في بيت راسخ كان الجو متوترًا، انقلب البيت على عقبيه إثر فضيحة راسخ وتلك الفتاة الشابة التي بعمر ابنه. صرخت به مياسين وهي ترمي الصور أمامه: "هي حصلت تخوني؟ أبقى مسافرة عشان أكبر شغلك وأنت هنا بتخوني براحتك مع واحدة قد ابنك؟ نظر لها راسخ غاضبًا، ثم نظر إلى الصور وقال بانفعال: "البنت دي ضربتها بالعربية وأخذتها لبيتنا، لا خونتك ولا غيره." صرخت به هادرة: "ضربتها؟! ثم استرسلت ساخرة: "إزاي بقيت في فراشها؟
أغمض عينيه متقبلاً عتابها، ثم اقترب منها وقال بصوت هادئ: "أنتِ عارفة إني بحبك أنتِ، وعمري ما حبيت غيرك. البنت دي قسمًا بالله ما أعرفها، ولا عارف مين سلطها عليّ." شعر بأنها هدأت، فقبل يدها وقال بود: "والله ما بشوف غيرك يا مياسين." بالفعل، عندما وصلت صورة لها مع تلك الفتاة، شعرت أن قلبها ينخلع من مكانه. مهما حدث، هي تحبه بل تعشقه. غاب عقلها وظهرت غيرتها فقط. نظرت في عينيه
فاكتشفت صدقه وقالت ببكاء: "والله بحبك وبغير عليك من الهوا، إزاي أتحمل أشوفك بالمنظر ده؟ تفهم كلامها ووضع نفسه مكانها. اقترب منها واحتضنها برفق، ثم قبل رأسها وقال بهدوء: "قسمًا بالله يا قلبي، أعرف مين عمل كده وأخد لك حقك." أومأت له بينما تتمسح بأحضانها. ابتسم بسعادة لإرضائها. ابتعدت قليلاً وهمست له: "أنا بحبك يا راسخ." ابتسم وقبلها قبلة رقيقة مردفًا بحب: "وأنا بعشقك يا مياسين." ابتسمت له،
ثم استرسلت بتفكير: "أنا عارفة مين ممكن يعمل كده." نظر لها مستفهمًا، فقالت: "زمرد، بتحاول تنتقم مننا." زفر بضيق وقال: "والله مش عارف البنت دي مالها، ذنبي إيه إني مش بحب أمها ولا حبيتها؟ الحب مش عافية، هي ليه مش عايزة تستوعب؟ هزت مياسين كتفيها وقالت بضيق: "عشان مش بتحب، لو حبت هتعرف إنه اللي بتعمله غلط."
عقد حاجباه وقال مستفهمًا: "أمها كانت طيبة، مهما عملت فيها بتبقى هادية ومطيعة، أما هي لا. صابرة، اتقبلت حبي ليكي، هي ليه مش عايزة تتقبل؟ تنهدت مياسين وقالت بحيرة: "مش عارفة؟! ثم استرسلت: "سمعت إنها أخدت نص الأملاك؟ أومأ لها مردفًا: "فعلاً اضطريت أديها نصيبها بسبب يوسف ويامن، مش عايز مشاكل معاهم." أومأت له وقالت: "سيبك منها، أنا عارفة دواها واللي هيهدها." نظر لها مستفهمًا، فقالت: "سيب موضوع زمرد عليا." أومأ له،
فاسترسلت بدلال: "وحشتني." ابتسم قبل أن يحملها وقال: "وأنتِ أكتر يا حبيبتي." الحب شعور غريب، حتى إن كان ظالمًا، هو فقط ينسينا ما هي العاطفة والحنان. نترك أنفسنا له لنكون أنانيين، ولكن هل الحب الأناني الذي يكون على تعاسة الآخر هو خير أم شر؟ بعد مدة، نزلت مياسين لمقابلة هاجر. كانت هاجر تجلس بينما تهز أقدامها بتوتر وعصبية. نظرت لها مياسين وجلست مقابلها وقالت بهدوء: "اللي بتعمليه مستحيل يجيب نتيجة."
