن أدرك ذلك وحاول إلهائه بالمزاح قائلاً:
- هو أنا بردو بعمل حاجة غلط، متقلقش أنت.
- أنا هقولك!
- نهايته.. زيدان عامل إيه؟
تساءل سليم محاولاً الاطمئنان عليه بطريقة غير مباشرة، فالتفت يزن للخلف يلقي نظرة نحو أخيه الذي وجده يركز ببصره عليه في قلق فرفع أصابعه وأشار إليه للاطمئنان فارتاح قلب زيدان واستدار يكمل حديثه مع مليكة وزوج والدتها الذي استغل الجلسة في التعبير عن حبه واعجابه بيزن.
أما يزن قال بضحك ساخر:
- زيدان زي الفل.. زي الفل خالص.
- طيب ابقى سلم عليه، هقفل أنا وخلي بالك من ماما، وزي ما قولتلك اعمل اللي أنت عايزه بس من غير قلق.
أغلق سليم الاتصال فابتسم يزن بابتسامة عبرت عن مدى حبه وتقديره لأخيه الأكبر المحاول بشتى الطرق إرضائه فهمس برضا:
- زي ما قولت قلبه قلب خساية.
***
بعد مدة قضاها زيدان في ملل يتابع حديث يزن ومصطفى، محاولاً لفت انتباه يزن الذي كان قاصدًا لإغاظته والجلوس معهم، أما مليكة كانت أحيانًا تتحدث معهم باهتمام ومرات أخرى تشرد بعيدًا وتسرق معها انتباه زيدان الذي أصبح قلقًا عليها بشدة ولكن تهربها بابتسامتها الصادقة ولمعة الحب المسيطرة على نظراتها تجعله يهدأ ويتحلى بالتريث في عدم الضغط رغم أن الشك طرق أبوابه، لدرجة أنه اعتقد أن خطوط الحزن المسيطرة على ملامحها السبب بها مصطفى ولكن معاملة الرجل لها كانت لطيفة صادقة يغلب عليها الحنو والأبوية فتراجع عن الشك به وترك الأمر مؤقتًا.
أخيرًا شعر يزن به وبحاجته للانفراد بها فقرر إعطائه فرصة طالما كان يملك مفاتيح مصطفى من أول جلسة:
- يلا بينا يا عم مصطفى، آخدك أوريك المعرض، ونسيب زيدان يوصل مليكة المستشفى.
لم يعترض مصطفى بل نهض موافقًا رأيه:
- يلا بينا.
تعجب زيدان من سرعة موافقة مصطفى، ولكن غمزة يزن له استفزته فاضطر لجذبه نحو مستواه قائلاً برجاء:
- ما بلاش المعرض، الراجل هيشك فيك من اللي هيشوفه هناك.
ضغط يزن فوق شفتيه السفلية ثم هتف بجدية زائفة:
- ولد عيب أخوك شريف.
- شريف هيموت بسكتة قلبية من اللي هيشوفه، أبوس إيدك متضيعش هيبتنا قدام الراجل.
أبعده يزن بخفة ورمقه بتحدِ ثم بعدها نظر لمصطفى الذي كان منشغلاً في الحديث مع مليكة:
- يلا يا عم مصطفى، دا أنا هبهرك عندي في المعرض.
ودع مصطفى مليكة وغادر مع يزن الذي تجاهل نظرات زيدان المحذرة، ومع اختفائهما انتبه لصوت مليكة الهادئ الذي بدأ يملك بحة غريبة تحفز غريزة الفضول حولها:
- يلا بينا يا زيدان لازم أروح المستشفى.
زم زيدان شفتيه في ضيق ونهض دون أن يعبر لفظًا عن غضبه منها وتجاهلها المتعمد له من بداية خطبتهما.
بعد فترة قصيرة وصل أمام المشفى، وقد قضى معظم الوقت في صمت، حتى أنه أوقف السيارة دون أن يتحدث ويودعها، فتراجعت عن المغادرة والتفتت نحوه تقول في توتر وخجل:
- زيدان كنت سألتيني يعني إن كنت مبسوطة ولا لأ.
تحرك بنصف جسده ينظر إليها يعطيها كامل اهتمامه طالما تستحقه دومًا بخجلها المحبب لقلبه ولكنه يتمنى لو تتخلى عنه قليلاً وتعبر عما تشعر به عله يطفئ نيران الحب المتوهجة بقلبه.
- مبسوطة طبعًا.. أكيد يعني مبسوطة بخطوبتنا بس أنا..
أطرقت للحظات تحاول استجماع قوتها في إخباره أمر واحد مما يسبب لها الأرق والخوف، ولكنها لم تستطع فلجأت للهرب منه بقولها:
- مكسوفة، أو مش مستوعبة.
- يمكن!
صدح صوته بقوله الملهب لخلايا تفكيرها، وأشعل لهيب القلق لديها من رد فعله الغامض، فسرعان ما حاولت سؤاله:
- قصدك أيه؟
- قصدي إن في حاجة مضايقكي مش عارف إيه هي، جوز أمك ولا حاجة في المستشفى ولا يمكن أنا، حقيقي معرفش بس كل اللي بتمناه إنك لما تعوزي تتكلمي اكون أنا الشخص دا.
جف حلقها وهي تتابع سلاسته في كشف خباياها ورغم أنها لم تكن كاملة إلا أنه لامس بدايتها فقبضت فوق حقيبتها وهتفت بتلعثم:
- لا مش مضايقة بالعكس أنا فرحانة أوي.
اقترب بجسده منها وجذب كفيها رغم عنها قابضًا فوقهما برفق وبنبرة لطيفة هدأت من روعها أردف:
- يا حبيبتي أنا كل اللي شاغلني خوفك اللي دايما ظاهرلي ومعرفش سببه، كنت فاكر بسبب إن مفيش رابط رسمي، بس اهو..
فتح قبضته ونظر لخاتم خطبتهما بتفكير:
- اتخطبنا ولسه زي ما أنتي مفيش تغير.
سقطت دمعة فوق كفه من عينيها وبصوت مرتجف أخبرته بصدق:
- يمكن خايفة تسيبني في يوم من الأيام.
اقترب أكثر محاولاً إثبات حبه لها، ولو امتلك أحقية احتضانها وادخالها بين ضلوعه لفعل ذلك، ولكنه تراجع وهمس بحب صادق:
- أنا بحبك ومعنديش استعداد أخسرك لثانية واحدة، أنا بحارب الدنيا عشانك وهحارب لغاية آخر نفس ليا، أنتي الأمنية الوحيدة اللي اتمنتها والدنيا مش سيعاني لما حققتها.
- وأنا ك... كمان بحبك.
خرج اعترافها سهوًا منها ربما من فرط انفعال دقات قلبها بهمساته الشغوفة، أو بسبب اشتباك نظراتهما في عناق عاطفي عبر عن مدى العشق الكامن بقلبهما لا تعلم. ولم تشعر سوى باقترابه منها أكثر محتضنًا شفتيها بعينيه، محاولاً اختطاف أول قبلة لهما ولكنها نجحت في الفرار منه وفشل هو فيما يتمناه فلم يحظَ سوى بلمسة كفيها الرقيقين غير ذلك كان الإحباط محلقًا فوق تقاسيم وجهه.
***
بعد فترة طويلة قضتها مليكة في متابعة المرضى محاولة عدم التركيز على أمر ماجد فيبدو أن القدر يمهلها فرصة للخلاص منه، وعند تلك النقطة تلألأت كلمات زيدان لها من العدم وعادت من جديد تشعر بكم الاطمئنان الذي كانت تشعر به أثناء حديثه الصادق معها، لِمَ لا تخوض تلك المعركة وتخبره عن ماجد وتترك له أمر التخلص منه، تمنت لو تملك قدرة على إنهاء مخاوفها، ولكن مجرد التفكير فقط جعلها تشعر بالضيق يتوغل صدرها، فيجب التفكير بعواقب إخباره قبل معرفته بأي شيء. هل سيتركها مثلاً ويظن بها السوء؟! نهرت ذاتها الخائفة وعللت ذلك بأنه يحبها بصدق بل ويعشقها بجنون. ستتخطى تلك الأوهام وتعترف له بكل شجاعة فهي لم تخطأ أبدًا.
شجعت نفسها وهي تخرج من غرفة آخر مريض تتجه نحو غرفة الأطباء تتمنى أن تكون فارغة فتحادثه وتبدد خوفها. ولكن طالها الإحباط حين ظهر بعض الأطباء الجالسين بالغرفة يتحدثون بأريحية خالطها النميمة. ابتسمت باهتزاز لهم وحاولت الخروج ولكن صوت طبيب زميل لها جذب انتباهها.
- تعالي يا مليكة، اعرفي اللي حصل في الدكتورة شريهان، يمكن متفكريش تتجوزي خالص.
وضحك بعدها، فتابعت فرح بابتسامة ساخرة حاقدة:
- مش لما تتخطبي الأول.
عقدت مليكة حاجبيها لسخريتها المتعمدة لها، لِمَ تغيرت معها فرح بذلك الشكل وأصبحت لا تطيق التحدث معها تحاول تجنبها بالإضافة إلى نظراتها التي دائمًا تشعر من ناحيتها بالحقد والكره، كانت تتجاهل ذلك الأمر ولكنها لم تستطع تخطي أمر سخريتها تلك. ماذا لو علمت فرح أن محاولاتها لإهانتها لم تكن في محلها! وعلمت مثلاً بأمر خطبتها ماذا ستفعل؟! لن يهم هي من اختارت عدم إخبارهم وفضلت أن تظل خطبتها في الخفاء حتى لا يصل الخبر لماجد فيعود إليها مدمرًا كل شيء فلا تستبعد أبدًا محاولاته في إثارة الشك في نفس زيدان، أو مثلاً استغلال تلك النقطة في الضغط عليها فتضطر للرضوخ أو إنهاء خطبتها مع زيدان بفضيحة تسحق شرفها حتى وإن كانت ظلم.
- اقعدي يا مليكة فرح بتهزر معاكي.
تركت مليكة المقبض بعدما انتبهت لطبيبة أكبر منهم سنًا فتحركت صوب مقعد وهي تقول:
- مالها دكتورة شريهان؟
- أطلقت وجوزها ضربها حتة علقة مخلاش مكان سليم فيها.
توسعت عيناها بصدمة قائلة:
- ليه، عملت إيه؟
تابعت طبيبة أخرى قائلة بخفوت:
- والله أعلم اكتشف إنها كانت مخطوبة قبل كدا ومقالتش والواد اللي كان خطبها مقدرش يستحمل إنها اتجوزت فبعتلها رسايل على الفيس جوزها بقا شافها وكلمه منه على كلمة منها ولع الموضوع أكتر واتطلقت.
كتمت شهقتها مردفة من بعدها بحزن:
- دول مكملوش شهر جواز.
تابع طبيب آخر الحديث بفضول:
- الصراحة الموضوع دا له حق فيه، يعني إيه واحد يبعت كلام حب لمراتي واعرف إنهم كانوا مخطوبين، الغلط عندها من الأول كان المفروض تقول.
دافعت طبيبة أخرى بشراسة:
- في رجالة مبتفهمش فالبنات بتلجأ إنها تخبي عشان حياتهم تكمل.
تابعت أخرى الحديث واندعت في البحث عن أساس المشكلة:
- يا جماعة الغلط من تدخلات الأهل، أكيد أمه سخنته، الموضوع ميستاهلش دا كله، امال لو مسك عليها صور مش كويسة كان قتلها مثلاً، دا متخلف أوي.
وإلى هذا الحد نهضت مليكة سريعًا وغادرت المكان بعدما شعرت بانسحاب أنفاسها وانقباض صدرها بخوف. فاندفعت للمرحاض تنزوي به تبكي في صمت في ظل ارتجاف جسدها وكأن الطمأنينة التي كانت تشعر بها في غياب ماجد تبخرت وظهر طيفه يهددها من جديد يعبث بواجسها ويثير تخيلها لنهاية بشعة تلاحقها.
***
مساءًا...
وقفت نهى تعد وجبة طعام وفقًا لأوامر والدها، حيث قرر أن تكون وجبة الطعام من إعدادها وتجهيزها كاملة قبل عودتهما حتى أنه وضع لها مواعيد تحضير الطعام وكأنها جاءت من أجل خدمتهما فقط. لقد قضت أغلب الوقت في البحث عن هاتفها ربما تصل إليه وتخبر والدتها بكل شيء وتعود لمصر مرة أخرى فالوضع هنا أكثر سوء مما كانت تتخيل وخاصةً مع وجود خالد الذي لم تعتاد عليه بشخصيته الغريبة تلك. وكالعادة فشلت حتى في إيجاد هاتفها أو أي هاتف آخر ولم تستغل فرصة عدم وجودهما.
قررت التركيز في الطهي خوفًا من تلقي توبيخ يصل لحد الضرب من والدها. ولكنها استمعت لصوت أقدام يأتي من الخارج، فشعرت بالخوف الشديد وجذبت سكين من أمامها وبحركة خفيفة تحركت صوب الخارج توجه السكين أمامها استعدادًا للدفاع عن نفسها. وقبل أن توجهها لقلب ذلك المتسلل كان خالد يمسكها بمهارة يبعدها عن يدها:
- إيه يا نهى جو الأكشن دا.
- آآ.. أنا والله ما كنت أقصد، كنت بحسبك حرامي.
لم تكن تعلم أنها بالقرب منه أمام وجهه مباشرةً تنظر لعينيه الراكضة فوق ملامحها بجنون لم يتملك منه من قبل، فخطف ملامحها في رحلة قصيرة بداية من بشرتها الباهتة بملامحها الحزينة رغم جمالها وأنفها الدقيق وشفتيها المنتفختين بلونهما الوردي مما أثارت فيه مشاعر لم يدركها من قبل وكأن هناك صوت يلح بالاقتراب أكثر لمعرفة إن كانا لونهما حقيقي أم زائف. أما هي كانت بين قبضته القوية وكأنه فارس مغوار التقى بحورية جميلة فبدت له وكأنها تميمة حظه مقررًا ألا يتركها فارضًا حصاره عليها.
- هو إيه اللي بيحصل دا؟
كان صوت سمير مفاجئ كالقنابل التي تُلقى فجأة على منطقة ساكنة. فأشعل نيران الخوف لدى نهى التي انتفضت بفزع وكأنه أصابها مس، وهي تنظر لوالدها وسمير برعب.
رواية منك وإليك اهتديت الفصل السابع عشر 17 - بقلم زيزي محمد
-أيه اللي بيحصل دا؟
عم صوت سمير الغليظ أرجاء المكان بعد أن رأى نهى مقتربة بشدة من خالد، بل كانت تقف كالفرخ ترتجف بين قبضتيه. وأول من ابتعدت خطوة كانت هي تحاول تدارك الأمر ولكنها فشلت، فبدت كالخرقاء تتلعثم بفمها وتستنجد بخالد عن طريق عيناها المتعلقة به كي يخرجها من ذلك الوضع.
ومع استمرار صمته، اعتقدت نهى أن الصفعات ستتوالى فوقها الآن من قبلهم، فالطبع لن يتفهما موقفها. ولكن أخيرًا خرج صوت خالد عادي جدًا وكأن شيئًا لم يكن، بل شعرت بلمحة استهانة بهما، وخاصةً حينما قال:
-قول لبنتك يا خالي إنها مش قاعدة لوحدها في البيت عشان لما تحس بحد داخل تجيب سكينة وعايزة تقتله.
حولت نهى بصرها لوالدها تجاهد إضافة تأكيد على ما يقوله خالد، ولكنها لم تحتاج لذلك بعدما تقدم والدها بغيظ مردفًا:
-سكينة إيه يا بت هو انتي اتجننتي.
حاولت الدفاع عن نفسها فلم تحظى بفرصة بسبب سخرية سمير التي انطلقت تحاوطها وكأنها بلهاء لا تقوَ على فعل هذه الأمور:
-نهى أختي تمسك سكينة وعايزة تدافع بيها عن نفسها، دي أكيد كدبة أبريل.
صدح صوت خالد بنبرة خشنة قائلاً:
-لا فعلاً عملت كدا، وكانت هتضربها فيا لولا أن لحقتها في اللحظة الأخيرة.
قبض إبراهيم فوق ذراعها واشتد بقبضته فوقه معنفًا إياها:
-هو أنا مش قولتلك متزعليش خالد مننا، عايزة تعملي مشاكل ليه؟
ظهر الهلع فوق وجهها وهي تشير برأسها في نفي، فلم يكن مقصدها ذلك أبدًا. ومع اشتداد يد والدها فوق ذراعها تألمت بشدة، وكعادتها حاولت إخفاء آلامها. فلم تعلم أن إيذاءها النفسي فاق الإيذاء الجسدي بمراحل، وظهر فوق تقاسيم وجهها خليط من المشاعر المتضاربة، وكان أشهرها حزن نابع من أعماق قلبها المجروح. فكانت تشبه طفلة مشردة وقعت بين من تجردت قلوبهم من الرحمة واشتدت قسوة صدورهم من بشاعتها.
شعرت بابتعاد والدها عنها، وكان السبب خالد حينما تقدم ببسالة يدافع عنها قائلاً بصوت رجولي حانق:
-معملتش حاجة تستدعي دا كله.
ابتسم إبراهيم في وجهه ابتسامة متملقة يحاول تسوية الأمور بينهم:
-احنا ضيوف عندك يا حبيبي مش عايزين نضغط عليك وافعالنا تكون مستهترة.
ارتفع حاجب خالد الأيسر غير مصدق حديث خاله، تزامنًا مع بسمة ساخرة حلقت فوق ثغره:
-لا انتوا بتضغطوا فعلاً.. إيه هتمشوا؟
وأشار إليه بالمغادرة والسعادة تلمع بعينيه، فأردف سمير سريعًا يلقي اللوم فوق نهى الغائبة عن حديثهم:
-أهو بسببك زعلتي ابن عمتك مننا، أول وأخر مرة تتصرفي كدا.
اشتدت نبرته في أواخر حديثه، ثم تحرك صوب الغرفة متجاهلاً استشاطة خالد. أما إبراهيم فأكد على حديثه والده بتهديد لاذع لنهى التي كانت تقف كالصنم تتلقى دون محاولة الدفاع عن نفسها، وكأنها اعتادت على ذلك الأمر، مما أغاظ خالد المراقب لكل شيء من حوله.
ومع دخول إبراهيم الغرفة وإغلاق الباب خلفه، بصق من فمه باشمئزاز مردفًا:
-عالم معندهمش ذرة دم.
زفر بغيظ شديد منهم، فمهما حاول طردهما بشكل مباشر لا يقتنعان بل يستمران في برودهما، وهذا ما يثير غضبه أكثر. حتى أنه توصل مؤخرًا لحل وهو أن يترك الشقة في أمر مفاجئ ويضعهما في ورطة سداد إيجار الشقة، ولكن... ولكن ذلك الحل قبل مجيء نهى، فمنذ مجيئها وتخدرت حلوله مؤقتًا، فوجودها عرقل أمورًا لا تستطيع تحملها أن فعلها بوالدها وأخيها السمج، وبرر ذلك من باب رجولته التي لا تسمح بذلك.