نظرت لها بضيق وقالت: "إيه اللي ممكن يجيب نتيجة؟ ابتسمت مردفة: "عايزة تهدّي زمرد، خدي يوسف منها." نظرت لها بضيق وقالت: "يوسف حاولت معاه قبل ما تظهر زمرد تاني وهو مش عايز يميل، يبقى هاخده لما أتزوجه." ابتسمت مياسين وقالت بهدوء: "أي راجل عايز راحة واستقرار، ولمّا مشاكل الست تكتر يدور على غيرها، وده دورك." نظرت لها بعدم فهم،
فقالت: "أنا كل اللي هعمله إني هخلي مشاكل زمرد كثيرة، ومهما حصل خليكي جنب يوسف لأنه هيضعف بالأخير." أومأت لها وقالت: "بس إزاي ممكن يمل منها؟ ابتسمت قائلة: "عندي كتير أعمله، ركزي أنتِ في شغلك." أومأت لها، فشردت مياسين، سوف ترد الساعة صاعين إلى زمرد. ***
ظلت زمرد مسجونة لأكثر من يومين في المنزل بعد أن أصدر يوسف قراره ونفذ حكمه عليها. خرجت تتمشى في حديقة المنزل، لا تعلم ما الذي يحدث في الخارج، فهو أخذ منها هاتفه أيضًا بعد فعلتها الشنعاء التي أتت عواقبها على رأسه. زفرت بضيق ونظرت إلى سناء التي تدلف إلى المنزل وأسرعت نحوها، احتضنتها قائلة بسعادة: "وأخيرًا جيتي." ابتسمت سناء مردفة بشماتة: "والله يوسف طلع قدها وقدر عليكي." رفعت
زمرد حاجبها وقالت متهكمة: "بلاش تغرك الطاعة دي، بفكر في خطة جهنمية." ابتسمت سناء بغيظ، فاسترسلت زمرد متسائلة: "إيه أخبار راسخ أو عيلته؟ هزت سناء كتفها وقالت بملل: "عادي، مش ظاهر عليهم إنهم عيلة مفككة." ابتسمت زمرد ساخرة: "مياسين مستحيل تظهر ضعفها." ثم استرسلت: "يوسف عامل إيه؟ حدقت بها مرتبكة وقالت: "الحمد لله." نظرت لها مشككة وقالت: "قولي في إيه من غير كدب؟ بلعت سناء ريقها قبل أن تقول: "يوسف ناوي يتعاقد معاهم."
انتبهت زمرد إلى كلماتها وقالت باستفهام: "يتعاقد مع مين؟ أجابتها دون اهتمام: "مع هاجر، يبقى محامي شركتها." "نعم؟ " قالتها زمرد بدهشة، ثم استرسلت: "ومال هاجر دي بيوسف من الأساس؟ شعرت سناء بانفعال زمرد من خلال صوتها وقالت مستفهمة: "يعني شغل عادي، ليه مكبرة الموضوع؟ أجابتها بشراسة والغيرة تكاد تفتك بها: "دي عايزة تلف عليه، عايزة تاخد يوسف ومياسين مسلطاها عليا عشان يقهروني." نظرت لها سناء بتدقيق وفكرت قليلاً
مردفة: "يوسف بيحبك أنتِ." تحولت نضرات زمرد إلى أخرى عصبية وأردفت بحقد: "أنا واثقة فيه، بس كيد النسوان مش واثقة فيه نهائي." ثم استرسلت بإدراك: "وأنا هستنى لحد ما ياخده، أنا رايحة له." اتسعت حدقتا سناء وقالت بسرعة: "أنتِ يا مجنونة، هو قالك ما تطلعيش وهتفضحيني معاه إن أنا اللي قلت لك." لم تسمعها بتاتًا، بل غادرت إلى غرفتها وارتدت ملابسها بسرعة ونزلت مغادرة إلى الشركة، بينما ضربت سناء كفًا على كف من تهورها. ***
في قاعة اجتماعات شركة يوسف، كان يجلس رفقة هاجر يتكلمون بأمور العمل. كان يشرح لها بنود تعاقده معها، بينما هي كانت تحدق به بحب. نعم، هو أحبها منذ الطفولة، لكنه فضل زمرد عليها وأحبها. كل ما حاولت استمالته كان يرفض، هو ختم زمرد على قلبه وأغلقه، لكنها لا تستسلم ولن تتركه لها. توقف فجأة على لمسة يدها على يده. رفع عينيه لها فقالت بعد أن نظرت في عينيه: "أنا عارفة إنك بتحب زمرد، لكن غصب عني لسه بحبك يا يوسف."