تحرك نحو غرفته وتركها وحدها، وما هي إلا ثوانٍ وفتح الباب مرة أخرى هامسًا بصوت ضعيف:
-نهي... نهي.
التفتت له بتقاسيم وجهها الحزينة الممزوجة بلمحة خوف لم تتخفى حتى الآن، فيبدو أنها تعاني من آثار نفسية قديمة لم تجرؤ على تخطيها. تقدمت خطوة ثم وقفت بعدها، تحرك رأسها في صمت وعيناها تتساءل عما يريده، فقال بنفس همسه:
-هغير هدومي، وتعالي كُلي معايا عملت حسابك.
أشارت نحو نفسها في صمت والتعجب وجد لنفسه مكانًا بين ملامحها الجميلة، غير مصدقة ما يخبرها به، ولكن مع تحريك رأسه بإيجاب أكد لها ذلك، فلم تستطع الرفض ولا حتى الموافقة، ظلت صامتة على وضعها حتى أغلق الباب في وجهها. انفرج فمها لا تصدق انقلاب أفعاله بين اللحظة والأخرى، لم تستطع فهمه، هل هو شخص طيب يتعامل معها من مبدأ القرابة أم تتوهم ذلك وستصطدم بأمور تفوق سذاجتها كالعادة؟
***
بعد عدة ساعات...
خرج خالد برأسه من غرفته يبحث عنها، فوجدها تجلس وحيدة في الصالة لا تفعل شيئًا، فأشار إليها بالمجيء. في البداية لم تتحرك، بل تعمدت التجاهل وركزت ببصرها فوق التلفاز، ولكن مع استمرار تحريك يده جعلها تقف باندهاش تتابع إصراره، فهمست بحرج:
-مش جعانة كُل أنت.
رفع حاجبيه بسخرية وأردف بعدها:
-أكلت من زمان، أنا عايز أسألك على حاجة.
توغل الحرج ملامحها فاحمرت وجنتيها وجف حلقها وهي تتقدم نحوه تحاول التماسك أمامه بعد إحراجه لها.
-خير في حاجة؟
فتح الباب لها فدخلت قائلة بوجوم:
-في إيه؟
-كان في تيشرتات هنا، انتي نقلتيهم فين؟
-كنت بدور على...
قطعت حديثها فجأة وابتلعت باقي كلماتها بما ستخبره، هل تخبره بمدى وقاحتها وهي تعبث بين أشيائه تحاول البحث عن هاتف كي تحادث والدتها، فيظن أنها متطفلة أو وقحة وتتلقى معاملة سيئة منه هو الآخر. ارتبكت وهي تقول:
-باين كدا روقت الأوضة.
لوهلة عقد حاجبيه متسائلاً بتهكم:
-باين مش متأكدة.
أومأت برأسها بقوة، ثم جذبت نفسًا طويلًا وانطلقت من خلاله تبحث عن قطع ثيابه التي تجهلها أساسًا، فهي لم تتذكر أن أحدثت تغييرًا بأماكن ثيابه. لم تدرك في البداية أنه خلفها في كل مرة تتحرك بها تبحث هنا وهناك وهو خلفها مباشرةً، حتى توقفت فجأة تلتفت بقوة حينما لمحت ثيابًا ملقاة خلف حقيبة كبيرة. اصطدمت بجسده الذي ارتد للخلف خطوة، ولكنه تيبس بالأرض متمسكًا بها متفاجئًا من عودتها السريعة للخلف، فكان يتحرك خلفها لاعتقاده أنها وضعتهم بمكان ما، فكان يريد مساعدتها ليس إلا، أو ربما يريد إظهار ذلك. وبالطبع لم يحسب الاصطدام القوي بينهما، فاهتز ثباته، وتحركت مشاعره التي لا يزال يجهل هويتها، وذلك الصوت المستفز مجددًا يعلو بصياح يحفزه لما كان يريده من قبل... شفتيها الوردية.. وردية الأصل أم أنها زائفة، فانزلقت عيناه عليها مباشرةً، وذلك بعد أن نجحت في سرقة انتباهه بارتجافها اللذيذ.
أما نهى كانت تستكين كمن ألقى فوقها تعويذة تجعلها خاضعة لسحر لا تجرؤ على مقاومته، حتى لو كانت نظراته تلك تعصفها، تصيب قلبها برجفة قوية وهي بين يديه. استعادت وعيها المفقود للحظات ورجعت للخلف تشير خلف الحقيبة بصوت مهزوز:
-هناك.. هناك أهم.
حول بصره نحوهم مشيرًا بيده وهو يقول:
-دا انتي طلعتي نضيفة جدًا في الترويق، في اختراع اسمه نطبق الهدوم ونحطها مكانها.
ابتلعت لعابها وهي تفرك يدها كالأطفال، لا تملك أحقية الرد فهي لا تتذكر أنها فعلت ذلك، ولكن أن كان الاتهام من نصيبها فليكن، هذا أمر بسيط عما تتلقاه، لذا قالت ببساطة:
-حاضر هعمل كدا.
تركها تتحدث وانطلق صوب طاولة يجذب طعامًا يضعه فوقها قائلاً:
-اقعدي كُلي، وأنا هلبس برة وهخرج.
-أنا اكلت مع بابا وسمير..
ضحك ضحكات ساخرة وهو يقول:
-بأمارة ما قسموا اللحمة ما بينهم وسابوكي صح؟
زمت شفتيها بضيق والتزمت الصمت وهي تسبل أهدابها تمتنع عن النظر إليه، لا تريد نظرات الشفقة تعبر ذاتها وتذكرها كم هي ضعيفة. لاحظت اقترابه منها وهو يقول:
-أنا مش مغيب وعارف طبعهم على إيه، اقعدي كُلي وبعد كدة لما أجيب أكل وأقولك تعالي.. تيجي وتاكلي، بلاش كبرياء بالله عليكي أصلها مش ناقصاكي.
أصابها الذهول من شهامته الممزوجة أحيانًا بالوقاحة فقالت:
-أنت عايزني آكل ولا مش عايزني بالظبط؟
-مكنتش هقولك تعالي ولا أشيلك أكل.
رد ببساطة، فعقبت بحنق طفيف:
-ودي طريقة تكلمني بيها!
-امال عايزني أتحايل عليكي مثلاً، ولا أعمل الهدوم حجة عشان أدخلك تاكلي لا أنا مش كدا خالص.. سلام.
خرج بسلاسة وكأنه لم يلق قنبلة بوجهها، هو من أخفى تلك الثياب حتى توافق على تناول الطعام! أيعقل؟... ابتسمت للحظة فلم تصدق ما يصدر منه، هل هو معتوه كي يعترف على نفسه أم أنه يمازحها.. حركت رأسها بنفي تحاول إخراجه من عقلها بعد أن قلب كيانها رأسًا على عقب.. ذلك المجنون لا تعرف إن كان حديثه جاد أم عبارة عن مزحة ساخرة منها.
***
جلست مليكة فوق مقاعد خشبية خارج المشفى تنتظر مجيء زيدان، وذلك عندما شدد عليها بضرورة إيصالها للمنزل وخاصةً إن كانت في ساعة متأخرة. ورغم سكون ملامحها إلا أنها كانت تغوص في بحر من الأفكار المتدفقة، وقعت فريسة ما بين الصواب والخطأ.. ما بين الخوف والشجاعة، مزقتها الحيرة نصف يقاوم يحارب وآخر يتمسك بالظلمة يخشى المواجهة. نكست برأسها بعد كل صراع نفسي تخرج منه كالعادة بلا شيء، وكأنها لم تكن تدور في حلقات مفرغة بكل جهد تحاول النجاة. مدت أصابعها تمسك هاتفها من حقيبتها تفتحه تنتقل بين صفحاته وتحديدًا للصور المفبركة من قبل ماجد تنظر لها تدقق النظر تحاول رؤيتها من كل الجهات بعقلها... بعقول من سيراهم إن أقدم ماجد على نشرها، تراها أيضًا بنظر زيدان... هل سيصدق المحادثات الوقحة.. هل سيصدق أن تلك الفتاة العارية هي.. ولكن.. هنا ظهر صوتها المكتوم ببحة يملؤها الجنون:
-دي أنا... ضحكتي.. دا شعري، يا رب.
همست بها وهي ترفع بصرها للسماء تستكمل مناجاتها:
-دا بلاء شديد نجيني منه يا رب... يا رب ساعدني أقوم ضعفي وقلة حيلتي.
انسابت دموعها فوق وجهها وكأنها تريد الخلاص من سجنها لتخرج بغزارة تشق وجهها بأخاديد يملؤها الألم والحزن. جذب انتباهها سيارة زيدان، فمسحت وجهها بخفة كي لا يلاحظ شيئًا وأغلقت هاتفها تحاول كتم آلامها النفسية خلف ابتسامة صغيرة مرحبة وهي تتجه نحوه، تجاهد نفض أمر ماجد مؤقتًا وما حدث بالمشفى اليوم والذي كان السبب في تراجعها عن أهم قرار قد اتخذته في لحظة شجاعة تبددت بل وسحقت أسفل أحلامها الواهية.
جلست بجانبه بالسيارة وتلقت ترحابه بها، وذلك عندما أمسك بكفها داخل كفه يعانق أصابعها رافضًا التخلي عنها بعناد أثار حنقها:
-زيدان سيب إيدي.
-متحاوليش أنا مستني اللحظة دي من زمان.
عبست بوجهها وهي تسأله:
-لحظة إيه؟
رد ببساطة وابتسامة صادقة:
-أمسك إيدك.
ضحكت رغم عنها محاولة مقاومته ولكنها فشلت فسكتت وكانت غير راضية بالمرة، فلوحت أفعالها بعدم الراحة وظهر ذلك جليًا عليها مما جعله يسألها بضيق:
-انتي كرهاني لدرجة دي؟
-ليه بتقول كدا؟
سألته بعدم فهم وقلق فأجاب بتعجب:
-بصي على وشك وتفهمي! دا مش منظر واحدة مخطوبة أبدًا.
-لا لا ..صدقني.. أنا بس زعلانة عشان..
تلعثمت وهي تنفي ما يقوله وأول ما جاء بعقلها هو أمر زميلتها المطلقة وما حدث بين الأطباء، فأخبرته بالقصة كاملة والحزن يطغي على نبرتها.
-انتي زعلانة عشان كدا.
سألها بهدوء وهو يتابع الطريق:
-أيوا.. شريهان مكنتش تستاهل كدا أبدًا.
أجابت بحزن حقيقي مما دفعه يهز رأسه بتفهم وصمت للحظات ثم عاد وتحدث بشك لازمه كونه عمله غرز فيه ذلك:
-بس أكيد هي عملت حاجة غلط خلت جوزها يتصرف كدا، ممكن تكون الرسايل مش ظريفة، الصراحة شايف معاه الحق.
توسعت عيناها بصدمة وهي تقول:
-معاه الحق يضربها! وبعدين مهما كانت الرسايل إيه متوصلش لكدا هو أكيد مجنون.
-والمفروض إنه يتقبل مثلاً إن في رسايل تيجي لمراته من واحد غريب، دا راجل وطبيعي يشك يا حبيبتي.
سألته بنبرة شرسة وكأنها على حافة الانفصال:
-وطبيعي يضربها؟
-لا طبعًا وأنا معرفش إيه وصله لكدا بس ميضربهاش ينفصلوا بهدوء طالما مفيش بينهم أطفال.
-وعشان مفيش بينهم أطفال ينفصل عنها لمجرد إن في رسايل هددت حياتهم.
-هددت حياتهم بإيه... بالشك.. ودي كارثة لو دخلت عقل الراجل عشان كدا أرجع وأقول الغلط من ناحيتها ليه موقفتش خطيبها السابق عند حده.. أكيد سمحت بتمادي في مرة ودي كانت نتيجته.
صرخت بانفعال وبدأت صدرها يعلو ويهبط في جنون:
-زيدان بس كفاية مش عايزة أسمع حاجة.
أوقف السيارة جانبًا قائلاً بعدم فهم:
-في إيه يستدعي لكل دا؟
-أنا مبحبش اللي ارتبط بيه يكون تفكيره بالشكل دا يضرب ويهين...
أوقفها بصرامة غير مصدقٍ اتهامها:
-إيه حيلك.. حيلك.. اضرب إيه، أنا ابن ناس ومتربي، انتي بتتكلمي في حاجة وأنا بقول رأي مجرد استنتاج عادي.
عادت تصرخ مجددًا وكأنها تواجه وحش طارد مخاوفها من قبل:
-محدش طلب رأيك على فكرة، طالما بالوحشية دي.
-وحشية! هو انتي شايفني نازل بضرب الناس في الشارع.
-ظابط وتعملها على فكرة.
رفع حاجبيه بشراسة وهتف من بين أسنانه:
-إيه علاقة شغلي باللي بتقوليه!
تجاهلت حديثه قائلة بضيق:
-وصلني البيت لو سمحت.. مش عايزة أتكلم.
-صاحبتك أطلقت أنا مال أمي، يتنكد عليا ليه؟
قالها بغضب من تصرفها الطفولي، فردت بعناد وهي تشير ناحيته:
-أنت موافق يضربها...
أمسك بكفيها معًا وبتر حديثها الهجومي حينما أدرك مخاوفها مقتربًا منها:
-إن كنتي بتحكي وفهمتي إن بشجع على الضرب، تبقي مجنونة أنا غيرهم وعلاقتنا غير أي حد..
صمت للحظة ثم عاد ورفع كفها وقبله بحب:
-إحنا بنحب بعض، حتى لو بعدنا انتي حافظتي على نفسك عشاني وأنا محبتش حد بعدك.. اللي بينا حاجة كبيرة أوي مينفعش تتقارن بأي علاقة يا حبيبي.
رمشت بأهدابها وهدأت أنفاسها تحت همساته المحملة بنسمات الحب:
-اطمني عمري في حياتي ما أفكر أمد إيدي عليكي ولا أفكر أسببلك أذى، انتي حاجة كبيرة أوي عندي يا مليكة.. متقارنيش نفسك بحد مهما إيه حصل حواليكي انتي جوهرة غالية وهحطك جوا عيني.
استكانت كالطفلة تستمع له ورغم أن آثار مخاوفها لا تزال متروكة بها إلا أن حديثه كان كالبلسم لها، ربت فوق قلبها الخائف وخاصةً إن كانت نظراته صادقة شغوفة بالحب الكامن بقلبه، ولكن تلك الصور تثير زوبعة من القلق داخلها رغم أن نصفها حقيقي ونصف كاذب! هل سيصدق ذلك، مجددًا قيد لسانها بحبال الصمت وتوقفت كلماتها عند حاجز منيع لم تستطع تخطيه.
طال تمسكه بها وكأنه طفل وأخيرًا وجد لعبته بل أن سعادته المرسومة فوق وجهه فجرت التعجب بملامحها فخرج سؤالها سريعًا يرشق به:
-أفهم إيه من سر سعادتك دي؟
-إن أنا قادر أسسيطر عليكي في ثواني، من شوية كنتي مهيبرة ودلوقتي هديتي وبقيتي زي القطة كدا أنا أطمنت على نفسي لما نتجوز.
حاولت جذب كفها من قبضته بغيظ شديد:
-والله! طيب سيب إيدي بقى.
-هي عليها رهن ولا إيه، كل شوية سيب إيدي لو عليها رهن قوليلي.
مازحها بخفة فاغتاظت أكثر ورفعت أحد حاجبيها قائلة:
-لا مش هتمسكها إلا لما نتجوز... عشان تطمن على نفسك حلو.
تركها ببساطة وعاد تشغيل سيارته وهو يتمتم:
-معقدين، تقولوا لا ومينفعش إلا لما نتجوز وانتوا أصلاً هتموتوا كدا ونمسك إيديكم.
-والله!
قالتها بتحدٍ ساخر، فحول بصره نحوها يقول:
-هو أنتم فاكرين إننا هنموت ونمسك إيديكم والجو الفارغ دا لا خالص إحنا بنحقق رغباتكم بس، أصلنا غلابة أوي.
ضحكت بتهكم قائلة:
-غلابة جدًا.
حرك زيدان يده الأخرى بين نافذة الباب والمحرك بعشوائية وهو يتحدث قاصدًا ذلك ومن بعدها ارتطمت يده بقوة في باب السيارة فتألم بقوة واوقف السيارة مما أثار قلقها واندفعت بالقرب منه تقول بخوف:
-مالها إيدك في إيه؟
أمسكت بكفه تمرر بصرها فوقه بهلع وهو يبتسم بشقاوة في صمت فارتفعت بعينيها له رأت تلك البسمة واضحة.
-شوفتي مين هيموت ويمسك إيد التاني، عيب يا مليكة حركات النص كم دي.
تركت يده بانفعال شديد ونظرة حاقدة التصقت بوجهه المبتسم باستفزاز، فأشارت بيدها ونبرتها المكتومة بالغيظ أردفت:
-وصلني حالًا البيت.
استدارت بعدها للجهة الأخرى تخفي ابتسامتها عن مشاكسته لها ولم تكن تعلم أن صورتها معكوسة بالمرآة جذبت انتباهه فكان متربصًا بكل صغيرة وكبيرة تصدر منها كعادته دومًا معها.
***
في اليوم التالي..
-انتي يا بنتي اخلصي دا كله بتعملي القهوة.
رفعت نهى عيناها قائلة بهدوء:
-خلصت يا سمير والله، خدها أهي.
قدمت له الصينية فأخذها بضيق منها، تجاهلته وتقدمت صوب غرفة خالد تنزوي بها بسبب وجود ضيف غريب لا تعرفه، ورغم أنه كان يجلس بغرفة والدها إلا أنها أحبت الجلوس بغرفة خالد وذلك بعد أن رأت نظراته لها حينما كان يستقبله أخيها على باب الشقة، في البداية أوهمت نفسها أنه في عمر أبيها ولن تسيء به الظن ولكن مع تحريك بصره فوق جسدها بتمهل وهي تتحرك أثار الاشمئزاز في نفسها فقررت عدم الظهور أمامه والاختفاء في غرفة خالد.
وقبل أن تدخل الغرفة، ارتفع رنين هاتف سمير فاضطر إلى مناداتها من جديد:
-خدي دخلي القهوة دي لغاية ما أكلم أمك.
تعلقت عينيها بالهاتف وهتفت بنبرة مبحوحة تسأله:
-دي ماما.
-اه امك ومالك بتقوليها بفرحة كدا ليه، اتنيلي دخلي القهوة عشان متبردش.
أخذت الصينية منه على مضض وداخلها يتمنى أن تلتقط هذا الهاتف وتركض بعيدًا تخبر والدتها بكل شيء.
طرقت نهى الباب ثم دخلت في هدوء تقدم القهوة للشيخ قاسم، الذي ما إن رآها حتى مرر بصره الوقح فوق جسدها بتروٍ دون خجل، فشعرت نهى حينها وكأنها متجردة من الثياب رغم أنها واسعة ومحتشمة. ألزمت نفسها على تقديم الواجب دون أن تدخل معه في الحديث لذلك وضعت الصينية وكادت أن تستدير للمغادرة.
اندفع الشيخ يقول بلكنته المصرية الضعيفة:
-إيه يا حلوة مش هتقدمي ليا القهوة؟
ضغطت على نفسها ولم تجيبه بأي شيء سوى أنها التفتت له ترفع له كوب القهوة في ثبات، ولكن تعمده لاحتضان يدها الممسكة بالكوب جعلها تنتفض بذعر وتعود واضعة للكوب مرة أخرى فوق الطاولة ثم خرجت سريعًا بخوف، قابلت سمير الذي رآها ترتجف فسألها بخشونة:
-مالك يا بت؟
-مـ..مفيش.
رمقها باستياء من توترها وقال بتحذير:
-اوعي تكوني زعلتي الشيخ قاسم..
وقبل أن تجيب ظهر صوت الشيخ من خلفها قائلاً:
-ما شاء الله عليها جميلة لا يمكن تزعلني.
انتفخ صدر سمير وهو يحاوط كتفها قائلاً بفخر لم تعرف نهى مصدره:
-دي نهى أختي، سلمي على الشيخ.
أخفت نهى يدها خلف ظهرها قائلة بنبرة مهزوزة:
-سلمت عليه، عن إذنكم.
دخلت بعدها لغرفة خالد تختبئ بها، فازداد إعجاب الشيخ بها ليقول بصوت يغلب عليه الرغبة:
-اختك جميلة يا سمير.
-دا من زوقك يا شيخنا.. تعال ندخل جوا نكمل كلامنا لغاية ما بابا يجي.
تعلقت عيون قاسم بالغرفة ولمعت عيناه بمكر مفكرًا في التعرف عليها أكثر..
***
مساءًا..
أعدت مليكة وجبة عشاء خفيفة ثم حملتها واتجهت صوب غرفة زوج والدتها "مصطفى" لم تطرق الباب لأنه كان مواربًا وفتحته بهدوء فوجدته يغلق الهاتف سريعًا فور ملاحظته لها ثم وضعه فوق المنضدة مبتسمًا باهتزاز وهو يشير لها:
-تعالي يا حبيبتي.. تعبتي نفسك.
تقدمت منه والهدوء يسيطر عليها رغم أن عقلها دفعها نحو توتره الواضح فيبدو أنه كان يحادثها وأغلق بمجرد مجيئها، أحست بعدم الراحة بعد أن وجد الجفاء طريقًا بينهما، رغم أن علاقتهما لم تكن ذلك أبدًا. زفرت بضيق ثم وضعت الطعام أمامه قائلة:
-كنت بعملي عشا، قولت أكيد حضرتك ما أكلتش.
-تسلم إيدك يا حبيبتي.
هدأت ابتسامته وأصبحت أكثر صدق وعمق، فقالت بعدها بهدوء:
-تصبح على خير.
-اقعدي معايا كُلي مقعدناش كتير مع بعض.
دومًا نبرته لطيفة محببة لقلبها ولكن شعور بالاستياء يسيطر عليها فلم يكن منه بل من نفسها بعد أن أحست بكونها عقبة تعيق استكمال حياته بالشكل الذي يتمناه. ورغم عنها نظرت للهاتف ودون شعور منها وجدت نفسها تقول بنبرة خالطها الحزن:
-لا أسيبك تكمل كلامك براحتك.
حول مصطفى نظراته نحو الهاتف وأدرك من نبرتها أن بها شيء وتحديدًا مع لمحة الحزن الغارقة بها، فقد تغيرت كليًا معه، تصر على الابتعاد.. حتى مشاعرها أصبحت مقيدة، أصابه الشك من ناحيتها فاندفع بشجاعة يجذب ذراعها ويجلسها رغم عنها وهو يقول:
-اقعدي يا مليكة عايز أتكلم معاكي.
وفور جلوسها أمامه اندفعت بحماقة تقول:
-أنا كويسة مفيش أي حاجة!
عقد مصطفى ما بين حاجبيه مردفًا بتعجب من اندفاعها غير المبرر وكأنها تنهي معه الحديث بأي شكل، فقال برزانة:
-وليه اتسرعتي وفكرتي هسألك عنك، مش يمكن أنا اللي فيا حاجة وعايز أقولك عليها!
تلجلجت وهي تسأله فقد كانت تخشى أن يصارحها بأمر زواجه:
-فـ...في حاجة؟
أخفى تعجبه من تصرفاتها وأردف بصراحة ووضوح رغم أنه كان يحاول انتقاء الكلمات كي لا يحزنها، مركزًا على ردود أفعالها والخوف داخله يتلاعب به معتقدًا أنها ستحزن إن فكر في ذلك:
-يعني بما إنك اتخطبتي وأنا خلاص هعيش لوحدي يعني فكرت .... فكرت اتجوز.
ردت بتسرع ندمت عليه فظهرت وكأنها تلقي نشرة أخبار:
-بجد الف مبروك.
-مالك يا حبيبتي في إيه انتي زعلانة مني، عشان قررت اتجوز.
سألها بترقب والقلق يغزو قلبه، لم يكن لديه استعداد لخسارتها بأي شكل حتى لو كان على حساب نفسه، الأهم هي.. وإن عبرت عن استيائها سيغلق ذلك الأمر حتى لو كانت أمنيته الوحيدة، ولكنها فاجأته حينما ابتسمت قائلة بهدوء:
-لا خالص يا بابا أنا فرحانة طبعًا ولو مكنتش عملت كدا كنت هصر عليك تتجوز..
أطرقت للحظة ثم عادت تسأله بنبرة ثابتة ولكن خالط فيها الارتجاف قليلاً:
-في حد مناسب ولا لسه هتدور.
ربت فوق يدها بلطف وحنو وهو يجيب:
-في واحدة أعرفها من زمان بس طبعًا كل حاجة واقفة لما تتجوزي.
ظهر الرفض فوق ملامحها فهذا يشعرها بالضيق كونها حاجزًا يمنعه من تحقيق ما تؤل إليه نفسه:
-وليه اتجوز من دلوقتي.
أجاب بصدق وهو يحتضن وجهها بكفيه ناظرًا بحنان أبوي لها محاولاً محو أي مخاوف لديها متعلقة بأمر زواجه حتى لو كانت موافقة:
-لا وعلى إيه السرعة لسه العمر قدامنا، المهم أنتي دلوقتي.. بس أنا حبيت أتكلم معاكي عشان متعودتش أخبي عليكي حاجة.
حاولت التحدث فمنعها ثم قال بصرامة:
-مليكة الموضوع انتهى بالنسبالي مفيش أي خطوة هعملها إلا لما تتجوزي الأول وأطمن عليكي.
أومأت بإيجاب وعقلها غرق في أمر آخر أصرت على تأجيله وأوضعته في خانة الانتظار فكانت الخطوة الأولى رهن أن يخبرها مصطفى برغبته في الزواج، فقالت بهمس:
-اللي أنت شايفه يا بابا.
***
بعد مرور أسبوعين..
مرت الأيام عادية على نهى.. مسجونة في شقة خالد لا تستطيع الخروج، تتعامل بحذر مع والدها وأخيها تنفذ لهما أمرهما دون اعتراض، تنزوي في غرفة خالد طالما هو في عمله وعندما يعود تصبح الصالة مكانها تجلس أمام التلفاز لا تفعل شيء سوى متابعة أي مشاهد تمر أمامها تساعدها في مرور الوقت. وبالطبع لم يخلو وقتها من مشاكسة خالد أحيانًا يحادثها بجدية وصرامة تقلقها وأخرى يمازحها بسخرية.. لم يمر يوم سوى ويحضر لها الطعام معه فمعظم الأيام تشاركه الجلوس معه وأخرى تأكل وحدها وعندها فقط تشعر بضجر يحتل ملامحه. بدأت تشعر بالراحة معه والأمان حينما يكون موجود داخل الشقة.. بوجوده يمنع أي أحد من صفعها أو أي تطاول وقح مثلاً من أخيها، فأحبت كثيرًا وجوده أكثر من غيابه.. مثلما تنتظر الآن مجيئه كي يغادر ذلك الشيخ من الشقة.. فذهابه متعلق بمجيء خالد وما توصلت إليه أنه لا يعلم بحضوره في شقته.. فاضطرت للسكوت حتى لا تتلقى توبيخًا من والدها.. رغم أنها تشعر بعدم الراحة لوجود ذلك الشيخ وخاصةً بعد نظراته وتلميحاته الجريئة الوقحة.
انفتح الباب بقوة ودخل سمير متجهم الوجه قائلاً:
-بتعملي إيه؟
وقفت فور دخوله وهتفت بترقب:
-مفيش قاعدة...
قاطعها سمير بأمر صارم:
-طيب غيري هدومك واطلعي اقعدي مع الشيخ قاسم.
-اقعد مع مين؟!
رددت خلفه ببلاهة، فاقترب منها يدفعها بعنف للخلف ووقعت على الفراش مبتعدة بجسدها تخشى صفعة منه بعد أن ظهر الشر بعينيه:
-بصي أنا على أخري منك، اسمعي الكلام ومتضيعيش الراجل من إيدينا واخرجي اقعدي معاه.
ابتلعت لعابها وهي تشير برأسها بنفي وبتلعثم أضافت:
-لا مش هخرج.. الراجل دا بكرهه.
-بطلي تمثيل ويلا يا بت..
نهضت تمسك بذراعه تقول بتوتر من رد فعله:
-أنا مكنتش عايزة أقولك بس هو بيعاملني... يعني.. مش كويس بيحاول يمسك إيدي ونظراته...
بتر جملتها متحدثًا بهدوء أصابها بالصدمة:
-وماله... خطيبك وبي تصرف زي ما هو عايز.
شهقت بعدم تصديق وعادت للخلف قائلة بهمس:
-إيه؟
-أيوا.. خطيبك وأنا وأبوكي وافقنا والجواز بعد أسبوع.
***
خرجت مليكة من بناية موجودة في إحدى المناطق السكانية الهادئة، فتحت حقيبتها تبحث عن هاتفها الذي لم يهدأ من كثرة رنينه، فوجدت معظم الاتصالات من زيدان.. زفرت بهدوء ثم أجابت:
-الو أيوا يا زيدان.
-انتي فين؟
-أنا في المستشفى.
قالتها بضيق بسبب عدم رغبتها في الكذب ولكن ما اضطرت لفعله هو من دفعها لذلك.. ولكن ظهر صوته بوضوح وهو يقول بنبرة منفعلة شرسة:
-بتكذبي ليه؟
استدارت بفزع حينما شعرت بوجوده خلفها ولم تصدق حينما رأته يقف يضع يده في جيب سرواله والأخرى ممسكة بالهاتف، انتقل ببصرها بينه وبين البناية في ارتباك بينما كانت نظرات الاتهام تتراشق نحوها وكأنها حجارة تسقط من كل مكان..
رواية منك وإليك اهتديت الفصل الثامن عشر 18 - بقلم زيزي محمد
قال زيدان بملامح صارمة:
- ومحكتيش ليا ليه؟
كانت مليكة تخفض بصرها، تخفي نظراتها عنه بحرج بعدما كذبت عليه واكتشف هو كذبتها ببساطة. الأمر كان أشبه بدلو ماء وسكب فوقها بقوة. تمسكت بالصمت كخير نجاة من تأنيبه لها. نظراته المحملة بالغضب كانت تزداد قساوة، لشعوره بالضيق من صمتها الملازم لها الفترة الأخيرة. قال بنبرة غاضبة:
- ما تتكلمي، هو أنا هسحب منك الكلام.
رفعت عينيها المهددة بسقوط دموعها، ووجهها غاص في احمرار شديد، فبدت وكأنها على وشك الانفجار. همست بصوت مبحوح:
- مفيش كلام تاني.
ضغط بأسنانه فوق شفتيه السفلية بقسوة، مكورًا يده بقوة وكأنه يحاول التمسك بخيط التريث معها. لكنها تثير جنونه بصمتها وإصرارها على معاملته وكأنه شخص غريب عنها. كانت تلاحظ تعبيرات وجهه المنفعلة، فسمحت لحبال الصمت بالانفلات وحررت مشاعرها في كلمات كانت بدايتها مبعثرة:
- أنا بقيت عايشة في تعب أعصاب. متفكرش إنه سهل عليا أعمل كدا، بس دا أفضل حل ليا ولبابا مصطفى. بـ... بابا...
اطرقت لحظة تستجمع مشاعرها المبعثرة، تستعيد رباطة جأشها، ثم واصلت:
- بابا يستحق يعيش ويتبسط ويفرح بحياته. وجودي عقبة في حياته.
- ومحكتيش ليا ليه؟ يمكن كان عندي حل تاني غير إنك تروحي تأجري شقة، وفي الآخر هتكسري فرحته بردو.
رفعت عينيها الباكية تنفي بنظراتها ما يقوله، قائلة بحزن:
- أنا لما أقعد في شقة تانية أبقى كدا بكسر فرحته! بالعكس، أنا كدا بقدم له هدية إنه يكمل حياته مع الإنسانة اللي بيحبها. زيدان...
عاد السكوت يطرق أبوابه على طرف لسانها. فعقد ذراعيه، يركز ببصره عليها، يعطي لها فرصتها الكاملة في فك قيود عاطفتها لتحررها مما كانت تعاني منه. فاستكملت بضعف:
- بابا عملي كل حاجة حلوة. زمان كنت بشوف نظرات الشفقة من الجيران، مكنتش بفهم ليه. دلوقتي فهمت، هو دفن شبابه وحياته بسببي. على الأقل أديله فرصته ويعيش مع الإنسانة اللي بيحبها. ليه أكون عقبة لغاية ما أتزوج، وإحنا أصلاً مش عارفين هنتزوج إمتى؟
زفر زيدان بعدما أدرك حقيقة مشاعرها المضطربة ما بين الخوف على مستقبل زوج والدتها ولجوئها لخطوة مثل هذه. ولكن يبدو أن سذاجة عقلها تمسكت بمبررات واهية، غير مدركة حجم خطأ مثل هذا في حق زوج والدتها الذي ثابر بقوة في وجه كل من حاول إقناعه بتركها وحدها، وسلبه أبسط حقوقه في الاطمئنان عليها. فرد بصرامة:
- بردو ليه محكتيش ليا؟ يمكن كان عندي حل تاني؟
أجابت ببساطة أدهشته:
- وتشيل همي ليه؟ وبعدين هتعمل إيه؟ مفيش حل غير اللي أنا قولته. بابا مصطفى ممكن يزعل مني، بس أكيد هيفهم وجهة نظري، وفي الآخر أبقى رضيت ضميري.
- الموضوع مش بالبساطة دي يا مليكة. في مية حل تاني ممكن تعمليه وفي نفس الوقت تشتري خاطر الراجل اللي تعب عشانك.
كان صوته يحمل لمحات من العتاب. فهزت كتفيها بعدم اقتناع، قائلة:
- صدقني، أنا فكرت كتير ومفيش حلول.
بتر قولها بنبرة ساخرة وهو يقول:
- ومجاش في بالك إننا نتجوز مثلاً، وكدا تبقي فرحتي الراجل وحسستيه إنه أدى مهمته في الحياة ويتجوز ويعيش حياته بنفس راضية.
تعلق بصرها به بعدما ألقى بقوله بسلاسة زادت من ضياعها، فبدت وكأنها في دوامة، لا تعرف أيهما أكثر صواب. فخطوة مثل هذه كانت من المستحيلات. فبعد ما عاشته من قلق حول معرفة زيدان بأمر ماجد، لن تستطيع أن تقدم على مثل هذه الخطوة قبل أن تخبره. فكانت على وشك أن تهز رأسها بالرفض، ولكنها فوجئت بقوله بعدما أخرج تنهيدة مثقلة:
- بعد ما وصلتك الصبح المستشفى، جالي خبر إنه هيتم نقلي الأقصر. فرجعت عشان أقولك. اتفاجئت بيكي بتمشي من المستشفى. استغربت ومشيت وراكي...
قطعت حديثه بقولها الشرس:
- بتجسس عليا؟ شاكك فيا؟
- لا طبعًا. ومتحكميش عليا إلا لما تسمعي الأول. أنا اتصلت بيكي بس إنتي خرجتي التليفون من شنطتك ورفضتي المكالمة وكملتي في طريقك. استغربت ومشيت وراكي أشوف إيه ومالكيش حق تلومي، وإنتي غلطانة.
زمت شفتيها بضيق وصمتت، فلم تكن تملك أحقية الرد بعدما أقدمت على الكذب بكل ساذجة. ومع استمرار صمته، سألته بحزن امتزج فيه الضعف:
- يعني هتقعد فترة كبيرة ومش هشوفك؟
- آه للأسف. قبل ما أشوفك كنت عايز أت نقل، بس الموضوع اتأجل فترة. وبعدين بلغوني بالموافقة.
- ليه كنت عايز تبعد كدا؟
سألته بتعجب. فتجاهل تعجبها ورد بثبات ينافي تمامًا ما يشعر به من لغط كبير يجلجل حياته حينما حركته عاطفته وأوهم نهى بخطبتهما:
- مفيش، مكنتش مبسوط فكنت عايز أبعد.
هزت رأسها بتفهم. بينما هو واصل حديثه بإصرار:
- أنا شايف إن دا أنسب حل. هنتجوز في أسرع وقت.
- جواز إيه يا زيدان؟ الموضوع مش بالبساطة دي. بابا مصطفى هيرفض.
ردت بارتباك. فقال هو بهدوء:
- ليه يرفض؟ أنا أصلًا كنت مخنوق إن هسيبك فترة كبيرة مش هقدر أشوفك فيها. وإنتي كنتي هتسيبي البيت عشان هو يتجوز. يبقى دا أنسب حل.
ابتلعت لعابها وأصابها التوتر وهي تجيب:
- حتى لو بابا اقتنع، أنا مش حاسة إني جاهزة...
رمقها بشك، فرفعت يدها تمسح جبينها الذي تعرق بشكل ملحوظ، مما دفعها تردف بضيق:
- متبصليش كدا. أنا لسه قدامي سنة تكليف. الموضوع صعب جدًا.
- دي بسيطة يا مليكة. أقدر آخدك معايا في المكان اللي أنا فيه وأنقلك.
توسعت عيناها حينما استمعت لكلامه. فتع لقت بعينيه وسألته بترقب:
- إنت تقدر تنقلني من المستشفى دي؟
- آه طبعًا. في ثواني الموضوع يخلص. هو إنتي مش عارفة مخطوبة لمين؟
رمشت بأهدابها عندما انبثق شعاع الأمل من وسط ظلام فرض قيوده على حياتها. تسارعت أنفاسها وهي تفكر في الأمر. ولكن لم يعطيها زيدان فرصة، وذلك حينما استمعت له يقول بصرامة:
- فكري يا مليكة كويس. الموضوع كله في إيدك. بس موضوع إن تسكني لوحدك مرفوض.