أبعد يوسف يده وأردف بهدوء: "إنتِ بنت عمتي ودمي يا هاجر، لكن مستحيل ممكن يبقى بيني وبينك حاجة غير الشغل. أنا لو بدخل وأحاول أنقذ شركتك بس عشان في دم بنا." زفرت بهدوء قبل أن تتحسس وجهه بيدها وهتفت بصوت مغرٍ: "إنت محتاج إنسانة تفهمك وتحس بيك، زمرد كل اللي تعرفه عن الحياة هو الانتقام، وبتتعبك بمشاكلها اللي بتضطر تحلها." ثم استرسلت بعد أن
شعرت بتأثير كلماتها عليه: "أنت شايل فوق طاقتك بسببها، وهي مش مقدراَك ولا مريحاك. أنت عايز ست حنينة عليك وبتفهمك، لما الدنيا تجي عليك تلاقي حضنها ينسيك." فعلاً، الرجل رجل رغم عنه، وجد نفسه يصغي إلى كلماتها، وهي شعرت أنها سوف تنال نصيبها ومرادها منه. كانت زمرد قد وصلت إلى مكتب الاجتماعات الذي يلتف بالجدران الزجاجية. ما إن رأتها تقترب منه وهو يصغي لها، حتى شعرت بغصة في قلبها وتحجرت الدموع في عيونها.
همست بألم لنفسها: "حتى أنت يا يوسف." أغمضت عينيها بقوة ثم فتحتهما مجددًا غاضبة. قلبت عينيها في المكان، وجدت أثاثًا يستعمل للزينة. وبكل غل حملته. ابتعدت قليلاً ثم رمته على الزجاج ليصدح صوت تكسيره. انتفض يوسف وهاجر. اتسعت حدقتاه بعد أن وجدها تحدق به بغل وشر من خلف الزجاج المنكسر. زفرت هاجر بضيق، تلك المتخلفة زمرد أفسدت مخططاتها بالكامل. لو تأخرت قليلاً لكان سوف يكون لها.
ابتسمت زمرد باستفزاز وبرود مطلق عكس ما كانت عليه عندما رأتهم، وتقدمت منهم بخطى واثقة وابتسامتها لا تحيد من وجهها، وقالت بعد أن ضربت يوسف بحقيبتها بغيض: "إيه اللي بيحصل؟ حدق بها وابتسم مثل الأبله. كم يعشق شراستها وقوتها تلك. أجابتها هاجر بهدوء: "كنا بنتكلم في الشغل؟ ابتسمت زمرد ساخرة كأنها لا تعلم ما تكنه تلك الماكرة لها أو لزوجها. وقفت أمام وجهها وأردفت بابتسامة مستفزة بعد أن رفعت
يدها تتباهى بخاتم زواجها: "يوسف ده حبيبي وجوزي، فهمتي يا روحي." ثم استرسلت بحدة: "يلا كده شيلي خبّتك واطلعي برة." زفرت بضيق منها وقالت بعد أن نظرت إلى يوسف الذي كان يشاهد صامتًا: "بالنسبة للشغل يا يوسف، نكمل بعدين، لما تكون لوحدك." ضحكت زمرد بأعلى صوتها وهي تنظر لها وقالت بلذاذة: "تبقى آخر مرة في عمرك لو قربتي منه."