***
وقفت نهى تواجه غضب والدها المتفاقم بعدما عاندت بشجاعة زائفة ورفضت الخروج للشيخ قاسم، مما أثار غضبه وحنقه واضطر للمغادرة. وكانت أقسى ما تتخيله نهى حينها أنها ستواجه عدة صفعات ونقاش عنيف، ولكن لن يفعل والدها بها شيئًا ضد رغبتها، وخاصةً بعدما علمت بنية ذلك الزواج. مجرد زواج عرفي مقابل مبلغ مالي كبير. انفجر الاندهاش فوق ملامحها وهي تواجه والدها وسمير معًا. فلم تصدق ما تراه منهما. لقد كانا يراها مجرد سلعة وستباع دون أحقية الاعتراض من قبلها. فتشجعت قائلة:
- لا يا بابا... لا.
لم تعرف من أين أتت تلك القوة الغريبة التي ظهرت فجأة أمام والدها، ولكنها جيدة، فقد ظهرت للنور في أكثر وضع كانت تحتاجه به، لتواجه طمع والدها وأخيها. وكما توقعت، تلقت عدة صفعات من سمير وهو يقول:
- إنتي هتسمعي كلامنا، مش هنحتاج منك رأي يا بت. هتتجوزيه يعني هتتجوزيه.
ارتجفت بخوف وهي تواجه الشر المتطاير من عينيه، فقالت بصراخ:
- إنت بتكرهني ليه؟ أنا اختك!
- اختي تسمع كلامي أنا وأبوكي. ولا إنتي يا مهزلة مستنية زيدان يحس بيكي ويعطف عليكي بالجواز.
صرخت مجددًا تقول بانهيار:
- أنا مش مستنية حد. سيبوني في حالي.
أبعد إبراهيم ولده بهدوء غريب تملك منه، واقترب منها ممسكًا بكتفيها قائلاً بنبرة هادئة تفوح منها الشر، فارتجف قلبها منه:
- يا نهى، دا مجرد جواز كام شهر وخلاص. فلوس الشيخ قاسم كتيرة، هتنسيكي إنه كبير أو إنه جواز عرفي.
حركت رأسها برفض ممزوج بالخوف، وذلك عندما تحولت نبرة والدها الهادئة لخشنة جافة:
- لازم تساعدينا نخلص من الديون اللي علينا. مهرك هيكون كبير. الشيخ قاسم هيموت عليكي وعنده استعداد يدفع دم قلبه.
ارتجفت بذعر وهي تراقب تحول ملامحه لتهديد مبطن لها إن أصرت على الرفض. فلم تقوَ على مواجهتهما، حيث تبددت قوتها أثر نظرات الحقد والكره المصوبة نحوها، وكأنها أصبحت عدوًا لهما بعدما أعلنت عصيانها. حاول سمير مواصلة الحديث، ولكن يد إبراهيم منعته حينما استمع لصوت خالد خارج الشقة، فقال سريعًا:
- ادخلي الحمام اغسلي وشك يا حبيبتي.
وجه حديثه لسمير قائلاً بأمر:
- وأنت تعال ورايا الأوضة.
تحركت نهى صوب المرحاض ودخلت برعب، تضع كفيها فوق رأسها تعلن ضعفها في حل تلك الكارثة. كيف ستنجو وهي تحت سيطرتهما! ممن ستطلب المساعدة والفوضى تحاوطها من كل اتجاه! لقد سئمت مما تعيشه، وخابت ظنونها مجددًا حينما فكرت أن الابتعاد عن زيدان سيعطيها قوة تستطيع من خلالها مواجهته بصلابة. لم تعرف أن المصائب ستتدفق فوق رأسها كاللعنات التي تصيب الإنسان موصومة به حتى الممات. فالأغرب أن عائلتها في حد ذاتها لعنة قاتلة وأصابتها. لقد ذاقت ويلات الخذلان منهم ولم يكتفوا بعد. فقدت إنسانيتها على أيديهم وضاعت ماهيتها وسط أطماعهم، فوقعت في فلك الظلام تتلقى الخيبات دون معالجة الماضي. وأي ماضي والحاضر أسوأ والمستقبل يهدد بصورة قاسية أرعبتها عما ستعيشه إن أرخضت على ذلك الزواج. عاد عقلها يعمل بجهد للخروج من تلك الكارثة، ولم تجد سوى والدتها هي من في يدها تنهي ذلك العبث. ولكن كيف ستصل إليها؟ ضغطت فوق رأسها وكأنها تحفزها للعمل بجهد أكثر دون لفت انتباه والدها أو أخيها. وبعد عدة ثوانٍ فتحت عينيها ببارقة أمل، ثم توجهت للخارج تبحث عن خالد. فاندفعت نحو غرفته بسرعة وفتحت الباب بقوة، ولم تدرِ أنه كان يبدل ثيابه بأخرى مريحة بعد يوم طويل بالعمل، فشهقت بخجل وأغمضت عينيها سريعًا تقول بتلعثم:
- والله ما شوفت حاجة.
انفرج فمه وهو يهبط ببصره قائلاً بتعجب ساخر:
- أنا لسه لابس البنطلون.
هزت رأسها وهي ما زالت على نفس الحالة، تشير بأصابعها نحو صدره في صمت. فأدرك مقصدها قائلاً:
- يا شيخة شككتيني في نفسي. أنا قلت البنطلون نزل من الصدمة.
جذب سترته القطنية وارتداها ثم قال:
- فتحي عينك، خلصت.
فتحت عينيها ومن ثم التفتت نحو غرفة والدها، وجدتها لا تزال مغلقة. فتنهدت بارتياح وتقدمت للداخل تغلق الباب خلفها. ثم تابعت خطواتها نحوه تفرك يدها بتوتر جعلته أسير كل رد فعل يصدر منها. فلاحظ تورم وجهها وعلامات حمراء ترتكز فوق وجنتيها. فمد أصابعه يلمس وجنتيها بغضب وهو يقول:
- هو في حد ضربك؟
أبعدت يده بخجل عنها قائلة بضعف وتوسل:
- عايزة أكلم ماما يا خالد. أنا محتاجة أكلمها ضروري.
أمسك ذراعها يسألها بصوت خشن صارم:
- مين ضربك؟ أكيد سمير. أنا هطلع...
بترت حديثه بوضعها لكفيها فوق صدره تمنعه برجاء خالطه البكاء:
- عشان خاطري اسمعني. عايزة أكلم ماما ضروري. ومعاياش تليفون أقدر أوصلها بيه.
زفر بضيق متجاهلاً اضطراب قاسٍ أصاب صدره بسبب لمسة كفيها فوقه بكل أريحية، متناسية ما يشعر به الآن أثر لمستها تلك. فقد انقسم داخله لنصفين، نصف يتمنى استمرار كفيها فوق صدره لوقت أكبر مع نظرة عينيها المتوسلة، ونصف آخر يجاهد عاطفته التي تدفعه لتقبيلها، وقد بات ذلك الشعور ملح الفترة الأخيرة كلما تعامل معها. وكان ذلك في حد ذاته أشبه بالوقوف فوق حافة هاوية، أما تحقيق رغبته والسقوط في بئر جنونه، أو أن يكون أكثر صمودًا معها والتمسك بعقلانيته التي باتت تختفي أحيانًا في حضرتها. لذا تحرك نحو الكومود والتقط هاتفه ثم فتحه وأعطاها إياه، ومن بعدها جلس فوق الفراش تاركًا إياها تكتب أرقام هاتف والدتها في سرعة وكأنها على وشك الموت. عقد حاجبيه عندما ابتعدت لأخر الغرفة وهي تضع الهاتف فوق أذنها وكأنها لا تريده يسمع ما ستقوله! مجرد بلهاء، فالغرفة صغيرة بقدر تجعله يسمع حتى صوت تنفسها السريع. أما نهى، فوجهت وجهها نحو الحائط، بل كادت تلتصق به تستمع لرنين الهاتف بنفاذ صبر، حتى جاء أخيرًا صوت والدتها الصلب، فسارعت نهى بقولها:
- الو... ماما. إنتي سامعاني؟
- نهى! إيه يا موكوسة قافلة تليفونك ليه؟
مسحت دموعها وهي تسارع بالحديث قائلة:
- مش وقته يا ماما... بابا وسمير عايزين يجوزوني.
- آه قالولي وأنا وافقت.
صدمة أخرى وجهت لها، فأصابتها بالشلل المؤقت، فقدت بها النطق وتجمدت بها أطرافها. ممن ظنت بها الملاذ، ولكنها كانت كالسراب. فتابعت ميرفت بصوت محمل بالأمل والطمع:
- فلوسه كتيرة يا بت وهتساعدنا في ديون المحلات. سفرك طلع بفايدة.
ارتجف صوتها وهي تخرج من حالة الخدر التي أصابتها، فقالت:
- دا راجل كبير، قد بابا... هيتجوزني عرفي...
- وماله؟ قد أبوكي يعني الجواز مش بالسن. وبعدين حكاية عرفي دي عشان ظروف البلد اللي إنتي فيها والوراق وكدا عادي. كلها أمور تتحل بشطارتك يا حبيبتي. حب الراجل فيكي وهيقلبه رسمي.
أغلقت نهى الاتصال عند هذا الحد، وتخبطت بين الألم والصدمة والخذلان. حتى والدتها وافقت على ذلك الزواج وكأنها سلعة تريد الخلاص منها. لقد أنهكت حقًا وانهارت ببكاء وهي تهبط نحو الأرض تستسلم بضعف. ولكن يد خالد منعتها، ناظرًا لها بعمق محفزًا إياها بالتحدث. فانطلقت تقول ببكاء متقطع:
- هيجوزوني عرفي لشيخ قاسم.
تركها خالد تسقط فوق الأرضية بعدما انهارت قواها وغادر الغرفة، معلنًا عاصفة عاتية من الغضب. فاستمعت لشجار عنيف بينه وبين والدها وأخيها. تحاملت على نفسها وجرت قدميها تراقب الوضع المحتدم بالصالة بين ثلاثتهم.
- إنتوا مجانين! إزاي تفكر تعمل كدا في بنتك يا خالي.
هز إبراهيم كتفيه بلامبالاة وابتسم ببرود:
- وماله؟ بنتي وأنا شايف دا الأنسب ليها.
- قاسم عمره ما كان أنسب. إنت كدا بتنهي عليها.
زمجر فيه سمير بغضب:
- وإنت مالك؟ أبوها وأخوها موافقين.
اقترب منه خالد بهجوم مهددًا بضربه، وذلك عندما كور قبضتيه مستعدًا لذلك:
- وهي رافضة. هتغصبوها ولا إيه؟
- لما تكون مش عارفة مصلحتها يبقى هنغصبها.
قالها إبراهيم بإصرار وضيق، فضحك خالد بسخرية والغضب يهدد بالانفجار في وجه خاله وابنه:
- مصلحتها ولا مصلحتكم.
- مالكش دعوة يا حبيبي، دي أمور عائلية بينا.
ارتفع صدر خالد أثر تنفسه السريع وأصبح وجهه مسودًا من شدة غضبه. فلم يجد نفسه سوى وهو يقول بتهديد:
- وإنتوا قاعدين في بيتي ومن حقي أدخل وأمنع المهزلة دي.
نظر إبراهيم لسمير نظرة طويلة ومن بعدها التفت بوجهه لخالد وهو يقول بنبرة تفوح منها الحقد والقسوة:
- وماله؟ من النهاردة هنسيب البيت. لم هدومك يا سمير إنت ونهى، يلا بينا.
انفلت زمام الأمور من خالد فجأة، فالتفت بوجهه لنهى الظاهر منها رأسها فقط حيث كانت تختبئ خلف باب غرفته. وجد التوسل يطفو فوق ملامحها. فأدار رأسه لخاله مجددًا يقول بهدوء تعجب منه سمير الذي رمقه بشك:
- خلاص يا خالي براحتكم. أنا نصحتكم كتير وفي الآخر دي بنتك.
لم تتوقع نهى رد فعله، فكتمت شهقتها وامتنعت عن النظر إليه بعدما تخلى عنها هو الآخر وأصبحت هي في مهب الريح وحدها. لم تستمع له وهو يستكمل حديثه، فقد هرولت صوب المرحاض تبكي بانهيار تحت أنظارهما.
- البيت بيتكم اقعدوا فيه لغاية ما تقرروا تمشوا. عم إذنكم.
انسحب خالد بهدوء. فتابع إبراهيم خطواته خلفه، محاولاً ألا يحزنه كي تسير خطته وفقًا لما يريده:
- يا حبيبي متزعلش من كلامي. إنت واحد منا بس جواز نهى دا موضوع شخصي شوية وله أبعاد تانية.
قطع خالد حديثه بقوله الذي أصر على إظهار اللامبالاة فيه:
- براحتكم والموضوع ميخصنيش فعلاً.
ربت إبراهيم فوق كتفه ومن ثم دخل الغرفة مغلقًا الباب خلفه. فتقدم منه سمير قائلاً بشك:
- ليه اتغير كدا؟
- ولا حاجة. أنا أحرجته، أصل خالد متربي وابن أصول وعنده دم. كان بيدافع عنها من باب الشهامة بس.
شرد سمير قليلاً ثم قال بعدها:
- نهايته. هنمشي نروح فين؟ عند الشيخ قاسم.
ضحك إبراهيم ساخرًا من تفكير ابنه الأحمق:
- نمشي فين يا مجنون أنت؟ لازم نعزز من اختك عشان قاسم يعلي من المهر شوية. وفي نفس الوقت مش عايزين شوشرة ونضمن نهى في إيدنا.
زفر سمير بحقد وهو يقول:
- نفسي أكسر عليها باب الحمام عشان تروح تستنجد بخالد الحيوانة.
- لا سيبك منها خالص. ومتضغطش عليها وفر مجهودك لموافقتها بالجواز.
أومأ سمير موافقًا على رأي والده، وفي نفس الوقت يتمنى أن يكسر باب المرحاض منفذًا بها أبشع طرق الضرب كي تحاول الاستنجاد بأحد، وخاصةً خالد. ولكنه اضطر للرضوخ لأمر والده، تاركًا تلك المسكينة تواجه مخاوفها بالمرحاض وحدها. فلم يعد أمامها سوى طريق واحد جربته من قبل وفشلت فيه، ولكن لن تترك نفسها لأهوائهم. ستحبط آمالهم حتى وإن لجأت للموت.
***
تابعت مليكة عملها بالمشفى وحديث زيدان لم يفارق عقلها. كلما مالت نفسها للموافقة والهرب معه لمكان بعيد لا يعرفها به ماجد، تعود مخاوفها تخرج من خلف قبضتيها وتصارع ذاتها بأن ما تميل إليه ليس سوى جنون وسيدمر حياتها. تنقلت بين أسِرة المرضى تتابع عملها بعقل حاضر أحيانًا وأحيانًا أخرى تغرق في عمق مصائبها. ولوهلة خُيل لها صوت ماجد يتردد في الغرفة الواسعة التي كانت تضم مجموعة من المرضى. استدارت ببطء وكأنها عروس خشبي، تنظر برعب جلي لمصدر الصوت. وها هو قد صُدم خيالها بواقع بشع حينما وقعت عينيها عليه يشير لها بالتحرك خلفه. ونبرته حازمة بقدر جعلها تتحرك خلفه بتروٍ بعدما لاحظت نظرات زملائها لها، بعضهم كان يقتله الفضول والبعض الآخر يساندها بتعاطف كبير:
- ورايا يا دكتورة.
تابعت السير خلفه وقلبها يدق بخوف رهيب، تمنعه من الظهور للعلن، فيستغل ماجد ذلك ويصيبها في مقتل. لن تسمح له وستظل على حالة الرفض، لعله يصيبه الملل منها ويتركها. ولكن متى قطع إجازته وعاد وهي لا تعلم شيئًا منذ الصباح؟ فأصبح ظهوره يشبه ظهور الأشباح المخيفة. دخلت غرفة مكتبه خلفه، ولكنها تركت الباب مفتوحًا. فأشار إليها بإغلاقه، ولكنها أبت وتعمدت أن تعلن تمردها عليه، مما أثار ذلك جنونه واندفع يهددها بشراسة:
- بلاش تتحديني يا مليكة، أحسن لك.
- عُمر الباب دا ما يتقفل علينا لوحدنا يا دكتور. قول اللي إنت عايزه وخليني أمشي.
خرجت نبرتها قاسية، فهاجمها باستنكار:
- شاطرة يا مليكة، باين إن وقت غيابي نساكي مصيبتك.
ابتلعت لعابها لعله يرطب حلقها الجاف ويهدأ من روعها، فردت بثبات تعجب منه:
- الكلام دا المفروض تقوله لنفسك. إنت اللي زورت الصور والمحادثات دي ومية ألف واحد يقدر يثبت دا.
ضحك باستهجان وهو يقترب منها خافضًا نبرته:
- دا اللي عقلك المريض صورهولك. هتخرجي من المصيبة كدا يعني؟ طب وصورك اللي بشعرك مزورة بردو؟
أثار جنونها وأشعل فتيل الغضب لديها بضحكاته التي لم تنقطع، بل استمرت وكأنه يلعب فوق أوتار تماسكها:
- دي سمعة يا حلوة، وشوشرة كبيرة أوي. وفي الآخر بردوا مش هسيبك إلا لما أنفذ اللي أنا عايزه، حتى لو وصلت إني أخطفك.
زهلت وهي تتابع حديثه الذي شارف على الجنون. فردت بنفور:
- اللي في خيالك لا يمكن يحصل. من رابع المستحيلات. واللي عندك اعمله. أنا مش هخاف منك.
- كذابة. الخوف هياكلك. والود دي أستغله في الوقت دا.
صمت للحظة يشملها بنظرات متفحصة، وكأنه يحاول زعزعة هيكل تماسكها. فتابع بهمس يشبه فحيح الأفاعي:
- واللي عندي كتير أوي ومش هسيبك إلا لما تكون كل حاجة براضيكي.
لوت فمها بسخرية كناية على مدى استهزائها به واستدارت لتغادر. فاستمعت لصوته يحلق بنبرة مرتفعة قاسية:
- حظك إن أنا لسه مخلصتش اللي ورايا وهكمل إجازة صغننة خالص ومن بعدها هتلاقيني هنا كل يوم. بس صدقيني مش هسيبك وقتها، والأوضة دي هتشهد على أمجادنا أنا وأنتي.
ومن بعدها ضحك بتهكم بعدما ألقى بتهديده المبطن، فأصابها الغثيان من مغزى حديثه الوقح. واتجهت صوب المرحاض تفرغ طاقتها بالغثيان بدلاً من الانقضاض عليه وقتله عمدًا. رفعت وجهها تطالع نفسها بالمرآة. أحست بتشوش يضرب خلايا عقلها، فتداخلت الأفكار ببعضها البعض وكأنها شبكة عنكبوتية. تسلل منها الصبر ونفذ في مواجهة ذلك الوقح الذي أصبح تهديداته أكثر وقاحة وجرأة. تعقدت الأمور أكثر، فبدت كسجينة مقيدة بأغلالٍ رهن لحظة تخشاها. عودته من جديد ستساعده في الضغط عليها. سلطته بالمشفى وعلاقاته تشعرها بكم هي ضئيلة، فالمواجهة بينهما غير متكافئة. لقد كرهت موقفها الضعيف وهواجسها المخيفة. تسعى للخلاص، ولكن كيف وهي لا تملك سوى إعلان رفضها له دون الإفصاح عن شيء. أغلقت عينيها ترغب في محو تلك المصائب وكأنها لم تأتِ لتلك المشفى ولم تقابل ذلك الخسيس. آه طويلة أخرجتها وهي تتخيل حياتها مع زيدان دون مخاوف تعيق سعادتها معه. فقد تلخصت أبسط أمانيها في الفرار من كارثة تلاحقها وتهدد بهدم أسوارها، وقد تكشف ما تخشى ظهوره للعلن حتى وإن كانت مجرد ضحية. فالمجتمع لم ولن يرحمها حتى وإن ثابرت وواجهت. حتمًا ستصطدم بعقول بشرية ترشقها بالاتهام ترفض تصديقها. فكل ما تعانيه بصمت يصب في خوفها من "المجتمع".
ارتفع رنين هاتفها يكسر الصمت المطبق على المكان. جذبها من عمق تفكيرها، فتنفست وكأنها كانت تستسلم للغرق ولكنها جُذبت للسطح عنوة. فالتقطت أنفاسها بقوة وما كان المتصل سوى زيدان. رفعت أنظارها للأمام تشرد للحظات في حديثه بالصباح وشعاع أمل زائف انبثق لها. فسارت خلفه كالمغيبة وتمسكت بطرفه علها تنهي ما يخفيها في صمت بعيدًا عن ماجد والمشفى بأكملها. وبالتأكيد باختفائها سينساها ماجد ولن تعود تزور أحلامه الدنيئة. جذبت نفس عميق تهدئ به اضطراب قلبها وارتجاف نبرتها وهي تجيب:
- إيه يا حبيبي؟ خلصتي؟ أبعتلك عربية تروحك.
شعور بالاطمئنان غزا روحها ودفعها لتجيب بابتسامة عميقة رغم أن عينيها كانت على آخرها بالدموع المتجمعة بها:
- زيدان.
همست باسمه بحب، فأجاب بهدوء:
-عيونه.
سكتت لبرهة تستجمع قوتها وهي تقول:
-أنا موافقة نتجوز. شوف هتقول لبابا مصطفى إمتى.
استمعت لنبرته السعيدة وهو يتمتم:
-لا مش أنا اللي هقوله. عندي اللي هيقوله ويقنعه كمان.
***
شعرت نهى بحاجتها للمياه، فخرجت من الغرفة واتجهت صوب المطبخ. وقبل أن تدخل توقفت تلقي بنظرة آسفة نحو غرفة خالد، فقد كانت تتمنى أن يستمر في الدفاع عنها ويقنع والدها بإنهاء ذلك الزواج، ولكنه تخلى عنها بكل بساطة ولم يحاول من أجلها! وقد توسمت فيه بسبب شهامته ونبله. تابعت خطواتها نحو المبرد والتقطت كوب المياه ترتشف منه القليل، ولكنها شعرت بوجوده خلفها. التفتت سريعًا فوجدته خلفها مباشرةً يمسك يدها يمنع سقوط كوب المياه أرضًا فقد يستيقظ خاله أو ولده الأرعن ويكشف مخططه.
- اسمعني بهدوء عشان ولاد ****** دول ميصحوش.
تجاهلت سبه لعائلتها وركزت معه وهي تقترب منه أكثر كي تسمعه، ولم تدرك أن المسافة بينهما أصبحت شبه منعدمة، فخفق قلبه بقوة وهي ترفع بصرها كالهرة حينما تستعطف أصحابها. ولوهلة كاد أن يفقد أعصابه ويقترب منها يلثم شفتيها هامسًا لنفسه:
- كدا كدا رايح في داهية.
اقترب برأسه منها، فسألته بقلق وعدم فهم:
- داهية إيه؟!
تراجع عما كان يريد فعله ودفنت أمنيته مع باقي أمنياته وهتف بحنق:
- طول ما أنا ماشي وراكي هروح في داهية.
اخفضت بصرها بحرج قائلة:
- خلاص، أنا فهمت كلامك النهاردة ومش محتاجة مساعدتك.
رفع ذقنها للأعلى بطرف أصابعه، فواجهت عينيه اللامعة تحت ضوء الإنارة البسيط:
- أنا مش هتخلى عنك ومش هسمح يحصل فيكي كدا أبدًا.
رمشت بأهدابها غير مصدقة:
- بجد يا خالد؟ هتكلم بابا تاني؟
- لا اكلم أبوكي إيه؟ إحنا سيبنا من الأدب ونبدأ في قلة الأدب. أهلك مش عايزين إلا كدا. اسمعني كويس يا نهى واتصرفي زي ما أنا هقولك.
أومأت بحماس والأمل يشق صدرها المظلم، تتمسك بعينيه وكأنها طوق نجاة للخروج من بحر معتم أمواجه هادرة كادت أن تقتلها.
رواية منك وإليك اهتديت الفصل التاسع عشر 19 - بقلم زيزي محمد
أنا شايف الموضوع بسيط يا عم مصطفى، مكبره ليه بس!
صدح صوت يزن بلطف محاولاً اقناع مصطفى بزواج مليكة وزيدان في نهاية الشهر.
ولكن الرفض حلق فوق تقاسيم وجه مصطفى، مما أثار ضيق زيدان. وبنفس الخطى التي رسمها يزن تمسك بالصمت حتى لا يثير أي بلبلة قد تؤدي إلى رفض قاطع من جانب زوج والدتها.
وفي الحقيقة أن زيدان قد استنزف جميع قواه في اقناع يزن ووالدته. وقد استغرق الأمر منه يومين كاملين في مجادلات حادة وأحيانًا هادئة لم يخرج منها بشيء سوى احساسه بالفشل وخوفه من فقدها بعدما اقتنعت برأيه وتقبلها بمساعدته من خلال زواجهما.
لن يكسر بخاطرها ولن يتحمل فكرة ابتعادها عنه. ربما تريد الحياة مكافئته عما يعانيه من جلد ذاته بسبب نهى. ورغم أنه حاول الوصول لها مرارًا وتكرارًا إلا أنها اختفت تمامًا عندما سافرت، فاختار الانتظار وفور عودتها سيخبرها بكل شيء ويغلق تلك الصفحة بل سيدفنها في قناع النسيان وكأنها لم تكن.
ولوهلة شعر زيدان بمدى تعلقه بوجود مليكة في حياته، فبدأ عقله يقتنص كل فرصة في الاقتراب منها حتى لو كان على حساب مخاوفه التي تجسدت في سليم أخيه.
عاد بانتباهه للحديث القائم بين مصطفى ويزن أخيه، ويبدو أن يزن جيد بالإقناع حيث اختتم قوله بابتسامة واسعة:
خلاص يا عم مصطفى قوم اسال مليكة واحنا مستنين.
زفر مصطفى في هدوء ثم نهض متجهًا صوب غرفة مليكة وتركهما يتحدثا بهمس.
وكانت من البداية من قبل زيدان:
إيه وافق!
وأنت كنت نايم ولا عقلك مشغول بالجوهرة بتاعتك.
رفع زيدان جانب شفتيه في غيظ وهمس بحنق:
احترم نفسك وليها اسم تقوله.
لا لو سمحت تحجر على رأي هرجع في كلامي.
لاح التهديد بنبرة يزن حيث تعمد اخراجها مستغلاً كل فرصة في اذلال زيدان. وقد أدرك زيدان ذلك ورفع حاجبيه غير مصدقٍ وقاحته:
أنا اللي راجل اهبل عشان اعتمد على واحد زيك.
ضحك يزن بتكبر ورمقه بتحدٍ:
هيخرج دلوقتي ومعاه موافقته، ووقتها هتعرف أن انت اختارت الشخص الصح.
أشاح زيدان بوجهه بعيدًا متظاهرًا بلامبالاة رغم انه داخله كان يحترق شوقًا لتلك الموافقة التي ستبدد جزء كبير من الظلام المحيط بحياته. اما يزن فتعلقت عينيه بأخيه الذي مهما حاول إظهار تجاهله إلا انه يتمنى انهاء ذلك الأمر بما تميل إليه نفسه.
ورغم أنه ثار برفض قاطع عما أخبره به زيدان ومحاولته الجادة في اقناعه هو ووالدته في اتمام الزواج في أسرع وقت إلا انه استكان بعدما علم السبب الرئيسي في سرعة زيدان في الزواج منها. لن ينسى نظرة الشفقة في أعين والدته عليها حتى انها أخبرته برغبتها في اقامة مليكة معهم وبالنهاية لن يضطر للجوء لفكرة الزواج من الأساس ولكنه رفض وتمسك برأيه حينها لمح يزن شبح الخوف المسيطر على أخيه المتمثل في فقدانها.
فكل محاولاته تصب في بئر تملأه رغبة وجودها بجانبه دومًا، لذا رضخ واعتبر أن العراك مع سليم سيكون جامع للخطوبة والزواج معًا وسينتهي الأمر بالتأكيد دون عناد من قبل سليم فهو كان يخشى تعنت سليم ومحاولاته لبث الربكة في اتمام الزواج لمجرد معاقبتهم فقط.
***
بداخل الغرفة...
كان الصمت يسود بين مليكة المتوترة ومصطفى المعاتب لها بنظراته، فكانت تبتعد بقدر كبير عنه حتى لا تواجه اعصار غضبه منها بسبب اعلانها لموافقتها على الزواج بتلك السرعة وهذا ما يرفضه بالمرة. وقد حركته فطنته أن السر في ذلك هو رغبتها في اتمام زواجه هو الأخر فبدون قصد اخبارها أن زواجه متعلق بزواجها هي الأخرى لذا لجئت تلك المسكينة على الموافقة.
فقرر نفض غضبه بعيدًا وصب تركيزه في محاولة اقناعها بكل ذرة صبر لديه:
يا حبيبتي زيدان ابن ناس وكويس ووظيفته ما شاء أي حد يحلم بيها، بس أنا رفضي للجواز مش متعلق بكدا بالعكس أنا بديكي فرصة تتعرفي عليه أكتر.
سيطرت على رجفتها ورفعت عينيها الحزينة ترمقه بتردد:
ما أنا اتعرفت عليه.
في اسبوعين وكام يوم يا مليكة!
ظهر الضيق بصوته، فعادت تهذي بأي مبررات:
مش بالمدة يا بابا..أكيد في ناس بتقعد فترة كبيرة ومبتقدرش تحكم على اللي قدامها..
قاطع حديثها بصرامة امتزج بها العتاب وذلك عندما قال:
أنا عارف السبب الحقيقي اللي خلاكي توافقي.
جف حلقها وهي تنفي بارتباك وصوت مهزوز:
لا مفيش سبب ولا حاجة أنا مقتنعة بس.
مجددًا قطع حديثها غير مصدق ما تتفوه به فالحقيقة تتجسد بعينيها:
أنتي عايزة تتجوزي عشان انا اتجوز...أنا عارفك وفاهمك كويس.
تملكت البحة من صوتها وهي تحرك رأسها بنفي:
لا خالص زيدان قالك السبب كل الموضوع يا بابا انه هيبعد فترة كبيرة فقال نتجوز ومنضيعش وقت، أنا وهو ناضجين يا بابا ونقدر نتغلب على اي حاجة مخوفاك.
ضيق مصطفى عينيه غير قادرٍ على فهم ما يجول بعقلها، فحاول اثارة جلجلة بعقلها حتى تظهر ما تخفيه:
مليكة لو موضوع جوازي دا ضايقك، فأنا ممكن الغيه ومفكرش فيه خالص.
سارعت بالرفض قائلة بحزم:
بابا متلغيش حاجة وتحسسني بالذنب أكتر، أنا مقتنعة برأي زيدان..
أطرقت للحظة تدرك تهورها في الحديث، فأسبلت ذراعيها بإنهاك واضح قائلة بأسف:
دا طبعًا بعد موافقة حضرتك.
صمت طويل غرقا به حتى هتف مصطفى بموافقته المصاحبة لنبرة لوحت بعدم رضاه ولكن مليكة تجاهلتها بالسكوت معتقدة أن أمر حزنه منها سيتخطاه بمجرد زواجه وبالتأكيد ستنسيه الأيام تعارضها لرأيه.
تركها مصطفى وغادر الغرفة يبلغ زيدان بموافقته، بينما هي عادت بحسدها للخلف ترقد فوق الفراش، تنظر لسقف الغرفة بتفكير ومشاعرها قد أنهكت في المحاربة في اتجاهات لم تعد تعلم متى ستنتهي، بداية من ماجد وضغطه عليها للرضوخ لشيء قذر ينافي دينها مما يثير ذلك الاشمئزاز والكره لديها، ومحاولاتها في انقاذ حياة مصطفى لاعتقادها أنها تمثل عقبة قوية في استكمال حياته بالشكل الذي يتمناه رغم أنه لم يصرح ذلك ولكن ربما هو لا يدرك تلك النقطة بسبب مشاعره الابوية نحوها فأبسط حقوقه وأقل تقدير يحصل عليه هو ابتعادها عنه حتى يحظى بمحبوبته، مرورًا لخوفها من فقدان زيدان..تريده بكل جوارحها.. هوببساطة الهدى بعد ضلال جامح نجح في فرض طغيانه عليها، ينقصها شيء واحد هو الاطمئنان له حتى تخبره بكل شيء وتطلب منه مساعدته وداخلها يطمئن لعدم تخليه عنها وألا يجد الشك طريق بينهما..فإن كانت فترة حبهما في السابق سبعة أشهر ومن بعدها افترقا لسنوات لم تكن كافية لفهم مكنوناته بالكامل وخاصةً بعد غيابه كل تلك السنين..ماذا حدث بشخصيته؟ هل تغيرت طباعه؟ ورغم مخاوفها إلا أن الحنين والحب الكامن بقلبها له يدفعها نحوه بكل جنون فباتت تشعر بعدم تريثها معه وأن زمام الأمور تفقد منها تدريجيًا وخاصةً بعد تمسكه بها بهذا الشكل فهل سيكون اصراره مجرد تعلق مرضي تمثل في رغبته بالحصول عليها أم أن مشاعره اصبحت أكثر نضج ووضوح لذا يرفض التخلي عنها.
يا رب اكون بتصرف صح...
أسبلت أهدابها وعادت تهمس بحزن خالطه الأمل:
مجرد وقت اقدر احكيله كل حاجة وانا مطمنة.
***
وقفت نهى تصنع كوب شاي ساخن لخالد وعقلها يشرد في عالم آخر فلم تنتبه لسمير الواقف بجانبها يرمقها بشك إلا عندما أصدر صوت فانتبهت وحولت بصرها له، قابلت نظراته الغامضة مما فجر ينابيع القلق بعينيها فقالت بصوت مرتبك:
نعم يا سمير!
عملتي الشاي لخالد؟
أومأت وهي تقدمه له قائلة بحرص:
اه اتفضل اهو.
ادخليه انتي.
حمحمت محاولة تنظيف حلقها وهي تقول:
لا اديله أنت، مش عايزة ادخله.
ابتسم بتشفي وهو يقول:
ليه مش كرهتيه عشان محاولش يدافع عنك.
ابتعدت ببصرها عنه ورسمت الحزن فوق ملامحها فاقترب منها سمير يهمس باستهزاء واضح لها:
مشكلتك يا نهى انك عبيطة، فاكرة ان خالد أو امك هيدافعوا عنك، متعرفيش أن خلاص جوازك من قاسم مفيش رجوع فيه، بطلي أنانية وتفكير في نفسك شوية.
قبضت فوق رخام المطبخ ونظرت له بلوم قسم قلبها لشطرين وهي ترى الكره المنبثق من عدستيه نحوها:
وأنا لما ارفض اتجوز واحد عرفي وقد ابويا ابقى كدا أنانية.
حرك رأسه بتبجح وهو يقول:
طول عمرك بتفكري في نفسك ازاي تتخطبي لزيدان ..ازاي سي زيدان يحبك انتمائك لزفت زيدان وبس واحنا آخر اهتماماتك، وقولنا ماشي طالما دا اللي بتحبيه.
ابتسمت باستنكار وهي تردف:
لا علشان دا كان هيبقى في مصلحتكم لما زيدان يتجوزني سليم يتجنن فيها وانتم كدا قدرتوا تقهروا سليم مش صح؟
رفع احد حاجبيه لجرأتها في الحديث ولكنها لم تخشاه واستكملت:
ولما لقيتوا مفيش رجا من زيدان، قررتوا تبيعوني لشيخ قاسم واهو فلوس كتير هتدخل من ورايا.
قبض فوق ذراعها يعنف بقوة:
وانتي مستكترة علينا يا بت نكسب شوية فلوس من وراكي، طول عمرك مالكيش لزمة..ويوم ما يكون ليكي لزمة تفكري تعترضي.
كتمت اهانتها بصعوبة وهزت رأسها بموافقتها قائلة:
تمام..أنا وافقت خلاص عالله تكونوا كدا رضيتوا عني.
داهية تقرفك وتقرف شكلك عيلة مالكيش أي صنف اللزمة.
اطرقت رأسها للأسفل تمنع نفسها من التأثر بسبب أسلوبه الفظ والوقح، فانتبهت لقوله الحازم:
دخلي الشاي لخالد يلا.
أومأت بصمت وحملته بحذر ومع استمرار خطواتها لاح بداخلها صوت يدفعها بالالتفات نحو سمير والقاء كوب الشاي بوجهه وهكذا تشفي غليلها منه ولكن يبدو أن تخيلها الشرس اصطدم بصوت اغلاق الباب في وجهها فتحت عينيها تنظر للباب والدها المغلق، استغفرت بسرها وتمسكت بالكوب بقوة تمنع نفسها من الانسياق خلف أفكار الشيطان التي قد تدفعها نحو الهاوية.
دخلت غرفة خالد بعد ان طرقت الباب وسمح هو لها بالدخول، اغلقت الباب وتوجهت صوبه وملامح وجهها تسرد كم كانت تعاني بالخارج من توبيخ قاسٍ، فوضعت الشاي بجانبه حيث كان يرقد فوق الفراش يضع يده فوق رأسه متصنعًا التعب:
الف سلامة يا خالد.
امسك ذراعها وجذبها للأسفل نحوه وهو يهمس:
أنا دور المريض دا مش لايق عليا.
ارتجفت من لمسه يده فوق يدها ولكنها تغاضت وهمست بتوتر:
أنت اللي قولت كدا، اعمل إيه اقولهم انك خفيت.
رمشت بأهدابها في براءة فنفى سريعًا:
لا طبعًا معنى كدا هنزل الشغل، وأنا مينفعش اسيبك معاهم.
ابتسمت بامتنان له، فاحتضن كفها بين كفيه وهو يقول بحنو:
استحملي يا نهى، كلها أيام ونخلص من الهم دا.
تركت نفسها للتلذذ بشعور الاطمئنان لقد كان لذيذ يتخلله رقة داعبت قلبها الخائف ولكن بمجرد النظر لخالد يضمحل أي خوف لديها.
أنا خايفة اكون بضر شغلك.
متخافيش شغلي وأنا هعرف احافظ عليها، اول ما اطمن عليكي وانتقم من ابوكي واخوكي هرتاح.