زفرت الأخرى بضيق وحاولت أن لا تعطيها فرصة للنيل منها أكثر وغادرت، بينما حولت زمرد نظرتها إلى يوسف الذي كان يضحك وجلست بجانبه تبتسم. حدق بها، فجذبته من ربطة عنقه بقوة نحوها وقالت بغيض: "كنت بتهبب إيه معاها؟ عبست ملامح وجهه من تصرفها وقالت بضيق: "بنتكلم في الشغل." شدت على شفتيها وحدقت به باتساع وملامح مخيفة غاضبة وقالت: "شغل؟ شغل ولا زفت، كان ناقص تبوسها." جذب ربطة عنقه من يدها ضاجرًا
وقال بغيض: "ما أنا متزوج ومحروم، أدور بره أحسن." زفرت بغيض واستقامت واقفة تنظر إلى الزجاج المتهشم وأردفت بتهديد بعد أن أعادت نظرتها له: "وحياتك يا يوسف، مرة تانية هيبقى راسك مكان الإزاز ده." اتسعت حدقتاه بينما غادرت الأخرى منفعلة متوعدة لهاجر تلك وهمست: "وربنا لأربيّك عشان تقربي من حاجتي." خرجت من باب الشركة وأشارت إلى سائقها أن يتبع سيارة هاجر. أومأ لها ولحق بها. ***
استاء يوسف من أفعالها المتهورة ونظر إلى حائط مكتبه الزجاجي متحصنًا عليه. دخل جاويد يضحك على ما حدث له وقال ساخرًا: "راحت هبتك يا يوسف." زفر يوسف بحنق وقال: "اسكت، مش ناقص وجع دماغ، كفاية اللي عملته زمرد." أومأ له وجلس مقابله مردفًا: "عملت إيه عشان تكسر لك المكتب فوق دماغك؟ زفر بضيق مرددًا بملل: "مشاكل زوجية." ثم استرسل بجدية: "هديك ملف شركة هاجر، أنت المسؤول عنه؟ أومأ له، فاسترسل يوسف متذكرًا: "عملت إيه مع سناء؟
تنهد جاويد متذكرًا كل محاولاته الجادة في استرجاعها، لكنها كانت تصده في كل مرة. غير ذلك، الأبله سليم الذي لم يكن في حسبانه أصبح مثل ظلها يلاحقها أينما ذهبت. زفر مطولًا قبل أن يقول: "والله بعدي أيامي بالعافية، مش راضية مع إني مش سايب حاجة ما عملتهاش. ورد وكل يوم ببعته ليها بترميه، اعتذار بكتبه بالشعر وأقطعه، مش لاقي خيط أسمكها منه." أومأ له وقال: "أنت غلطان في كل الأحوال." ثم استرسل بجدية: "إنها تسامحك صعبة."