اهتزت ابتسامتها بعد ان اكتشفت هاجس خطير يتمثل في عدم رؤيته مرة ثانية فكيف ستحظى بطمأنينة ناعمة وحده يملكها، حتى نظراته تلك ستفتقدها بمجرد غيابه عنها ولكنها كتمت ما يعتمل داخلها وتنهدت بصمت تومئ برأسها في اقتناع:
ربنا يوفقك يا رب زي ما بتحاول تساعدني.
ربت فوق كفيها بحنو بالغ، ولكن خيال ما جذب انتباهه أسفل فتحة الباب بالأسفل، فسارع بعلو صوته قائلاً:
لازم تسمعي كلام أهلك يا نهى، اكيد ابوكي واخوكي...
اخفض نبرته قليلًا واخرج سبه داعب لسانه فاطلق لها الصراح:
*****
ثم عاد وارتفع صوته من جديد:
عايزين مصلحتك، رغم اني بكره الشيخ قاسم بس هما اهلك وهما ادرى بمصلحتك.
تعجبت نهى في بادئ الأمر ولكن مع ملامح وجهه وهو يشير للأسفل الباب وغمزة عينيه ادركت مقصده ولبلاهتها لم تستطع مجاراته فحثها بالحديث مما دفعا لتخرج صوتها المتلعثم:
أنا خايفة منه اوي.
جذبها نحوه اكثر حتى فقدت اتزانها وجلست بجانبه تستمع تحذيره الموبخ لها، حيث اقترب منها برأسه وهمس بأذنها:
ما تقوليلهم احسن اللي أنا قولتلك انه سادي وابن*** وبيضرب اي واحدة بيتجوزها.
التفتت بوجهها تنظر له فلم تدرك أنها بالقرب منه بهذا الشكل إلا عندما قابلت عينيه حيث استطاعت رؤية خيوط العسل المتداخلة بعدستيه المتمردة ودون إرادة منها وقعت في سحرها وتركت نفسها لمشاعرها المبعثرة بسبب انفاسه الساخنة التي كانت تلفح وجهها بنعومة وبنفس الوقت كان كفيهما يتشابكان برقة، ربما حينها عاطفتها كانت مبهمة عكسه فكانت عاطفته تدفعه نحو الجنون مرة أخرى ولكنه استطاع التمسك بطرف خيط الواقع بعد أن سرح بخياله في تذوق شفتيها..فابعدها عنه بعنف وهو يلهث بقوة:
الجو حر..شغلي التكيف.
ابتلعت لعابها عله يرطب جفاف حلقها وهي تشير بأصابعها:
شغال.
بجد اطفيه بقى عشان بردان.
عقدت حاجبيها بعدم فهم لِمَ يحدث له، فاستدرك نفسه وغمز بطرف عينيه يخفي حقيقة ما حدث له نتيجة اقترابه منها:
عيان وكدا..
ضحك بخفة وهو يخفى نظراته عنها...
بينما وقفت تنظر له تحاول سبر داخله وذلك بعد أن أصابها بالربكة في عدم فهمه..احيانًا يسدل ستار الغموض عليه وأخرى تنقشع الغمامة عنه وتستطيع فهمه بوضوح، تنقلت بين تقلبات طباعه بفضول، بينما هو كان يخوض معركة ضد احاسيسه المتأججة معركة لا يعلم شراستها إلا هو.
***
داخل غرفة ابراهيم كان يستمع لسمير بتريكز وابتسامة نصر تحلق فوق شفتيه:
قولتلك خالد مبيحبش وجع الدماغ ومش هيفكر يحاول معانا تاني.
اللي حارقني البت اللي مُصرة تفركش الموضوع، قال أيه خايفة من قاسم.
قالها سمير بحقد، فحرك ابراهيم رأسه بإيجاب:
حقها متنساش انه راجل كبير، بس بكرة لما تغرق في فلوسه هتنسى فرق السن وتشكرنا.
كور سمير يده بضيق امتزج فيه الطمع:
كل خوفي تتجوزه وتنسانا، البت دي لازم متطلعش من تحت ايدينا.
أنت شد عليها وأنا هرخي خالص خليها كدا تايهة ومش عارفة تعمل إيه.
هز سمير رأسه بإيجاب وقال بتأكيد:
وأنا بعمل كدا فعلاً، وكلها أيام وتتجوزه، بس ربنا يهدي الشيخ قاسم أصله مش مبطل زن عليا.
سيبه كدا خلي شوقه ليها يزيد واحنا نضغط ونعلي المهر أكتر.
اختلطت ابتسامتهما بالطمع والمكر وقد اضمحلت انسانيتهما جراء السعي في تحقيق اطماعهما التي لن تجدي سوى بضلال يزهق أرواحهما.
***
ضربت منال بيدها فوق ركبتيها تندب بخوف وهي تواجه زيدان ويزن معًا:
يالهوي على اللي هنشوفه من سليم لما يرجع، يا ابني استني بس شوية.
مش هينفع يا ماما، أنا المفروض اسافر خلاص لازم اخلص كل حاجة.
قالها زيدان بضيق فتابع يزن بقوله:
متخافيش يا ست الكل لو على سليم أنا اللي هتحمل كل حاجة.
ابتسم زيدان باستهزاء:
مضحي اوي، على أساس أني مش هنول من الحب جانب... دا أنا هشربه كله.
غمز يزن له ومال نحوه بشقاوة:
كله من أجل الجوهرة.
ضغط زيدان فوق لحم شفتيه السفلية من الداخل يهتف بغيظ:
مش هتعصب يا يزن..مش هتنجح انك تعصبني.
وانت تقدر..مين اللي خلص الموضوع في لمح البصر.
وضم اصبعيه كناية على سرعته، فهز زيدان رأسه موافقًا على مضض، فرمقه يزن بطرف عينيه بفخر ولكن حديث والدته جذب انتباهه:
أنا مش عارفة ايه بيحصلنا، كل ما اقول الدنيا هتروق ترجع تولع اكتر.
هب زيدان مغتاظًا:
تولع عشان هتجوز الانسانة اللي بحبها ومش هستنى سليم..هو انتي شايفني فرحان اوي وهو ومش موجود كل حاجة غصب عني وانا مش هتخلى عنها وسليم المفروض يقدر كدا.
هو يعرف عشان يقدر.
قالتها منال بغضب، فنهض يزن محاولاً امتصاص غضب اخيه بقوله الهادئ الرزين:
يا ماما سليم اللي في دماغه بيعمله، وبعدين احنا منعرفش رجوعه امتى..وكل لما نسأله بيتهرب مننا وكأنه مش عايزنا ندخل في حياته تاني، خلاص بقا كل واحد يعمل اللي هو عايزه، طالما مفيش ضرر.
يا بني مش ضرر دي أصول يا يزن.
والأصول ممكن نغيرها عشان الظروف اللي بتجد علينا، زيدان كان واضح معانا وحكالنا ظروف البنت رغم أنه مش مجبر يعمل كدا.
تابع زيدان حديث يزن ووالدته وقد اعجبه مدى قدرة يزن في فهمه وادراك ما يجول بخاطره، فأخيه يملك خاصية مميزة في اقناع من حوله بما يريده لذا تركه يقنع والدتهما وانسحب بهدوء للغرفة، ولكن منال أبت واستكملت في اظهار اعتراضها:
طيب لما أنت شجاع اتصل على سليم وقوله.
اقترب يزن منها وهبط على ركبتيه يقول بنبرة حانية:
ونزعله مننا وهو مشغول بشمس وخايف عليها، وكمان يا ست الكل انتي ادرى واحدة بعند سليم وهيتشبث برأيه..وفي النهاية زيدان قلبه هيتكسر وهو البت الغلبانة التانية.
دا على أساس اخوك همه اوي اخوه الكبير.
قالتها منال بضيق رغم التعاطف الكبير الذي بدأ في فرض هيمنته عليها واخماد حالة الرفض التي تلبستها:
بالعكس زيدان يهمه سليم، بس الظروف كانت اقوى منه، وبعدين البنت مش عايزة فرح وهياخدها ويسافر في سكات يعني مفيش فرح اصلاً.
وسليم لما يرجع.
ظهرت نبرة القلق بنبرتها، فربت يزن فوق ساقيها:
هتتحل ان شاء الله، ولما سليم يسمع كل حاجة هيفهم ويقدر صدقيني بس هو شوية تكسير على عصبية على زعيق هنتحمله والموضوع هيعدي.
تنهدت منال بشرود والخوف دق أبواب قلبها:
يا خوفي يا بني من اللي جاي، سليم صعب ومش هيعديه بالساهل.
مازحها يزن بلطف وهو يقول:
متخافيش هبقا اقوله انك مالكيش دعوة بحاجة.
رمقته بعتاب حينما لمس وتر تخشى ظهوره وتحاول اخفائه فاستكمل برفق:
مش عيب انك تكوني خايفة على زعله أنا فاهم ومقدر اللي حاسة بيه، بس صدقيني هتعدي وفي نفس الوقت قدرنا منخسرش زيدان.
لاح عدم الفهم من نظراتها فهمس يزن وهو يشير نحو غرفة زيدان:
دا مجنون.. متهور لازم نحتويه ونقدر ظروفه ومشاعره ممكن يفكر اننا منحازين لسليم على حسابه، لازم نمسك العصاية من النص.
صمت للحظات ثم عاد وواصل حديثه بجدية:
هيتجوزها ويسافروا ولما يبقى يرجع سليم هناخده على الهادي أنا وأنتي وواحدة هيتقبل الموضوع ان شاء الله.
نظرت للأعلى قائلة بتمني:
يا رب يا يزن.
***
مرت الأيام سريعًا على مليكة..وتمت اجراءات نقلها في عدم فهم اثار الفضول لدى زملائها وخاصةً فرح التي حاولت الوصول لماجد ولكنه يرفض جميع اتصالاتها فاستسلمت بالنهاية وتركته يتلقى خبر انتقالها بالصدمة التي تليق به وحينها ستشفي غليلها منه رغم أن هناك شعور حاقد لديها بعدما لم تخوض مليكة نفس تجربتها فـ لازلت تترفع وتملك الحظ في طريقها...
أما مليكة كانت تتسوق في المول بناء على طلب مصطفى حيث أصر على شراءها لملابس جديدة رغم رفضها..ولحظها لحمت في إحدى المحلات شريهان زميلاتها فسارعت مليكة بالركض نحوها وهي تقول:
شريهان...شريهان.
استدارت شريهان التي كانت برفقة والدتها تنظر لصوت المنادي لها وفور رؤيتها لمليكة تقدمت منها واحتضنتها:
مليكة وحشتيني اووي.
عناقتها مليكة بحب حاولت اغداقها به وكأنها تربت فوق جراحها، شعرت ببكائها فابتعدت ترمقها بتعاطف:
متعيطيش يا شيري أنتي اقوى من كدا.
قوليلها يا بنتي انه نصيب.
ربتت والدة شريهان فوق ذراع مليكة فابتسمت لها برضا، ولكن صوت شريهان صدح متقطعًا:
لا دي غلطتي عشان اتسرعت في الجواز، مكنتش اعرفه على إيه الكلب الحيوان.
لم تجد كلمات لديها لتساند بها شريهان بينما استمرت الأخرى قائلة:
يلا الحمد لله دا نصيبي وربنا يسامحه.
بابكي وصل يا شريهان.
أومات الأخرى بحزن فسارعت مليكة بتوديعهما مع بث القوة لدى زميلاتها من خلال كلمات بسيطة أخيرًا وجدتها في قاموس حياتها البريء.
تحركت من بعدها مليكة تتخبط بين جنبات عقلها، ولكنها نهرت نفسها سريعًا فالفرق واضح بين زوج شريهان وزيدان..فالحب يتجسد في حبال الوصال بينهما وبالتأكيد سيكون له دور في ذلك، غير انها لم تعد تملك وقت للتراجع فزواجها غدًا ومن بعدها ستبدأ حياة جديدة معه..حاولت تهدئة نفسها فاهتدى عقلها لفكرة مالت نفسها إليها وبتحقيقها ستشعر بالاطمئنان، لذا رفعت هاتفها وقررت الاتصال بزيدان والحماس يُكمل جوانب فكرتها فالأول مرة يتفق قلبها وعقلها معًا..هي فقط تبحث عن الأمان وعند تحقيقه ستحلق عاليًا كطير صغير أهلك خوفه من التحليق جناحيه.
***
بقالك ساعة بتلفي وبتدوري وأنا مش فاهم أي حاجة منك.
ظهر الحنق فوق ملامحه، فزفرت مليكة بضيق:
أنت موترني.
توسعت عينيه ونظر لها بتهكم:
دا كله موترك، طب إيه رأيك اغمض عيني وتقولي.
شعرت بالاستهزاء يلوح من نبرته، فخصته بنظرة عتاب وعلى اثرها تراجع قائلاً باستسلام:
طيب قولي يا حبيبتي اللي انتي عايزاه، في مية حاجة لازم اخلصها قبل بكرة.
لعقت شفتيها بتوتر وخجل وهي تقول:
يعني...ينفع نتعامل على اننا صحاب...
ظهرت البلاهة فوق وجهه، فسارعت بتفسير قولها بوضوح:
اقصد يعني بعد ما نتجوز.
كانت ملامحه ساكنة ونظراته مبهمة فاستكملت بخجل وكلمات شريهان تسبح في تفكيرها:
انا نفسي اقرب منك اكتر تعرفني واعرفك.
طرق بأصابعه فوق الطاولة التي تفصل بينهما معطيًا لها فرصتها في الحديث أكثر، فعبرت عن مخاوفها بارتجافة قوية في صوتها:
اه احنا بنحب بعض، بس بعدنا عن بعض سنين كتيرة أنت أكيد اتغيرت فيها وأنا كمان، الخطوبة كنا هنفهم فيها بعض اكتر بس اللي حصل خلاني بقيت متوترة أكتر.
تعمق بنظراته داخل عيناها اللامعة بوميض الخوف ورغم ذلك شعر بها فحاول الحديث ولكنها منعته واستكملت بشجاعة:
وكمان يعني أنا اتحرمت من حاجات كتير البنات بتعملها، زي ان اجهز شقتي واعيش معاك ذكريات نفضل فاكرينها..في حاجات كتير غايبة عني فيك وانت كمان أكيد في حاجات نفسك تفهمها فيا ودا مش هيكون الا لما ندي لنفسنا فرصة نتعرف على بعض.
صدح صوته ساخرًا وابتسامة حمقاء شقت شفتيه الصلبة:
واحنا صحاب طبعًا.
اسبلت اهدابها ثم فركت يدها بتوتر قائلة بهمس حزين:
لو مضايق من كلامي خلاص...
خلاص أيه بقى نمشيها اصحاب وماله....طب متمشيش معاكي مخطوبين.
رفعت بصرها والأمل يغزو حياتها من جديد وبحماس قالت:
لا صحاب هنقدر نتعرف اكتر على بعض، تحكيلي واحكيلك هنكون بير اسرار لبعض وهنفهم بعض زيادة لكن المخطوبين اوقات بينهم اسرار بيخبوها..يعني مثلاً أنت اكيد عندك سر مش عايز تقوله بس لما نكون صحاب هتقدر.
لامست وتر داخله فأمر نهى يحاول دفنه حتى يسير زواجه منها على ما يرام، لذا قال ببرود:
رغم ان مفيش اسرار بس تمام نتصاحب يا مليكة.
توسعت ابتسامتها بسعادة:
شكرًا يا زيدان انك فهمتني وحسيت بيا.
تمتم هو بغير رضا لنفسه:
وامتى تحسي بيا وتفهميني.
ولكنه سرعان ما رمقها بابتسامة مصطنعة كي لا تسيء فهمه فهو يدرك تمامًا مخاوفها من تلك الخطوة لذا قرر اثبات مدى حسن نيته وأن غرامه بها أسمى من اي افكار مسيئة قد تهاجم عقلها، بينما غمرت السعادة قلب مليكة فيبدو أن الأمور تسير على ما يرام.
***
في اليوم التالي مساءًا...
انتهت اجراءات الزواج في حفل صغير اقتصر على مصطفى ويزن ومنال وبالتأكيد العروسين...اختلطت الفرحة صوت منال مع عدم الرضا:
مبروك يا زيدان..مبروك يا حبيبتي.
وربتت فوق ظهرها فهزت مليكة رأسها ببسمة صغيرة ولم تستطيع الحديث فقد اختنقت الكلمات بجوفها كحال اختناق صدرها عكس زيدان فقد خفقت ضربات قلبه بجنون وتراقصت أوتاره بسعادة لتلك اللحظة مغدقًا إياها بنظراته الشغوفة فقد كان يجهل ما تشعر به من اضطراب سحق سعادتها وخاصةً مع لمحة الحزن النابعة من اعين مصطفى..لذا نهضت معتذرة:
هشوف الشنط، عن اذنكم.
مرت دقائق ومصطفى يطرق برأسه ارضًا غير قادر على تفسير مشاعره في تلك اللحظة يغمره شعور بالحزن لعدم رؤيتها من جديد، وفي ذات الوقت هاجمت السعادة مقر حزنه لإتمام رسالته بالحياة على أكمل وجه..وهنا رفع عينيه لزيدان فرأى ابتسامته الواسعة وسعادته الظاهرة بوضوح وكأنه حظى على نجمة كانت بعيدة المنال عنه، فاطمئن قلبه له وهدأت انفاسه مقررًا عدم الانسياق خلف حزنه كي تخلد تلك اللحظة بمشاعرها الطيبة داخل ذاكرته.
انتبه لقول يزن الذي كسر الصمت المطبق على الجلسة:
قوم يا زيدان شوف عروستك خلصت ولا لأ..
رفع زيدان حاجبيه لجرأته، فلم يجرأ هو على هذه الخطوة والوقح صرح بها علنًا دون تهذيب..فمال يزن عليه يقول بمكر:
قوم يا زيزو متضيعيش اللحظة دي كدا.
تجاهله زيدان مردفًا بهمس:
لحظة إيه يا بني.
غمز يزن بطرف عينيه وابتسامة وقحة شقت محياه، ومع نهوض مصطفى الذي قال:
عن اذنكم اجيب حاجة نشربها.
تشجع زيدان بحماس وانطلق سريعًا يفتح الباب دون استئذان وكأنه ينوي شن هجوم مستغلاً عدم ادراك الطرف الأخر بشيء، فكانت نتائج هجومه شلل لجسد مليكة الواقفة بمنتصف غرفتها تحدق به، ودون أي حديث أو مهلة لفهم ما يحدث كان هجومه ينتقل من اللحظة للأخرى حتى استقر بشفتيه الطالبة لأكسير الحياة المتمثل في شهد شفتيها ونهل منهما ما يحاول اشباع عاطفته بها، ولكن الأمر فاق توقعاته وخرج عن قدرته فأصبحت مشاعره تتطلب بجنون لذا ضم جسدها الصغير بين ذراعيه مستمرًا في ما تدفعه إليه عاطفته وكأنها ستكون قبلتهما الأولى والأخيرة فقد كان يحاول اشباع ذاته بقدر يمكنه مواصلة رحلته معها...
بينما مليكة استكانت بين ذراعيه بعدما شن هجومه الشرس عليها وكانت غير واعيه لِمَ يبعثره زيدان بها بقبلاته الشغوفة..توقف قلبها عن النبض واغمضت عينيها بعد فشلها في مقاومته ومن أين لها تلك القوة وهى تواجه عنفوان مشاعره بهذا الشكل الذي يشل حركتها ويخمد ذهنها أما مشاعرها كانت تحلق عاليًا معه دون قيود.
ابتعد زيدان بعد مدة لم يعلم كم استغرقت هل كانت ثوان أم دقائق أم كانت من محض خياله فقط، فاستند بجبينه فوق جبينها وترك لأنفاسه حرية الانطلاق بعد أن كتمها لفترة..شهقت مليكة بضعف وتلك كانت الاشارة التي تأكد بعدها أن ما حدث بينهما حقيقي وواقع لذيذ أضفى على بستان حبهما زهور جديدة.
ضحك بصوت خافت على حالتها المصدومة فقال بمرح مشاكس:
أنا نسيت اننا صحاب.
رفعت عيناها الزائغة بسبب تفاقم عاطفتها، فردد بشقاوة لمعت بعينيه:
صحاب وبس.
***
خرج خالد من غرفته يمسك بطنه متظاهرًا بالألم، فقابله سمير الجالس فوق الأريكة أمام التلفاز الذي سارع بالحديث:
يا بني ما تروح لدكتور.
جلس خالد بجانبه وهو يكتم صوته فخرج متألمًا:
روحت وانتوا نايمين ومطلعش برد في معدتي، طلعت الزيادة.
مط سمير شفتيه ثم قال ببرود:
ان شاء الله تبقى كويس.
مرر خالد بصره في الصالة وهو يتساءل:
امال خالي فين، كنت عايزه يجبلي دوا وطلبات للبيت.
ثم وضع المال فوق الطاولة، فلمعت أعين سمير بحماس قائلاً:
بابا مش هنا، أنا هنزل اجبهملك.
لا مش عايز اتعبك.
سارع سمير بالتحدث قائلاً:
ولا تعب ولا حاجة وبعدين بابا هيرجع متأخر، مش كفاية الطلبات دي لينا بردو يعني كتر خيرك، ابعت كل اللي انت عايزه في رسالة.
وقبل أن يغادر سمير توقف وهتف:
اصحيلك البت نهى تعملك حاجة.
هز خالد رأسه بنفي وهو يقول:
لا سيبها أنا كمان هدخل انام.
متنساش طيب تكتب اللي انت عايزه في رسالة، سلام.
وافق خالد والتقط هاتفه يتظاهر بالكتابة بينما غادر سمير للشقة ومع مرور الدقائق اعتدل بوقفته وسارع نحو غرفة خاله، يطرق الباب بعجالة، فظهرت نهى وحقائبها بجانبها..
يلا مفيش وقت عشان معاد الطيارة
رواية منك وإليك اهتديت الفصل العشرون 20 - بقلم زيزي محمد
وصلت السيارة المُقلة لزيدان ومليكة من المطار حتى البلدة التي كانت تقع على أطراف مدينة الأقصر.
قضت مليكة أغلب الوقت في الصمت بعدما نفذت طاقتها في الحديث، وخاصةً بعد رحلة الوداع التي خاضتها مع زوج والدتها. فقد أغرورقت عينيها بالدموع وهي تقابل نظرات الحزن الممزوجة بالأسف من قبل زوج والدتها، بينما كانت يداه ترفض ترك يدها الصغيرة وعقله يدفعه نحو ذكرياتهما معًا منذ بداية طفولتها حتى لحظة زواجها. لم يكن يعلم أن تلك اللحظة ستكون مهيبة بهذا الشكل، موجعة لأقصى حد وتحديدًا سفرها وبعدها عنه. لم يتقبله، فحين يشتاق قلبه لعناق أبوي، من سيشبعه بذلك الشعور غيرها! لمن سيضيء وجهه لابتسامتها الرقيقة. بالنهاية هي من اختارت، لذا قرر الاستسلام وعدم المقاومة. وقد رأت ذلك في عينيه، مما أدى إلى تسلل الراحة لصدرها، فقد كانت تخشى ضميرها والذي كان سيتراقص بجنون فوق أوتار تماسكها إن غادرت ورأت نظرة اللوم في عينيه.
انتبهت مليكة ليد زيدان المربتة فوق يدها، فنظرت إليه ورأته يحثها للنزول من السيارة. حركت رأسها بإيماءة وهبطت تقابل حياة جديدة، محاولة أن تنسى ما يؤرق عقلها مؤقتًا. يكفي أنها ابتعدت ولم يعد لها أثر في القاهرة. وها هي هنا في مدينة بعيدة جدًا وبلدة متطرفة.
قابلت السكون المطبق على البلدة. وغرق وجهها بملامحه المُرهقة في التعجب. فاندفع رجل قمحي البشرة، قصير وجسده سمين بعض الشيء، يقابلهما بابتسامة مرحبة. وأول من كسر امارات التعجب فوق وجهها هو صوته المجيب:
"عندنا البلد بتبدأ تنام من المغرب، نورتوا يا باشا."
حرك زيدان رأسه بتحية بسيطة وتقدم نحوه في خطوات بسيطة. فتراجعت مليكة خطوة، تترك له المساحة الكافية للتحدث معه. بينما زيدان رفع وجهه للبناية قائلاً:
"الشقة هنا؟"
ارتفع صوت الرجل بتأكيد وقد سرق انتباه مليكة التي كانت تمرر بصرها على البناية الكئيبة ذات الأضواء الخافتة:
"آه يا باشا... الشقة هنا في الدور الثاني."
فأشار له زيدان بالتحرك وتحرك خلفه. ولكنه لاحظ وقوف مليكة وتحديقها بالبناية، فعاد إليها وحدثها بصوت خافت:
"يلا يا مليكة، واقفة ليه؟"
تقدمت نحوه ثم قالت بصوت مرتبك:
"زيدان العمارة دي كئيبة قوي."
نظر حوله بسخرية مردفًا:
"المنطقة كلها مش دي بس."
أومأت برأسها تؤكد على حديثه. لمحت كفه الموضوع أمامها، فوضعت كفها الصغير بين قبضته الرقيقة. وتركته يحركها خلفه بلطف حتى وصلا لشقة بالطابق الثاني.
دخلا سويًا. كانت الإنارة جيدة والأثاث مغطى بأغطية بيضاء كثيرة يملأها الغبار، فيبدو أنها كانت مهجورة لفترة كبيرة.
شعرت مليكة بيد زيدان التي تركتها، فوقفت بالمنتصف تحدق بأرجاء الشقة. بداية من الصالة فكانت متوسطة حجمًا، وغرفة واحدة موجودة أمامها مباشرة، ومرحاض بجانبها، والمطبخ في الجهة الأخرى. فخرج صوتها يسأل بضيق:
"زيدان دا مفيش إلا أوضة واحدة."
قابلها زيدان بثبات وهتف ببرود:
"آه ما أنا أخدت بالي."
كادت تواصل حديثها، ولكن الرجل نظر لزيدان بنظرة غامضة وابتسامة ماكرة التصقت بشفتيه:
"أصل يا هانم الشقق هنا كلها أوضة واحدة بس."
وضحكة غريبة خرجت من جوفه. فضرب زيدان وجهه بخفة هامسًا:
"الله يخربيتك يا عباس."
تقدمت نحوهما تسأل في تعجب:
"معقولة البلد كلها كدا، طيب واللي معاه أطفال يعمل إيه!"
تدخل زيدان سريعًا وحرك عباس نحو باب الشقة:
"يلا أنت بالسلامة طرقنا."
فهمس عباس له بحماس:
"إيه رأيك يا باشا فيا، فهمتها إن الشقق كلها فيها أوضة واحدة."
وغمز بطرف عينيه. فابتسم زيدان له بسماجة ودفعه نحو الخارج مردفًا:
"متشكرين لأفضالك يا عم."
من ثم أغلق باب الشقة مرة واحدة. ثم التفت نحو مليكة مرتديًا قناع الغضب وهو يقول:
"إيه يا مليكة دا كلام تتكلميه مع الراجل؟"
"أيوا جايبلنا شقة فيها أوضة واحدة إزاي."
ردت بضيق. فأجاب بسخرية:
"ما تروحي تقوليله على الاتفاق اللي بينا وهو يروح يفضحنا في قسم الشرطة بين زمايلي."
حاولت التحدث، ولكنه هتف ببصرامة وحزم:
"أنا وافقت على كلامك عشان مزعلكيش بس مش معنى كدا إن أي حد يعرف باللي بينا. المفروض تحافظي على وضعي قدام أي حد."
تحرك بعدها نحو الغرفة، فاندفعت خلفه تقول بخجل:
"أنا مقصدش على فكرة، بس أنا محرجة إننا هنام جنب بعض."
توقف فجأة وهو يهتف بصوت مرتفع:
"يا ستي هبقى أنام على الأرض، ارتاحتي."
"أنت متعصب ليه؟!"
قالتها بتعجب خالط فيه الاستنكار لحدته. فرمقها بنظرة مطولة وخرج يجلب حقيبته ثم دخل مرة أخرى وهو يتمتم بصوت حاد:
"أنا هدخل أستحمى."
زمت شفتيها بضيق وقررت أن تتركه وتخرج للصالة تتجول بها وتستكشف قطع الأثاث والمطبخ. بينما هو فتح حقيبته بغيظ جاذبًا بعض قطع ثيابه القطنية المريحة متمتمًا بحقد:
"حظي هباب أنا عارف أقسم بالله."
ترك الحقيبة مفتوحة على مصراعيها ثم خرج نحو المرحاض ولم يلاحظ الحقيبة التي قد أعيدت غلقها بإحكام. دخل المرحاض وبدأ في خلع ثيابه والحنق يتملك من وجهه فبدا محمرًا للغاية وجسده يتشنج مع نزول قطرات المياه. فقرر الاسترخاء قليلاً لذا التفت نحو ستارة صغيرة مُعلقة حول حوض الاستحمام وأغلقها عليه. مع صعود البخار أغمض عينيه وانشغل عقله في كيفية كسر الحواجز الحائلة بينه وبين مليكة. ومع صوت قطرات المياه المتساقطة استمع لصوت آخر خلفه. فاستدار ببطء وفتح عينيه بصدمة حينما رأى الستارة مفتوحة كما كانت من قبل وكأنه لم يلمسها. فحرك رأسه بعنف شديد وزفر بغيظ لتهيؤات ساذجة تسربت لعقله. ثم أعاد غلقها، وقرر استكمال رحلة الاستحمام الغريبة. فجذب الصابون وبدأ في فركه بقوة ثم وضعه فوق وجهه. ولكن نفس الصوت اخترق عقله. ففتح عينيه نصف فتحة ورأى الستارة مفتوحة كما كانت من قبل. فارتفع صوته بتوتر:
"إحنا هنهزر ولا إيه!"
أغلقت الإضاءة لجزء من الثانية ثم عادت مرة أخرى. هنا تأكد أن هناك شيء مريب يحدث بذلك المرحاض. فقرر غسل الصابون عن وجهه في ثبات تام ثم فتح عينيه مرة واحدة ولكنه وجد الستارة مغلقة بالكامل. كاد أن يضحك بحماقة عما يحدث معه، ولكن استكمل ما يفعله حتى ينهي ذلك المزاح، وخاصةً حينما دفعه عقله نحو عالم الجن. وعندما التفت وجد الستارة فتحت على مصراعيها. كتم اعتراضه بداخله وخرج من حوض الاستحمام نحو ملابسه. ولكنه وجد سترته البيضاء فقط وسرواله غير موجود. استدار عدة مرات يحرك بصره في أرجاء المرحاض لم يجد شيء. لوهلة شك بنفسه. فارتدى ملابسه الداخلية وسترته وفتح الباب يبحث عن مليكة. استمع لصوت جلبة بالمطبخ فتأكد أنها هناك. خرج سريعًا ودخل الغرفة نحو حقيبته وجدها مغلقة بإحكام وكأنها لم تفتح من قبل. فهمس لنفسه بثقة:
"أكيد مليكة اللي قفلتها."
فتحها مرة أخرى وبحث عن سرواله الأسود لم يجده. فقد كاد يجن. لقد رآه قبل دقائق وأمسكه بين يديه. ورغم كل هذا لم يرد تصديق ما يؤل إليه عقله. لذا جذب سروال آخر وخرج للصالة فوجد مليكة واقفة تحدق بالشرفة، فسألها:
"إيه يا مليكة!"
"مين فتح البلكونة دي.. أنت!"
ووجهت إصبعها نحوه. فتمالك نفسه وهتف بثبات:
"آه."
ثم توجه نحوها ليغلقها ولكنه رأى سرواله معلقًا فوق الحبال. توسعت عيناه واستدار بجسده يسألها عما إن كانت هي فعلت ذلك. ولكن تقاسيم وجهها تعطيه إجابة مناقضة لما يريد سماعه.
جذب سرواله في صمت وتقدم نحوها عندما قالت متعجبة:
"أنت إزاي أخدت شاور والمياه مقطوعة في المطبخ."
تشابكت الحروف لديه ولم يعد يعلم كيف يجيب عليها وقد تأكد من ظنونه. فتظاهر بلامبالاة حتى لا يثير الرعب لديها.
"عادي تلاقي شوية مشاكل في مواسير المطبخ، هنحلها بعدين."
"طيب هدخل أخد شاور."
ترك السروال جانبًا ورمقها بنظرة غامضة:
"بلاش أنتِ كدا حلوة."
"ليه جايين من سفر، والشاور هيخليني أفوق."
هز كتفيه باستسلام وهو يتمتم:
"بس افتكري إني قولتلك بلاش."
وقفت في طريقها وهتفت بسؤال:
"ليه؟"
"شايفك مأفورة في النضافة وانتي زي العسل، خليكي كدا."
"دي مجاملة ولا معاكسة ولا بتزهقني ولا في إيه؟"
قالتها بعدم فهم امتزج فيه السخرية. فابتسم وقال بمزاح مهزوز:
"بهزر معاكي، ادخلي يلا، بس متقفليش ستارة الحمام..."
شملته بعدم فهم. فسارع بالتوضيح:
"عشان البخار خايف عليكي."
"أوكي.. شكرًا."
همست بها وتوجهت نحو المرحاض بعد أن جهزت ثيابها. وفور إغلاقها للباب اندفع زيدان نحو الأسفل بعدما جذب هاتفه وأجرى اتصالًا بعباس الذي أتى مهرولًا من إحدى البنايات المجاورة وقابل زيدان بأسفل البناية.
وقف يرتجف بخوف وهو يقابل زيدان بملامح وجهه الشرسة، مختنقًا بكلمات الأسف محاولًا إظهار بعض من التجاهل بعد أن رأى نظرات التهديد والغضب منبثقة نحوه كالسهام، فتغاضى عن فعلته وعقد حاجبيه وهو يسأله:
"خير يا باشا نازل ليه؟"
ضغط زيدان فوق أسنانه بغيظ شديد وهو يتمتم:
"جايبلي شقة فيها عفاريت."
"عفاريت!"
ردد خلفه باستنكار. فهز زيدان رأسه مؤكدًا والشر يتطاير من عينيه. بينما سارع الأخر بكلمات اختلط فيها السخرية:
"ما عفريت إلا بني آدم يا باشا."
"متخلنيش أقل منك وأنت راجل كبير، دول فتحوا عليا ستارة الحمام وأنا بستحمى تلات مرات."
رسم عباس ابتسامة لزجة وهو يقول:
"تلاقيه مدام سعادتك بتهزر معاك يا باشا."
أخشن صوت زيدان بنبرة معنفة:
"أنت هتهزر معايا."
أطرق للحظات واقترب من عباس يهدده بنظراته الشرسة:
"أنا قافل باب الحمام بإيدي."
"يمكن متهيالك يا باشا."
قست ابتسامة زيدان والغيظ يأكله من ذلك المستفز حيث كان واضحًا جدًا كذبه. ولكنه قال بصرامة:
"لا إزاي والبنطلون اللي واخدة معايا، لقيته فجأة منشور على البلكونة."
ضحك عباس وهتف بمزاح رغم نبرته المرتجفة:
"طب كويس بيخدموك أهو."
اختصر زيدان المسافة وقبض فوق عنقه. فاهتزت ابتسامته بخوف من رد فعل زيدان التالي. وكما توقع أبدى زيدان غضبه بشكل واضح:
"لما أنت عارف إنها مسكونة، جايبهالي ليه؟"
"آآ... أنا قولت يا باشا إن الظباط مبيخافوش من الجن، مش أنتم يا باشا مبتخافوش من أي حاجة."
سخر زيدان بصوت مختنق:
"اسكت مش طلعوا بيخافوا وزي باقي البشر، رد على سؤالي."
ارتفع صوته بنبرة مهددة، فأجاب عباس بصدق:
"ما هو يا باشا أنت فضلت تقولي عايز فيها أوضة واحدة وتأكد عليا، وأنا خوفت أجيبلك حاجة غير طلبك أزعلك."
التوى فمه بتهكم وأردف بغيظ:
"والمركز دا كله مفيهوش إلا الشقة دي، ما ترد."
أطرق عباس بنظراته أسفل وهتف بأسف:
"الراجل صاحب العمارة قالي لو أجرت أي شقة فيهم هيديني مكافأة كبيرة، فأنا اخترت أقل شقة بيحصل فيها لامؤاخذة حاجات وقولت أنت ظابط ومش هتخاف."
"ليه العمارة كلها فاضية؟"
"آه يا باشا."
اشتدت ملامح زيدان بالغضب الشديد منه، فهتف بنبرة خشنة قاسية:
"حالاً تجيبلي شقة تانية غيرها."
"مش هينفع يا باشا الناس هنا نايمة والشقق الحلوة مُلاكها موجودين في نفس العماير. الصبح بدري هجيبلك أحلى شقة بس الصبح مينفعش نتعدى الأصول ونخبط على أي حد بليل كدا."
كانت نظرات النفي في أعين عباس صادقة. وقد تأكد زيدان بسبب خلو الناس من الطريق، وأحاديث زملائه عن قواعد تلك البلدة. فقرر السكوت ملتزمًا بالهدوء النسبي وصبر نفسه بالساعات المتبقية من الليل.
لذا تركه على مضض وصعد للأعلى. فوجد مليكة كادت تخرج من الشقة ولكنه قابلها فجأة. قرأ علامات الذعر بعينيها وصوتها يرتجف بخوف:
"زيدان أنت كنت فين، ومين أخد هدومي من الحمام."
دفعها للداخل وهو يحاوط كتفيها مهدئًا إياها. ولم يجد إجابة مناسبة لسؤالها. فنظرت إليه بشك:
"أنت اللي أخدتهم وحطيت تاني في الشنطة."
همس بسؤال واحد:
"هدوم إيه؟"
مسكت قطع ثيابها التي كانت ترتديها قائلة بغيظ:
"دي.. اللي أنا لابساها."