مط شفتيه قائلًا بعد أن تذكر شرطها: "هي بصراحة طالبة شرط." نظر له باهتمام قائلًا: "إيه هو طلبها؟ أشاح بيده وقال: "عايزاني أروح لأهلنا للبلد وأعترف للكل إني ظلمتها." رفع يوسف كتفيه وقال: "عادي، ده أقل واجب." امتقصت ملامح وجهه قائلًا: "ما تضبط بقى، أنت عارف لو رجعت واعترفت بكل حاجة، هتقوم القيامة بين العيلتين، ويرجع الثأر وغيره." رفع يوسف حاجبه بمكر وقال بخبث: "واللي يديك الحل؟
لم يرتح أبدًا جاويد لتلك النظرات، ومع ذلك وجد نفسه يقول لا إراديًا: "اللي هو؟! أمسك يوسف القلم ينقر على مكتبه وقال بتفكير: "إنت تتزوجها بتاريخ قديم، وتسجل ابنك باسمك، وترجع البلد تقول إنك كنت متزوجها وكده أنت ابنهم وهي بنتهم، طبعًا هيضطروا يوافقوا." تمعن جاويد في كلام يوسف. نعم، من هذه الجهة سوف يكسبها ويضمن ابنه في اسمه. فأجابه بتساؤل: "لو رفضت؟ نظر له ساخرًا وقال: "مهمتك تقنعها." زفر مطولًا قبل
أن يستقيم على مضض واردف: "أتمنى تجيب نتيجة." أومأ له: "هتجيب." أشاح بيده ثم غادر، بينما عاد يوسف إلى أعماله. *** توقفت سيارة هاجر بعد أن اعترض سائق زمرد طريقها بسيارته. فتحت الباب بغضب وخرجت من السيارة. فتحت زمرد باب سيارتها وأنزلَت قدمها التي زينها كعب عالٍ باللون الأحمر. ابتسمت باتساع وهي ترمق نظرات هاجر الغاضبة باستعلاء واقتربت منها. صرخت بها هاجر: "إنتِ فاكرة نفسك مين عشان تقطعي عليا الطريق؟ ضحكت زمرد بخفة
ثم أجابتها بينما تبتسم: "أنا الكوين يا حبيبتي." سخرت هاجر من كلماتها وأجابتها باستهزاء: "آه، الجاهلة بنت الشوارع." رفعت زمرد حاجبيها بتسلية بعد أن نظرت لها وتبسمت قائلة: "أنتِ الصادقة، أنا بنت الشوارع." قالت كلماتها وأمسكت بشعر هاجر بعنف من مؤخرته حتى صدح صوت هاجر المتألم وقالت باهتياج: "سبيني، يا شوارعية."
ضحكت زمرد بينما تجذبها لتسير هاجر معها وهي تتألم، شعرها يكاد ينخلع بين يدي زمرد. دفعتها داخل سيارتها، ثم ركبت وأمرت سائقها بأن يقود. بالفعل اتبع أوامرها، بينما قالت هاجر بعنف وانفعال: "أنتِ ناوية تخطفيني؟! جلست زمرد تضع قدمًا على أخرى ونظرت لها بتكبر مجيبة إياها: "أنا ناوية أديكي درس صغنن عشان تفكري تقربي من حاجتي." ابتسمت هاجر ساخرة وقالت: "فاكراني ممكن أخاف منك؟
افتكري إن أي حاجة ممكن تعمليها فيا هتجي عليكي بعواقب." ابتسمت زمرد قبل أن تأمر السائق بإيقاف السيارة على جانب الطريق المقطوع وابتسمت بعد أن أخرجت هاجر منها وخرجت هي أيضًا لترد عليها باستفزاز: "وأنا مش بخاف من العواقب." نظرت لها هاجر بضيق ثم قالت بانفعال: "لو فاكرة إن اللي بتعمليه هخاف منك تبقي تحلمي، إنتِ آخرك العربيات تصلحيها ولا ترعي البقر، أنتِ اللي لازم تخافي." ثم استرسلت
بينما تنظر في عينيها بحقد: "لأن الكل ضدك، وهترجعي للمكان اللي جيتي منه من غير حاجة، حتى يوسف هيسيبك مش هتلاقي حد جنبك." ضحكت زمرد بأعلى صوتها على كلام الأخرى وقالت بثقة وهي تنظر في عينيها: "أنا مش بركع قدام حد يا هاجر، مش بحني رقبتي أبدًا." نظرت لها هاجر ساخرة، فعبثت زمرد في أصابعها وتفقدت خاتم يدها. ابتسمت بخفة ثم رفعت يدها وأنزلَت صفعة على وجه هاجر، جعلت وجهها يستدير إلى الناحية الأخرى. ضحكت
زمرد وقالت بتسلية وسعادة: "كنت تستاهلي." لمعت عينا هاجر بالغل، من هي لتتجرأ وترفع يدها عليها؟ اعتدلت لترد الضربة لها، إلى أن زمرد ابتسمت واقتربت منها قبل أن تفكر، ضربتها بمرفق يدها حتى وقعت ونزف فمها، ثم أكملت عليها بعد أن ضربتها ضربتين على ظهرها بحقيبة يدها. ضحكت زمرد مردفة بعدم تصديق: "ومصدقة نفسك عايزة تضربيني، أحلامك فوق الخيال." حدقت بها
هاجر بغضب وقالت بانفعال: "أنتِ وحدة مريضة، وغيورة، طول عمرك بتغيري مني عشان أنا أحسن منك، وأهلي بيحبوني، كنتِ عايزة حياتي عشان أنتِ من غير أهل." مطت زمرد شفتيها ببرود وقال باستفزاز: "إنتِ اللي مريضة والحقيقة أنتِ اللي بتغيري مني عشان مريضة بيا، حتى يوسف أخدته، وأنتِ عينك منه يا روحي." ثم استرسلت بحدة: "ابعدي عن طريقي ولا أقولك بلاش، خليكم كلكم ضدي وشوفوا بنفسكم إزاي هربحكم."