"ولقيتها فين؟"
زفرت بضيق:
"في الشنطة ولبستها مع إني كنت واخدها معايا في الحمام. وبعدين أنت إزاي تعمل فيا المقلب دا مفيش غيرك يقدر يعمل كدا."
التوى فمه بغيظ به لمحة من الحقد:
"طيب ما كنت استنى اللحظة اللي هتخرجي فيها من الحمام."
ثم همس بحنق:
"أقسم بالله نحس فعلاً ما كنت استنى شوية."
ضربت بخفة فوق كتفه قائلة بتهديد:
"أنت بتقول إيه؟ وازاي تعمل كدا؟"
"معملتش حاجة."
همس بها دون وعي. ولكن نظرات الرعب جذبتها للحالة التي انتابتها. فقال سريعًا بابتسامة واسعة:
"لا عملت كدا طبعًا، يعني أنا فيا طبع بحب أهزر مع أي حد بيستحمى."
تجاهلت حديثه وهي تقول بابتسامة مرحبة:
"أهلاً بحضرتك.. إحنا جيرانكم الجداد، تعالوا اتفضلوا."
التفتت زيدان ببطء للخلف يخشى ما سيراه. ولكنه لم يجد أحد. فعاد يسألها بترقب:
"مين.. بتكلمي مين؟"
"واحدة وبنتها الصغيرة كانوا ماشيين، شكلهم رايحين الشقة اللي جنبنا."
اختلطت التعابير لدى زيدان وترك مليكة ثم تقدم نحو الباب بخطوات ثقيلة للغاية. ومد برأسه يتابع الطرق التي تفصله بينه وبين الشقة المقابلة، فلم يجد أحد. دخل وأغلق الباب. فوجد الغيظ يأكل مليكة:
"ست سئيلة بشكل المفروض كانت ترد عليا، والله لو شفتها ما عابرها."
"آه أوعي تكلميها."
هتف زيدان مؤكدًا. وقليل من الخوف بدأ يسيطر عليه. ولكن نبرة مليكة المملوءة بالغيظ جذبت انتباهه:
"زيدان متهزرش معايا كدا تاني لو سمحت، أنا بجد خوفت وشكيت إن في حاجة في الشقة... بس قولت إنك استغليت إنّي قفلت ستارة البانيو."
"وفي حد فتحها ولا لا..."
سألها بشك. فأجابت بغيظ من أسئلته الغامضة:
"أنت بقيت تسأل حاجات غريبة قوي..."
لم تكمل حديثها وفتحت أبواب الشرفة على مصراعيها بقوة. فعادت للخلف عدة خطوات برعب ثم ركضت نحوه حيث كان يقف يتابع ما يحدث بصمت وثبات يحسد عليه. التصقت به وهي تشير بخوف:
"مين فتح البلكونة؟"
خرج صوته مبحوحًا يجيبها:
"الهوا."
إجابة مقتصرة لم يستطع أن يخرج غيرها. وعيناه تعلقت بأبواب الشرفة. فلم ينتبه لمليكة التي كانت تحتضن خصره بذراعيها تنظر لنفس المكان بارتجاف. ومع ارتفاع حرارة جسده بسبب قربها انتبه لوجودها. فاستغل الوضع وحاوط جسدها بذراعيه قائلاً بمشاكسة لطيفة:
"أنا بشكر الهوا اللي خلاكي تحضنيني بالشكل دا."
ابتعدت في خجل قائلة بصوت مهزوز:
"آآ... أنا بس خوفت.. يلا هدخل أنام."
تحرك خلفها وسمح لبصره بالتجول فوق جسدها بحرية بعد أن أصبحت زوجته. فقد كانت ترتدي منامة بيضاء اللون بأكمام طويلة وسروال طويل. لم تكن المنامة تشف جسدها ولم تصفه، لقد حرصت على اختيارها باهتمام. ولكن ما جعله يبتسم بسعادة هو خصلات شعرها المنسدل فوق ظهرها. فتعلق بصره به ولم يحاول إصدار مغازلة صريحة لها حتى لا تعاند وتقوم بتخبئته أسفل حجابها. والدافع لذلك هو اتفاقية الأصدقاء التي قد عقدتها معه. فقرر التعامل بشكل طبيعي ودخل الغرفة معها يسألها بحيرة:
"هنام فين؟"
شعور ما هاجم صدرها بعدم الراحة لتلك الشقة. فلم تعلم لِمَ خرجت إجابتها بهذا الاندفاع والسرعة:
"نام هنا على السرير معايا."
لم ينتظر زيدان ووجدته يتوسط الفراش بابتسامة كبيرة. فعادت تقول بتبرير:
"حرام تنام على الأرض يعني، فقولت تنام هنا."
وأشارت على طرف الفراش وتوجهت هي للطرف الآخر تقول:
"وأنا هنام هنا."
وبالفعل رقدا فوق الفراش وحاول زيدان إغلاق الإنارة. ولكنها صاحت بذعر ترفض إغلاقها. ففتح إضاءة بسيطة واستدار نحوها يتساءل:
"كدا حلو!"
نبرته الحانية جعلتها تبتسم له بحب قبل أن تغلق عيناها. فاستدار هو بجسده وأعطاها ظهره حتى يعطيها الحرية الكاملة وأغلق عينيه مستسلمًا للنوم محاولًا تجاهل ما يحدث بتلك الشقة. ولكن صوت جلبة جذبت انتباهه وجعلته يفتح عينيه. فهمس بضيق:
"بدأنا."
اقتربت مليكة منه بجسدها بل والتصقت به من الخلف وهي تقول بتلعثم:
"إيه الصوت دا؟"
تركها تحتضنه من الخلف وهمس بلطف:
"متخافيش تلاقي جيرانا."
"زيدان أنا حاسة إن في حد بيتنفس ورايا."
كان صوتها مختنق بعض الشيء والبكاء كان على مشارفه لديها. التفت سريعًا ولم يجد أحد. فقال وهو يبادلها العناق يجذبها نحو صدره العريض:
"مفيش حاجة يا حبيبتي.. متهيألك."
رفعت بصرها تتعلق بنظراته تسأله بشك:
"بجد والله."
هز رأسه بتأكيد، فأغلقت عينيها ترفض التخلي عنه وذلك الإحساس يسيطر عليها بوجود أحد خلفها. ولكن جسد زيدان المحاوط لها جعلها تطمئن قليلاً. وبعد دقائق من الصمت اخترقت حاسة الشم لديهما رائحة طعام شهي. ففتحت عينيها وهمست برعب:
"ريحة الأكل دا جاي منين؟"
انتظر ثوان ولم يستطع الإجابة فالرائحة تزداد وكأن أحدهم يطهو في الشقة وأصوات الجلبة تزداد. وفجأة فُتحت صوت أغنية قديمة لأم كلثوم. تشبثت مليكة به أكثر ودفنت وجهها بصدره. حتى زيدان قد شلت حركته تمامًا وتوقف عقله عن العمل. ولكن صوت أنثوي خارج الغرفة وطرق بسيطة فوق الباب أيقظ خلاياهما المصابة بشلل مؤقت:
"يلا يا حبيبي الأكل خلص خلاص."
هب زيدان واقفًا يجذب مليكة التي كانت ترتجف بخوف والدموع تتساقط فوق وجنتيها تزامنًا مع ترديدها لآيات قرآنية. بدأ زيدان في لملمة أشيائهما والبحث عن حجابها فوضعه فوق رأسها. بينما كانت تسبل ذراعيها جانبها وتغلق عيناها بقوة. استمعت له وهو يردد:
"إحنا هنخرج من هنا وعلى الباب على طول ولا تبصي يمين ولا شمال، فاهمة."
أومأت بارتجاف والآيات القرآنية ترددها بشكل سريع. أمسك زيدان بالحقائب الكبيرة، وترك يدها رغمًا عنه بسبب كبر الحقائب. تحركت مليكة خلفه تضع بصرها في الأرض وهي تتجه خلف زيدان مباشرة. ولكن هناك فضول دفعها للنظر نحو للمطبخ. وما أنقذها هو إغلاق زيدان لباب الشقة.
حاولا التحرك نحو الدرج ولكن أصوات نسائية تصرخ بالاستغاثة بالشقة المقابلة فتوقفت وهمست لزيدان:
"حد بيضرب الست اللي جوا هي وبنتها."
دفعها زيدان نحو الدرج أمامه قائلاً:
"مفيش حد ساكن في العمارة كلها.. بسرعة."
" لا في الست.."
قطع حديثها بنبرة حازمة:
"بقولك مفيش بشر غيرنا.. بسرعة."
توسعت عينيها بذعر حقيقي وصرخت وهي تهبط الدرج:
"إيه... يالهــــــوي."
هبطت الدرج بسرعة كبيرة متناسية زيدان خلفها. فقد كانت أشبه بمن ركب بساطًا سحريًا وهي تركض نحو الطريق وزيدان خلفها يحاول إيقافها.
***
تحرك إبراهيم في الصالة ذاهبًا وإيابًا والغضب يحتل كل ذرة به. فقد كاد يجن بعدما دخل الشقة هو وسمير ولم يجد نهى ولا حتى خالد. حتى ثيابهما وحقائبهما اختفت. أصابه الجنون حينها وأسرع يحاول إجراء اتصالاته ولكنه لم يصل لشيء. حتى أنه قرر إبلاغ ميرفت التي صاحت بجنون وشر لغبائه هو وسمير وتلقى منها توبيخًا لاذعًا بعد اعترافهما بكل شيء وخسارتهما للمال ولجوئهما لخالد والإقامة معه.
ساعات طويلة مرت عليهما وهما على نفس ذات الوضع. هو يتحرك بعنفوان في الصالة وسمير يجلس على نفس صدمته بعد أن أخذ خالد كل متعلقاته من الشقة ولم يترك ورقة واحدة أو أي شيء آخر يخصه. وعند تلك النقطة صاح بحقد:
"ابن ال*** قاصدها وساب لنا الشقة واحنا نلبس."
استدار إبراهيم بصوته الخشن يسأله:
"قصدك إيه؟"
"الواد قاصد يسيبنا من غير سكن ولا فلوس والشيخ قاسم لما يعرف هيسبنا. قولتلك الحقد بياكله من جواه من ناحيتنا مصدقتش."
زفر إبراهيم بغيظ شديد وهو يردد:
"مش مشكلة، مش هنعرف الشيخ قاسم أصلًا لغاية ما نوصلها. هو يعني هياخدها ويروح فين؟ أكيد سافر مصر وهيرجعها لأمها."
وقف سمير يردف بتفكير محاولًا لملمة جميع الأمور المبعثرة:
"وإن مكنش عند ماما يبقى عند زيدان حبيب القلب. ووقتها إحنا نضغط على زيدان يا أما نعرف سليم بحوار خطوبته منها... يا أما يرجعها وهو هيرجعها عشان يخاف يخسر أخوه."
صاح إبراهيم بحماس شديد:
"أيوا صح يا سمير بدأت تشغل دماغك، هاتلي التليفون نقول لامك تبعت حد يراقب بيت خالك."
سارع سمير بجذب الهاتف وأعطاه لوالده الذي سارع للحديث مع ميرفت الغاضبة والتي لم تعلم عن نهى شيء حتى الآن متوعدة لها بأقصى عقاب. أما سمير حاول ضبط نفسه وعدم السماح للخوف بالسيطرة عليه. فلن يفقد أحلامه وآماله بسبب سذاجة أخته التي تركت أموالًا طائلة من أجل أمور تافهة. سيعطيها ويرغمها على الزواج الذي سيكون بمثابة طاقة القدر له.
***
في إحدى الفنادق الكبيرة في القاهرة كانت نهى تجلس في قاعة الاستقبال تنتظر خالد كي ينهى إجراءات الإقامة لعدة أيام كما أبلغها. لم تصدق أنها تركت قطر أخيرًا. فقد كانت الأيام التي قضتها هناك كبيسة ومخيفة بشكل كاد يخنقها. تلألأت دموع الفرح بعينيها حينما تمسك بها خالد وحاول مساعدتها بكل الطرق بداية من تجهيزه لسفرهما معًا حتى مجيئهما لذلك الفندق. ولوهلة شعرت أنها في حلم تعيشه بكل تفاصيله بداية من الخوف للترقب وصولًا للسعادة التي ملأت صدرها.
تقدم منها خالد وهو يشير لها باتباعه. فخطت خلفه على استحياء وكلمات الشكر تتجمهر بجنون على طرف لسانها تتمنى التعبير عن امتنانها بشكل يليق به بعدما جازف بكل شيء من أجلها. وصلا أخيرًا أمام غرفتين متجاورتين. فأعطى لها مفتاح الغرفة الإلكتروني وهو يبتسم بإرهاق:
"مفتاح أوضتك."
مدت أصابعها الرقيقة والتقطته منه والخجل يطغو فوق وجهها فأضفى على ملامحها جمال فريد وهي تنظر له على استحياء وكأنها تشبه الهر الصغير حينما يكافئه صاحبه بطعامه المفضل.
"شـ... شكرًا أوي يا خالد."
"وفري أي شكر لما ندخل ونريح خالص، في صداع بيعمل شقلباظات في دماغي."
ضحكت بخفة وأومأت بصمت بينما هو دخل لغرفته وتركها وحدها.
ابتلعت لعابها بتوتر وهمست لنفسها بتساؤل قلق:
"هو ندمان ولا إيه؟!"
لم تعطي لنفسها فرصة للتفكير أكثر ودخلت للغرفة تضع حقائبها جانبًا ثم توجهت للشرفة تفتحها على مصراعيها. دخلت وهي تنظر لأسفل تحاول استنشاق الهواء العليل. فشعرت بالدوران الطفيف وعادت رهبة خوفها من المرتفعات تسيطر عليها. لذا عادت للخلف خطوة. ولكن الشرفة المجاورة جذبت انتباهها فقد آل عقلها أنها لخالد. لذا ابتسمت واقتربت بحذر كالأطفال تحاول النظر فيها. وقد ساعدها تجاور الشرفتين بشكل كبير. ولكن ظهر خالد فجأة من خلف الزجاج يبتسم لها بمشاكسة، فتسرب الحرج إليها ورفعت يدها تشير له مرحبة به بحماقة.
فتح الباب الزجاجي وهو يقول بسخرية:
"لاقيت حد متطفل بيحاول يبص عليا، قولت يا ترى يكون مين."
تقدم للسور الفاصل بينهما يستند عليه وهو يوجه حديثه إليها مباشرة بضحك:
"قولت مفيش حد غير نهى."
أشارت نحو نفسها وهمست بعتاب:
"أنا متطفلة!"
"أومال بتبصي عليا ليه يا قليلة الأدب."
صاحت بنفي وهي تقول:
"لا لا أنت فهمت غلط، أنا كنت بحاول أطمن إن البلكونة دي بتاعتك."
ضحك بصوت عالٍ وهو يومئ برأسه بتأكيد:
"قولت مفيش حد غير نهى."
عبست بوجهها وهمست:
"أنا آسفة مكنتش أقصد على فكرة، وإن كان على البلكونة أنا مش هدخلها تاني، عن إذنك."
دخلت وتركته ينظر لأثرها بتعجب. ولكنه هز كتفيه بلامبالاة وعاد لتدليك رأسه. بينما كانت تتحرك بضيق في الغرفة وهي تردد:
"قليل الذوق.. بس أنتي بردو غبية."
زفرت بضيق واحتدت مشاعرها فتوجهت صوب حقيبة يدها تخرج أشياءها وهي تلوم نفسها:
"مكنش المفروض أتقمص بسرعة وهو كتر خيره ساعدني.. يووه."
لمست يدها أقراص طبية مسكنة للصداع. أمسكتها بتفكير وتردد. ولكنها حسمت أمرها وخرجت نحو غرفته ثم طرقت الباب بخفة. وما هي إلا ثوان وفتح خالد الباب. فرفع حاجبيه معًا وابتسامة وقحة تسلقت فوق شفتيه:
"والمرادي بتحاولي تتأكدي مين في الأوضة دي؟!"
قدمت له الأقراص الطبية وقالت بصوت حانٍ لطيف:
"دي حبوب هتساعدك تنام وترتاح، تصبح على خير."
أخذ الأقراص منها مبتسمًا بامتنان لاهتمامها الذي داعب مشاعر يحاول لجمها بعقليته. وفرت تلك الغازلة الحزينة من أمامه لغرفتها دون أن تعطيه فرصة للشكر.
دخل الغرفة وهو يتناول قرصًا ومن بعدها ارتمى بجسده فوق الفراش يغلق عينيه محاولًا نفضها من عقله حيث أصبحت تحاصر كل جانب فيه بهمساتها... صوتها المبحوح... عينيها ذات النظرة الحزينة... أما عن ملامحها الرقيقة فقد استحوذت على عاطفته وأشعلت به لهيبًا يهدد بانفجار مشاعره الجياشة. فشعر بحرارة غريبة منه ورغمًا عنه همس:
"ودي هخلص منها ولا هتخلص عليا."
هاجمته رغبة ملحة لمواصلة الحديث معها ربما يكمن الدواء فيها وحدها. وذلك بعد أن جرب الأقراص ولم تفعل شيئًا حتى بعد مرور دقائق عديدة. توجه نحو هاتف الغرفة ورفع السماعة مجريًا الاتصال برقم غرفتها. وذلك بعد أن أوهم نفسه بالاتصال بها لتقديم الشكر ليس إلا. ولكن رنين المتواصل جعله يهتف لنفسه بنزق:
"لا هتردي متأخر هلم مشاعري وأوزعهم على الفقرا."
انتظر رنين الهاتف بفارغ الصبر متعجبًا من ذاته التي باتت تتصرف بشكل جنوني. هو لا يستطيع تفسيره سوى أنه قد أعجب بها. ولوهلة عاد يضحك وهو يضع الهاتف لموضعه هامسًا:
"دي أكيد لعنة. كل ما أشوفها أعجب بيها."
قديمًا كان يظن أنها مجرد لحظات من المراهقة الساذجة المليئة بعنفوان الشباب بوقعه صريعًا لنهى تلك الفتاة البسيطة التي كلما رآها يدق قلبه بشكل جنوني. وعندما واجه والدته بحقيقة مشاعره ذات مرة سعدت كثيرًا وأخبرت ميرفت من باب توفيق الاثنين لبعضهما. ولكن جاء ردها اللاذع أن ابنتها لن تتزوج سوى من شخص مرموق له مكانة عالية بالمجتمع. وأكدت عن إعجاب نهى الشديد بزيدان الذي له سيكون له مستقبل باهر. فتحطمت آماله وقسى قلبه من ناحيتهم جميعًا. ورغم أن نهى كانت تناقض تمامًا شخصه الشرس. فكانت طباعه جامحة لا أحد يستطيع إيقافه. ولكنه دفن جزءًا من شخصيته داخله بسبب ضغوطات الحياة وتعرضه لعدة صدمات أنهكت من شبابه. فرضخ للتعقل وهو يرفع راية الاستسلام. وها هو يعود كالابله يعجب بها من جديد. فمجرد النظر إليها يسحره نحو عالم تملكه بعينيها المسبلة وكأنها تخبئ خلف جفنيها نقوشًا من الحزن تجعله مسحورًا بها.