التفتت زمرد كي تركب سيارتها، إلا أنها التفتت مبتسمة ونزلت بصفعة أخرى قوية على وجه هاجر، ثم ابتسمت وغمزت لها بعد أن أشارت لها بسبابتها: "عشان قربت من يوسف." ثم التفتت مغادرة وأردفت: "باي يا روحي."
ركبت بعد ذلك سيارتها وأشارت إلى السائق أن يأخذها، وهي تنتشي من السعادة فقد أخذت حقها دون انتظار. بينما هاجر ظلت تسبها وتلعنها. لقد تركتها في طريق مهجور خالٍ. زفرت بضيق واستقامت. أخذت هاتفها تتصل على زوجة خالها وتخبرها بأفعال زمرد تلك وأنه يجب أن تنتقم منها. *** ذهبت صابرة إلى المستشفى بعد أن بدأت تشعر ببعض الألم في رحمها. بعد كشف الطبيبة، جلست معها في مكتبها تشرح لها وضعها. ابتسمت
الطبيبة بعلمية وقالت: "الواضح إنك عاملة عملية إجهاض من قبل." أومأت لها صابرة مبتلعة تلك الغصة، فتابعت الطبيبة: "حضرتك اللي عملت العملية عمل شرخ في الرحم وعشان كده بيوجعك." ترقرقت عينا صابرة بالدموع وقالت مستفهمة: "تقصدي إيه يا دكتورة؟ تنهدت الطبيبة قبل أن تقول: "اللي أقصدُه إنه الرحم عندك اتعفن، عشان كده لازم نستأصله قبل ما يتحول لكانسر لا قدر الله." سقطت دموع صابرة بقوة على ذلك العقاب
الذي أصابها وقالت بهمس: "يعني مستحيل أخلف تاني؟ نفت الطبيبة برأسها وقالت: "المهم دلوقتي صحتك، لازم تعملي العملية في أقرب وقت، قبل ما تحصل حاجة أكبر من كده." أومأت لها موافقة وقالت: "شكرًا ليكي، أنا هعمل العملية بس مش هنا، هعملها في لندن." وافقت الطبيبة وقالت: "اللي تحبيه، المهم ما تتأخريش." أومأت لها وغادرت. وما إن خرجت من المستشفى حتى اتصلت على فارس. رد على الهاتف بينما ينهمك وسط أوراقه.
جاءه صوتها المنكسر: "أنا اليوم بالضبط خسرت، مش هخلف تاني، ربنا ينتقم منك زي ما انتقم مني." لم يستوعب كلماتها تلك وقال مستفهمًا: "مالك يا صابرة؟ بالراحة عشان أفهم." صرخت به باكية: "مش هخلف تاني بسببك، الدكتورة اللي أجهضت عندها، دمرت الرحم بتاعي، ودلوقتي لازم أشيله وساعتها هتحرم من الخلفة مدى الحياة." صدم من كلماتها، هو لم يتوقع أن الأمور ممكن أن تصل إلى هذه الدرجة. أجابها بهدوء: "أنتِ فين؟ أنا هاجي حالا."
صرخت به من قوة حزنها: "مش عايزة أشوفك، مش عايزة أشوف وشك، على قد ما حبيتك كرهتك." أحس بمدى فداحة الأمر وفعلته الشنيعة. حاول تهدئتها مردفًا: "صابرة، كل حاجة ليها حل، اهدي بس." "ربنا يأخذك"، قالتها بكره نبع من جوف فؤادها، ثم أقفلت الهاتف بوجهه. زفر بضيق ومسح على وجهه، ثم حمل مفاتيحه وغادر. ***
سليم، تلك الشخصية التي شغلت تفكير سناء وأرهقتها كثيرًا. هو يغدقها اهتمامًا وحبًا. لا تعلم كيف بدأت تتعلق به مع مرور فترة قصيرة. هل يمكن أن الاحتواء والاهتمام الذي فقدته أشعله سليم بمجرد تفاصيل بسيطة؟ استفاقت على ملمس ابنها على وجنتها اليمنى وقال بضيق: "ماما، أنا ليه مش عندي بابا؟ هذا السؤال فاجأها. أول مرة منذ أن ولدت ابنها. لم تسمع هذا السؤال. طفلها يكبر، هل نسيت؟ وهل نسيت أنه سوف يسأل يومًا عن والده؟
نفت برأسها. فكرر ابنها نفس السؤال. ابتسمت وهي تجلسه على قدمها وقالت بتفكير: "لما تكبر شوية هحكيلك كل القصة وليه مش عندك بابا." زفر الصغير مستفهمًا: "يعني أنا عندي بابا؟ أومأت له وقالت: "باباك عايش وموجود، بس أنا وهو مستحيل نجتمع." بالتأكيد هو طفل لا يستوعب شيئًا. هز كتفيه وقال: "عايز أشوفه؟ نفت برأسها وقالت: "لا." زفر الصغير باستياء وقال بانفعال: "كل الأولاد معاهم بابا، ليه أنا لأ؟ لم تعلم بما سوف تجيبه،
فحاولت إغلاق الموضوع: "نتكلم بعدين يا يوسف." نفى برأسه ودخل في نوبة صراخ وبكاء بعد أن علم أنها لن تقول الحقيقة. دخل يوسف صدفة فوجد الصغير يبكي. حمله بين يديه وحاول إسكاته مردفًا: "مالك يا قلب عمك." مسح الصغير عينيه وقال: "مش عايزة تقولي مين بابا." قبل يوسف رأس الصغير وقال بهدوء: "إيه رأيك آخدك عنده تشوفه؟ اتسعت حدقتا الصغير بفرح وصفق بيديه ثم عانقه: "أنا بحبك يا يوسف." ابتسم يوسف وقال بحنان: "وأنا بحبك يا قلب عمك."
ثم أنزله بلطف وقال: "روح عند زمرد لحد ما أجي." عبس الصغير مردفًا: "زوزو مش موجودة." أومأ له يوسف ثم استرسل: "اطلع عند بابا." أومأ الصغير وركض إلى الأعلى، بينما نظر يوسف إلى سناء التي تحدقه بشر مطلق وعيناها غاضبة. ابتسم من ثم جلس مقابلها وقال بهدوء ورزانة: "أكيد مش هعيش طول عمري من غير أب." ردت عليه بانفعال: "أنت مالكش دخل يا يوسف، دي حياتي أنا وابني، أنا مش عايزاه يعرف جلال." تقبل يوسف
انفعالها برحابة صدر وأردف: "معاك حق، هو لا يستاهلك ولا يستاهل ابنك، وأنتِ على حق أنا مليش دخل." زفرت بضيق وقالت بعد أن شعرت بمدى فداحة ما فعلته. يوسف لم يقدم لها سوى الخير، وقالت بأسف: "آسفة عشان عليت عليك صوتي، بس أنت عارف أنا شفت قد إيه، هو عايز ياخد ابني بالساهل بعد ما عمل عملته وهرب وسابني للنار." ثم استرسلت بضيق: "عشان صاحبك هتقف في صفه." أومأ له متفهمًا
وقال: "عندك حق في أي كلمة ممكن تقوليها، وأنا معاكي." ثم استرسل متابعًا بجدية: "مين قالك إنه عشان صاحبي هقف معاه، أنا مع الحق دائمًا." أومأت له، فدخلت زمرد أثر حديثهم وجلست بجانب سناء مردفة بضيق: "إياكي تسامحي." مسح على وجهه بانفعال من زوجته التي لا تتدخل أبدًا بالعقلانية. منطقها الانتقام لا غير. حدجها بنظرات نارية ثم نظر إلى سناء وقال: "أنا عايزك تاخدي حقك منه بنفس الوقت عايزك تردي اعتبارك." نظرت له مستفهمة،
فقالت زمرد بتدخل: "اسجنيه." وللمرة الثانية، هذه الفضولية تتدخل. نظر لها بضيق وقال بانفعال: "والله يا غزال لو نطقتي تاني أكون صقّف على وشك عشان تتلمي في يومك، أنا بكلمها هي ولا بكلمك." رفعت كتفيها وقالت بضيق: "أنا وهي واحد." نظر لها ساخرًا وقال: "أبقى ظالم لو قلت إن الحية شبه سناء." اتسعت حدقتاها بغيظ من ثم استقامت مغادرة. زفر بضيق قبل أن ينظر إلى سناء التي كانت شاردة وقال: "وافقي يتجوزك."
حدقت به بعدم تصديق وقالت: "أتزوجه؟! أومأ لها بهدوء مسترسلًا: "سيبيه يسجل الولد في اسمه، ابنك لازم ياخد حقوقه بعدها." نظرت له ساخرة: "أبقى استفدت إيه؟ ابتسم يوسف وقد شعر بنبرتها الساخرة وقال: "أولًا هيضطر يعلن جوازك منه، وأنا هتكفل إنه حتى اللي في البلد يعرفوا." أجابته بتساؤل: "أنت ناوي على إيه؟ ابتسم لها بهدوء وقال: "يعترف بجريمته إنه ضحك على قاصر." نظرت له شاردة، فقال: "خدي وقتك وأنا هانتظر جوابك."
أومأت له تفكر مليًا في كلامه. وجد صابرة تنزل الدرج مرهقة، فقال: "صابرة تعالي، عايزك." أومأت له واقتربت منه وجلست بجانبه. نظر لها وقال: "أنتِ كويسة؟ أومأت له، فاسترسل: "بنتي كبرت وجاي لها عريس." اتسعت عينا صابرة وحدقت في أخيها وقالت مرتبكة: "عريس مين؟! ابتسم لها قائلاً: "ابن صديق بابا." نظرت له مستفهمة وقالت: "بس أنا معرفوش؟ هز كتفيه وقال: "أكيد دلوقتي لا، بس لما تتقابلوا هتعرفوا بعض."
لم تكن في حالة جيدة للجدال، فالتزمت الصمت حتى قاطعهم صوت خلود المرح، تزامناً مع نزول زمرد: "أنا جيت يا سوفا."
التف يوسف إلى مصدر الصوت وحدق بالطفلة السعيدة، ثم حول عينيه إلى زوجته التي كانت تنظر إلى الصغيرة بنظرات لو كانت تقتل لأوقعتها ميتة. أخت مقابل الأخرى، بنت مياسين وبنت صابرة، نفس العمر الذي عاشته زمرد في الشارع. الآن تقف نسختها أمامها. تلك الفتاة هي من قتلت والدتها، لو لم يبلغ المخاض أمها ذلك اليوم لكانت صابرة حية ترزق. هذا كل ما يجول في عقل زمرد. أمامها يجب أن تموت مثل والدتها.
عايزة رأيكم في الرواية، مهما كان بسيطًا يهمني أوي، وإيه أكتر حاجة عاجباكم وإيه أكتر حاجة مش عاجباكم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!